معضلات الشباب الفلسطيني: السياسة والاقتصاد والهوية وصدمة ما بعد السابع من أكتوبر

تنطلق هذه الدراسة من سؤال مركزي: كيف تتشكّل حياة الشباب الفلسطيني اليوم في ظل ثلاث معضلات بنيوية كبرى—السياسة، والاقتصاد، والهوية—وكيف عمّقت «هزّة ما بعد السابع من أكتوبر» هذه المعضلات، محوّلة إياها إلى أزمة وجودية تهدد مستقبل جيل كامل؟

يسعى المقال إلى تحليل الشروط البنيوية التي يواجهها الشباب الفلسطيني بوصفهم الكتلة الديمغرافية الأكبر في المجتمع، وإلى تسليط الضوء على الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تصوغ خياراتهم اليومية. كما يفحص الكيفية التي تتحول بها هذه الضغوط إلى معضلات مصيرية تتجاوز القرار الفردي، لتعبّر عن أزمة وطنية أعمق. ويهدف المقال كذلك إلى فهم التحولات الجذرية التي فرضها السياق ما بعد السابع من أكتوبر، حيث لم تعد قضايا المشاركة السياسية، والفرص الاقتصادية، وبناء الهوية مسائل اعتيادية، بل غدت قضايا بقاء واستمرارية في ظل تدمير الأسس الديمغرافية والتعليمية والنفسية لجيل بأكمله.

مقدمة

يُعرَّف الشباب في فلسطين عادة بالفئة العمرية الممتدة بين 18 و29 عامًا، وهي مرحلة انتقالية تتسم بالالتحاق بالتعليم العالي، والدخول إلى سوق العمل، وتأسيس الأسرة. ويشكّل الشباب كتلة ديمغرافية وازنة تجعل من فلسطين مجتمعًا شابًا بامتياز. فبحلول منتصف عام 2025، بلغ عدد الشابات والشبان نحو 1.2 مليون، أي ما يعادل قرابة 21–22% من إجمالي السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

الشكل (1): التركيب العمري للسكان الفلسطينيين، 2025

نشأ الشباب الفلسطيني في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، في زمن وعد بقيام دولة، لكنه أفرز سلطة محدودة الصلاحيات ما زالت خاضعة لهيمنة استعمارية واضحة وثقيلة. وقد أسهم هذا التناقض بين الوعد والواقع في تشكيل وعيهم وهويتهم، حيث امتزج الأمل الوطني بتجارب يومية من القيد والسيطرة. كما ورثوا نظامًا سياسيًا اتسم بالفساد، حيث حلّت الزبائنية والرشوة وضعف سيادة القانون محل العدالة والحقوق والثقة العامة. وقد علّمتهم هذه التجربة أن المؤسسات غالبًا ما تخدم الشبكات لا المواطنين، وأن الفرص تُمنح على أساس العلاقات لا الكفاءة.

في الوقت نفسه، أدى تراجع الأحزاب السياسية إلى تفكيك الأطر التي كانت تؤدي سابقًا دورًا مركزيًا في التثقيف السياسي والتعبئة والتوحيد الوطني للأجيال السابقة، لا سيما خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وبدايات التسعينيات. وفي ظل غياب أحزاب قوية أو أطر جماعية جامعة، يجد الشباب الفلسطيني أنفسهم مضطرين إلى بناء هويتهم السياسية والوطنية داخل فراغ مؤسسي، في محاولة لفهم مستقبلهم وسط التفكك، وعدم اليقين، واستمرار النضال من أجل الحرية.

في هذا السياق، يصبح من الأجدر فهم تجربة الشباب الفلسطيني من خلال خمس معضلات أساسية تشكّل بنيتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية اليومية.

أولًا: المعضلة السياسية

تنشأ هذه المعضلة من فجوة عميقة بين الشباب والقيادة السياسية القائمة. فقد أظهر استطلاع رأي أُجري عام 2022 أن 57% من الشباب يشعرون بعدم وجود من يمثلهم سياسيًا، فيما عبّر 74% عن عدم ثقتهم بالأحزاب السياسية الفلسطينية.

ومع ذلك، يجد الشباب أنفسهم أمام خيار صعب: إما الانخراط في السياسة الرسمية—من خلال الأطر الطلابية، أو الأجنحة الشبابية للأحزاب، أو المبادرات المدنية—رغم إدراكهم لجمود النظام السياسي وعدم تمثيليته؛ أو الانسحاب الكامل من المجال السياسي، وهو خيار يحمل خطر تعميق التفكك السياسي وتمكين النخب التقليدية من ترسيخ هيمنتها.

وتعكس هذه المعضلة نقاشات أوسع في المنطقة، بما في ذلك في الأردن، حول تجديد الأجيال ومستويات الثقة بالمؤسسات، لكنها في الحالة الفلسطينية تتخذ بعدًا أكثر حدة بفعل الاحتلال وغياب السيادة.

ثانيًا: المعضلة الاقتصادية

تقلّص الأفق الاقتصادي أمام الشباب الفلسطيني إلى مستويات غير مسبوقة. فقد أنتجت البطالة البنيوية، والتخلف التنموي المزمن، والقيود المنهجية التي يفرضها الاحتلال، بيئة اقتصادية تتسم بعدم الاستقرار وانعدام القدرة على التنبؤ. وفي ظل هذه الظروف، يواجه الشباب معضلة حادة: البقاء في فلسطين رغم تضاؤل الفرص، مع ما يحمله ذلك من تجذّر اجتماعي وثقافي ووطني؛ أو الهجرة إلى الخارج—إلى الأردن، أو الخليج، أو أوروبا—بحثًا عن العمل والاستقرار.

غير أن خيار الهجرة يأتي بكلفة باهظة، تتمثل في تسريع هجرة العقول، وتفكيك الأسر، وإضعاف المؤسسات الاجتماعية التي تقوم عليها الحياة المجتمعية، فضلًا عن تعارضه مع مشروع وطني تحرري يسعى إلى الخلاص من الاستعمار.

وتبرز المؤشرات الإحصائية خطورة هذه المعضلة. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للأعوام 2024–2025، بلغت معدلات بطالة الشباب نحو 38%، مع تسجيل نسب تتراوح بين 43–45% في الضفة الغربية، وتصل إلى نحو 80% في قطاع غزة. وبين خريجي الجامعات—لا سيما النساء—تتجاوز معدلات البطالة أحيانًا 50–70%، ما يعكس فجوة عميقة بين التحصيل التعليمي وقدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

وتشير تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى فقدان أكثر من 360 ألف فرصة عمل في السنوات الأخيرة نتيجة الإغلاقات، والحصار، والتدمير الواسع للأصول الإنتاجية. وقد أعادت هذه الضغوط البنيوية تشكيل تطلعات الشباب، إذ تُظهر استطلاعات حديثة أن أكثر من نصف الشباب الفلسطينيين باتوا يرون في الهجرة الخيار الوحيد لتحقيق التقدم المهني والشخصي. غير أن هذا النزيف البشري يعمّق الأزمة طويلة الأمد، ويقوّض القدرة على بناء تنمية وطنية مستقبلية.

ثالثًا: معضلة الهوية

تعكس معضلة الهوية تناقضًا مركزيًا في حياة الشباب الفلسطيني: فهم منجذبون إلى الفعل المقاوم والعمل الجماعي، وفي الوقت نفسه يتوقون إلى الأمان والاستقرار العاديين اللذين يتمتع بهما أقرانهم في أماكن أخرى. وبدلًا من اختيار مسار واحد، يُجبرون على العيش في واقع مزدوج، تتقاطع فيه الالتزامات السياسية مع الطموحات الشخصية، وغالبًا ما تتصادم تحت وطأة الاحتلال وانعدام الأمن المستمر.

وتُظهر الأبحاث كيف تتشكّل هذه الهوية المركّبة منذ سن مبكرة. إذ يصف شباب في غزة والقدس الشرقية «واقعًا منقسمًا»، تمنحهم فيه الهوية الفلسطينية شعورًا بالفخر والمعنى، لكنها في الوقت نفسه تعرّضهم للخوف والخسارة والإرهاق. ورغم العنف المستمر، يواصلون التخطيط لدراستهم وعلاقاتهم ومستقبلهم المهني، رافضين التخلي عن فكرة الحياة الطبيعية.

خاتمة: ما بعد السابع من أكتوبر

أغلقت الأشهر التي أعقبت السابع من أكتوبر العديد من المسارات التي كان الشباب الفلسطيني يكافح أصلًا للإبقاء عليها مفتوحة. فقد حوّل الدمار الهائل في غزة، وترسيخ الاحتلال، وأزمة القيادة العميقة، معضلات السياسة والاقتصاد والهوية إلى أسئلة تتعلق بالبقاء العاري والاستمرارية التاريخية.

وفي الوقت ذاته، بات هذا الجيل الشاهد الأول على ما تصفه منظمات حقوق إنسان دولية وخبراء أمميون وهيئات قانونية فلسطينية على نحو متزايد بأنه إبادة جماعية ومشروع محو استعماري، يتجلى في القتل الجماعي، والتهجير القسري، والاستهداف المنهجي للمنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات.

وتكشف مؤشرات عديدة حجم هذه القطيعة. ففي غزة، تضرر أو دُمّر أكثر من 90% من المدارس، وخسر مئات الآلاف من الطلبة سنوات من التعليم، وحُرم جيل كامل من حقه الأساسي في التعلم، ما دفع مراقبين إلى وصف الوضع بأنه «جيل مُباد» جسديًا ومعرفيًا. كما تشير التقييمات النفسية والاجتماعية إلى مستويات غير مسبوقة من الصدمات بين الأطفال والشباب الذين تعرضوا لنزوح متكرر، وفقدان أفراد الأسرة، وسياسات التجويع، والقصف المستمر—وهي ظروف تربطها هيئات أممية مباشرة بالمعايير القانونية للإبادة الجماعية وبالتدمير طويل الأمد لمستقبل المجتمع الثقافي والاجتماعي.

أما في الضفة الغربية والقدس، فقد أسهم تصاعد القمع، والتوسع الاستيطاني، وشلل القيادة، في تعميق فقدان الثقة بالمؤسسات القائمة، مؤكدًا نتائج استطلاعات أظهرت مستويات متدنية جدًا من الثقة بالأحزاب والأطر الرسمية حتى قبل الحرب.

مجتمعة، تشير هذه التطورات إلى أن «جيل أوسلو» يجري تحويله قسرًا إلى «جيل الإبادة»، جيل لم تعد السياسة بالنسبة له مسألة إصلاح نظام راكد، بل إعادة تخيّل شروط البقاء الجماعي، والتمثيل، والتحرر، في ظل غياب قيادة وطنية موثوقة وتحت عنف استهدافي بالغ الشدة.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى