مقابلة العدد مع عبد الكريم الكباريتي

الشرق العربي ورياح التغيير.. لكن بأيّ اتجاه؟!

مستقبل المنطقة بأسرها مرتهن اليوم بمفاعيل الحرب بين أميركا وإسرائيل وإيران؛ بالرغم من ذلك يصعب التنبؤ الآن بالصيغة أو الصورة التي ستبدو عليها الأمور بعد الحرب، فكل شيء مرتبط بمآلاتها ونتائجها العسكرية والسياسية، لكن ما هو واضح أنّ الشرق الأوسط على مفترق طرق مصيري؛ وبصورة خاصة الدول العربية في هذه المنطقة، التي ما تزال تمثل إلى الآن الطرف الأضعف في المعادلة.

وإذا كانت إسرائيل قد شُغلت، تاريخياً، بمفهوم الأمن والحفاظ على الأراضي التي تحتلها في فلسطين، فهي اليوم مختلفة ولها طموح كبير يقوم على الهيمنة الإقليمية، وتعززت هذه الأجندة مع قدوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ ويمكن بسهولة ملاحظته الاستفراد الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة ولبنان وجنوب سورية ولا توجد قوة دولياً أو إقليمياً، عربياً أو غربياً تريد أو قادرة على ردع هذه التوجهات الإسرائيلية في فرض معادلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

مثل هذه المتغيرات الكبرى تفرض أسئلة جوهرية على دول المشرق العربي؛ فمن المهم أن تحسم موقفها من العلاقة المستقبلية من إيران، وهي دولة موجودة تاريخياًً في المنطقة، بينما إسرائيل هي الجسم الغريب، فهل نريد أن نبنى تصوراً مختلفاً مستقبلاً في العلاقة مع إيران يقوم على التعاون والأمن الإقليمي والندية؛ أم نستسلم لمفهوم الصراع القدري اللا منتهي مع الإيرانيين؟! مثل هذا السؤال من المهم أن نجيب عليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأنّ الحرب الراهنة أظهرت مدى صلابة النظام الإيراني وقوة الدولة هناك، وقد صمدت في وجه الولايات المتحدة الأميركية القوى العظمى عالميا، وبدلاً من انهيار النظام هناك واستسلامه، أو ثورة الشعب عليه، كما كان يتصور نتنياهو وأقنع ترامب بذلك، وجدنا أن النظام قد ازداد صلابة وقوة داخلياً، ووصلت إدارة ترامب وحتى حكومة نتنياهو إلى قناعة بعدم جدوى التركيز على هدف إسقاط النظام هناك، بمعنى أننا سنبقى نتعامل مع النظام الإيراني خلال المرحلة القادمة، وهو ما يطرح علينا – عربياً وبالأخص خليجياً- سؤال أيّ صيغة من العلاقة نريدها مع إيران؟!

في هذا السياق ليس واضحاً بعد فيما إذا كانت لدى الأشقاء في الخليج إجابة موحدة على السؤال الاستراتيجي السابق! أم هنالك خلاصات وإجابات خليجية متعددة، لكن من الواضح أنّنا أمام مرحلة تستدعي المراجعة العربية والخليجية؛ وإذا كانت هنالك توصية تقدم لهذه الدول فهي ضرورة البحث عن إطار من العلاقة الإقليمية الإيجابية مع الإيرانيين؛ وتعريف قواعد اللعبة معهم داخلياً وإقليمياُ بما يخدم مصالح الطرفين، وأن نخرج من تأطير العلاقة من الفخّ الطائفي والهوياتي، فمصالح الدول هي التي تحرّك السياسات، ومصالحنا اليوم هي في الشراكة الاستراتيجية المبنية على قواعد واضحة مع إيران، بدلاً من انتظار الصفقات التي يعقدها الآخرون معها.

يبدو الموقف التركي، هنا، نموذجاً مهماً على النضج السياسي والواقعية والعقلانية في إدارة السياسة الخارجية، بخاصة على الصعيد الإقليمي، فتركيا لم تنجر إلى لغة طائفية أو تاريخية في موقفها من الحرب الإيرانية الحالية، إنما ربطت موقفها بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ونظرت إلى الحرب من منظور الخطر على أمنها القومي من جهة، ومصالحها السياسية من جهةٍ ثانية، إذ إنّ سقوط النظام الإيراني قد يعني ثلاثة نتائج خطيرة بالنسبة للأتراك، أولاً احتمال انفجار حروب الهوية وامتدادها إلى المنطقة وخلق حالة من عدم الاستقرار، ثانياً أزمة اللاجئين إلى تركيا والتأثير على الاستقرار الداخلي وثالثاً تعزيز القوة الإقليمية الإسرائيلية والإخلال بمبدأ الردع وتوازن القوى في المنطقة، لذلك أدركت تركيا أن مصلحتها بوقف الحرب وتجنب الانجرار إلى الأجندة الأميركية- الإسرائيلية وما قد تجره من ويلات على المنطقة.

لا تقتصر هذه التحولات على الصعيد الإقليمي، بل هي ذات طابع دولي، فالعالم كلّه يتغيّر، وهنالك تحولات دولية نراها حتى على صعيد العلاقة بين أميركا وأقرب حلفائها، الأوروبيين، ألم يدعو الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الأوروبيين إلى الاستيقاظ في مواجهة هذه التطورات العالمية؟! ألم يقم ترامب نفسه بزيارة الصين من أجل إيجاد حل لـ”المشكلة الإيرانية”، ألا يؤثر مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي بأسره والاقتصاد العربي- الخليجي بصورة كبيرة؟!

إذن، نحن أيضاً – عربياً- مطالبون بالاستيقاظ والتفكير في التحولات الكبيرة الجارية وموقعنا في العالم ومصالحنا الاستراتيجية، وهو ما يدعونا إلى العلم على إعادة رسم العلاقة مع أميركا والصين وأوربا وتركيا والدول الأخرى؛ هذا أحد الأسئلة الكبرى المترتبة على الحرب ومفاعليها الراهنة؟!

السعودية، مثلاً، عززت علاقاتها مع باكستان وتركيا، ومن الواضح أنّ هنالك فجوة كبيرة بينها وبين تصورات الإدرة الأميركية للمرحلة القادمة وحالة من فجوة الثقة؛ وقد تم الإعلان عن وصول طائرات حربية وآلاف الجنود الباكستانيين إلى السعودية، كذلك تعززت العلاقات بين السعودية والأردن وقطر وتركيا في سبيل مواجهة هذه التطورات والتحديات التاريخية، وهذا يتطلب الدفع نحو سياسة “تنويع الخيارات الاستراتيجية العربية” وعدم الاقتصار على فكرة الأحادية في العلاقة مع الأميركيين، والتحرر من نظرية الحماية الأميركية للخليج العربي.

يضاف إلى ما سبق أنّ السلوك الإسرائيلي العدائي اليوم ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل ضد لبنان وسورية، والتصريحات الاستفزازية ضد الأردن والسعودية، ومحاولة اغتيال قادة حركة حماس في قطر، وتجاوز المعايير الإنسانية في التعامل مع الحالة الفلسطينية، ولعلّ المثال الأخير يتمثّل في ما حدث مع ناشطي أسطول الحرية والاعتداء عليهم، ذلك كلّه خلق ردود فعل غير مسبوقة في الرأي العام العالمي والأميركي، وتغيراً ملحوظاً في مواقف دول أوربية، وأزمة مع دول مثل اسبانيا وحكومة أيرلندا والنرويج والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وجنوب أفريقيا، وتحولاً في الرأي العام الأميركي وحالة من الانقسام غير المسبوق في الأوساط الأميركية تجاه إسرائيل، ذلك كلّه يستدعي تطوير أجندة عمل عربية لاستثمار هذه المناخات الدولية الجديدة في المواجهة مع إسرائيل، التي أظهرت بعد الحرب على غزة نوايا الهيمنة والشعور بفائض القوة في المنطقة.

أمّأ أردنياً فثمّة نتائج وخلاصات مهمة، في مقدمتها ضرورة الحفاظ على قدر كبير من الحياد في الحرب الأميركية- الإيرانية، وعدم الانجرار إلى صراع إقليمي لا يخدم المصالح الأردنية بأيّ حال من الأحوال، وإذا كانت لدينا مشكلة تاريخية مع السياسات والأفكار الإيرانية في المنطقة، فإنّ لدينا اليوم مشكلة كبرى مع سياسات بنيامين نتناهو وإسرائيل، وما يضمره الساسة الإسرائيليون لمستقبل الضفة الغربية، لذلك من المهم الإمساك بموقف عدم الانجرار إلى أيّ معركة أو حرب مع إيران، بل تقديم نموذج معتدل متوازن، شبيهاً بالنموذج العُماني، وأن نكون حريصين على هذه الميزة الاستراتيجية لنا، إذ ستخدم الأردن مع كل الأطراف مستقبلاً.

على صعيد التحدي الأكبر، خارجياً، فهو مع إسرائيل وحكومة نتنياهو بصورة خاصة، ومع أجندة هذه الحكومة تجاه الضفة الغربية والأردن على السواء. الأردن بالنسبة لنتنياهو ليس إلاّ دولة وظيفية أو مستودعا للاجئين الفلسطينيين، ومن الواضح أنّ مشروع السلام انتهى في إسرائيل منذ اغتيال إسحاق رابين، وما يجري لاحقاً لا علاقة له بتسوية سلمية أو إيمان بالسلام، وما زلت أذكر اللقاء الذي جمعني ببنيامين نتنياهو في صيف 1996، عندما أصبح رئيساً لحكومة إسرائيل، وكان هنالك قناعة لدى الملك الحسين رحمه الله بأنّه يمثل تهديداً للسلام، وأراد إرسال رسائل واضحة له حول الموقف الأردني من السلام ومحدداته، وقد طلب مني استقباله في المطار ومقابلته؛ فركب معي السيارة وكان في غاية العجرفة، وكان واضحاً لي منذ تلك اللحظة أنّه شخص لا يريد السلام، يؤمن فقط بالقوة والغطرسة، ولا يرى أحداً أمامه، وقد كان الجو مشحوناً بيننا حتى وأنا أنقله في السيارة من المطار، خلال تلك الزياة بيننا، ومنذ ا للقاء الأول، كانت قناعتي الراسخة وتزداد رسوخاً أنّ مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون معه سلام.

في السياق نفسه فمن الضروري أن يكون هنالك “برنامج أردني” في الضفة الغربية لمواجهة السياسات الإسرائيلية، وألا نكتفي باللقاء والحديث مع السلطة الفلسطينية، بل أن تكون القنوات والسياسات والأعمال المختلفة مع مختلف القوى الفلسطينية، لأنّ مواجهة المشروع الإسرائيلي في ضم الضفة والتهامها وتهجير الفلسطينيين هي مصلحة وطنية وأمنية واستراتيجية حيوية أردنية.

ذلك يقتضي أيضاً أن نطوّر علاقاتنا بدول الجوار، مع الخليج والعراق وسورية، أن تأخذ هذه السياسات طابعاً مؤسسياً – ليس فقط شخصياً- بما يخدم مصالح دول المنطقة بصورة عامة. مع سورية صحيح أنّ مصلحتنا تتمثل في وحدة الأراضي السورية وقوة الدولة هناك، لكن في المقابل من الخطأ توهم وجود منافع اقتصادية كبيرة ستأتي من سورية، بل قد تكون سورية منافساً كبيراً للأردن اقتصادياً خلال المرحلة القادمة، بخاصة ما يتعلّق بنقل النفط من العراق إلى البحر المتوسط، وفيما يخص العراق فمن الواضح أنّ هنالك فجوة ما تزال قائمة بيننا وبين الشارع العراقي، وعلينا العمل على بناء جسور كبيرة من التواصل والدبلوماسية الرسمية والشعبية وتطوير علاقات متبادلة جيدة، بخاصة مع القوى الشيعية التي من المفترض أن تكون علاقتها إيجابية مع الدول العربية والأردن.

في الخلاصة؛ مصيرنا، عربياً، اليوم بأيدينا، وعلينا أن نختار هل نريد أن يكون لنا كدول وأمة في هذه المنطقة كلمة في بناء سيناريوهات المرحلة القادمة؟! وهل نريد الجلوس على الطاولة مع اللاعبين الآخرين وتكون لنا كلمتنا؟ أم نكون خارج التاريخ والفعل؛ وننتظر كلمتهم؟!

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى