الأردن كدولة صمود: هندسة الاستقرار وحدود التكيّف في بيئة إقليمية مضطربة

تُظهر تجارب العقد الماضي، منذ اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011، مرورًا بالحرب السورية، وصعود التنظيمات الجهادية، والأزمات الاقتصادية العالمية، وجائحة كوفيد-19، والحرب على غزة، ثم الحرب على إيران، أن الأردن لم يكن على هامش الصدمات الإقليمية، وإنما في قلب ارتداداتها الأمنية والسياسية والاقتصادية. ومع ذلك، حافظت الدولة الأردنية على درجة لافتة من التماسك المؤسسي والاجتماعي، وتجنبت المسارات التي قادت دولًا أخرى في المنطقة إلى الانهيار أو التفكك أو فقدان السيطرة على المجال العام.

توصيف الأردن كدولة مستقرة يظل قاصرًا عن تفسير هذه التجربة. فالاستقرار يوحي بحالة توازن شبه ثابتة، بينما تعمل الدولة الأردنية داخل بيئة إقليمية تنتج الأزمات بصورة متكررة، وتعيد نقلها إلى الداخل عبر الحدود، واللاجئين، والطاقة، والأسواق، والقضية الفلسطينية، والتحولات في سوريا والعراق. لذلك، يبدو الأردن أقرب إلى نموذج “دولة الصمود” (Resilience State)1، أي الدولة التي تبني استمرارها عبر القدرة على امتصاص الصدمات، وتوزيع كلفتها داخليًا، ومنع تحولها إلى أزمة وجودية.

خصوصية الحالة الأردنية لا تكمن في غياب الهشاشة، وإنما في طريقة إدارتها. فالدولة نجحت في تطوير أدوات سياسية واقتصادية وأمنية مكّنتها من الصمود داخل إقليم متحرك، لكنها تواجه في الوقت نفسه مفارقة عميقة: فالصمود حين يتحول إلى نمط دائم لإدارة الأزمات قد يصبح بديلًا عن التحول البنيوي، وقد يؤجل معالجة جذور التوتر بدل تفكيكها. هنا تظهر المسألة المركزية في التجربة الأردنية: هل يمثل نموذج دولة الصمود استراتيجية مستدامة لإدارة المخاطر، أم أنه يراكم مع الوقت شكلًا من الإرهاق الاستراتيجي؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الأردن بنى نموذجًا مركبًا للصمود يقوم على ثلاثة عناصر متداخلة: تحديث سياسي مضبوط، واقتصاد تكيفي، وأمن مركب قادر على إدارة المخاطر الخارجية والداخلية. غير أن استدامة هذا النموذج تبقى مرتبطة بقدرته على تحويل الصمود من حالة دفاعية إلى مسار تحول أعمق، يعيد بناء الثقة، ويوسع المشاركة، ويخفف كلفة الإصلاح على المجتمع. وبدون تحقيق اختراق نوعي قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”الإرهاق الاستراتيجي”، فالتحدي الحقيقي أمام الأردن لم يعد في القدرة على الصمود، بل في القدرة على منع الصمود نفسه من التحول إلى حالة استنزاف طويلة.

البيئة الإقليمية كشرط بنيوي للصمود

لا يمكن تحليل الحالة الأردنية بمعزل عن محيطها الإقليمي، ليس لأن هذا المحيط يؤثر فيها ويشكل أحد محدداتها البنيوية الأساسية ويؤطر سياسات الدولة. فالأردن يواجه تهديدات داخلية وخارجية ويعمل ضمن بيئة تنتج التهديد بشكل مستمر، وتعيد تشكيله بطرق معقدة. خاصة أن التحولات المتسارعة في علاقات القوى الكبرى والإقليمية فرضت على الأردن حالة دائمة من عدم اليقين الاستراتيجي، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على أنماط ثابتة من التحالفات أو التوازنات.

في هذا السياق، تبنت الدولة الأردنية نمطًا من إدارة السياسة الخارجية يقوم على المرونة العالية وتجنب الاصطفافات الحادة، مع الحفاظ على قنوات اتصال متعددة تسمح لها بالمناورة داخل بيئة إقليمية شديدة التقلب.

وضعت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران الأردن أمام أكثر اختبار إقليمي تعقيدًا منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011. فالمملكة وجدت نفسها للمرة الأولى في قلب مواجهة مباشرة تمس بيئتها الاستراتيجية من جميع الاتجاهات: اضطراب محتمل في أسواق الطاقة، تهديد للممرات الجوية والتجارية، تصاعد المخاطر الأمنية على الحدود، واحتمال انتقال الصراع إلى ساحات عربية مجاورة. وقد أظهرت طريقة تعامل الدولة الأردنية مع هذه التطورات أن الصمود لم يعد مجرد قدرة على امتصاص الأزمات، بل أصبح إطارًا عمليًا لإدارة بيئة إقليمية تتسم بدرجة غير مسبوقة من عدم اليقين.

لم تأتِ هذه التحديات من فراغ، بل تراكمت عبر مسار طويل من الاضطرابات الإقليمية التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالأردن، وكانت الحرب السورية النقطة الأكثر تأثيرًا في هذا التحول.

فمنذ عام 2011، تحولت الحدود الشمالية للأردن إلى أحد أكثر خطوط التماس تعقيدًا في المنطقة. لم تقتصر التحديات على تدفق اللاجئين – حيث استضاف الأردن أكثر من 1.3 مليون سوري – بل امتدت إلى تصاعد شبكات تهريب المخدرات، وتسلل جماعات مسلحة، وتراجع فكرة الحدود الآمنة كما كانت قبل عام 2011.

كما أشارت تحليلات عديدة أن الجنوب السوري أصبح بيئة شبه خارجة عن السيطرة، ما فرض على الأردن الانتقال من استراتيجية دفاع حدودي تقليدي إلى استراتيجية أمن استباقي عبر الحدود ليصبح جزءًا من معادلة أمنية يومية تعكس إدراكًا بأن التهديد مرتبط بالجغرافيا وبالشبكات العابرة للحدود.

في الاتجاه الشرقي، ورغم تحسن الوضع الأمني النسبي في العراق، فإن استمرار الهشاشة المؤسسية وتعدد مراكز القوة غير الرسمية يخلق بيئة يصعب التنبؤ بها، خاصة في ظل: شبكات التجارة غير الرسمية وتهديدات أمن الطاقة. تضاعفت حساسية هذا الملف مع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، إذ عاد العراق ليظهر كساحة محتملة لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران. هذا الاحتمال ال يُقرأ في عمّان كمسألة عراقية داخلية فقط، بل كعامل قد يؤثر على أمن الحدود، والطاقة، وحركة التجارة، وحتى على مستوى الاستقرار الإقليمي العام.

هذه البيئة تفرض على الأردن حالة تعرض دائم للارتدادات الأمنية (spillover effects)، تتخذ أشكالًا متعددة. فالتداخل الاقتصادي غير الرسمي يعيد تشكيل أنماط التبادل الحدودي خارج الأطر التنظيمية، ما يخلق تحديات رقابية وأمنية متزايدة. كما أن هشاشة البيئة الأمنية في بعض المناطق العراقية تجعل الحدود الشرقية فضاءً مفتوحًا لاحتمالات التسلل، أو إعادة تشكل شبكات عابرة للحدود، سواء كانت ذات طابع اقتصادي أو أمني.

إضافة إلى ذلك، فإن عدم استقرار سياسات الطاقة في العراق، وارتباطها أحيانًا باعتبارات سياسية داخلية أو إقليمية، ينعكس بشكل غير مباشر على الأردن، الذي يسعى إلى تنويع مصادره وتعزيز أمنه الطاقي. وبالتالي، فإن أي اضطراب في هذا المجال يُقرأ كقضية اقتصادية وكعامل يؤثر على الاستقرار العام.

الأهم من ذلك، أن هذه التهديدات تتقاطع ضمن بيئة إقليمية مركبة، ما يعقّد عملية إدارتها. فالأردن يتعامل مع منظومة من المخاطر المتداخلة – وليس مصدر تهديد واحد يمكن احتواؤه – التي تتطلب استجابة مرنة ومتعددة الأدوات. ومن هنا، يصبح الأمن في هذا السياق أوسع من مسألة ضبط حدود كعملية مستمرة لإدارة التفاعلات العابرة للحدود، بما يحد من انتقال الأزمات إلى الداخل.

أما في الاتجاه الغربي، فتُعدّ القضية الفلسطينية العامل الأكثر حساسية وتعقيدًا في معادلة الأمن الأردني، بسبب بعدها الجيوسياسي ونتيجة لتداخلها العميق مع البنية الاجتماعية والسياسية للدولة. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الديموغرافية وتاريخه السياسي، يتعامل مع القضية الفلسطينية كعنصر بنيوي يؤثر بشكل مباشر في توازناته الداخلية.

وقد أظهرت أحداث مفصلية، مثل هبّة القدس عام 2021، ثم الحرب على غزة 2023، أن أي تصعيد في الأراضي الفلسطينية يمتد فورًا إلى الداخل الأردني عبر عدة مستويات متداخلة:

أول هذه المستويات هو الضغط الشعبي، حيث تتفاعل قطاعات واسعة من المجتمع الأردني مع التطورات في فلسطين بوصفها قضية ذات بعد وطني وأخلاقي، وليس مجرد شأن خارجي.

وثانيها هو إعادة طرح أسئلة الشرعية السياسية، إذ يُعاد تقييم مواقف الدولة وسياساتها الخارجية في ضوء تطورات الصراع، ما يضعها تحت اختبار مستمر أمام الرأي العام.

أما المستوى الثالث فيتمثل في توتر العلاقة بين الدولة والمجتمع، خاصة عندما تتباين أولويات السياسة الرسمية مع المزاج الشعبي.

التطورات في فلسطين تُنتج تهديدات تقليدية لتعيد تشكيل المجال السياسي الداخلي، وتؤثر على مستويات الثقة، وتعيد تنشيط الهويات والانتماءات، ما يجعلها عاملًا دائم الحضور في معادلة الاستقرار.

وضعت هذه البيئة الإقليمية الأردن أمام واقع مختلف عمّا كان قائمًا في مراحل سابقة. فالتحدي لم يعد مرتبطًا بحماية الحدود فقط، بل بإدارة تداعيات أزمات تنتقل بسرعة إلى الداخل عبر الاقتصاد، والطاقة، والرأي العام، والقضية الفلسطينية. ومع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بدا واضحًا أن قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار لم تعد مسألة أمنية بالمعنى التقليدي وحده، وإنما مرتبطة أيضًا بطريقة إدارة المجال السياسي والاجتماعي الداخلي تحت ضغط إقليمي متواصل.

التحديث السياسي: إدارة التعددية تحت الضغط

شهد الأردن منذ 2021 مسارًا واضحًا للتحديث السياسي، تمثل في: إنشاء اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، تعديل قوانين الأحزاب والانتخاب والدفع نحو حكومات برلمانية تدريجيًا. وبعكس بعض الدول التي تتحرك تحت ضغط الانفجار، اعتمد الأردن نمطا استباقيا نسبيا، حيث جاء التحديث السياسي في سياق:

منع تكرار سيناريوهات الاضطراب الإقليمي

امتصاص الضغوط الداخلية

وهو ما جعل الأردن يتبنى نموذجًا في إدارة المجال السياسي الداخلي، وهو نموذج: يسمح بقدر من التعبير والمشاركة السياسية، لكنه يضع حدودًا واضحة تحول دون انزلاق التعددية إلى استقطاب حاد قد يهدد التماسك الوطني.

التحديث السياسي في الأردن يتحرك داخل معادلة دقيقة: توسيع المشاركة بما يكفي لامتصاص الضغوط، وضبط المجال السياسي بما يمنع تحوله إلى استقطاب حاد. من هنا جاءت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وتعديلات قوانين الأحزاب والانتخاب بوصفها محاولة لإعادة تنظيم المشاركة، وإدخال قوى اجتماعية جديدة إلى المجال العام، وتهيئة الطريق نحو حكومات برلمانية تدريجية. غير أن المسار بقي محكومًا بسؤال الثقة أكثر من سؤال النصوص القانونية؛ فالقانون يستطيع فتح الباب، لكنه لا يضمن وحده أن يدخل المواطنون إلى السياسة بإحساس حقيقي بالتمثيل والجدوى.

التحدي الحقيقي الثقة وليس المؤسسات، فرغم التعديلات القانونية تشير استطلاعات مثل Arab Barometer إلى أن الثقة بالأحزاب السياسية لا تزال منخفضة و المشاركة السياسية محدودة2.

وهذا يكشف نقطة ضعف جوهرية: الإصلاح المؤسسي لا يعني بالضرورة إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، ما لم يُرافق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس من الثقة والتمثيل الفعلي.

تكشف محدودية الثقة بالأحزاب أن المعضلة السياسية في الأردن لا ترتبط فقط بضعف التنظيمات الحزبية، وإنما بتاريخ طويل من الحذر المتبادل بين الدولة والمجتمع. فالمواطن الذي لا يرى أثرًا مباشرًا للمشاركة على السياسات العامة سيبقى مترددًا في التعامل مع التحديث السياسي كتحول فعلي. لذلك، فإن اختبار الإصلاح السياسي لا يقع في عدد الأحزاب أو المقاعد أو القوانين الجديدة، بل في قدرة المسار على إنتاج شعور عام بأن المشاركة يمكن أن تغيّر شيئًا في حياة الناس. المشكلة بالنسبة إلى الدولة ليست في وجود المشاركة السياسية بحد ذاتها، بل في كيفية توسيعها دون أن تتحول إلى استقطاب يصعب ضبطه في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.

التحديث الاقتصادي: بين ضرورات الاستقرار وحدود الاحتقان الاجتماعي

واجه الأردن خلال العقد الأخير ضغوطًا اقتصادية متراكمة فرضت على الدولة إدارة الاقتصاد بمنطق التكيّف المستمر أكثر من منطق التحول البنيوي. فقد تزامنت معدلات الدين العام المرتفعة مع بطالة مزمنة، خاصة بين الشباب، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع كلفة الخدمات العامة، وتزايد الضغوط الناتجة عن محدودية الموارد الطبيعية. كما ارتبطت هذه التحديات ببيئة إقليمية غير مستقرة، شهدت أزمات سياسية وأمنية متلاحقة انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد الأردني، سواء عبر موجات اللجوء، أو اضطراب التجارة الإقليمية، أو التقلبات التي أصابت أسواق الطاقة والنقل.

ضمن هذا السياق، لا يمكن فهم السياسات الاقتصادية الأردنية باعتبارها سياسات تنموية تقليدية فقط، لأن جزالحكومي كأداة لامتصاص الضغوط الاجتماعية، خاصة في المحافظات التي تعاني من معدلات بطالة مرتفعة.

كما لجأت الدولة في مراحل مختلفة إلى تأجيل بعض الإصلاحات الاقتصادية ذات الكلفة الاجتماعية العالية، أو تطبيقها بصورة تدريجية، تجنبًا لخلق موجات احتجاج واسعة في بيئة إقليمية مضطربة. وفي الوقت نفسه، لعبت المساعدات الخارجية دورًا مهمًا في تعزيز قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، بما سمح باستمرار الإنفاق الأساسي وتخفيف آثار الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وبهذا المعنى، أصبح الاقتصاد جزءًا من منظومة إدارة الاستقرار الداخلي، وليس مجرد ملف تقني منفصل عن الاعتبارات السياسية والاجتماعية.

وأعادت الحرب الأخيرة في الإقليم إحياء الهواجس التقليدية المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة الخارجية بالنسبة للأردن. فاضطراب الملاحة الإقليمية، وإغلاق مضيق هرمز لفترات متقطعة، والتقلبات التي أصابت أسعار النفط وأسواق الشحن، كشفت مجددًا حجم الحساسية البنيوية التي يعانيها الاقتصاد الأردني تجاه الصدمات الجيوسياسية الخارجية. ولا ترتبط هذه الحساسية فقط بملف الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات النقل والسياحة والاستثمار والتحويلات المالية والتجارة العابرة للحدود، وهي قطاعات تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار البيئة الإقليمية واستمرار حركة التدفقات الاقتصادية عبر الممرات الإقليمية.

ويزداد تأثير هذه التحولات بحكم الموقع الجيوسياسي للأردن، الذي يقع عند تقاطع مسارات تجارية وإقليمية شديدة الحساسية. لذلك، فإن أي اضطراب واسع في الإقليم ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، سواء عبر ارتفاع كلف الاستيراد، أو تراجع حركة التجارة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو انخفاض النشاط السياحي والاستثماري. ومن هنا، لم تُقرأ الحرب في عمّان باعتبارها أزمة عسكرية بعيدة جغرافيًا، وإنما باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في بيئة إقليمية متقلبة.

ورغم هذه الضغوط، أظهر الأردن قدرة نسبية على التكيف مع الأزمات المتلاحقة دون الانزلاق إلى انهيار اقتصادي أو مالي شامل. فقد حافظت الدولة على استقرار المؤسسات النقدية، واستمرت في الوفاء بالالتزامات المالية الأساسية، كما تمكنت من إدارة آثار أزمات اللجوء واضطرابات التجارة الإقليمية بدرجة من المرونة المؤسسية. إلا أن هذه القدرة على التكيف لم تكن تعبيرًا عن تحول اقتصادي عميق، بقدر ما كانت انعكاسًا لنموذج يركز على إدارة الهشاشة ومنع الانهيار.

لهذا السبب، يمكن توصيف الاقتصاد الأردني خلال العقد الأخير بأنه أقرب إلى “اقتصاد البقاء” أو “اقتصاد الصمود”، وهو نموذج لا يقوم على تحقيق نمو تحولي واسع، بل على المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي والاجتماعي والسياسي. ويقترب هذا النموذج من أدبيات إدارة الهشاشة الاقتصادية في الدول محدودة الموارد، حيث تصبح أولوية الدولة الحفاظ على استمرارية المؤسسات وتجنب التدهور الحاد، حتى لو بقيت معدلات النمو وفرص العمل دون المستوى المطلوب.

تكمن قوة هذا النموذج في قدرته على امتصاص الصدمات ومنع الانهيار السريع، خاصة ضمن إقليم شهد خلال السنوات الماضية حالات تفكك اقتصادي وأمني واسعة. إلا أن محدودية هذا النموذج تظهر في ضعف قدرته على معالجة الأسباب البنيوية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فاستمرار معدلات البطالة المرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الضغوط المعيشية، كلها عوامل تسهم تدريجيًا في إنتاج حالة من الإحباط الاجتماعي، خصوصًا لدى الفئات الشابة والطبقات الوسطى.

ويكشف ذلك عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والشرعية السياسية في الأردن. فالشرعية لا تقوم فقط على التمثيل السياسي أو استمرارية مؤسسات الدولة، بل ترتبط أيضًا بقدرة الدولة على إدارة الاستقرار الاجتماعي والمحافظة على حد أدنى من العدالة التوزيعية. وكلما شعر المواطن بأن الأعباء الاقتصادية موزعة بصورة غير متوازنة، أو أن كلفة الإصلاح يتحملها المجتمع أكثر من النخب الاقتصادية، تتراجع مستويات الثقة تدريجيًا، وتظهر فجوة بين الاستقرار المؤسسي والاستقرار المجتمعي.

في المقابل، فإن السياسات الاقتصادية التي تراعي البعد الاجتماعي وتوازن بين متطلبات الإصلاح والاستقرار الداخلي يمكن أن تعزز قدرة الدولة على الحفاظ على التماسك المجتمعي، خاصة في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. ومن هنا، تبدو المعضلة الاقتصادية الأردنية في المرحلة الحالية مرتبطة بكيفية الانتقال من نموذج إدارة الأزمات والبقاء إلى نموذج أكثر قدرة على إنتاج النمو وفرص العمل وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة الاقتصادية، دون الإخلال بالتوازنات السياسية والاجتماعية التي حافظت على استقرار الدولة خلال السنوات الماضية.

هذا الواقع يكشف عن حقيقة مركزية مفادها أن الاقتصاد في الأردن جزء من معادلة الشرعية السياسية:

فكلما شعر المواطن بأن كلفة الإصلاح موزعة بشكل غير متكافئ، تراجعت الثقة، وارتفعت احتمالات الاحتقان. وفي المقابل، فإن السياسات الاقتصادية التي تراعي البعد الاجتماعي يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار، حتى في ظل ظروف صعبة.

الأمن القومي – من الردع إلى الإدارة المركبة للمخاطر

في الحالة الأردنية، لا ينفصل الأمن عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة به، بل يتشكل من تفاعلها المستمر. فمستوى الثقة بالدولة، وقدرة الاقتصاد على احتواء الضغوط المعيشية، ودرجة التماسك الاجتماعي، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الوطني، وتحدد قدرة الدولة على إدارة الأزمات ومنع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل.

هذا ما يبرر تبني الأردن لنموذج “الأمن المركب”: الذي يجمع بين أدوات الأمن الصلب (حماية الحدود، مكافحة التهديدات المباشرة) وأدوات الأمن الناعم (إدارة المجتمع، تعزيز التماسك، الوقاية من الأزمات). وهذا يتجلى في: سياسات الاحتواء، إلى جانب توظيف أدوات سياسية واقتصادية واجتماعية للحفاظ على الاستقرار دون انزلاق للفوضى.

الأمن في الأردن لا يقوم على الردع وحده. فهو يعتمد على قدرة الأجهزة والمؤسسات على قراءة المؤشرات المبكرة للتوتر: احتجاج اجتماعي، ضغط اقتصادي، تصعيد في فلسطين، تهريب عبر الحدود، أو اضطراب في الجوار. بهذا المعنى، تصبح الثقة المجتمعية جزءًا من الأمن الوطني، ويصبح الأداء الاقتصادي جزءًا من منظومة الحماية، وتتحول السياسة العامة إلى أداة وقاية قبل أن تكون مجرد إدارة لاحقة للأزمة.

الأهم من ذلك، أن الدولة لا تسعى إلى إزالة التهديدات – وهو هدف غير واقعي في بيئة إقليمية كهذه – بل تتركز الأولوية على إدارة التهديدات ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها، ومنع تحولها إلى حالة انهيار أو فوضى واسعة. وهذه هي السمة الأساسية لما يمكن وصفه بـ “دولة الصمود” أو الدولة القادرة على التكيف مع بيئة إقليمية غير مستقرة دون فقدان قدرتها على الاستمرار المؤسسي.

أهمية الحرب بين الولايات المتحدة وايران بالنسبة إلى الأردن أنها نقلت مفهوم الأمن الوطني من إدارة التهديدات الحدودية التقليدية إلى إدارة مخاطر إقليمية متعددة المستويات. فالمملكة لم تواجه احتمال تهديد عسكري مباشر فقط، وإنما تعاملت مع منظومة مترابطة من المخاطر شملت أمن الطاقة، وحركة الملاحة والتجارة، والمجال الجوي، وسلاسل الإمداد، والضغوط الاقتصادية، واحتمالات اللجوء، إضافة إلى الارتدادات السياسية والإعلامية للصراع على الرأي العام الداخلي. وهذا ما جعل الأمن الأردني خلال الأزمة أقرب إلى إدارة منظومة مترابطة من المخاطر منه إلى التعامل مع تهديد واحد محدد.

نموذج دولة الصمود – التكامل وحدود التوازن

تتجلى قوة هذا النموذج في التفاعل بين مكوناته المختلفة، حيث:

يسهم التحديث السياسي في تقليل الاحتقان وتعزيز الشرعية،

يعمل الأداء الاقتصادي على تخفيف الضغوط الاجتماعية، ما يؤدي في النهاية إلى دعم الاستقرار الأمني،

يوفر الاستقرار الأمني البيئة اللازمة لاستمرار هذه العمليات.

وعليه يمكن توصيف الحالة الأردنية كنموذج مركب يقوم على تفاعل ثلاثي بين التحديث السياسي المضبوط، والاقتصاد التكيّفي، والأمن المركب، وهو ما يتيح للدولة القدرة على البقاء والتكيف وتجنب الانهيار، دون الحاجة إلى تحقيق استقرار مثالي يصعب تحقيقه في السياق الإقليمي القائم.

قوة النموذج الأردني أنه يربط بين السياسة والاقتصاد والأمن داخل معادلة واحدة. فالتحديث السياسي يخفف جزءًا من الاحتقان حين يمنح المجتمع قنوات تعبير أوسع، والسياسة الاقتصادية تدعم الاستقرار حين تراعي العدالة الاجتماعية، والأمن يوفر السقف الذي يسمح باستمرار هذه التفاعلات دون انهيار. غير أن العلاقة بين هذه العناصر لا تسير دائمًا بانسجام. فكل توسيع للمشاركة يرفع سقف التوقعات، وكل إصلاح اقتصادي غير متوازن يزيد الضغط الاجتماعي، وكل توتر إقليمي يعيد اختبار قدرة الدولة على ضبط المجال الداخلي.

هنا تظهر مفارقة دولة الصمود. فالنموذج قادر على حماية الدولة من الصدمات الكبرى، لكنه قد يعتاد إدارة الأزمات بدل معالجة أسبابها. ومع مرور الوقت، قد تتحول القدرة على التكيف إلى شكل من الإرهاق إذا بقيت الفجوة بين الإصلاح المعلن ونتائجه الملموسة واسعة. الصمود هنا ليس ضعفًا، لكنه ليس غاية نهائية أيضًا.

الخاتمة: الصمود كمرحلة لا كغاية

رغم ما حققه الأردن من نجاح واضح في تطوير نموذج متقدم للصمود، فإن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في قدرته على منع الانهيار فقط، وإنما في قدرته على فتح طريق للتحول. فقد استطاعت الدولة الأردنية تجاوز صدمات إقليمية كبرى، والحفاظ على استقرار نسبي، والاستمرار كفاعل إقليمي موثوق، غير أن هذه الإنجازات لا تعني أن النموذج بلغ حد الاكتمال.

الصمود المستمر يحمل مفارقة دقيقة. فهو يمنح الدولة وقتًا إضافيًا، ويخفف أثر الأزمات، ويحافظ على تماسك المؤسسات، لكنه قد يتحول إلى نمط دائم لإدارة التأجيل إذا لم يقترن بإصلاح سياسي أكثر ثقة، واقتصاد أكثر عدالة، وأمن وطني يدمج مؤشرات الاحتقان الاجتماعي ضمن حساباته المبكرة. عند هذه النقطة، يصبح الخطر في نجاح النموذج نفسه، لأنه قد يغري الدولة بإدارة الأزمات بدل تفكيك جذورها.

لقد نجح الأردن في تطوير نموذج فريد نسبيًا في المنطقة، يقوم على إدارة الأزمات بدل الانهيار أمامها، وعلى التكيف بدل الجمود. غير أن هذا النجاح لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حالة مكتملة، إنما كمسار مستمر يواجه تحديات متجددة.

إلا هذا النموذج ليس بلا حدود، إن استمراريته مشروطة بقدرته على التكيف مع تحديات داخلية لا تقل خطورة عن التهديدات الخارجية.

فالصمود المستمر قد يتحول إلى بديل عن التحول البنيوي، أي أن الدولة قد تنجح في إدارة الأزمات، لكنها تؤجل معالجة جذورها. وبدون تحقيق اختراق نوعي قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”الإرهاق الاستراتيجي”: حيث تتآكل الموارد وتتراجع القدرة على التكيف مع مرور الوقت.

كما أن ارتفاع مستويات الوعي السياسي والاقتصادي قد يوسع الفجوة بين ما تقدمه الدولة وما يتوقعه المجتمع، ما يخلق ضغوطًا إضافية على منظومة الاستقرار. إلى جانب ذلك، فإن أي تحولات إقليمية غير متوقعة قد تضع هذا النموذج أمام اختبارات صعبة.

لذلك، تبدو استدامة الصمود الأردني مشروطة بثلاثة تحولات مترابطة. الأول، تحويل التحديث السياسي من هندسة مؤسسية إلى مشاركة فعلية يشعر المواطن بجدواها. الثاني، إعادة صياغة التحديث الاقتصادي حول العدالة الاجتماعية وتوزيع كلفة الإصلاح بطريقة أكثر توازنًا. الثالث، تطوير مفهوم الأمن الوطني ليشمل الثقة العامة، والاحتقان الاجتماعي، وتوقعات الشباب، بوصفها عناصر إنذار مبكر لا تقل أهمية عن التهديدات الحدودية.

قوة الأردن تكمن في أنه تعلم كيف يصمد داخل إقليم مضطرب. والتحدي المقبل أن يتحول هذا الصمود من قدرة دفاعية إلى مشروع تحول بنيوي. فالدولة التي تنجح في إدارة الأزمات تشتري الوقت، أما الدولة التي تستخدم هذا الوقت لإعادة بناء الثقة والاقتصاد والمشاركة، فهي وحدها القادرة على تحويل الصمود إلى قوة مستدامة.

تكمن أهمية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران بالنسبة إلى الأردن في أنها قدمت اختبارًا عمليًا لنموذج الصمود الذي طورته الدولة خلال العقد الماضي. فقد أظهرت الأزمة قدرة المؤسسات الأردنية على احتواء الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية الناتجة عن صراع إقليمي واسع، لكنها أظهرت في الوقت نفسه حدود هذا النموذج. فكلما ازداد اعتماد الدولة على إدارة الأزمات المتعاقبة، ازدادت الحاجة إلى تحويل الصمود من آلية دفاعية إلى مشروع تحول اقتصادي وسياسي أكثر عمقًا واستدامة. ولذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الحرب على الأردن لا يتعلق بقدرته على تجاوز الأزمة الحالية فقط، بل بقدرته على الاستعداد لأزمات إقليمية قد تصبح أكثر تكرارًا وتعقيدًا في السنوات المقبلة. والتحدي الحقيقي أمام الأردن لم يعد في القدرة على الصمود، بل في القدرة على منع الصمود نفسه من التحول إلى حالة استنزاف طويلة.

ءًا أساسيًا منها ارتبط بوظيفة سياسية وأمنية تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتقليل احتمالات التوتر الداخلي. لذلك، تعاملت الدولة مع الاقتصاد بوصفه أداة لإدارة التوازنات الاجتماعية بقدر ما هو مجال للإصلاح المالي والإداري. وقد ظهر ذلك في استمرار سياسات الدعم لبعض القطاعات الحيوية، والمحافظة على شبكات الحماية الاجتماعية، والتوسع النسبي في برامج الدعم النقدي، إلى جانب الاعتماد على التوظيف.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى