الاقتصاد السياسي الفلسطيني وسيناريوهات المرحلة القادمة

تهدف هذه الورقة إلى تحليل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الإقليمية الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية، وما يترتب عليها من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الأمن الوطني الأردني. ويتم ذلك من خلال تفكيك سياسات التصعيد الإسرائيلية—بما في ذلك سياسات الضم الزاحف، وتهويد مدينة القدس، وتقويض دور ووظائف السلطة الفلسطينية، وتصاعد سلوك المستوطنين—بوصفها مصادر تهديد بنيوية لا تقتصر آثارها على الإطار الفلسطيني الداخلي، بل تمتد لتطال المصالح الاستراتيجية الأردنية عبر أبعاد متعددة تشمل الجوانب الأمنية والسياسية والديمغرافية والاقتصادية.وتسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤالها المركزي، والمتمثل في: كيف تعيد هذه التطورات رسم خريطة التهديدات التي تواجه الأمن الوطني الأردني في المرحلة المقبلة؟ وما هي الخيارات والمسارات الاستراتيجية المتاحة أمام الأردن للتعامل مع هذه التحديات المتصاعدة؟ ويجري هذا التحليل ضمن سياق إقليمي يتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار، بهدف الإسهام في إعادة صياغة مفهوم الأمن الوطني الأردني ضمن مقاربة شاملة ومحدّثة، قادرة على الاستجابة للتحولات المستمرة في أنماط وديناميات الصراع الإقليمي.

 

لم تُعالج القضية الفلسطينية يومًا في الخطاب الإسرائيلي–الأمريكي بوصفها جزءًا من «تسوية نهائية» للصراع. فمنذ عام 1967، ظلت هذه القضية رهينة لفلسفة إدارة الصراع بدل حلّه، وهو ما برز بشكل أكثر وضوحًا عقب توقيع اتفاقيات أوسلو. فقد أسهمت هذه الاتفاقيات في تحويل نمط النضال الفلسطيني من أدوات التحرر والصمود والمقاومة إلى أدوات التكيّف والتنمية في ظل الاحتلال، من دون أن تفتح أفقًا حقيقيًا أو واقعيًا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

ومع صعود كتلة اليمين الإسرائيلي المتطرف، أُتيحت أمام الجانب الفلسطيني فرص سياسية وإعلامية لم يُحسن استثمارها لإعادة تثبيت روايته أمام الرأي العام العالمي والساحة الدبلوماسية الدولية، لا سيما في ظل المجازر والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد فرضت الحرب الأخيرة على غزة حالة من الارتباك في التوجهات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل إدارة الصراع على الأرض في الضفة الغربية، وهي توجهات تشكّلت إلى حدٍّ كبير في غياب الفاعل الفلسطيني نفسه عن دوائر التأثير وصناعة القرار

تُبرز هذه الحالة الحاجة الملحّة أمام الفلسطينيين لإعادة فتح حوار داخلي جاد، وصياغة استراتيجيات وطنية تهدف إلى رسم المستقبلين السياسي والاقتصادي للدولة الفلسطينية. وفي ظل وجود أطراف إقليمية ودولية تعمل على إعداد سيناريوهات لمسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، يصبح هذا النقاش الداخلي ضرورة وطنية لا غنى عنها، تستند إلى مبدأ الجاهزية الاستراتيجية لمواجهة التحديات المستجدة والمتغيّرة.

تشوهات هيكلية في بنية الاقتصاد الفلسطيني

منذ عام 1967، فرضت دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة إطارًا اقتصاديًا وظيفيًا أدّى ثلاث وظائف رئيسية: أولًا، العمل كمكمّل إنتاجي للقطاعات ودورات الإنتاج الإسرائيلية من خلال التعاقد من الباطن منخفض الكلفة؛ ثانيًا، توفير مصدر لليد العاملة الرخيصة والمحرومة من الحقوق، رغم ارتفاع مستوى إنتاجيتها؛ وثالثًا، تشكيل قاعدة استهلاكية للمنتجات الإسرائيلية، بما يسمح لإسرائيل بإعادة تدوير التدفقات المالية المدفوعة للعمال الفلسطينيين داخل اقتصادها. وخلال ثمانينيات القرن الماضي،1 شكّل العمال الفلسطينيون في الاقتصاد الإسرائيلي ما يقارب 40% من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية.

 

وقد أدّت هذه الممارسات إلى دمج غير متكافئ للاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي، وهو نمط من الاعتماد البنيوي لم تعمل السلطة الفلسطينية في مرحلة ما بعد أوسلو على تفكيكه، وربما لم تحاول أصلًا مواجهته. ويُظهر استعراض سريع لاتفاقيات أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي المرافق لها أن أحكام هذه الاتفاقيات لم تُصمَّم لضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة اقتصاديًا عن إسرائيل. بل على العكس، أسهم التطبيق العملي لهذه الاتفاقيات في إعادة هيكلة التبعية الاقتصادية الفلسطينية عبر تجريد الفلسطينيين من ثلاثة عناصر جوهرية من عناصر السيادة الاقتصادية:

غياب السيطرة على المعابر الحدودية أو إقامة علاقات تجارية مباشرة مع العالم الخارجي؛

انعدام السيادة على الموارد الطبيعية؛

غياب التحكم بالسياسات المالية وآليات الجباية الضريبية.

 

وبناءً على ذلك، تمثّلت السمة الأساسية لمرحلة ما بعد أوسلو في ترسيخ الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية، ولا سيما من خلال تدفّق العمالة الفلسطينية إلى إسرائيل، إضافة إلى المساعدات الأجنبية.

في ظل هذه الظروف، لم يؤدِّ التمويل الخارجي إلى تحقيق تنمية مستدامة أو إلى توفير مصادر دخل موثوقة، إذ استمر في تغذية بنى اقتصادية وسياسية كانت مختلّة ومشوّهة بنيويًا في أساسها. وقد تجلّت نتائج ذلك بوضوح في الممارسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية على أرض الواقع، حيث تمثلت في أوجه القصور والاختلالات البيروقراطية، وتعزيز النزعات الاستهلاكية، والتوسع في أنشطة القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة.

 

وأفرزت هذه البيئة أنماطًا اقتصادية طفيلية ومشوّهة لا تنسجم مع متطلبات مشروع تحرر وطني في ظل الاحتلال. كما أدّت تدريجيًا إلى تآكل الطبقة الوسطى، ومكّنت البرجوازية الرأسمالية الفلسطينية من الهيمنة على أدوات النضال، وفرض قواعد جديدة تستند إلى مبادئ الاقتصاد النيوليبرالي. وأسهمت هذه الديناميات في إدخال سلوكيات وأنماط استهلاكية إلى شرائح اجتماعية أخرى، جاءت في كثير من الأحيان غير متوائمة مع واقع العيش تحت الاحتلال.

وأصبحت الأدوات المالية—سواء على المستوى الفردي أو الحكومي—المحرّك الأساسي لهذا التوجّه الاستهلاكي، ما أسفر عن إخضاع المواطنين الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية لمنظومة القروض المصرفية والتمويل الخارجي، في ظل تدفّقات مالية أجنبية غير مستقرة وغير منتظمة. وبالتوازي مع ذلك، جرى تقويض الأسس التي تقوم عليها القطاعات الإنتاجية، الأمر الذي زاد من إضعاف الاستقلالية الاقتصادية والقدرة على الصمود.

 

آلية المقاصة وتشوهات المالية العامة

منذ نشأة السلطة الفلسطينية، استخدمت إسرائيل تحويلات المساعدات الخارجية وإيرادات المقاصة—وهي الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابةً عن الفلسطينيين—بوصفها أدوات ضغط سياسي واقتصادي على السكان الفلسطينيين. وقد تصاعدت هذه الضغوط بشكل ملحوظ منذ عام 2017، عندما برزت تقديرات إسرائيلية وأمريكية تشكّك في الغاية التي أُنشئت من أجلها السلطة الفلسطينية أصلًا. ففي تلك المرحلة، تراجع تدفّق المساعدات الخارجية بصورة حادة نتيجة تعليق العملية التفاوضية بين الطرفين، تلا ذلك لجوء إسرائيل إلى سياسة الخصومات السنوية من أموال المقاصة، وصولًا إلى الحجز المنهجي لأجزاء من هذه الإيرادات.

وأدّت هذه الممارسات إلى عجز السلطة الفلسطينية عن الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين العموميين، والخدمات العامة، وبرامج الحماية الاجتماعية، ما فاقم من هشاشة أوضاع المالية العامة، وعمّق الاختلالات البنيوية في النظام المالي الفلسطيني

عجزت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة عن معالجة الاختلالات البنيوية في المالية العامة، والتي تعود جذورها إلى أطر التمويل والإنفاق غير المتوازنة. ويُظهر أداء الموازنة العامة محاولات محدودة ومتواضعة للتعامل مع هذه التحديات المالية، في حين استمرت نقاط الاستنزاف الرئيسية دون معالجة، ولا سيما فاتورة الأجور، وصافي الإقراض، والتحويلات الطبية.

 

ونتيجة لذلك، بلغ الدين الحكومي بحلول منتصف عام 2025 نحو 47 مليار شيكل، موزّعًا بين الدين العام، والمتأخرات المستحقة لموظفي الحكومة، ولموردي ومقاولي القطاع الخاص، إضافة إلى الالتزامات المترتبة لصناديق التقاعد. ويعكس هذا الواقع حالة الهشاشة البنيوية المزمنة والضعف الهيكلي الذي يعانيه نظام المالية العامة الفلسطيني.

وقد شكّلت الحرب الأخيرة على قطاع غزة ذروة الاختلالات في المالية العامة الفلسطينية. فبحلول نهاية عام 2024، بلغت الإيرادات الإجمالية التي جمعتها الخزينة نحو 7.6 مليارات شيكل، أي ما يغطي فقط 41% من إجمالي التزامات الإنفاق الحكومي، مقارنةً بإيرادات بلغت 11.85 مليار شيكل في عام 2023، كانت تغطي نحو 65% من إجمالي النفقات. وخلال هذه الفترة، ارتفع حجم الأموال التي اقتطعتها أو احتجزتها إسرائيل من إيرادات المقاصة من 4 مليارات شيكل إلى 5.5 مليارات شيكل على مدى عامين متتاليين، مع الإشارة إلى أن إيرادات المقاصة تشكّل نحو 68% من الموارد المالية لخزينة السلطة الفلسطينية.

واعتبارًا من أيار/مايو 2025، طبّقت الحكومة الإسرائيلية سياسة الحجز الكامل لأموال المقاصة، ما ترك السلطة الفلسطينية عاجزة عن دفع الرواتب والأجور التي تبلغ قيمتها نحو مليار شيكل شهريًا. وتُخصّص هذه المدفوعات لنحو 245 ألف مستفيد، من بينهم 144 ألف موظف مدني وعسكري على رأس عملهم، إضافة إلى المتقاعدين ومستفيدي المخصصات الاجتماعية.

وتزامن هذا الشلل المالي مع أزمات اقتصادية متلاحقة، شملت تباطؤ النشاط الاقتصادي نتيجة سياسات الإغلاق والحصار، وتسريح الغالبية العظمى من العمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر. وقد أسهم الجمع بين الخنق المالي والركود الاقتصادي في تعميق الهشاشة البنيوية للاقتصاد الفلسطيني والقطاع العام، وزيادة قابليتهما للتآكل وعدم الاستقرار

 

الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الفلسطيني

منذ عام 1967، فرضت دولة الاحتلال على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة إطارًا اقتصاديًا وظيفيًا يمكن توصيفه بثلاث سمات رئيسية: أولًا، بوصفه مكمّلًا إنتاجيًا للقطاعات ودورات الإنتاج الإسرائيلية من خلال التعاقد من الباطن منخفض الكلفة؛ ثانيًا، بوصفه مصدرًا لليد العاملة الرخيصة والمحرومة من الحقوق، رغم ارتفاع إنتاجيتها؛ وثالثًا، بوصفه قاعدة استهلاكية للمنتجات الإسرائيلية، بما يتيح لإسرائيل إعادة تدوير التدفقات المالية المدفوعة للعمال الفلسطينيين داخل اقتصادها. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، شكّل العمال الفلسطينيون ما نسبته 40% من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية المنخرطة في الاقتصاد الإسرائيلي.

 

وقد أفضت هذه الممارسات إلى دمج غير متكافئ للاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي، ما أرسى نمطًا من التبعية البنيوية التي لم تعمل السلطة الفلسطينية في مرحلة ما بعد أوسلو على تفكيكها، وربما لم تسعَ أصلًا إلى تحدّيها. ويُظهر استعراض موجز لاتفاقيات أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي المرافق لها2 أن أحكام هذه الاتفاقيات لم تضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة اقتصاديًا عن إسرائيل. بل على العكس، أدّى التطبيق العملي لهذه الاتفاقيات إلى إعادة هيكلة التبعية الاقتصادية الفلسطينية من خلال تجريد الفلسطينيين من ثلاثة عناصر أساسية من عناصر السيادة الاقتصادية:

انعدام السيطرة على المعابر الحدودية أو إقامة علاقات تجارية مباشرة مع العالم الخارجي؛

غياب السيادة على الموارد الطبيعية؛

فقدان التحكم بالسياسات المالية وآليات الجباية الضريبية.

 

وبناءً على ذلك، تمثّلت السمة الأساسية لهذه المرحلة في ترسيخ الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية، ولا سيما من خلال تدفّق العمالة الفلسطينية إلى إسرائيل والمساعدات الدولية.

 

وفي ظل هذه الشروط، أخفق التمويل الخارجي في تحقيق تنمية مستدامة أو توفير مصادر دخل مستقرة، إذ واصل تغذية أطر اقتصادية وسياسية مشوّهة ومختلّة بنيويًا. وقد انعكست آثار ذلك بوضوح في الممارسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية على أرض الواقع، حيث تجلّت في مظاهر القصور البيروقراطي، وتعزيز النزعات الاستهلاكية، والتوسع في أنشطة القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة.3

وأنتجت هذه البيئة أنماطًا اقتصادية طفيلية ومشوّهة لا تنسجم مع متطلبات دولة واقعة تحت الاحتلال وتسعى إلى التحرر. وقد أدّت هذه الأنماط تدريجيًا إلى تآكل الطبقة الوسطى، ومكّنت البرجوازية الرأسمالية الفلسطينية من الهيمنة على أدوات النضال، وفرض قواعد جديدة تستند إلى مبادئ الاقتصاد النيوليبرالي. وأسهمت هذه الديناميات في إدخال سلوكيات وأنماط استهلاكية إلى شرائح أخرى من المجتمع الفلسطيني، جاءت في كثير من الأحيان غير منسجمة مع واقع الاحتلال وتحدياته البنيوية.

وأصبحت الأدوات المالية—سواء على المستوى الفردي أو الحكومي—العامل الرئيس الذي مكّن هذا التوجّه الاستهلاكي، ما أسفر عن إخضاع المواطنين الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية لمنظومة القروض المصرفية والتمويل الخارجي، في ظل تدفّقات مالية أجنبية غير مستقرة وغير منتظمة. وفي الوقت ذاته، جرى تقويض الأسس التي تقوم عليها القطاعات الإنتاجية بصورة متدرجة، الأمر الذي زاد من إضعاف الاستقلالية الاقتصادية والقدرة على الصمود.

 

آلية المقاصة وتشوهات المالية العامة

منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، استخدمت إسرائيل تحويلات المساعدات الخارجية وإيرادات المقاصة—وهي الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابةً عن الفلسطينيين—كأدوات ضغط سياسي واقتصادي على المجتمع الفلسطيني. وقد تصاعدت هذه الضغوط بشكل ملحوظ منذ عام 2017، عندما برزت تقديرات إسرائيلية وأمريكية تشكّك في الغاية التي أُنشئت من أجلها السلطة الفلسطينية أصلًا. وخلال تلك المرحلة، تراجع تدفّق المساعدات الخارجية بصورة كبيرة نتيجة تعليق العملية التفاوضية بين الطرفين، تلا ذلك لجوء إسرائيل إلى سياسة الخصومات السنوية من أموال المقاصة، وصولًا إلى الحجز المنهجي لأجزاء من هذه الإيرادات، ما حال دون قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين العموميين، والخدمات العامة، وبرامج الحماية الاجتماعية.

وعجزت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة عن معالجة الاختلالات البنيوية في المالية العامة، والتي تعود جذورها إلى آليات تمويل وإنفاق غير متوازنة. ويُظهر أداء الموازنة العامة محاولات محدودة ومتواضعة لمعالجة هذه التحديات المالية، في حين استمرت مواطن الاستنزاف الرئيسية، ولا سيما فاتورة الأجور، وصافي الإقراض، والتحويلات الطبية، دون حلول جذرية.

ونتيجة لذلك، بلغ الدين الحكومي بحلول منتصف عام 2025 نحو 47 مليار شيكل، موزّعًا بين الدين العام، والمتأخرات المستحقة لموظفي الحكومة، ولموردي ومقاولي القطاع الخاص، إضافة إلى الالتزامات المترتبة لصناديق التقاعد.4 ويعكس هذا الواقع حالة الهشاشة البنيوية المزمنة والضعف الهيكلي الذي يعانيه نظام المالية العامة الفلسطيني.

وقد شكّلت الحرب الأخيرة على قطاع غزة ذروة التشوّهات في المالية العامة الفلسطينية. فبحلول نهاية عام 2024، بلغت الإيرادات الإجمالية التي جمعتها الخزينة نحو 7.6 مليارات شيكل، أي ما يغطي فقط 41% من إجمالي التزامات الإنفاق الحكومي، مقارنةً بإيرادات بلغت 11.85 مليار شيكل في عام 2023، كانت تغطي نحو 65% من إجمالي النفقات. وخلال هذه الفترة، ارتفع حجم الأموال التي اقتطعتها أو احتجزتها إسرائيل من إيرادات المقاصة من 4 مليارات شيكل إلى 5.5 مليارات شيكل على مدى عامين متتاليين، مع الإشارة إلى أن إيرادات المقاصة تشكّل نحو 68% من الموارد المالية لخزينة السلطة الفلسطينية.5

واعتبارًا من أيار/مايو 2025، طبّقت الحكومة الإسرائيلية سياسة الحجز الكامل لأموال المقاصة، ما ترك السلطة الفلسطينية عاجزة عن دفع الرواتب والأجور التي تبلغ قيمتها نحو مليار شيكل شهريًا. وتُخصّص هذه المدفوعات لنحو 245 ألف مستفيد، من بينهم 144 ألف موظف مدني وعسكري على رأس عملهم، إضافة إلى المتقاعدين ومستفيدي المخصصات الاجتماعية.

وتزامن هذا الشلل المالي مع أزمات اقتصادية متلاحقة، تمثلت في تباطؤ النشاط الاقتصادي نتيجة سياسات الإغلاق والحصار، وتسريح الغالبية العظمى من العمال الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر. وقد أدّى الجمع بين الخنق المالي والركود الاقتصادي إلى تعميق الاختلالات البنيوية للاقتصاد الفلسطيني والقطاع العام، وزيادة هشاشتهما وعدم قدرتهما على الصمود

 

تشوّهات سوق العمل

منذ تأسيسها، انتهجت السلطة الفلسطينية سياسة الإفراط في الاعتماد على التوظيف في القطاع العام، المدني والعسكري على حدٍّ سواء، بالتوازي مع تشجيع استمرار تدفّق العمالة الفلسطينية إلى إسرائيل. وخلال النصف الأول من عام 2023، أي قبل اندلاع الحرب على قطاع غزة، شكّل العمال الفلسطينيون من الضفة الغربية نحو 20% من إجمالي القوى العاملة داخل إسرائيل، لتنخفض هذه النسبة إلى 11% في النصف الأول من عام 2025. وقد أدّى هذا التراجع، إلى جانب تباطؤ النشاط الاقتصادي، إلى ارتفاع معدلات البطالة في الضفة الغربية من 12.5% إلى 30% خلال الفترة نفسها، في حين انخفض العدد الإجمالي للعاملين من 869 ألف عامل قبل الحرب إلى 690 ألف عامل في النصف الأول من عام 2025.6

وبالتوازي مع ذلك، ارتفع عدد العمال الفلسطينيين بأجر في الضفة الغربية الذين يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور من 36 ألف عامل قبل الحرب إلى 43 ألف عامل في النصف الأول من عام 2025.

إن الإرث التاريخي للاعتماد الاقتصادي الفلسطيني على إسرائيل—سواء في سوق العمل أو في مصادر التمويل—إلى جانب سياسات العزل المكاني التي تنتهجها إسرائيل داخل الجغرافيا الفلسطينية، قد أسهم في تقويض الأسس اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ولم تتم مواجهة هذا الضعف البنيوي من خلال استراتيجية وطنية فلسطينية شاملة؛ إذ ظلّت الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية للمقاومة غائبة إلى حدٍّ كبير، واستُبدلت باستراتيجيات تحقق مكاسب فردية أو قطاعية في ظل وهم التنمية تحت الاحتلال.

 

سيناريوهات المرحلة المقبلة

استنادًا إلى المعطيات الراهنة، بات استقرار البنية الوظيفية للسلطة الفلسطينية مرهونًا فعليًا بيد أطراف خارجية، في مقدمتها إسرائيل—من خلال الإفراج عن أموال المقاصة وإعادة إدماج العمالة الفلسطينية—والولايات المتحدة عبر استئناف تدفّق المساعدات المالية. ويثير هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول فاعلية الاستراتيجية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية، والتي تربط مساري بناء الدولة والتحرر الوطني بعوامل صمود تخضع بالكامل لسيطرة أطراف تعارض في جوهرها قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وفي ظل هذا السياق، باتت الخيارات المالية المتاحة أمام الجانب الفلسطيني شديدة المحدودية، ما يشكّل تهديدًا جديًا بانهيار المنظومتين المؤسسية والخدمية للسلطة الفلسطينية. وقد يفضي هذا الانهيار إلى نشوء فراغ بنيوي وأمني، يفتح المجال أمام تدخلات إسرائيلية غير مباشرة، عبر إعادة تشكيل أنماط الحكم في الضفة الغربية من خلال وكلاء فلسطينيين—سواء على أسس عشائرية أو بلدية—من دون أن تتحمّل إسرائيل أعباء الإدارة المدنية الكاملة. ويتقاطع هذا السيناريو مع أهداف اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يرفض قيام دولة فلسطينية، ويسعى إلى فرض واقع الدولة الواحدة في إطار نظام فصل عنصري.7

وحذّرت مراكز بحثية إسرائيلية بارزة من أن انهيار السلطة الفلسطينية يمثّل «السيناريو الأسوأ» حتى بالنسبة لإسرائيل نفسها، إذ قد يعيد الصراع عقودًا إلى الوراء، ويؤدي إلى اندلاع انتفاضة شعبية واسعة في الضفة الغربية، وإنهاء جميع أشكال التنسيق الأمني القائم، فضلًا عن إحراج إسرائيل على الساحة الدولية. وقد يفرض هذا السيناريو على إسرائيل إعادة احتلال المدن الفلسطينية بالقوة، وتحميلها عبء السيطرة اليومية على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، إلى جانب ما قد يترتب على ذلك من تداعيات دبلوماسية واقتصادية من قبل دول عربية معتدلة، بما في ذلك تعليق الاتفاقيات أو قطع العلاقات مع إسرائيل. وفي المحصلة، سيترتب على هذا المسار كلفة اقتصادية وأمنية ودبلوماسية مرتفعة على إسرائيل، في مقابل تسارع تدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين.

في مواجهة أجندة اليمين الإسرائيلي: سيناريو الدولة الواحدة الديمقراطية

 

في ظل أجندة اليمين الإسرائيلي المتطرف، واستحالة إقامة دولة فلسطينية على كامل حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، بدأ عدد متزايد من النخب الفلسطينية والإسرائيلية في السنوات الأخيرة بالدعوة إلى تبنّي سيناريو الدولة الواحدة الديمقراطية. ويقوم هذا الطرح على منح الفلسطينيين واليهود حقوقًا مدنية وسياسية متساوية على كامل أراضي فلسطين التاريخية.

وقد أشار الرئيس محمود عباس صراحة إلى هذا الخيار في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021، محذّرًا من أن تقويض خيار حل الدولتين سيدفع الفلسطينيين إلى المطالبة بحقوق متساوية في دولة ثنائية القومية. ويعكس هذا الموقف محاولة استباقية من القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية لاعتماد خيار الدولة الواحدة القائمة على المساواة في الحقوق بوصفه بديلًا عن واقع الفصل العنصري، في ظل تراجع فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة

ويرى أنصار هذا السيناريو المرحلي طويل الأمد أنه قد يوفّر للفلسطينيين فرصًا أوسع على الصعيدين الاقتصادي والتنموي، من خلال الاستفادة من حرية الحركة والإنتاج والعمل والتجارة، وتوافر بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا. وفي الوقت ذاته، قد يُسهم هذا الخيار في إنهاء المقاطعة العربية والدولية لإسرائيل، بما يفتح المجال أمام استثمارات وفرص تنموية أكبر على مستوى الإقليم بأسره.

 

 

 

مقاربات سيناريو الكونفدرالية الأردنية–الفلسطينية

لا يمكن تجاهل الطروحات التي قدّمتها بعض النخب الأردنية–الفلسطينية المؤثرة بشأن إعادة النظر في قرار فك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية، وذلك ضمن إطار كونفدرالي مع المملكة الأردنية الهاشمية. ويُعد هذا الطرح من أكثر القضايا حساسية في كلٍّ من الساحتين السياسية الأردنية والفلسطينية، إذ يمكن تأطيره باعتباره ترويجًا لفكرة «الوطن البديل» أو مساسًا بجوهر القضية الفلسطينية، كما قد يترك انعكاسات مباشرة على التركيبة الديمغرافية الأردنية، بما قد يفتح المجال أمام توترات داخلية قائمة على أسس الهوية والانتماء.

ولكي يكون هذا السيناريو قابلًا للتداول سياسيًا داخل الأردن، فإنه يتطلّب—بوصفه شرطًا أساسيًا—قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، يعقبها اتحاد كونفدرالي بين دولتين مستقلتين، بدلًا من تحوّل الضفة الغربية إلى إقليم أردني في غياب سيادة فلسطينية واضحة ومكتملة.

ويقدّم أنصار هذا الخيار تصوّرهم عادةً من زاوية المكاسب الاقتصادية والسياسية المتبادلة، مشيرين إلى إمكانات توسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، وإلى توفر رأسمال أردني–فلسطيني مشترك قادر على إحداث نقلة تنموية في كلا البلدين. غير أن هذا السيناريو يبقى شديد الجدل، ويتطلّب إدارة سياسية ودبلوماسية دقيقة للتوفيق بين اعتبارات السيادة الوطنية، والهوية، والمصالح الاستراتيجية.

 

السيناريو الأرجح: استمرار الوضع القائم

في ظل غياب قرار فلسطيني موحّد، وتراجع مستوى التأثير العربي الإقليمي، يبقى سيناريو استمرار الوضع القائم هو الأكثر ترجيحًا، كما يُعدّ السيناريو الأكثر قبولًا لدى اليمين الإسرائيلي. ويقوم هذا السيناريو على المضي قدمًا في سياسات الضم التدريجي الجزئي للمناطق الاستيطانية ولمناطق «ج»، بالتوازي مع إنشاء نظام حكم ذاتي فلسطيني محدود في مراكز الكثافة السكانية الرئيسية. وستتولى هذه التجمعات السكانية إدارة الشؤون الإدارية والمحلية، في حين تبقى السيادة الإسرائيلية قائمة على المعابر التجارية والمدنية، والعملة، والموارد الطبيعية، وحرية الحركة، وفرص العمل.

وفي ظل هذا الترتيب، ستتحول مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني فعليًا إلى جيوب معزولة تعتمد على المساعدات الخارجية، ما يحرم الفلسطينيين من الأدوات الأساسية للاستدامة الاقتصادية والتنموية. وستواصل إسرائيل إدارة الصراع والتحكم به من دون التوصل إلى تسوية نهائية، الأمر الذي يمهّد لترسيخ واقع الدولة الواحدة ضمن إطار نظام فصل عنصري. ويُعد هذا الواقع قائمًا إلى حدٍّ كبير بالفعل، في ظل وجود أكثر من 800 ألف مستوطن، وسيطرة إسرائيل على نحو 60% من أراضي الضفة الغربية، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى كانتونات منفصلة.

 

ويمثّل هذا السيناريو حلًا انتقاليًا استراتيجيًا لإسرائيل، يتيح لها تعزيز سيطرتها الإقليمية من دون اللجوء إلى الضم الرسمي الشامل، مع الاستمرار في إعادة تشكيل بيئة الصراع بما يخدم مصالحها بعيدة المدى.

 

 

الوضع القائم بوصفه تسوية دولية قصيرة الأمد

قد يشكّل هذا السيناريو الخيار المفضّل على المدى القصير لدى بعض الأطراف الدولية، نظرًا لكونه يتجنّب أسوأ السيناريوهات المحتملة، ويؤجّل الانفجار بدل معالجته جذريًا. وتبقى قابلية هذا المسار للاستمرار مرهونة بمنع انهيار السلطة الفلسطينية والحفاظ على دورها الوظيفي، الأمر الذي يتطلّب تدخلًا من أطراف عربية ودولية محددة لتوفير دعم مالي يمكّن السلطة من الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها تجاه الخدمات العامة والهياكل الإدارية.

وفي إطار هذا السيناريو، ستركّز السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على تأمين الإفراج عن أموال المقاصة، وتأجيل أي مخططات ضم وشيكة. غير أن هذا النهج سيظل مشروطًا بوجود تماسك سياسي فلسطيني، وبانخراط فاعل من الإقليم العربي؛ وفي غياب رؤية فلسطينية موحّدة ودعم عربي مستدام، سيتقلّص دور السلطة إلى وظيفة إدارية انتقالية، تقتصر على إدارة الحد الأدنى من شؤون الحكم، من دون تحقيق أي تقدّم جوهري باتجاه الدولة أو مشروع التحرر الوطني.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى