الموازنة الاستراتيجية: التموضع المصري المحسوب في الحرب على إيران

أدخلت عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية-الإسرائيلية، التي انطلقت في 28 فبراير 2026، الشرق الأوسط في حالة عميقة من الاضطراب، بعدما أدّت الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية ثلاثية الأبعاد إلى تفجير حالة من عدم الاستقرار الإقليمي الشامل. أولاً، من خلال استهداف إسرائيل، إلى جانب القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية الأمريكية في أنحاء المنطقة، وضعت إيران دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الأردن، في موقع بالغ الهشاشة، إذ وجدت نفسها عالقة في قلب الصراع. ثانياً، جرى تفعيل الشبكة الإقليمية الإيرانية من الحلفاء غير الدولتيين في مواجهة ما اعتبرته طهران تهديداً وجودياً للنظام، الأمر الذي أدى إلى انخراط دول إضافية، من بينها لبنان والعراق واليمن، في دائرة المواجهة. وأخيراً، أسهم إغلاق مضيق هرمز في التأثير سلباً على أسعار النفط وتعطيل سلاسل الإمداد، مما فاقم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أصلاً في العديد من دول الشرق الأوسط.

في خضم هذه الأزمة الإقليمية، لا يمكن فهم الموقف المصري بوصفه حيادًا سلبيًا، بل طورت مصر نمطًا من “التموضع المرن”، أهم سماته هي: تضامن مع الخليج، تجنب قطيعة مع واشنطن، مقاومة زيادة النفوذ الإقليمي لإسرائيل، وحرص على إبقاء قناة الوساطة مفتوحة. 

من هنا، لا تكمن أهمية الحالة المصرية في توصيف موقف القاهرة من الحرب فحسب، وإنما فيما تكشفه عن تحولات الدور المصري داخل النظام العربي. فهل تعكس هذه السياسة عودة مصر إلى موقع الوسيط الإقليمي القادر على إدارة التوازنات، أم أنها تكشف حدود قدرتها على القيادة في نظام عربي باتت تتحكم فيه الموارد الخليجية، والمبادرة العسكرية الإسرائيلية، والضمانات الأمنية الأمريكية؟ تجادل هذه الورقة بأن مصر تتحرك اليوم داخل موقع وسط بين القيادة والوساطة: فهي لم تعد قادرة على قيادة النظام العربي بمنطق المركز الواحد، لكنها ما زالت تملك من الموقع والخبرة والشرعية الدبلوماسية ما يسمح لها بإدارة مساحات التهدئة والتفاوض ومنع الانزلاق الكامل نحو الاصطفاف. 

الموقف الرسمي المصري: رفض التصعيد والتضامن مع الخليج 

تكشف مراجعة البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية طوال فترة الصراع عن ثلاثة مرتكزات متكررة بصورة واضحة: الدعوة إلى ضبط النفس واستئناف المفاوضات لاحتواء التصعيد، والتعبير عن التضامن مع دول الخليج إلى جانب إدانة الهجمات الإيرانية العدائية، وانتقاد التصعيد الإسرائيلي مع تجنب توجيه إدانة مباشرة للولايات المتحدة.1 

ويتضح الخط الدقيق الذي سعت مصر إلى السير عليه من خلال ما أُثير حول مراجعة أول بيان رسمي صادر عنها في 28 فبراير. فبحسب بعض التقارير، سُحب البيان الأول الصادر عن وزارة الخارجية بعد وقت قصير من نشره، ثم عُدّل وأُعيد نشره مجدداً. في صيغته الأولى، عبّر البيان عن قلق مصر العميق إزاء التصعيد العسكري، محذراً من اتساع رقعة الصراع. إلا أنه عقب الرد الإيراني، جرى تعديل البيان للتأكيد بصورة أكثر وضوحاً على الإدانة الشديدة للهجمات التي انتهكت السيادة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي.2 وقد أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على الرسالة ذاتها في الأول من مارس أثناء حديثه إلى القيادات العسكرية المصرية، حيث صرّح بأن إيران أخطأت في حساباتها، وأنه لم يكن ينبغي لها تحت أي ظرف استهداف دول عربية.3 

ولم يكن التضامن المصري مع دول الخليج أمراً مفاجئاً. فمن الناحية التاريخية والأيديولوجية، لطالما قدّمت مصر نفسها بوصفها أحد أبرز المدافعين عن العالم العربي. ويتجسد هذا التوجه بوضوح في عقيدة “مسافة السكة” التي تبناها السيسي، والتي تقوم على أن القوة العسكرية المصرية جاهزة للدفاع عن الخليج في أي وقت.4 وإلى جانب ذلك، نظرت مصر لعقود طويلة إلى دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها شرياناً اقتصادياً حيوياً لاقتصادها الذي يعاني ضغوطاً مزمنة. ومنذ عام 2013، ازدادت أهمية الدعم الاقتصادي الخليجي بصورة أكبر، إذ قدّمت هذه الدول دعماً للنظام المصري عبر القروض، والودائع المباشرة في البنك المركزي، والاستثمارات، فضلاً عن دورها كضامن لبرامج مصر مع صندوق النقد الدولي.5 ويُعدّ اتفاق رأس الحكمة مع الإمارات العربية المتحدة بقيمة 35 مليار دولار مطلع عام 2024 مثالاً حديثاً على ذلك، إذ مثّل أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ البلاد.6 

هنا يجب ألا يقرأ التضامن المصري مع الخليج بوصفه امتدادًا خطابيًا لعقيدة “مسافة السكة” فقط، وإنما بوصفه مصلحة بنيوية في استقرار المجال الخليجي. فالأمن الخليجي بالنسبة إلى القاهرة بات جزءًا من شروط الاستقرار المالي والنقدي الداخلي. وتحوّل الخليج، عبر الاستثمارات والودائع والتحويلات وفرص العمل والطاقة، إلى عمق اقتصادي للنظام المصري. لذلك، فإن أي اضطراب واسع في الخليج ينعكس مباشرة على قدرة مصر على إدارة أزماتها الاقتصادية، ويجعل التصعيد الإقليمي تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا لأمن الحلفاء وتهديدًا لمعادلة الاستقرار الداخلي المصري. 

ونظراً لاعتمادها الاقتصادي العميق على الخليج، فإن منع المزيد من التصعيد يمثّل مصلحة حيوية لمصر، خاصة أن اقتصادها تأثر بالفعل بالحرب. فإلى جانب التأثيرات الفعلية والمتوقعة على المصادر الرئيسية للدخل القومي المصري، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس، وعائدات السياحة، وتحويلات العاملين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، أدّى الصراع إلى تراجع حاد في الصادرات المصرية المعلنة بنسبة بلغت 77% خلال اليومين أو الثلاثة الأولى، إضافة إلى خروج كبير للاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل أو ما يُعرف بالأموال الساخنة، قُدّر بما بين 5 و8 مليارات دولار. ونتيجة لذلك، تراجع سعر صرف الجنيه المصري بسرعة، متجاوزاً مستوى 52 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي خلال أيام قليلة فقط.7 

كما يمثّل أمن الطاقة أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لمصر. فنتيجة للحرب، تعرّض مصدرا الغاز الرئيسيان اللذان تعتمد عليهما القاهرة لاضطرابات كبيرة. فقد انخفضت واردات الغاز من إسرائيل، التي كانت مؤمنة بموجب عقد قيمته 35 مليار دولار، بنسبة بلغت 95%، في حين تعطلت الإمدادات القطرية عقب الضربات الصاروخية الإيرانية التي عطّلت نحو 17% من القدرة الإنتاجية القطرية. ووفقاً لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، فقد تضاعفت فاتورة استيراد الغاز المصرية بأكثر من الضعف نتيجة لذلك. واستجابةً للأزمة، اتخذت الحكومة إجراءات طارئة شملت رفع أسعار الوقود بنسبة 17%، وفرض الإغلاق المبكر الإلزامي للأنشطة التجارية لترشيد استهلاك الكهرباء، الأمر الذي أثار حالة واسعة من الاستياء داخل مجتمع الأعمال المحلي.8 

مواجهة إسرائيل: الموازنة بين الضرورات الاقتصادية والقيود الجيوسياسية 

لا تقتصر محددات السلوك المصري في الأزمة الحالية على الضرورات الاقتصادية والالتزام الاستراتيجي بأمن الخليج فحسب، بل يبرز كذلك القلق المتزايد إزاء تصاعد النزعة الإسرائيلية العدائية في المنطقة. فعلى الرغم من معاهدة السلام الموقعة بين البلدين منذ ما يقارب خمسة عقود، لا تزال العلاقة بينهما تُوصف في أفضل الأحوال بأنها “سلام بارد”. علاوة على ذلك، رصد النظام المصري، في ظل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، عدداً من المؤشرات المقلقة. فخلال الحرب على غزة، سيطرت إسرائيل على محور فيلادلفيا الحدودي مع مصر، في خطوة اعتُبرت مخالفة للتفاهمات والاتفاقيات القائمة بين الطرفين. كما دعا عدد من المسؤولين الإسرائيليين مراراً إلى تهجير سكان غزة نحو سيناء. والأكثر إثارة للقلق أن طموحات توسعية جرى الترويج لها ضمن خطاب “إسرائيل الكبرى”، بما يتضمن إشارات إلى أجزاء من الأراضي المصرية، برزت في الخطاب العام على لسان مسؤولين كبار، من بينهم نتنياهو نفسه. ورداً على هذه الاستفزازات، عملت مصر على تعزيز قدراتها العسكرية عبر صفقات تسليح كبرى، إلى جانب توسيع انتشار قواتها في سيناء.9 

ومن منظور القاهرة، فإن الحرب على إيران، بالتوازي مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا، بدت تهديداً مباشراً للمصالح الوطنية المصرية، خصوصاً في ظل تصريحات نتنياهو المتعلقة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط.10 وفي هذا السياق، فإن إيران وحلفاءها الإقليميين، الذين يُنظر إليهم تقليدياً بوصفهم تهديداً لدول الخليج، يؤدون من وجهة النظر المصرية وظيفة مهمة تتمثل في إبقاء إسرائيل تحت ضغط مستمر. لذلك، إذا نجحت إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني وتفكيك شبكته الإقليمية من الحلفاء، فقد تصبح أكثر اندفاعاً وتمتلك موقعاً استراتيجياً أفضل لتنفيذ خططها المتعلقة بغزة، بما قد يضر بالمصالح المصرية بصورة مباشرة. 

من هذا المنظور، لا تنظر القاهرة إلى الحرب على إيران فقط باعتبارها صراعًا بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط بطريقة تضع مصر أمام بيئة أمنية أكثر ضيقًا. فإضعاف إيران بصورة جذرية، مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا، قد يؤدي إلى انتقال إسرائيل من موقع القوة العسكرية المتفوقة إلى موقع القوة الإقليمية القادرة على إعادة تعريف قواعد الأمن المحيط بمصر. لذلك، فإن القلق المصري من إسرائيل لا يتصل بمسار الحرب وحده، وإنما بمآلات ما بعد الحرب: من يضع قواعد الإقليم؟ ومن يمنع تحويل غزة وسيناء وشرق المتوسط إلى ساحات ضغط مباشر على الأمن المصري؟ 

التوازن أم العجز؟  

يطرح السلوك المصري في هذه الحرب سؤالًا جوهريًا: هل تمثل سياسة القاهرة توازنًا محسوبًا أم عجزًا عن اتخاذ موقف حاسم؟ تبدو الإجابة الأقرب أن مصر تمارس توازنًا اضطراريًا داخل قيود ثقيلة. فهي لا تملك ترف الاصطفاف الكامل مع أي طرف، لأن كل اصطفاف يحمل كلفة مباشرة على مصالحها. الاصطفاف العسكري الواسع مع الخليج قد يضعها في مواجهة مفتوحة مع إيران وحلفائها، والاقتراب الزائد من واشنطن وتل أبيب قد يضعف شرعيتها العربية، والتسامح مع صعود إسرائيلي غير مقيد يهدد أمنها المباشر في غزة وسيناء وشرق المتوسط. في المقابل، يمنحها موقعها الجغرافي، وخبرتها التفاوضية، وصلاتها المتعددة، قدرة على إدارة التهدئة أكثر من قيادة المواجهة. بهذا المعنى، لا تبدو مصر قوة قائدة بالمعنى العربي التقليدي، ولا دولة هامشية فاقدة للتأثير، بل دولة موازِنة تعمل داخل حدود قدرتها، وتحوّل القيود إلى مساحة حركة دبلوماسية. وبناءً على ذلك، وعلى خلاف مقاربة “مسافة السكة”، بقي الدعم العسكري المصري لدول الخليج خلال هذا الصراع محدوداً وذا طابع دفاعي في معظمه.11 وحتى نشر مقاتلات “رافال” المصرية في الإمارات، والذي كُشف عنه خلال الزيارة الرسمية للرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2026، اعتُبر ذا طابع “رمزي بالدرجة الأولى”.12 وبدلاً من الانخراط العسكري المباشر، بدا أن مصر فضّلت إعطاء الأولوية للتحرك الدبلوماسي بالتنسيق مع كل من باكستان وتركيا.13 وإلى جانب الاتصالات الرسمية والزيارات المتبادلة، لعبت القاهرة، وخصوصاً عبر جهاز المخابرات العامة، دوراً في تسهيل قنوات تواصل غير مباشرة بين واشنطن وطهران خلال مفاوضات وقف إطلاق النار.14   

ورغم أن هذا التموضع المتوازن قد يبدو محسوباً بحذر، فإنه وضع مصر في موقع بالغ الحساسية. ففي أثناء محاولتها إدارة هذه المعضلة الثلاثية، تصاعدت التوترات مع إسرائيل، مدفوعة بخطاب دبلوماسي حاد واتهامات متبادلة تتعلق بالانتشار العسكري المصري في سيناء.15 وفي الوقت ذاته، بدا أن بعض الحلفاء الخليجيين أظهروا قدراً من الإحباط، إذ كانوا يتوقعون من النظام المصري دعماً أكثر وضوحاً وفاعلية في مواجهة التهديد الإيراني. كذلك، فإن سعي مصر إلى التهدئة يتعارض مع أهداف بعض دول الخليج التي مارست ضغوطاً على الإدارة الأمريكية لعدم إنهاء الحرب قبل إضعاف النظام الإيراني استراتيجياً، معتبرة أن “وقف إطلاق نار بسيط لا يكفي”.16 

تكشف الحرب أن الدور المصري لم يعد يقوم على قيادة النظام العربي من مركز واحد، وإنما على إدارة التوازنات بين مراكز قوة متعددة. فالقاهرة تتحرك داخل معادلة دقيقة: اعتماد اقتصادي عميق على الخليج، علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، قلق متزايد من استمرار عدم الاستقرار في الإقليم نتيجة استراتيجيات إيران في الحرب، وحساسية أمنية مباشرة تجاه أي توسع إسرائيلي في غزة وسيناء وشرق المتوسط. لذلك، فإن سياسة مصر في هذه الحرب تقدم نموذجًا لما يمكن تسميته بـ”التموضع المرن”؛ أي القدرة على دعم الحلفاء من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، والحفاظ على العلاقة مع واشنطن من دون منح إسرائيل تفويضًا استراتيجيًا مفتوحًا، والانخراط في الوساطة من دون التخلي عن حسابات الأمن القومي.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى