الأردن والضفة والسياسات الإسرائيلية الخطِرة

يناقش العدد الجديد من المجلة الأردنية للسياسة والمجتمع JPS السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والأهداف الاستراتيجية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من خلالها. ويمكن تلخيص هذه الأهداف بدقة في مصطلح واحد واضح ومحدد: الترحيل، سواء كان طوعيًا أم قسريًا. فهذا النهج يشكّل الحل الوحيد الذي يؤمن به القادة الإسرائيليون فعليًا فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية. ولا يرون أي بديل آخر، بصرف النظر عمّن يشغل سدة الحكم، سواء كان بنيامين نتنياهو، أو يائير لابيد، أو نفتالي بينيت، أو أي شخصية أخرى. والواقع أنه لم يعد في إسرائيل اليوم من يؤمن حقًا بإمكانية التوصل إلى تسوية سلمية أو بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

إن الوضع في الضفة الغربية كارثي، وهو يزداد تدهورًا مع مرور الوقت. ويتجلى ذلك بوضوح في سلوك المستوطنين، الذي بات يشبه بشكل متزايد ممارسات العصابات الصهيونية في المراحل الأولى من الصراع العربي–الإسرائيلي، حين كان الفلسطينيون يتعرضون للهجوم والمضايقة والاعتداء بهدف خلق مناخ من الذعر والخوف على المستوى الأمني الدقيق (الميكروي). كما يظهر هذا التدهور في سياسات الاستيطان التي أفضت عمليًا إلى نشوء ضفة غربية ثانية، مجاورة وموازية للضفة الغربية الفلسطينية، داخل حدود أراضي عام 1967 نفسها.

إلى جانب ذلك، شهدت المشاريع الاستعمارية واسعة النطاق – الممولة والمدعومة مباشرة من الحكومة الإسرائيلية – تصعيدًا ملحوظًا، بالتوازي مع عمليات ممنهجة لمصادرة الأراضي والاستيلاء عليها، ومحاولات تستهدف تفكيك مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما تحمله هذه المخيمات من دلالات رمزية ومادية عميقة تتصل بالأرض والذاكرة والهوية.

وخلاصة القول إن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تتجه، في جوهرها، نحو القضاء التدريجي على الوجود الفلسطيني بكل أشكاله. فلا يوجد مشروع إسرائيلي بديل. والحل الوحيد الذي بات الإسرائيليون اليوم يرونه قادرًا على تحقيق هذا الهدف هو الترحيل إلى الأردن، مقرونًا بممارسة ضغوط مستمرة على الدولة الأردنية لقبول الفلسطينيين المُهجَّرين من الضفة الغربية واستيعابهم. وتُمارَس هذه الضغوط عبر مسارين متوازيين: الإغراء، من خلال الوعود والإشارات إلى مليارات الدولارات من المساعدات المالية السخية لمعالجة الأزمة الاقتصادية في الأردن؛ والإكراه، عبر محاولات تصنيع أزمات سياسية واقتصادية للمملكة.

ومما يدعو للأسف أن ثمة داخل الأردن تيارًا فكريًا يتبنى هذا الطرح تحت شعار «الاقتصاد مقابل التوطين»، مستندًا إلى مزاعم الواقعية السياسية والاقتصادية. إن هذه الحقيقة تفرض قدرًا عاليًا من الحذر واليقظة إزاء التطورات المرجّح أن تشهدها المرحلة المقبلة.

إن خطورة الوضع القائم في الضفة الغربية تنعكس بشكل مباشر وعميق على الأردن. والرهان على ظهور حكومة إسرائيلية جديدة ذات سياسات مختلفة جذريًا هو رهان خاسر، لأنه لا يستند إلى قراءة جادة أو دقيقة للتحولات البنيوية العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الماضية. ولأكن واضحًا في هذا السياق: آخر رئيس وزراء إسرائيلي – وربما الوحيد الذي آمن حقًا بالسلام العربي–الإسرائيلي – كان إسحق رابين، وقد دفع ثمن ذلك الإيمان حياته.

لا يزال ذلك اليوم ماثلًا في ذاكرتي بوضوح، حين اصطحبني الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، أثناء تولّيّ منصب وزير الخارجية في حكومة الأمير زيد بن شاكر، للقاء إسحق رابين في مطعم صغير قرب بحيرة طبريا. في تلك المناسبة، قال رابين إنه كان يؤمن طويلًا بأن أمن إسرائيل لا يتحقق إلا بالقوة والقدرة العسكرية، لكنه بات يؤمن يقينًا بأن السلام هو الطريق الذي يضمن أمن إسرائيل على المدى الحقيقي. وأبدى استعداده لإعادة كل شبر من الأراضي السورية المحتلة، والتوصل إلى سلام مع الرئيس السوري حافظ الأسد.

وعندها طلب الملك الحسين، رحمه الله، مني نقل هذه الرسالة إلى الرئيس الأسد، الذي سألني بدوره عمّا إذا كنت أثق برابين وبنواياه تجاه سورية، فأجبته بالإيجاب. عندئذ قال الأسد إنه يوافق، شريطة أن تتم العملية برعاية ووساطة مباشرتين من الرئيس الأميركي آنذاك، بيل كلينتون. وقد تحقق ذلك بالفعل، وبلغت المفاوضات ما عُرف لاحقًا باسم «وديعة رابين».

لكن خاتمة القصة معروفة: فقد اغتيل رابين، وتلت ذلك فترة قصيرة من حكم شمعون بيريز، الذي افتقر إلى جدية رابين وصدقه في التعاطي مع السلام. وبعد ذلك دخلت إسرائيل مرحلة بنيامين نتنياهو وسياساته منذ وقت مبكر، وهي سياسات يمكن القول إنها تجسّد التيار الغالب في إسرائيل اليوم، أي السياسة السائدة في مركز المشهد السياسي الإسرائيلي.

وعليه، فإن رهاننا الوطني يجب أن يستند بثبات إلى تعزيز الدولة من الداخل، وترسيخ متانة العلاقة بين الحكومات والمجتمع، بوصف ذلك صمام الأمان الحقيقي للأمن الوطني الأردني في مواجهة السياسات الإسرائيلية وأي تهديدات خارجية. وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على خطورة معضلة البطالة، التي تمثل بالفعل المصدر الأساسي لتهديد التماسك الوطني والاستقرار الاجتماعي. ومن ثمّ ينبغي التعامل مع البطالة بوصفها أولوية قصوى لأي حكومة أردنية، عبر بذل جهود مستدامة لخلق فرص عمل للشباب، وتوسيع المساحات والآفاق الاقتصادية المتاحة أمامهم، سواء داخل البلاد أو خارجها.

إن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على الصعيد الإقليمي. فقد علمتنا الحروب الإسرائيلية الأخيرة في المنطقة درسًا بالغ الأهمية، مفاده أن التماسك الداخلي، إلى جانب الصلابة النفسية والمعنوية، يشكّل عنصرًا حاسمًا في تحصين الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود في وجه الضغوط. ومن هنا، بات الاعتماد على الذات — لا الاتكال على أطراف دولية أو إقليمية خارجية — ضرورة لا غنى عنها. ومن الواضح أن السياسات الإسرائيلية الراهنة لا تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، بل على العكس، يُرجَّح أن تُفضي إلى مزيد من الفوضى، وتُرسّخ نمطًا من الهيمنة العسكرية والأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إضعاف البيئة العربية المحيطة، ولا سيما في حالتي لبنان وسورية.

وعند تقييم المشهد الإقليمي، لا يجوز أن نغفل حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمنطقة خلال ربع القرن الماضي. فإعادة إعمار غزة وسورية وجنوب لبنان ستتطلب مئات المليارات، بل مئات المليارات من الدولارات. والسؤال الجوهري هنا: من يمتلك القدرة على تمويل مثل هذا المشروع؟ لا أحد. إذ إننا أمام عبء مالي واقتصادي ضخم وغير قابل للتحمّل، لا تستطيع أي دولة بمفردها النهوض به.

وحتى الطروحات التي تدعو إلى إطلاق «خطة مارشال» جديدة للمنطقة، لا يمكن لها أن ترى النور من دون توافر رؤى سياسية موازية للأطر الاقتصادية، ومن دون قدر من التكامل الإقليمي. فمثل هذا السيناريو يفترض انتهاء حقبة الحروب والصراعات الإقليمية، وبداية مرحلة تاريخية جديدة، وهي شروط لا تزال، على الأقل في الأمد المنظور، غائبة بوضوح.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى