الآثار الاقتصادية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

ليست الحرب حدثاً عسكرياً معزولاً تنتهي تداعياته على حدود ساحة المعركة؛ بل تشكل ما يشبه الموجات الارتدادية التي تظهر آثارها في لتطال القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، والحروب الكبرى عبر التاريخ الحديث  تعلمنا أن الخسائر الاقتصادية تفوق في مداها الخسائر العسكرية؛  فالحرب العالمية الثانية دمّرت ثلث رأس المال البشري الأوروبي، وحرب الخليج الأولى أثبتت   ان  تهديد مصادر النفط  وتدفقاته تكفي لأن يهتز الاقتصاد العالمي  قبل بدء العمليات العسكرية.

وفي سياق الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران التي لا تزال ملفا مفتوحا فإن الآثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة امتدت لتغطي المسرح العالمي دون ان تكون الكثير من الدول منخرطة فيها ولكنها تتعايش مع تداعياتها السلبية.

في هذا المقال يمكن النظر الى عدة  مستويات لتحليل الآثار الاقتصادية:  أزمة الطاقة ، تعطل سلاسل الإمداد ونقص السلع ثم التداعيات العربية بشقيها النفطي وغير النفطي، وأخيراً التكلفة  غير المباشرة المرتبطة بتعثر    برامج  الإصلاح الاقتصادي  وتنفيذ الرؤى المستقبلية في  بعض دول المنطقة.  

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن الاقتصاد لم يعد مجرد مجال يتلقى آثار الصراع، بل أصبح جزءًا من هندسة القوة ذاتها. فالمضائق البحرية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتأمين البحري، والغذاء، والأسمدة، تحولت إلى أدوات في إدارة الضغط الاستراتيجي. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة التداعيات الاقتصادية للحرب بوصفها نتائج جانبية، بل بوصفها مظهرًا من مظاهر الجيواقتصاد، حيث تستخدم الدول والفواعل موقعها في شبكات الاعتماد المتبادل لإنتاج كلفة سياسية واقتصادية على الخصوم والحلفاء والأسواق في آن واحد 

أزمة التزويد بالطاقة  

قبل اندلاع الحرب، كانت أسعار خام برنت تدور حول 70 دولارًا للبرميل، إلا أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران دفعت الأسعار خلال أيام إلى ما بين 80 و82 دولارًا، قبل أن تتجاوز حاجز 120 دولارًا في بعض الفترات. ووفقا لتقارير ومرجعات صندوق النقد الدولي فإن دولا قليلة ستنجو من تداعيات ارتفاع الأسعار حسبما صرحت مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا مؤخرا خلال اجتماعات الربيع السنوية للصندوق في ابريل (نيسان الماضي).  

الأثر الأكثر وضوحا   جاء نتيجة  إغلاق مضيق هرمز الذي يعبر منه يومياً 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز المسال. توقف هذا الشريان يعني انقطاع  امدادات الطاقة عن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والباكستان ، وأعلنت عدة دول حالات طوارئ وتقشف في الاستهلاك ضمن اطار التكيف مع الارتباكات التي حصلت في الأسواق.  كذلك تم استهداف عددا من مصافي النفط في الدول المنتجة مما عطل القدرات الإنتاجية وجعلها في موقف استهداف دائم للنيران. 

هنا تظهر أهمية الاعتماد المتبادل كسلاح. فإغلاق مضيق هرمز لا يستهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل وحدهما، بل يضرب شبكة واسعة من المستوردين والمنتجين وشركات التأمين والشحن والأسواق المالية. وكلما اتسعت دائرة المتضررين، ارتفعت قدرة الطرف المتسبب في الاضطراب على تحويل الأزمة من مواجهة عسكرية محدودة إلى ضغط عالمي متعدد الاتجاهات. بهذا المعنى، لا تكمن خطورة هرمز في موقعه الجغرافي فقط، بل في كونه عقدة مركزية داخل اقتصاد عالمي شديد الترابط. 

تعطل سلاسل الامداد والتجارة الدولية  

كشفت الأسابيع الأولى من المواجهة عن هشاشة بالغة في شرايين التجارة العالمية التي تمر عبر المنطقة. فارتفاع أجور الشحن البحري في بعض المسارات إلى عدة أضعاف، وصعود أسعار الشحن الجوي بشكل ملحوظ، يعنيان أن الأزمة لا تهدد فقط تدفق السلع، بل ترفع أيضاً كلفة إنتاجها ونقلها. وقد رفعت  شركات التأمين البحري معدلاتها بين 300% و500% على الرحلات العابرة لمضيق هرمز، مما اضطر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، مضيفةً أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لكل رحلة. وتعكس توقعات صندوق النقد الدولي إدراكاً متزايداً بأن الحرب ستترك أثراً عميقاً على النمو العالمي، إذ خفّض الصندوق توقعاته للنمو ورفع توقعاته للتضخم، وتضاعف الأثر حين أُغلقت المجالات الجوية الخليجية، مما شل حركة الشحن الجوي للبضائع الحساسة كالأدوية والإلكترونيات، التي ارتفعت تكاليف نقلها بين 60% و80% على بعض المسارات.  

وجاء ذلك كله في ظل ترابط أسواق عالمية وسلاسل إمداد تتميز بتعقيد غير مسبوق مقارنةً بأزمات الطاقة السابقة. والنتيجة أن موجة التضخم التي شعر بها المستهلك لم تكن وليدة ارتفاع أسعار النفط وحده، بل كانت مزيجاً من ارتفاع الطاقة وغلاء الشحن ونقص المدخلات وتكاليف التأمين ؛ ما أدى إلى انتقال الكلفة المركبة للأزمة تدريجيًا إلى المستهلك النهائي ولعل هذا يفسر جانبا من قلق القادة حول العالم من آثار الحرب التي لم يختاروا المشاركة فيها ولكنها ستؤثر على مواقعهم السياسة وفرصهم الانتخابية. 

كذلك أظهرت هذه الحرب ان الرابط بين الطاقة والغذاء أكثر عضوية مما هو معروف، فالغاز الطبيعي المادة الخام الأساسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية، وحين توقفت إمدادات الغاز القطري ، بعد أن أوقفت قطر إنتاجها في مجمع رأس لفان إثر الضربات الإيرانية  تحولت أزمة الطاقة إلى أزمة أسمدة، وانعكست على الزراعة العالمية بأسرها. وقدّرت تحليلات الرابطة الدولية لصناعة الأسمدة أن نقص الإمدادات سيؤثر أولاً وأشد على محاصيل الذرة والقمح، التي تعتمد اعتماداً مكثفاً على الأسمدة النيتروجينية. مما يعني ان الجزء المتعلق بنقص امدادات الغذاء يمكن ان يتبع أزمة الطاقة في مراحل لاحقة وهو ما نقصده في الارتدادات المركبة لهذه الحرب.  

وفي الدول العربية غير النفطية التي تُنفق شرائح واسعة من سكانها ما بين 40 و60% من دخلها على الغذاء، فإن 

 هذه الموجة الثانية تعتبر الأشد إيلاماً ؛ إذ لا تتمكن الأسر الهشة استيعاب موجة غلاء غذائي تأتي فوق موجة ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود  وفي ظل عملات محلية كانت تعاني أصلاً من ضغوط التضخم الموروث. 

من السمات اللافتة لهذه الأزمة اللوجستية أنها أفرزت ظاهرة “التكديس الوقائي”؛  Precautionary Stockpiling إذ بادرت الحكومات والشركات والأسر في الوقت ذاته إلى رفع مخزوناتها من السلع الأساسية، مما ضاعف الطلب  ورفع الأسعار بصورة تجاوزت الأثر الفعلي للنقص. 

أظهرت الحرب أن سلاسل الإمداد العالمية لا تعمل كخطوط مستقيمة، بل كشبكات مترابطة شديدة الحساسية. تعطّل عقدة واحدة، مثل مضيق هرمز أو المجال الجوي الخليجي، لا ينتج أزمة نقل فقط، بل يخلق سلسلة متتابعة من التأخيرات وارتفاع الكلف ونقص المدخلات وتراجع القدرة الإنتاجية. لذلك تبدو هشاشة سلاسل الإمداد إحدى أهم نتائج الحرب، لأنها تكشف أن الاقتصاد العالمي بنى كفاءته على السرعة والتكلفة المنخفضة، لكنه دفع ثمنًا مرتفعًا حين تعرّضت هذه الشبكات لصدمة أمنية كبرى. 

التداعيات على الدول العربية  

على الرغم من  ان ارتفاع   أسعار النفط يعني نظرياً ، فإن المعادلة على أرض الواقع كانت أكثر تعقيداً. فالمنتج لا يستفيد من السعر المرتفع إن عجز عن تصدير إنتاجه. وهذا  ما حدث مع إغلاق مضيق هرمز؛ إذ تكبدت اقتصادات الخليج خسائر قدرت بالمليارات نتيجة تعطل عمليات التصدير فضلا  عن أضرار جسيمة طالت مرافق الطاقة ومحطات الكهرباء يُقدَّر إصلاحها بمليارات إضافية. وتتباين التأثيرات وفقا لدرجة اعتمادية كل دولة على التصدير عبر مضيق هرمز ، لكن الثابت هو ان الخسائر ستكون اكبر بكثير من التوقعات الأولية التي يتم تداولها.  

في جانب آخر تمثل مصر تمثل نموذجاً  لدولة غير نفطية  تدفع  كلفا نتيجة حرب لم تشارك بها؛ قناة  السويس أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، تعرضت لضغوط مع تصاعد المخاطر البحرية في البحر الأحمر والخليج، وبالتوازي أُغلقت المجالات الجوية الإقليمية مما أثّر على حركة الطيران  والسياحة وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط تضخمية وعجز بميزان المدفوعات، يضاعف ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والشحن العبء على المواطن.  

بدوره الأردن  ليس طرفاً مباشراً في الحرب، لكنه يتحمل كلفة اقتصادية تفوق قدراته الاقتصادية النسبية. فهو يعتمد اعتماداً شبه كلي على استيراد الطاقة، ويقع جغرافياً بين أربع بؤر توتر متزامنة، فلسطين المحتلة غرباً، والعراق شرقاً، وسوريا شمالاً، وخليج  يشهد اضطرابات غير مسبوقة.  

على صعيد الطاقة، يستورد الأردن  معظم احتياجاته من الطاقة، مما يجعل كل ارتفاع في أسعار النفط والغاز  ينعكس مباشرة على فواتير الكهرباء للمواطنين وتكاليف الإنتاج للشركات، بالإضافة إلى تأثيرات تضخمية أوسع على الاقتصاد، ولا يتوقع ان يحقق الاقتصاد الأردني الأهداف المرسومة في خطة التحديث الاقتصادي التي تسعى الحكومة الى تطبيقها.  

وعلى صعيد التجارة والشحن  فإنارتفاع أجور الشحن البحري  والجوي إلى عدة أضعاف في بعض المسارات، يعنيان أن الأزمة لا تهدد فقط تدفق السلع ، بل ترفع أيضاً كلفة إنتاجها ونقلها.  

والأردن بوصفه اقتصاداً يعتمد على مدخلات مستوردة لصناعته المحلية يتحمل هذه التكلفة المضاعفة: حين يستورد المدخلات  وحين يصدّر منتجاته  مما يقلص قدرته التنافسية المحتملة.  

أما السياحة، وهي أحد الروافد الرئيسية للعملة الأجنبية، فقد تكبدت ضربة موجعة  وشهد القطاع  انخفاضاً حاداً في حجوزات الصيف منذ الأسابيع الأولى من الحرب.  

وعلى صعيد الفرص الاقتصادية الضائعة، كان الأردن يراهن في 2026 على قناتين للنمو: العلاقات مع العراق  ودول الخليج وإعادة إعمار سوريا بعد الحرب، وهي فرصة مهمة لزيادة الصادرات الأردنية والنشاط اللوجستي. وقد عطّلت الحرب هذه  القنوات واضعفت ثقة المستثمرين،    إذ أعاد التوتر الإقليمي تشكيل أولويات العراق، فيما تراجع زخم إعادة الإعمار السوري الذي كان الأردن يتطلع للاستفادة منه كبوابة  مهمة. 

تعثر الإصلاح وتأخير تنفيذ الرؤى  

كشفت  الحرب  هشاشة هيكلية في مسيرة الإصلاح الاقتصادي العربي ؛ فرؤية السعودية 2030 التي تمثل اعمق تجربة تحولية في المنطقة، قامت على ثلاثة ركائز: إيرادات نفطية يمكن التنبؤ بها وبيئة  آمنة، وسمعة بوصفها مركزاً مستقراً للتجارة والاستثمار. ، وضع إغلاق مضيق هرمز هذه الركائز أمام اختبار حقيقي. 

و سجلت الميزانية السعودية في الربع الأول من عام 2026 عجزاً قياسياً ، رغم أن المملكة اختارت خلال فترة الحرب  رفع إنفاقها 20% لإرسال رسائل طمأنة للمواطنين والمستثمرين. غير أن المشاريع الكبرى مثل “نيوم” وعدد من مشاريع رؤية 2030 شهدت تأخيراً في التنفيذ، وتراجعاً في وتيرة إبرام  بعض العقود.  

بدورها الإمارات  التي قطعت شوطاً أبعد من سواها في مسيرة التنويع الاقتصادي، واجهت هي الأخرى اختباراً صعبا، إذ أدى إغلاق مجالها الجوي  الى تعطل مطار دبي  — احد أكثر مطارات العالم حركة — لأيام  مماألحق خسائر بالغة بالخطوط الجوية الإماراتية وقطاع السياحة والمعارض والمؤتمرات. واختارت  الإمارات  الانسحاب من منظمة “أوبك ”  في خضم الأزمة، وهي خطوة تحمل رسائل استراتيجية لكنها تُلقي بظلالها على قدرتها في التفاوض ضمن منظومة إنتاج النفط الدولية مستقبلاً.  

الأردن والمغرب ومصر  تسير  منذ سنوات على مسارات إصلاحية تحكمها اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي وبرامج تحديث اقتصادية. وقد وفّرت هذه البرامج حزم دعم مشروطة بإجراءات إصلاحية في الدعم والضرائب والقطاع العام غير أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والغذاء جعل تطبيق هذه الإصلاحات غاية في الصعوبة  لأسباب سياسية واجتماعية؛ إذ لا تستطيع حكومة تواجه غضباً شعبياً متزايداً بسبب ارتفاع الأسعار أن تُقدم في الوقت ذاته على رفع الدعم عن  بعض السلع  أو تطبيق إصلاحات ضريبية.  

ومن أشد تداعيات الحرب على مسيرة الإصلاح هو تراجع ثقة مجتمع الأعمال  في المنطقة؛ فالاستثمار الأجنبي المباشر لا يتدفق نحو مناطق تحكمها الضبابية وغياب اليقين الاستراتيجي، فضلاً عن تأجيل قرارات استثمارية كبرى كانت في مرحلة التفاوض  وحتى بعد إعلان الهدنة يتردد المستثمر الأجنبي  بسبب التهديدات التي عايشتها المنطقة على مدى العامين الماضيين.  

من الواضح ان تداعيات الحرب حملت لدول المنطقة فاتورة مزدوجة تمثلت بخسائر  اقتصادية مباشرة  وفرص تنموية ضائعة ستظهر في معدلات البطالة والفقر وفي تأجيل الرؤى الاقتصادية  وتنفيذ بعض الإصلاحات الضرورية؛ والمعضلة   ان هذا الملف لا يزال مفتوحا على كافة الاحتمالات ، والثابت الوحيد ان تغيرا عميقا جرى وسوف يتطلب استعادة الزخم سنوات على افضل تقدير، اما التداعيات الكلية للحرب فسوف نشهد ارتداداتها تباعا في الفترات المقبلة.  

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن الاقتصاد لم يعد مجرد ساحة تتلقى آثار الصراع بعد وقوعه، بل أصبح جزءًا من بنية الحرب ذاتها. فارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل الممرات البحرية، وتضخم كلفة التأمين والشحن، واحتمال انتقال أزمة الغاز إلى الغذاء عبر سوق الأسمدة، كلها مؤشرات على أن الأمن الاقتصادي بات مكونًا مباشرًا من مكونات الأمن الوطني والإقليمي. ومن هنا، فإن الدرس الأهم لا يتمثل في حجم الخسائر الآنية فقط، بل في هشاشة نماذج التنمية العربية أمام صدمات خارجية لا تملك معظم الدول قرار اندلاعها أو وقفها. 

لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى انتقال عربي من منطق التعامل اللاحق مع الأزمات إلى منطق بناء المناعة الاقتصادية المسبقة. ويعني ذلك تطوير مخزونات استراتيجية من الغذاء والطاقة، وتنويع مسارات الاستيراد والنقل، وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية وحيدة، وبناء آليات إقليمية للتنسيق في مجالات الطاقة والشحن والتأمين والتمويل الطارئ. فالحروب المقبلة، كما تكشف هذه الأزمة، قد لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والضربات، بل بقدرة الدول على إبقاء أسواقها مفتوحة، وعملاتها مستقرة، وغذائها متاحًا، وبرامجها التنموية قابلة للاستمرار تحت الضغط.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى