العراق والحرب على إيران: تحوّلات الدولة والمجال الإقليمي

مقدمة: الحرب على إيران وإعادة تعريف موقع العراق الإقليمي

لا تمثل الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بالبرنامج النووي أو بالصراع التقليدي بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بل تعكس لحظة إعادة تشكيل عميقة للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، تتجاوز حدود الصراع المباشر نحو إعادة تعريف خرائط النفوذ، ووظائف الدول، وطبيعة المجال الأمني في المشرق العربي. وفي قلب هذه التحولات يقف العراق بوصفه إحدى أكثر الساحات تأثراً بالحرب، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بسبب طبيعة البنية السياسية والأمنية التي تشكلت داخله بعد عام 2003، والتي جعلته نقطة تقاطع رئيسية للمصالح الأمريكية والإيرانية في المنطقة.

تكشف الحرب عن تحوّل نوعي في موقع العراق داخل المعادلة الإقليمية، بعدما تجاوز دوره التقليدي بوصفه ساحة لتقاطع النفوذ الأمريكي والإيراني، ليتحول إلى مجال تجري عبره إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية نفسها. وفي هذا السياق، لم يعد الصراع مرتبطًا فقط بحجم النفوذ الذي تمتلكه القوى الإقليمية والدولية داخل العراق، وإنما بطبيعة الوظيفة التي سيؤديها في بنية الشرق الأوسط المقبلة: هل يستمر كامتداد للعمق الاستراتيجي الإيراني، أم يتجه نحو الاندماج ضمن المجال العربي والخليجي والدولي بوصفه دولة قادرة على إعادة ضبط مجالها الأمني والاقتصادي؟ ومن هنا، تبدو الحرب لحظة مفصلية في انتقال العراق من ساحة لإدارة النفوذ إلى عقدة جيوسياسية وأمنية يعاد عبرها تنظيم التوازنات في المشرق العربي.

فعلى مدى العقدين الماضيين، تحول العراق تدريجياً من دولة مركزية في النظام العربي إلى مجال حيوي مفتوح للتنافس الإقليمي والدولي، إذ تشكل داخله نموذج سياسي – أمني قائم على التوازن بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الإيراني، الأمر الذي جعل استقراره مرتبطاً بصورة مباشرة بطبيعة العلاقة بين الطرفين. إلا أن الحرب الحالية دفعت هذه المعادلة نحو مرحلة أكثر تعقيداً، لأن الصراع لم يعد يتعلق فقط بإدارة النفوذ أو ضبط التصعيد، بل بمحاولة إعادة هندسة البيئة الإقليمية نفسها، وهو ما يضع العراق أمام لحظة استراتيجية فاصلة تتعلق بمستقبل الدولة ووظيفتها الإقليمية.

وفي هذا السياق، لم يعد العراق يُنظر إليه بوصفه “ساحة نفوذ” إيرانية فقط، بل بوصفه ساحة مركزية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الحرب. فالولايات المتحدة ترى أن إعادة بناء النظام الأمني في المشرق العربي تمر عبر إعادة ضبط المجال العراقي، وتقليص قدرة إيران على استخدامه كمنصة نفوذ إقليمي، في حين تنظر إيران إلى العراق باعتباره خط الدفاع الأكثر أهمية عن عمقها الاستراتيجي، وخسارته تعني تراجع قدرتها على التأثير في توازنات المنطقة.

ومن هنا، فإن الأزمة العراقية في مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرد أزمة نظام سياسي أو توازنات داخلية، بل أزمة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل يستطيع العراق التحول إلى دولة تمتلك قرارها السيادي وتدير علاقاتها الإقليمية وفق منطق المصلحة الوطنية، أم سيبقى مجالاً مفتوحاً لتداخل النفوذ الخارجي والصراعات الإقليمية؟ وهذا ما يجعل الحرب على إيران لحظة إعادة تعريف شاملة لموقع العراق داخل النظام الإقليمي الجديد، وليس مجرد تطور أمني عابر.

أولاً: العراق من ساحة نفوذ إلى ساحة إعادة هندسة إقليمية

أعادت الحرب على إيران تعريف موقع العراق داخل التوازنات الإقليمية بصورة غير مسبوقة. فالعراق لم يعد مجرد ساحة نفوذ إيرانية أو منطقة اشتباك أمريكي – إيراني تقليدية، بل تحول إلى إحدى أهم ساحات إعادة هندسة النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. وهذا التحول لا يرتبط فقط بتراجع أو صعود النفوذ الإيراني، بل بطبيعة الدور الذي يُراد للعراق أن يؤديه ضمن البيئة الإقليمية الجديدة.

فخلال العقدين الماضيين، تأسست المعادلة العراقية على نوع من “التوازن غير المعلن” بين واشنطن وطهران؛ الولايات المتحدة ضمنت بقاء الدولة والمؤسسات الرسمية، بينما تمكنت إيران من بناء شبكة نفوذ داخل البنية السياسية والأمنية والاجتماعية العراقية. إلا أن الحرب الحالية دفعت هذه المعادلة نحو التفكك التدريجي، لأن واشنطن باتت تنظر إلى استمرار العراق ضمن المجال الحيوي الإيراني بوصفه تهديداً مباشراً لمشروع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المشرق والخليج.

وفي المقابل، تدرك إيران أن خسارة العراق أو تراجع قدرتها على التأثير داخله لا يعني فقط تراجع نفوذها الإقليمي، بل انهيار أحد أهم مرتكزات استراتيجيتها القائمة على “الدفاع الأمامي”. ولذلك فإن العراق أصبح يمثل بالنسبة للطرفين مساحة حاسمة لإعادة تعريف النفوذ، وليس مجرد ساحة لإدارته.

لكن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن العراق يقف اليوم بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة دمجه ضمن البيئة العربية والخليجية والدولية بوصفه دولة وظيفية مستقرة، ومشروع آخر يسعى للحفاظ عليه ضمن المجال الاستراتيجي الإيراني باعتباره خط الدفاع المتقدم عن النفوذ الإقليمي لطهران. وهذا التناقض يجعل العراق أحد أكثر ميادين ما بعد الحرب حساسية واضطراباً.

ثانياً: تحولات المجال الأمني العراقي وأزمة السيادة

كشفت الحرب على إيران هشاشة مفهوم السيادة العراقية بصورة غير مسبوقة، لأن الدولة العراقية لم تعد تواجه تهديدات تقليدية مرتبطة بالحدود فقط، بل أصبحت جزءاً من مجال أمني إقليمي متشابك تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاستخبارية والاقتصادية والسيبرانية.

فالعراق اليوم لا يتحكم بصورة كاملة بمجاله الأمني، بسبب تعدد الفاعلين المسلحين، وتداخل الولاءات السياسية، وارتباط بعض القوى الداخلية بأجندات إقليمية متعارضة. وهذا ما جعل الدولة العراقية عاجزة في كثير من الأحيان عن احتكار القرار الأمني أو منع استخدام أراضيها كساحة لتبادل الرسائل الإقليمية.

كما أن الحرب الحالية أظهرت أن مفهوم السيادة لم يعد مرتبطاً فقط بمنع التدخل الخارجي، بل بقدرة الدولة على التحكم بالقرار الاستراتيجي الداخلي. فالعراق قد يمتلك مؤسسات رسمية وجيشاً وحكومة، لكنه لا يزال يواجه تحدياً يتعلق بقدرة هذه المؤسسات على فرض إرادتها على كامل المجال الأمني الداخلي.

وفي هذا السياق، انتقل العراق من مرحلة “إدارة التهديدات” إلى مرحلة “إدارة الاستنزاف”، أي التعامل مع ضغوط أمنية وسياسية واقتصادية طويلة الأمد تستنزف الدولة بصورة تدريجية دون أن تؤدي بالضرورة إلى انهيار شامل. وهذا النمط من التهديدات يعد من أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب، لأنه يضع العراق أمام حالة دائمة من عدم الاستقرار البنيوي.

ثالثاً: الفصائل المسلحة بين الوظيفة الإيرانية ومأزق ما بعد الحرب

تشكل الفصائل المسلحة أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، لأنها لم تعد مجرد قوى عسكرية، بل تحولت إلى بنية سياسية – اقتصادية – أمنية متشابكة تمتلك تأثيراً واسعاً داخل الدولة العراقية. وخلال السنوات الماضية، مثلت هذه الفصائل إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني، لأنها وفرت لطهران قدرة على التأثير في القرار العراقي دون الحاجة إلى حضور مباشر واسع.

إلا أن الحرب الحالية دفعت هذه الفصائل إلى مواجهة مأزق استراتيجي معقد. فمن جهة، لا تستطيع الانفصال الكامل عن المشروع الإيراني بحكم طبيعة الارتباط العقائدي والسياسي والأمني، ومن جهة أخرى فإن استمرارها بالوظيفة نفسها بعد الحرب قد يضعها في مواجهة ضغوط أمريكية وإقليمية ودولية متزايدة.

كما أن التحولات الإقليمية الجديدة لم تعد تسمح بنفس هامش الحركة الذي تمتعت به الفصائل خلال مرحلة “الحرب على الإرهاب” أو مرحلة “الردع غير المباشر”. فالمناخ الإقليمي يتجه نحو إعادة بناء الدولة المركزية وتقليص دور الفاعلين المسلحين غير الدولتيين، وهو ما يجعل مستقبل الفصائل مرتبطاً بقدرتها على التكيف مع بيئة سياسية وأمنية مختلفة.

وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب طرح سؤال “احتكار الدولة للسلاح” بوصفه قضية ترتبط بمستقبل العراق الإقليمي، وليس فقط باستقراره الداخلي. فإعادة دمج العراق في البيئة العربية والدولية أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة الدولة على ضبط المجال الأمني وتقليل تعدد مراكز القوة المسلحة.

رابعاً: الولايات المتحدة وإعادة بناء العراق الوظيفي

لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى العراق من منظور مكافحة الإرهاب فقط، بل باتت تتعامل معه بوصفه جزءاً مركزياً في مشروع إعادة تشكيل المجال الأمني للمشرق العربي بعد الحرب على إيران. إلا أن المقاربة الأمريكية الحالية تختلف عن مرحلة ما بعد عام 2003، لأنها لا تقوم على الاحتلال المباشر أو إعادة بناء الدولة بالقوة العسكرية، بل على إعادة إنتاج “عراق وظيفي” قادر على الاندماج ضمن المنظومة الإقليمية الجديدة، من دون أن يتحول إلى مصدر تهديد للتوازنات التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في المنطقة.

ومن هنا، تعتمد الولايات المتحدة على أدوات أكثر تعقيداً، تشمل الضغط المالي والاقتصادي، وإعادة تنظيم التعاون الأمني، ودعم المؤسسات الرسمية، وربط العراق تدريجياً بالمنظومة الخليجية والعربية، بالتوازي مع تقليص قدرة الفصائل المسلحة على التأثير في القرار الأمني والسياسي. وتهدف هذه المقاربة إلى إنتاج عراق أقل ارتباطاً بإيران، وأكثر قدرة على لعب دور توازني داخل البيئة الإقليمية الجديدة، دون الدخول في مواجهة أمريكية شاملة داخل الأراضي العراقية.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات بنيوية معقدة، لأن النفوذ الإيراني في العراق لم يعد مقتصراً على البعد العسكري أو الأمني، بل أصبح متجذراً في الاقتصاد والسياسة والبنية الاجتماعية والدينية، وهو ما يجعل عملية إعادة تشكيل المجال العراقي أكثر تعقيداً من مجرد احتواء الفصائل المسلحة أو تقليص نفوذها. ولذلك، فإن الصراع الأمريكي–الإيراني داخل العراق لم يعد صراع نفوذ تقليدي، بل تحول تدريجياً إلى صراع يتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها، وبشكل تموضعها داخل النظام الإقليمي المقبل.

وفي هذا السياق، تبدو المقاربة الأمريكية الحالية تجاه حكومة رئيس الوزراء (علي الزيدي) جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ضبط المجال السياسي والأمني العراقي في مرحلة ما بعد الحرب. فواشنطن قدمت دعماً مشروطاً لحكومة الزيدي، يرتبط بجملة من المتطلبات، في مقدمتها ضبط سلاح الفصائل المسلحة، وإعادة تنظيم العلاقة مع إيران، وتعزيز مركزية القرار الأمني بيد الدولة. وتدرك الإدارة الأمريكية أن نجاح أي مشروع لإعادة دمج العراق ضمن البيئة العربية والخليجية لن يكون ممكناً من دون تقليص تعدد مراكز القوة داخل الدولة العراقية.

وفي المقابل، فإن فشل حكومة الزيدي في التعامل مع هذه الاشتراطات قد يدفع إدارة الرئيس (دونالد ترامب) إلى التعامل مع العراق بوصفه جزءاً من تصور أمريكي أوسع لإعادة تشكيل وضع إيران وحلفائها في المنطقة بعد الحرب، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حدة من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على بغداد، خصوصاً إذا استمرت الفصائل المسلحة في لعب دور يتجاوز حدود الدولة ومؤسساتها الرسمية.

خامساً: العراق والممرات الإقليمية الجديدة

كشفت الحرب على إيران أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يُدار فقط عبر القوة العسكرية أو توازنات الردع التقليدية، بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بالسيطرة على الممرات التجارية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنى التحتية الاستراتيجية. فالتنافس الإقليمي والدولي في المرحلة الحالية لم يعد يدور حول النفوذ السياسي فحسب، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة والربط الجيوسياسي بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يبرز العراق بوصفه إحدى أهم العقد الجيوسياسية القادرة على الربط بين الخليج والمشرق وتركيا وأوروبا.

ومن هنا، تزداد أهمية تفعيل مشاريع خطوط نقل نفط بديلة عن مضيق هرمز، عن طريق سوريا والأردن والسعودية، وكذلك مشروع “طريق التنمية”، الذي لا يمثل مجرد مشروع اقتصادي أو لوجستي، بل محاولة لإعادة تعريف الوظيفة الجيوسياسية للعراق داخل البيئة الإقليمية الجديدة. فبغداد تسعى من خلال هذا المشروع إلى الانتقال من نموذج “الدولة الريعية” المعتمدة على النفط إلى نموذج “الدولة العقدة”، أي الدولة التي تمتلك موقعاً محورياً داخل شبكات النقل والطاقة والتجارة الإقليمية. وهذا التحول يمنح العراق فرصة لإعادة بناء مكانته الاستراتيجية، ليس فقط بوصفه منتجاً للطاقة، بل بوصفه ممراً إقليمياً حيوياً يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا.

لكن الحرب على إيران أعادت في الوقت نفسه إبراز هشاشة موقع العراق الاقتصادي، لأن أي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز ينعكس مباشرة على صادرات النفط العراقية وحركة التجارة والاستثمار وكلف النقل والتأمين. كما أن تصاعد أهمية الممرات البرية والبدائل الجيوسياسية للممرات البحرية التقليدية قد يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى التعامل مع العراق بوصفه ساحة تنافس على النفوذ الاقتصادي، وليس فقط الأمني.

وفي هذا الإطار، لم يعد الصراع على العراق يتعلق فقط بمن يمتلك النفوذ السياسي أو الأمني داخله، بل بمن يحدد موقعه داخل خرائط التجارة والطاقة الإقليمية الجديدة. فالممرات الاقتصادية أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل مستقبل العراق مرتبطاً بقدرته على التحول من “ساحة عبور للأزمات” إلى “عقدة ربط إقليمية” تمتلك دوراً وظيفياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

غير أن نجاح هذا التحول يبقى مشروطاً بقدرة العراق على تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، لأن أي بيئة مضطربة ستجعل من الصعب جذب الاستثمارات أو بناء بنية تحتية قادرة على المنافسة إقليمياً. ولذلك، فإن مستقبل العراق الاقتصادي بعد الحرب لن يتوقف فقط على أسعار النفط أو حجم موارده، بل على قدرته على إدارة موقعه الجغرافي بوصفه مصدر قوة استراتيجية، لا بوصفه مساحة مفتوحة للصراع والتنافس الإقليمي.

سادساً: الخليج والعراق من الاحتواء الأمني إلى الشراكة المشروطة

قد تؤدي الحرب على إيران إلى إعادة تعريف العلاقة بين العراق ودول الخليج بصورة أعمق من المراحل السابقة. خصوصاً بعد الهجمات العديدة التي شنتها الفصائل المسلحة الموالية لإيران على دول الخليج، وتحديداً الكويت، وما تمخض عن ذلك من بيانات إدانة عديدة صدرت عن منظمة مجلس التعاون الخليجي التي حملت العراق مسؤولية هذه الهجمات، فدول الخليج لم تعد تنظر إلى العراق فقط من زاوية التهديد الأمني أو النفوذ الإيراني، بل بدأت تدرك أن استقرار العراق يمثل جزءاً من استقرار البيئة الخليجية نفسها.

ومن هنا، قد تنتقل المقاربة الخليجية تجاه العراق من سياسة “الاحتواء الدفاعي” إلى سياسة “الشراكة المشروطة”، أي الانفتاح الاقتصادي والسياسي على بغداد مقابل تعزيز مفهوم الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة وضبط المجال الأمني الداخلي.

وفي المقابل، يدرك العراق أن إعادة دمجه في البيئة الخليجية قد تمنحه فرصة لتقليل مستوى الارتهان الاقتصادي والسياسي لإيران، وفتح المجال أمام استثمارات ومشاريع إقليمية كبرى. لكن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بقدرة بغداد على بناء دولة مستقرة قادرة على حماية القرار السيادي وتوفير بيئة آمنة للتعاون الاقتصادي والاستثماري.

سابعاً: مستقبل الدولة العراقية في النظام الإقليمي الجديد

تكشف الحرب على إيران أن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتعلق بإعادة تعريف الدولة نفسها، وليس فقط بإعادة ترتيب التوازنات السياسية الداخلية. فالسؤال المركزي في مرحلة ما بعد الحرب لم يعد يتعلق بمن يحكم العراق اليوم أو بشكل التحالفات الحكومية الجديدة، بل بطبيعة الدولة العراقية التي ستتشكل داخل البيئة الإقليمية الجديدة: هل ستكون دولة قادرة على احتكار القرار الأمني والسياسي وإدارة علاقاتها الخارجية وفق منطق المصلحة الوطنية، أم ستبقى مجالاً مفتوحاً لتداخل النفوذ الإقليمي والدولي وتعدد مراكز القوة الداخلية؟

وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يتمثل فقط في تجنب تداعيات الحرب أو احتواء آثارها الأمنية والاقتصادية، بل في استثمار لحظة التحول الإقليمي لإعادة بناء الدولة وتعزيز مفهوم السيادة بوصفه قدرة على التحكم بالقرار الاستراتيجي، وليس مجرد شعار سياسي. فكلما نجحت بغداد في ضبط السلاح خارج إطار الدولة، وتقوية المؤسسات الرسمية، وتنويع علاقاتها الإقليمية والدولية، وتقليل مستوى الارتهان للصراعات الخارجية، ازدادت قدرتها على الانتقال من موقع “ساحة صراع” إلى موقع “الفاعل الإقليمي” القادر على التأثير في التوازنات المحيطة به.

لكن في المقابل، فإن استمرار حالة التداخل بين الدولة والفصائل المسلحة، وبين القرار الوطني والضغوط الخارجية، قد يدفع العراق نحو مرحلة أكثر هشاشة واضطراباً، خصوصاً إذا تحولت مرحلة ما بعد الحرب إلى بيئة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ داخل المشرق العربي والخليج. فالعراق يواجه اليوم أزمة تتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية، لتصل إلى مستوى “أزمة نموذج دولة”، أي أزمة تتعلق بقدرة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003 على الاستمرار في بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة تعريف مفاهيم الأمن والسيادة ووظيفة الدولة.

ومن هنا، فإن مستقبل العراق في النظام الإقليمي الجديد سيكون مرتبطاً بقدرته على الانتقال من منطق “إدارة التوازنات الهشة” إلى منطق “بناء الدولة القادرة”، أي الدولة التي تمتلك قرارها السيادي، وتدير علاقاتها الخارجية وفق رؤية استراتيجية مستقلة، وتعيد توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الاقتصادية ضمن مشروع وطني يقلل من هشاشتها تجاه التحولات الإقليمية. وبخلاف ذلك، قد يبقى العراق إحدى أكثر ساحات الشرق الأوسط عرضة للاستنزاف والتنافس الجيوسياسي طويل الأمد.

خاتمة استراتيجية

تكشف الحرب على إيران أن العراق يقف أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ عام 2003، لأن التحولات الجارية لا تتعلق فقط بإعادة توزيع النفوذ في المنطقة، بل بإعادة تعريف شكل النظام الإقليمي ووظيفة الدول داخله. وفي هذا السياق، لم يعد العراق مجرد دولة متأثرة بالصراع، بل أصبح أحد الميادين الرئيسة التي سيتحدد من خلالها شكل التوازنات الجديدة في المشرق العربي والخليج.

فالحرب الحالية أظهرت أن نموذج “العراق بوصفه ساحة مفتوحة” لم يعد قابلاً للاستمرار بالصيغة نفسها التي تشكلت خلال العقدين الماضيين، في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة بناء المجالات الأمنية والاقتصادية على أسس جديدة تقوم على تقليص دور الفواعل غير الدولتية، وتعزيز أهمية الممرات الاقتصادية والطاقة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسيادة والأمن.

وفي المقابل، يقف العراق أمام مفترق استراتيجي حاسم: فإما أن ينجح في استثمار لحظة التحول الإقليمي لإعادة بناء الدولة وتعزيز مركزية القرار السيادي والانفتاح على محيطه العربي والإقليمي بوصفه دولة توازن وممر ربط استراتيجي، وإما أن يبقى ساحة مفتوحة للتنافس الأمريكي – الإيراني والصراعات الإقليمية، بما يحمله ذلك من مخاطر الاستنزاف طويل الأمد وعدم الاستقرار البنيوي.

ومن هنا، فإن مستقبل العراق بعد الحرب لن يتحدد فقط بنتائج المواجهة العسكرية أو الصفقة الدبلوماسية أو بحجم النفوذ الأمريكي والإيراني داخله، بل بقدرة الدولة العراقية نفسها على إعادة تعريف موقعها ووظيفتها داخل نظام إقليمي يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وسيولة وتنافساً من أي وقت مضى.

في المحصلة، لن يتحدد مستقبل العراق بعد الحرب بميزان النفوذ الأمريكي والإيراني وحده، بل بقدرته على التحول من مجال تُدار عبره صراعات الآخرين إلى دولة تعيد تعريف موقعها ووظيفتها وفق منطق المصلحة الوطنية. فإذا نجحت بغداد في ضبط السلاح، وتحصين القرار السيادي، وتوظيف موقعها الجغرافي ضمن شبكات الطاقة والتجارة والممرات، فقد تنتقل من موقع الساحة الهشة إلى موقع العقدة الإقليمية الفاعلة. أما إذا استمرت معادلة الدولة المزدوجة، فسيبقى العراق أحد أكثر ميادين الشرق الأوسط قابلية للاستنزاف، لا لأنه ضعيف الموارد، بل لأنه عاجز عن تحويل موقعه الاستراتيجي إلى سيادة فعلية.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى