المشهد الإقليمي بعد الحرب: بين اختبار الاستقرار وإعادة تشكيل التوازنات
تضع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الشرق الأوسط أمام لحظة إقليمية فاصلة لا تتعلق بنتائج المواجهة العسكرية وحدها، وإنما بطبيعة التحول الذي أصاب منطق النظام الإقليمي نفسه. الإقليم الذي عاش طويلًا على فكرة المحاور الثابتة يبدو اليوم أقل استقرارًا وأكثر ميلًا إلى التحالفات المؤقتة والحسابات المتغيرة.
تبدو الحرب، بهذا المعنى، نقطة تسريع لتحولات كانت تتراكم منذ سنوات. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، أعادت طهران تعريف دورها الإقليمي على أساس مشروع يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويجمع بين العقيدة السياسية، وشبكات الحلفاء، والتمدد عبر ساحات رخوة في النظام العربي. وقد تعزز هذا المسار عبر محطات متلاحقة: الحرب العراقية–الإيرانية بين عامي 1980 و1988، الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما أتاحه من فراغ استراتيجي، التدخل الإيراني في سوريا منذ عام 2011، التمدد في اليمن منذ عام 2014، وترسيخ النفوذ في لبنان عبر حزب الله. هذه المحطات صنعت لإيران مجالًا إقليميًا واسعًا، لكنها راكمت أيضًا كلفة سياسية وأمنية واقتصادية باتت أكثر وضوحًا بعد المواجهة الأخيرة.
المفارقة الأساسية أن الحرب لم تؤد إلى حسم إقليمي نهائي، ولم تفتح الطريق أمام نظام مستقر جديد، لكنها أظهرت حدود الصيغ القديمة. فمشروع المحاور لم يعد قادرًا على إنتاج استقرار، والردع العسكري لم يعد كافيًا لضبط التفاعلات، والاعتماد على الحلفاء أو الوكلاء أصبح أكثر كلفة، والدول التي كانت تتحرك داخل اصطفافات شبه ثابتة بدأت تبحث عن مساحات مناورة أوسع. لذلك، الصراع لم يعد يدور فقط حول من يقود المنطقة، بل حول من يستطيع تحمّل كلفة المرحلة الجديدة بأقل خسائر ممكنة.
إيران: ارتفاع كلفة النفوذ
خرجت إيران من الحرب وهي تواجه سؤالًا مختلفًا عن السابق: كيف يمكن الحفاظ على النفوذ الإقليمي من دون أن يتحول إلى استنزاف دائم؟ استطاعت طهران، خلال العقود الماضية، بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، مستفيدة من هشاشة الدول، وضعف النظام العربي، وتراجع الثقة بالضمانات الدولية. غير أن هذا النموذج الذي منح إيران قدرة واسعة على التأثير أصبح في اللحظة الراهنة أكثر عرضة للاستنزاف.
لا تبدو المشكلة الإيرانية محصورة في العقوبات أو الضربات العسكرية، وإنما في ارتفاع كلفة الحفاظ على النفوذ نفسه. فكل ساحة تحتاج إلى تمويل وحماية وإدارة سياسية وأمنية. وكل حليف بات معرضًا لضغط داخلي وخارجي أعلى. وكل تحرك إقليمي لطهران أصبح يولد ردود فعل أوسع من السابق. لهذا تتحول شبكة النفوذ، التي كانت تمنح إيران هامشًا واسعًا للمناورة، إلى بنية مكلفة تحتاج إلى موارد لا يملك الاقتصاد الإيراني فائضًا كافيًا لتوفيرها. المشكلة الإيرانية لم تعد في توسيع النفوذ، بل في تحمّل كلفته.
في هذا السياق، يصبح الاستنزاف طويل الأمد هو العنوان الأكثر ترجيحًا للمرحلة المقبلة. الولايات المتحدة لا تبدو قادرة بسهولة على إحداث تغيير جذري داخل إيران، وتجارب الضغط الممتد كما في العراق بين 1991 و2003 أو في فنزويلا تقدم نماذج عن قدرة واشنطن على إنهاك خصومها عبر العقوبات والتضييق السياسي والاقتصادي، مع إدراك أن الحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا بسبب عمق الدولة، وحجم المجتمع، واتساع أدواتها الإقليمية. طهران ما تزال تراهن على قدرتها على استيعاب الضغط الطويل، لكنها تواجه بيئة إقليمية أقل قابلية لتحمل الصراع المفتوح.
غير أن الصمود وحده لا يصنع نفوذًا مستدامًا. فإيران التي كانت قادرة على تحويل خطاب المقاومة إلى رأسمال سياسي عابر للحدود، تواجه اليوم بيئة عربية وإقليمية أكثر حساسية تجاه كلفة هذا الدور. لقد بات السؤال المطروح أمام طهران أقل ارتباطًا بقدرتها على الرد، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على الاستمرار في مشروع إقليمي يتطلب موارد متزايدة في ظل اقتصاد منهك ومجتمع مضغوط وحلفاء يتحركون ضمن هوامش أضيق.
أثّر ارتفاع كلفة النفوذ الإيراني مباشرة في سلوك الحلفاء. فحزب الله في لبنان، والفصائل العراقية، والحوثيون في اليمن، لم يعودوا يتحركون داخل هامش سياسي وأمني مفتوح كما في مراحل سابقة. كل تصعيد تقوم به هذه الأطراف أصبح يفتح عليها وعلى طهران معًا احتمالات أوسع من الاستهداف والعقوبات والضغط الدولي، وهو ما دفع شبكة الحلفاء إلى الانتقال من منطق المبادرة الهجومية الواسعة إلى منطق الرد المحسوب وإدارة الكلفة.
كما غيّر هذا التحول معنى الردع الإيراني نفسه. فقد كان الردع يقوم سابقًا على قدرة طهران على توسيع جبهات الضغط عبر حلفائها، أما بعد الحرب فقد أصبح أكثر ارتباطًا بقدرتها على منع انهيار هذه الشبكة أو استنزافها المفرط. لذلك، لم تعد قوة إيران تقاس فقط بعدد الساحات التي تمتلك فيها نفوذًا، بل بقدرتها على إبقاء هذه الساحات قابلة للاستخدام دون أن تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي وأمني دائم.
الخليج: من الطمأنة الأمنية إلى إدارة المخاطر
الخليج يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها اختبارًا مباشرًا لأمنه الاقتصادي، وليس فقط لأمنه العسكري. فالخليج لم يعد ينظر إلى إيران من زاوية التهديد العسكري المباشر وحده، وإنما من زاوية عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها الإقليمي، وبما قد ينتج عن أي مواجهة كبرى من تهديدات للممرات البحرية، وأسواق الطاقة، والمنشآت الحيوية، وسلاسل الإمداد. ومن هنا تتجه العواصم الخليجية إلى إعادة التفكير في معنى الأمن نفسه: هل يكفي الاعتماد على المظلة الأمريكية؟ وهل توفر التحالفات التقليدية طمأنة حقيقية؟ وكيف يمكن تقليل كلفة الانكشاف أمام صراع لا تملك دول الخليج وحدها قرار اندلاعه أو وقفه؟
تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى انتقال خليجي من منطق الاصطفاف التقليدي إلى منطق حسابات أكثر حذرًا. وهذا لا يعني القطيعة مع الولايات المتحدة، ولا الانفتاح غير المشروط على إيران، ولا الاندماج الكامل في ترتيبات إسرائيلية–إقليمية. المقصود أن الخليج سيحاول توسيع هامش الحركة بين هذه المسارات جميعًا، عبر تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية، وتعميق قدراته الدفاعية، وتسريع التعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والموانئ والممرات والاستثمار. وقد ظهر ذلك سريعًا مع أي تهديد لحركة الملاحة في البحر الأحمر أو الخليج، حيث انتقل أثر التصعيد فورًا إلى أسعار الشحن والتأمين والطاقة.
اتفاقيات أبراهام عام 2020 عكست جزءًا من هذا التحول، لأنها أظهرت استعداد بعض الدول الخليجية للتفكير خارج القوالب التقليدية في إدارة الأمن والشراكات. لكن الحرب الأخيرة تضع هذا المسار أمام اختبار أكثر حساسية. فالعلاقة مع إسرائيل قد تمنح بعض المزايا التقنية والأمنية، لكنها تحمل أيضًا كلفة سياسية وشعبية، خصوصًا في ظل ما خلفته حرب غزة من تحولات عميقة في الرأي العام العربي والدولي.
من جهة أخرى، تجاوزت المنظومة الخليجية خلال السنوات الماضية كثيرًا من الخصومات البينية والتهديدات التي مست تماسكها الداخلي. غير أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفرض اختبارًا جديدًا: هل يكفي إظهار التماسك السياسي، أم أن المطلوب بناء مفهوم أعمق للأمن الجماعي الخليجي؟ تبدو اللحظة الحالية مناسبة لإعادة تعريف التحالفات الخليجية بعيدًا عن مشهدية التوافق، باتجاه ترتيبات عملية أكثر قدرة على إدارة الأزمات، وتأمين الممرات، وحماية البنى الحيوية، وتجنب الانكشاف أمام صدمات إقليمية كبرى.
انعكس هذا التحول على الحسابات الخليجية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في وقت واحد. فالعواصم الخليجية باتت أكثر ميلًا إلى الحفاظ على العلاقة الأمنية مع واشنطن، مع تقليل مستوى الارتهان الكامل لها. كما أصبحت أكثر حذرًا في التعامل مع أي مسار إقليمي قد يضعها في مواجهة مباشرة مع إيران أو يجعل منشآتها الحيوية وممراتها البحرية جزءًا من بنك الأهداف في أي تصعيد قادم.
المشرق العربي: البراغماتية كاستراتيجية بقاء
أظهرت الحرب أن بعض دول المشرق العربي بدأت تتعامل مع التحولات الإقليمية بمنطق أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطًا بحسابات البقاء والفرصة. في هذا الإطار، برز الأردن وسوريا بوصفهما حالتين مهمتين في إدارة التوازنات دون الانزلاق المباشر في الحرب. فقد اختارت الدولتان سياسات حذرة، تقوم على تجنب الاصطفاف الصدامي، والحفاظ على قنوات الاتصال، ومحاولة تحويل الموقع الجغرافي إلى فرصة سياسية واقتصادية.
يمتلك الأردن ميزة خاصة في هذا السياق. فهو يقع في قلب المساحات الرابطة بين الخليج، وفلسطين، وسوريا، والعراق، والبحر المتوسط. وقد أظهرت الأزمة قدرته على استيعاب المتغيرات، وتقديم نفسه كلاعب قادر على التواصل مع مختلف الأطراف، وتعبئة بعض الفراغات دبلوماسيًا وسياسيًا. غير أن التحدي الأردني الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بدوره أو قبول الأطراف به، وإنما في تحويل هذا القبول إلى نتائج ملموسة في الداخل الأردني: استثمارات، فرص لوجستية، توسع في التجارة، دور في إعادة الإعمار، وتحسين في شروط التنمية.
تبدو سوريا، من زاوية أخرى، أمام فرصة لتوازنات متغيرة بعد سنوات من الاستنزاف. فقد تجاوزت، في حدود معينة، منطق الاصطفافات غير المنتجة، وبدأت تتحرك بعقلانية سياسية يمكن أن تنعكس على تحالفاتها المستقبلية. وإذا أخذت التحولات الاقتصادية المقبلة مسارًا أكثر وضوحًا، فقد تجد دمشق نفسها أمام إمكانية استعادة جزء من وظيفتها الجغرافية، بوصفها ممرًا بين المشرق والخليج وتركيا والبحر المتوسط. غير أن هذا المسار سيظل مشروطًا بقدرة الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها، وضبط علاقاتها الخارجية، وتوفير حد أدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي.
الأردن وسوريا معًا يقدمان نموذجًا لتحول أوسع في المشرق: الانتقال من الجغرافيا بوصفها عبئًا أمنيًا إلى الجغرافيا بوصفها موردًا استراتيجيًا. فالدول التي تستطيع تحويل موقعها إلى وظيفة اقتصادية ولوجستية ستملك هامشًا أكبر في المرحلة المقبلة. أما الدول التي تبقى أسيرة الاصطفافات أو الاضطرابات الداخلية، فستظل تدفع كلفة الموقع دون أن تجني عوائده.
تظهر أهمية الأردن وسوريا في أن كلًا منهما يحاول تحويل الحذر السياسي إلى وظيفة إقليمية. الأردن يعرف أن موقعه الجغرافي وحده لا يكفي. فالدولة التي بقيت لعقود تؤدي دورًا سياسيًا وأمنيًا تبحث اليوم عن ترجمة هذا الدور اقتصاديًا، خصوصًا مع الحديث المتزايد عن مشاريع النقل والطاقة وإعادة الإعمار في المشرق. فالأردن لا يكتفي بتجنب الانخراط في الحرب، بل يسعى إلى تثبيت موقعه كحلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وفلسطين والعراق. وسوريا، بعد سنوات من الاستنزاف، تبحث عن مساحة عودة تدريجية إلى الإقليم من بوابة المصالح الاقتصادية وإعادة الإعمار والربط التجاري. الرهان هنا أن تتحول الجغرافيا من عبء أمني إلى فرصة اقتصادية.
مصر: إدارة التوازن بدل القيادة المنفردة
تتحرك مصر داخل هذه المرحلة بقدر من الحذر والغموض النسبي. فهي ما تزال تمتلك ثقلًا جغرافيًا وسكانيًا وتاريخيًا يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في معادلة الأمن العربي، لكنها تواجه سؤالًا متزايدًا حول قدرتها على ترجمة هذا الثقل إلى حضور إقليمي فعّال. لقد تغيرت بنية النظام العربي، وتقدمت مراكز قوة جديدة في الخليج، وتراجعت قدرة القاهرة على التصرف بوصفها مركز القيادة الوحيد أو الطبيعي في الإقليم.
الملاحظة المتزايدة في بعض العواصم الخليجية أن مصر لم تعد اللاعب الذي يُستدعى تلقائيًا في كل معادلة. وهذه ليست مسألة رمزية فقط، وإنما تعبير عن تحول في توزيع القوة العربية. فالثقل المالي والاستثماري والسياسي انتقل بدرجة كبيرة نحو الخليج، بينما تواجه مصر تحديات اقتصادية داخلية تجعل حركتها الخارجية أكثر ارتباطًا بحسابات التمويل والاستقرار الداخلي.
مصر ما تزال حاضرة في ملفات يصعب تجاوزها، خصوصًا غزة، وقناة السويس، والبحر الأحمر. لكنها تتحرك اليوم بمنطق إدارة التوازن أكثر من منطق القيادة التقليدية. تظهر دلالة الدور المصري في هذه المرحلة من خلال الملفات التي لا تزال القاهرة تمتلك فيها قدرة تأثير مباشرة: غزة، قناة السويس، البحر الأحمر، وشرق المتوسط. هذه الملفات تجعل مصر حاضرة بحكم الجغرافيا والأمن والمصالح الحيوية، حتى وإن لم تعد قادرة على قيادة الإقليم بالمنطق التقليدي. لذلك، فإن التحدي المصري لا يتعلق باستعادة موقع قديم كما كان، بل بصياغة دور أكثر واقعية يقوم على الوساطة، وحماية الممرات، وإدارة التوازن بين الخليج وواشنطن وإسرائيل والملف الفلسطيني.
العراق: هشاشة الدولة وسؤال الوظيفة
يبقى العراق أحد أكثر أطراف المشهد هشاشة. فالدولة التي لم تخرج بالكامل من تداعيات عام 2003 ما تزال تعيش تحت ضغط التداخل بين النفوذ الخارجي والانقسام الداخلي وتعدد مراكز القوة. واستمرار النفوذ الإيراني داخل مؤسسات عراقية، واحتمالات فرض عقوبات جديدة على شخصيات أو كيانات، ووجود فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية، كلها عوامل تجعل العراق أكثر عرضة لارتدادات الحرب من غيره.
تبدو الأزمة العراقية في جوهرها أزمة وظيفة الدولة. فالعراق يمتلك موارد نفطية ضخمة، وموقعًا استراتيجيًا، وعمقًا بشريًا كبيرًا، لكنه يواجه صعوبة في تحويل هذه العناصر إلى سيادة فعلية وسياسة مستقلة. ومع كل تصعيد إقليمي، يعود السؤال ذاته: هل يستطيع العراق أن يكون دولة تدير موقعها وتوازناتها، أم يبقى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الأمريكي والإيراني والصراعات الداخلية؟
أي عقوبات جديدة أو اضطرابات اقتصادية قد تفتح الباب أمام موجات احتجاج جديدة، خاصة في ظل تراكم أزمات الخدمات، والبطالة، والفساد، وضعف الثقة بالمؤسسات. وهنا تظهر المفارقة العراقية بوضوح: الدولة تمتلك عناصر قوة كثيرة، لكنها تفتقر إلى مركز قرار قادر على تحويل هذه العناصر إلى مشروع وطني متماسك.
تظهر هذه الهشاشة عند كل مواجهة أمريكية–إيرانية تقريبًا. فبغداد تحاول إعلان الحياد، بينما تتحرك داخلها قوى سياسية ومسلحة تتأثر مباشرة بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران. وهذا يجعل العراق عاجزًا في كثير من اللحظات عن فصل مصلحته الوطنية عن حسابات القوى الخارجية، خصوصًا عندما تتحول الفصائل أو العقوبات أو ملف الطاقة إلى أدوات ضغط متبادلة.
العراق لا يعاني من نقص القوة، بل من تشتتها بين الدولة والفاعلين الذين يتحركون خارجها. لهذا تبدو وظيفة الدولة العراقية هي جوهر الأزمة. فالعراق لا يعاني من نقص الموارد أو الموقع، وإنما من ضعف القدرة على تحويلهما إلى سياسة مستقلة.
إسرائيل: تفوق عسكري وأزمة شرعية
على الجانب الآخر من المعادلة، تخرج إسرائيل من الحرب وهي تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها تواجه تحديًا من نوع مختلف. فالقوة العسكرية تستطيع تغيير موازين ميدانية، وضرب قدرات الخصوم، وفرض وقائع مؤقتة، غير أنها لا تضمن وحدها شرعية سياسية أو استقرارًا إقليميًا طويل الأمد.
منذ حرب غزة بين 2023 و2025، تراجعت صورة إسرائيل بصورة ملحوظة في قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة. وتزايدت الانتقادات المرتبطة بالكلفة الإنسانية للعمليات العسكرية، وبطبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. هذا التحول قد لا يؤدي سريعًا إلى انقلاب في سياسات الحكومات الغربية، لكنه يغير البيئة السياسية والأخلاقية التي تعمل إسرائيل داخلها.
المعضلة الإسرائيلية أن كل توسع في استخدام القوة يزيد صعوبة تقديمها بوصفها عنصر استقرار في الإقليم. وقد تنجح إسرائيل في فرض ترتيبات أمنية أو إضعاف خصوم محددين، لكنها ستواجه تحديًا متزايدًا في تحويل هذه الإنجازات العسكرية إلى قبول إقليمي ودولي مستقر. القوة، هنا، تصبح قادرة على إنتاج الردع، لكنها عاجزة وحدها عن إنتاج الشرعية.
تظهر حدود القوة الإسرائيلية في الفجوة المتزايدة بين القدرة على فرض الوقائع والقدرة على تسويقها سياسيًا. فحرب غزة بين 2023 و2025 جعلت إسرائيل أكثر عرضة للنقد داخل الجامعات والإعلام والمنظمات الحقوقية في أوروبا والولايات المتحدة، ووسعت المسافة بين الدعم الرسمي الغربي وبين اتجاهات متنامية داخل الرأي العام ترى أن القوة الإسرائيلية تجاوزت حدود الدفاع إلى إنتاج أزمة أخلاقية وسياسية مستمرة، التفوق العسكري الإسرائيلي يبدو أكثر قدرة على إدارة الأزمات من حلّها.
وظهر التحول بوضوح في اتساع الاحتجاجات داخل الجامعات الأمريكية وتصاعد النقد الأوروبي المرتبط بالحرب على غزة. هذه الفجوة ستؤثر في موقع إسرائيل الإقليمي بعد الحرب. فالدول التي قد تتعاون معها أمنيًا أو اقتصاديًا ستفعل ذلك بحسابات مصلحية دقيقة، لكنها ستظل حذرة من كلفة الاقتراب السياسي الكامل منها. لذلك، قد تمتلك إسرائيل قدرة على الردع والضرب، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في التحول إلى مركز استقرار إقليمي مقبول، خصوصًا إذا بقي الملف الفلسطيني مفتوحًا بالطريقة نفسها.
من الشرق الأوسط الأيديولوجي إلى الشرق الأوسط البراغماتي
التحول الأعمق الذي تفتحه مرحلة ما بعد الحرب يتمثل في انتقال تدريجي من شرق أوسط تحكمه الاصطفافات الأيديولوجية والمحاور المغلقة إلى شرق أوسط أكثر براغماتية وسيولة. فالدول لم تعد تتحرك فقط وفق شعارات الصراع والمقاومة والتطبيع والاصطفاف، وإنما وفق حسابات أكثر مباشرة: الأمن، الاقتصاد، الطاقة، الممرات، الاستثمارات، الاستقرار الداخلي، والقدرة على تحمل كلفة الأزمات.
لا يعني ذلك نهاية الأيديولوجيا أو اختفاء الصراعات القديمة. المنطقة ما تزال محكومة بذاكرة صراعية كثيفة، وبقضايا مفتوحة مثل فلسطين، وأمن الخليج، ومستقبل إيران، والدولة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. غير أن الجديد أن الدول باتت أكثر ميلًا إلى إدارة هذه الملفات بمنطق المناورة، وتعدد الشراكات، وتجنب الانخراط الكامل في محاور مغلقة.
المشكلة في الشرق الأوسط اليوم ليست غياب التحالفات، بل سرعة تبدلها تحت ضغط الأزمات. هناك مساحات متغيرة، وشبكات مصالح، وترتيبات أمنية واقتصادية تتشكل ثم يعاد تشكيلها وفق الأزمات. ومن يستطيع قراءة هذه السيولة مبكرًا، وتحويلها إلى استراتيجية، سيملك أفضلية في المرحلة المقبلة.
تتضح البراغماتية الجديدة في أن الخصومة والشراكة لم تعودا تتحركان في خطوط مستقيمة. فالدولة قد تختلف مع طرف في ملف أمني، وتتعاون معه في ملف اقتصادي، وتفتح قناة خلفية معه في ملف دبلوماسي. هذا النمط يظهر في الخليج مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وفي الأردن وسوريا عبر محاولة تحويل الجغرافيا إلى منفعة، وفي مصر عبر إدارة أدوار متعددة دون ادعاء قيادة شاملة للنظام العربي.
هذه الأحداث لا تشير إلى انتهاء الصراعات الأيديولوجية، لكنها تظهر أن الدول أصبحت أكثر حساسية تجاه الكلفة. فالقوة، والتحالف، والموقع الجغرافي، وحتى الخطاب السياسي، باتت تُقاس بقدرتها على حماية الاقتصاد والاستقرار الداخلي وتوسيع هامش المناورة. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة محاور مغلقة كما في السابق، بل مرحلة علاقات متحركة، يتقاطع فيها الخصوم والشركاء داخل ملفات مختلفة في الوقت نفسه.
التحول الأهم في الإقليم لا يتعلق فقط بتغير موازين القوة، بل بتغير طريقة التفكير السياسي نفسها. فالدول التي أمضت سنوات طويلة في إدارة المنطقة بمنطق الاصطفافات الحادة بدأت تكتشف أن كلفة الاستنزاف أصبحت أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال. المرحلة الحالية أقل اندفاعًا نحو الحسم، وأكثر ميلًا إلى إدارة الخسائر وتوسيع هامش المناورة.
خاتمة: الإقليم في زمن إعادة التموضع
يقف الشرق الأوسط بعد الحرب أمام مرحلة انتقالية طويلة. فإيران ستواصل الدفاع عن موقعها ونفوذها، لكنها ستفعل ذلك بكلفة أعلى. والخليج سيبحث عن أمن أقل اعتمادًا على الطمأنات وأكثر ارتباطًا بإدارة المخاطر. والمشرق العربي سيحاول تحويل الجغرافيا إلى فرصة اقتصادية وسياسية. ومصر ستسعى إلى إعادة تعريف دورها ضمن نظام عربي متعدد المراكز. والعراق سيظل أمام سؤال الدولة والوظيفة. أما إسرائيل فستواجه معضلة تحويل التفوق العسكري إلى شرعية واستقرار.
الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لم يعد إقليمًا تحكمه المحاور الثابتة كما في السابق. التحالفات أصبحت أكثر مرونة، والخصومات أقل وضوحًا، والدول تتحرك وفق حسابات ترتبط بالأمن والاقتصاد والاستقرار الداخلي أكثر من الشعارات الكبرى. وبينما تحاول القوى الإقليمية حماية مواقعها ومصالحها، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة طويلة من التوازنات المتحركة، حيث تصبح القدرة على إدارة الكلفة أهم من القدرة على فرض الحسم.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية