الأجندة السياسية الإسرائيلية في الضفة الغربية: صراع الهوية ورهانات السيطرة
ينطلق هذا المقال من سؤال رئيسي يتمثل في: كيف تُصاغ الأجندة السياسية الإسرائيلية في الضفة الغربية عبر تفاعل الصراعات الحزبية الداخلية، والتحولات الأيديولوجية، وأدوات السيطرة المؤسسية، بما يؤدي إلى تكريس الضمّ الزاحف ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة؟ ويهدف المقال إلى تحليل البنية العميقة لصراع الهوية داخل إسرائيل، ورصد التحولات البنيوية التي أصابت الخريطة الحزبية، وتفسير كيفية انعكاسها على سياسات الاستيطان والضم، وعلى تحويل الضفة الغربية إلى ساحة هيمنة استراتيجية تتداخل فيها الاعتبارات الدينية والقومية مع مؤسسات الحكم. كما يهدف إلى توضيح كيف أتاحت هذه التحولات للحكومات اليمينية تطوير نموذج جديد للضم يقوم على التراكم القانوني والميداني دون إعلان رسمي، بما يجنّب إسرائيل الكلفة الدولية ويحقق مكاسب ميدانية دائمة.
المقدمة
منذ احتلالها في يونيو 1968 والضفة الغربية تعد نقطة الارتكاز الأساسية في المشروع الصهيوني، ليس فقط من ناحية التوسع الاستيطاني، بل باعتبارها ساحة الصراع الداخلي بين تيارات سياسية وإيديولوجية متباينة داخل إسرائيل. فالموقف الإسرائيلي من الضفة الغربية لم يكن يومًا محط إجماع وطني كامل، بل كان وما زال مسرحًا تتجسد فيه الخلافات بين اليمين واليسار، وبين اليمين المتشدد واليمين البراغماتي، بل وداخل المعسكر الواحد أحياناً. لذلك تشكل التفاعلات البنيوية داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية اليوم الأجندة الحاكمة لمستقبل الضفة وترسم حدود الممكن والمستحيل في أي مسار سياسي فلسطيني. في هذا المقال، نقدم تحليلا سياسيًا لهذه الأجندة عبر ثلاثة محاور رئيسيه هي:
أولا، الخريطة الداخلية للصراعات الحزبية.
ثانيا، انعكاسات هذه التحولات على سياسات الاستيطان والضم.
ثالثا، تداخل الاعتبارات الأيديولوجية مع مؤسسات الحكم في صياغة مستقبل الضفة الغربية.
وينتهي المقال إلى قراءة شاملة تظهر أن الضفة باتت وفق رؤية إسرائيلية تسعى إلى تدمير أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مكتملة السيادة. فالأجندة الإسرائيلية في الضفة الغربية تستند إلى مبدأ “الضم الزاحف” الذي يهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقبلية وذلك عبر المزج بين الأدوات الأمنية والاستيطانية والقانونية والديموغرافية. وهنا تتحول الضفة الغربية لتصبح الساحة الأبرز التي تتقاطع عندها الرؤى الإسرائيلية القانونية والسياسية، إذ تشكل بنية مركبة من التشريعات وتوزيع الصلاحيات والمقاربات الاستراتيجية التي تسعى إلى تكريس واقع جديد على الأرض دون إعلان رسمي للضم. وهذه السياسة، التي باتت تعرف في الأدبيات السياسية الإسرائيلية باسم “الضم الزاحف”، تمثل أحد أهم عناصر الأجندة اليمينية الإسرائيلية في العقدين الأخيرين. وهي تقوم على مبدأ تحقيق الضم الفعلي عبر القوانين والإجراءات الإدارية والأمنية، بدل الإقدام على خطوة قانونية فورية تعرض إسرائيل لانتقادات دولية وعزل دبلوماسي.
ينطلق الضم الزاحف من فكرة أن السيطرة الدائمة على الضفة الغربية لا تحتاج إلى اعتراف قانوني رسمي، بل إلى عملية تراكمية طويلة على شكل خطوات صغيرة، بحيث يصبح الواقع النهائي أمرًا بديهيًا لا يمكن التراجع عنه. ويتجلى ذلك في توسيع المستوطنات، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية، وفرض القانون الإسرائيلي على المستوطنين، وتنظيم الأراضي وفق معايير الإدارة المدنية، أو نقل صلاحياتها لوزارات إسرائيلية، وكل ذلك دون إعلان ضم رسمي.
في هذا السياق، تتحرك الحكومات اليمينية ضمن معادلة دقيقة: ضم فعلي بلا ثمن سياسي دولي، وضم سياسي تدريجي بلا إعلان قانوني مباشر. وقد أصبح الخطاب اليميني الإسرائيلي، وبخاصة في عهد نتنياهو، يقدم الضفة الغربية (يهودا والسامرة كما يطلق عليه الخطاب اليميني) بوصفها جزءًا من المجال السيادي الطبيعي للدولة اليهودية، مع ربط أي تسوية مستقبلية بالحفاظ على السيطرة الإسرائيلية الشاملة.
أولاً: الخريطة الداخلية للصراعات الحزبية في إسرائيل
منذ عقدين تقريبًا، يتراجع المعسكر اليساري الإسرائيلي (حزب العمل، ميرتس، أحزاب السلام) تراجعًا دراماتيكيًا. فهذه الأحزاب التي قادت إسرائيل في التسعينيات ورفعت لواء “حل الدولتين” باتت اليوم مهمشة سياسيًا، بالكاد تجتاز نسبة الحسم، ولا تملك القدرة على التأثير في السياسات العامة. وعليه، أفقد هذا التراجع الخطاب الداعم للتسوية وزنه الشعبي والمؤسسي، وأفسح المجال أمام تصاعد “يمين أمني-ديني” يرى في الضفة أرضًا توراتية لا يمكن التنازل عنها، أو على الأقل (في صيغته البراغماتية) أرضًا ذات أهمية استراتيجية غير قابلة للتفريط.
التغيّر البنيوي في المجتمع الإسرائيلي، بما يشمله من نمو كتلة المستوطنين، وتعاظم نفوذ التيارات الدينية الصهيونية، ساهم في تآكل وزن اليسار. فأحزاب مثل “البيت اليهودي” سابقًا، أو “الصهيونية الدينية” اليوم، باتت أكثر قدرة على حشد الأصوات، مستندة إلى جمهور متدين قومي يعتبر الضفة جوهر الهوية اليهودية المعاصرة.
على الرغم من أن اليمين يهيمن انتخابيًا، فإن هذا المعسكر ليس كتلة واحدة، بل ثمة صراع داخلي بين:
يمين ديني-قومي (بن غفير، سموتريتش): يؤمن بضم صريح للضفة، ويعد الفلسطينيين “سكانًا غير أصليين” أو “تهديدًا ديموغرافيًا”.
يمين قومي-علماني (نتنياهو والليكود): يفضل مقاربة تدريجية قائمة على التوسع الهادئ، من دون إعلان ضم رسمي يتسبب بأزمات دولية.
يمين أمني-مؤسساتي (كوخافي، غانتس، لابيد في بعض المواقف): يرى الضفة من منظور “إدارة أمنية” هدفها منع قيام كيان فلسطيني قادر على تهديد إسرائيل، من دون الالتزام بأفق سياسي واضح.
الانقسام الأخطر هو بين “يمين الضم الفوري” و”يمين السيطرة الدائمة”. الأول يريد تغيير الوضع القانوني مباشرة، أما الثاني فيفضل بقاء الأمور على حالها مع تعزيز الحقائق على الأرض. هنا يلعب الدين والهوية دورا متصاعدا في السياسة الإسرائيلية والحديث بطبعيه الحال عن الصهيونية الدينية. فمنذ دخول التيار الديني القومي إلى قلب مؤسسة الجيش (الكتائب القتالية، الوحدات الخاصة)، باتت الضفة بالنسبة له مشروعًا لاهوتيًا وسياسيًا في آن واحد. فلا ترى الصهيونية الدينية في الضفة أرضًا محتلة، بل “يهودا والسامرة”، أي العمق التاريخي لليهودية. وانعكس هذا التحول على ما يلي: الخطاب العام داخل الكنيست، سياسات الوزارات المرتبطة بالأمن والمالية والإدارة المدنية، وتعزيز المستوطنات الصغيرة والبؤر العشوائية عبر شبكات تمويل خاصة وشبه حكومية. ومن دون أدنى شك، فإن صعود هذا التيار جعل أي حديث عن “تفكيك المستوطنات” أو “الانسحاب الكامل” شبه مستحيل سياسيًا.
ثانيًا: أثر التحولات الحزبية على سياسات الضم والاستيطان
لا يدار الاستيطان في الضفة الغربية بوصفه ملفًا منفصلاً، بل كجزء من استراتيجية إسرائيلية شاملة بهدف إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا بما يمنع ظهور كيان فلسطيني مستقل. وتشمل هذه الاستراتيجية:
توسيع الكتل الاستيطانية الكبرى (معاليه أدوميم، غوش عتصيون، أرئيل).
إضفاء الشرعية على البؤر العشوائية وتحويلها إلى مستوطنات رسمية.
تقسيم الضفة إلى مناطق معقدة جغرافيًا تمنع التواصل الفلسطيني.
السيطرة على الموارد المائية والمناطق الزراعية.
بناء شبكة طرق التفافية تربط المستوطنات بالداخل الإسرائيلي.
التحولات الحزبية، خصوصًا صعود اليمين المتدين، دفعت هذه السياسة من حالة “إدارة” إلى حالة “تسريع ممنهج”.
فالضفة بهذا المعنى هي مشروع سياسي متعدد الأدوات. وعلى الرغم من عدم اقدام إسرائيل على ضم رسمي شامل للضفة، فإنها تطبق ما يمكن تسميته “الضم الزاحف” عبر مجموعة من الإجراءات أهمها:
قرارات الكنيست المتعلقة بتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين.
نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى وزارتي الدفاع والمالية (خصوصًا مع وجود سموتريتش).
مشاريع بنية تحتية تربط الضفة بالاقتصاد الإسرائيلي مباشرة.
منع بناء فلسطيني في المناطق المصنفة (ج).
اعتقال، طرد، أو تهجير المجتمعات البدوية لإفساح المجال أمام التوسع الاستيطاني.
إنها مقاربة تجعل من الضفة “جزءًا من إسرائيل” من دون إعلان قانوني كامل، لتفادي تبعات الضم أمام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ثالثا: تداخل الاعتبارات الأيديولوجية مع مؤسسات الحكم في صياغة مستقبل الضفة الغربية.
في المشهد السياسي الإسرائيلي، يبرز تداخل عميق بين الاعتبارات الأيديولوجية وبُنى الحكم الرسمية في تشكيل مستقبل الضفة الغربية التي لم تعد مجرد ملف سياسي أو أمني، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها رؤى لاهوتية واستيطانية وقومية مع برامج حكومية وتشريعات كنيست بهدف إحداث تغيير جذري في طبيعة الصراع وحدود الدولة.
هنا، تتموضع الأحزاب اليمينية والدينية في مركز هذا التداخل، إذ باتت تمتلك أدوات مؤسسية داخل الحكومة، وزارة الدفاع، واللجان البرلمانية، تمكنها من تحويل رؤيتها العقائدية إلى قرارات تنفيذية. فالنظرة الأيديولوجية التي ترى في الضفة “أرض الميعاد” أو “قلب الهوية اليهودية” لا تبقى مجرد قناعة، بل تتحول عبر مؤسسات الدولة إلى سياسات توسع الاستيطان، وتشرعن البؤر العشوائية، وتعيد هندسة السلطة المدنية في الضفة لصالح المستوطنين. ومن خلال نقل الصلاحيات تدريجيًا من الإدارة المدنية إلى وزارات يقودها المستوطنون، يتبلور شكل من “الضم الزاحف” الذي لا يحتاج إعلانًا رسميًا.
ينتج هذا التشابك بين الأيديولوجيا ومؤسسات الحكم معادلة خطيرة إذ يتم إضفاء شرعية قانونية على مشاريع تنبع أساسًا من خطاب ديني قومي متشدد، فيقارب مستقبل الضفة باعتباره حسمًا تاريخيًا لا تسوية سياسية. وفي المقابل، تتراجع الأصوات البراغماتية داخل الدولة، سواء في المؤسسة العسكرية أو الجهاز الأمني أو القضاء، التي كانت تحذر من أن الانغماس الأيديولوجي يؤدي إلى إضعاف إسرائيل دوليًا، وتعميق نظام السيطرة على الفلسطينيين، وإغلاق الباب أمام أي حل سياسي.
وبذلك، يصبح مستقبل الضفة الغربية مرهونًا بمدى قدرة المؤسسات على مقاومة أو تبني هذا التوجه العقائدي. فكلما تغلغلت الأيديولوجيا في أجهزة الحكم، زاد ميل السياسات نحو فرض واقع أحادي يكرس الضم بحكم الأمر الواقع، ويُدخل الصراع في مرحلة أكثر تعقيدًا، ويحول الضفة من ملف تفاوضي إلى مشروع هيمنة مستدامة.
في الختام، تكشف القراءة الشاملة للأجندة السياسية الإسرائيلية في الضفة الغربية أن جوهر الصراع لم يعد محصورًا في اعتبارات السيطرة الميدانية فقط، بل أصبح مرتبطًا بإعادة تشكيل الهوية من خلال خطاب سياسي وأيديولوجي يهدف إلى إنتاج واقع جديد على الأرض. فالضفة الغربية في المخيال الإسرائيلي اليميني ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مركزًا تتجسد فيه “يهودا والسامرة” بوصفهما قلب الهوية اليهودية، ما يجعل الاستيطان ممارسة سياسية وهوياتية في آن واحد.
وبالاستناد إلى مقولة ميشيل فوكو حول أن الخطاب لا يصف الواقع بل يصنعه، يظهر كيف يتحول الخطاب الديني القومي إلى إطار معرفي ينتج شرعية جديدة للضم الزاحف. فاللغة التي تتحدث عن “أرض ميعاد”، “حق تاريخي”، “وجود سيادي طبيعي”، لا تبقى مجرد توصيفات، بل تتجسد في سياسات توسعية وتشريعات كنيست ونقل صلاحيات ترتب آثارًا مادية مباشرة تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا.
بهذه الطريقة يعمل الخطاب الإسرائيلي المهيمن على جعل الاستيطان حقيقة لا رجعة عنها، بحيث يعاد بناء الواقع السياسي وفق منطق القوة والمعنى معًا. وهكذا يصبح الضم الفعلي نتيجة تكتسب مشروعيتها من خطاب يسبقها ويؤسس لها، فيما تتقلص مساحات الحل السياسي. والرسالة هنا تفيد أن الهوية والاستيطان والخطاب باتت عناصر متداخلة تنتج واقعًا أحاديًا يمهد لضم مستدام للضفة الغربية.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية