مراجعة كتاب: «الشرق الأوسط الأمريكي: تدمير الإقليم»
في كتابه الأخير أمريكا والشرق الأوسط: تدمير إقليم، يقدّم الأكاديمي مارك لينش قراءة معمّقة لدور السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط عبر ست إدارات رئاسية منذ عام 1991. ومن خلال استعراض زمني للإدارات الأمريكية خلال الخمسة والثلاثين عامًا الماضية، يسلّط الضوء على الاستمرارية اللافتة للاستراتيجية الهيمنية الأمريكية في الشرق الأوسط. ويرى أن هذه الاستراتيجية تقوم أساسًا على ضمان التفوق الدبلوماسي والأمني الأمريكي في المنطقة، مع تجاهل التاريخ الطويل لانتهاكات حقوق الإنسان التي تعاني منها العديد من دولها.
ويؤكد هذا الاستمرار في السياسات الخارجية المعيبة أطروحة لينش القائلة إن دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يعكس بنية قوية ومتجذّرة مؤسساتيًا، أسهمت في تشكيل هوية المنطقة وسياساتها منذ حرب الخليج عام 1991. ويجادل لينش بأن هذه البنية المؤسسية، ورغم الطموحات الكبيرة التي حملها كل رئيس أمريكي لإعادة تشكيل المنطقة، كانت تنتهي دائمًا إلى إعادة إنتاج الأنماط نفسها من العلاقات والسياسات التي تضمن استمرار الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. كما يعترف بدور الخصوم والحلفاء على حد سواء في تكريس الأمر الواقع والحفاظ على استقرار الأنظمة، إلا أنه يرى أن نمط الاستقرار السلطوي المتجذر في دول المنطقة، سواء كانت حليفة أم معادية، ظل مرتبطًا بالأهداف الأمريكية.
وعلى امتداد الكتاب، تبرز فكرة محورية تفسّر الدور الأمريكي في المنطقة: فعلى الرغم من “الاستقطاب السياسي العميق” (ص. 5) الذي يطغى على معظم مجالات السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، فإن ثمة عزوفًا لافتًا لدى معظم الرؤساء الأمريكيين عن إحداث تغيير جوهري في جوهر السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فبرغم الخطابات الواسعة حول تحقيق التقدم السياسي والاقتصادي، تبقى الهيمنة الأمريكية، مهما كان الثمن، الهدف المركزي. وبدل الاعتراف بالدور الأمريكي المعقّد والمتجذر داخل الدول العربية، تميل السياسة الأمريكية إلى تحميل الفاعلين المحليين مسؤولية الإخفاقات. إذ تُفسَّر أزمات التنمية السياسية والاقتصادية أو الإخفاقات الأمنية بوصفها “مرضًا بنيويًا” (ص. 9) خاصًا بالمنطقة، لا باعتبارها نتيجة للبنية الأمريكية الراسخة والمتغلغلة في معظم دولها.
ويشير لينش كذلك إلى الكيفية التي أثّر بها الفاعلون الإقليميون الأقوياء في إعادة إنتاج المعرفة وصناعة السياسات بما يخدم مصالحهم. فمن الملكيات الخليجية المستقرة، مثل السعودية وقطر والإمارات، إلى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، اسرائيل، جميعها أسهمت في تشكيل التصورات الثقافية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بالشرق الأوسط. ومع أن لينش يعترف بأدوار هذه القوى المؤثرة، فإنه يضع الولايات المتحدة في مركز المشهد بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا، سلبًا أو إيجابًا، في شبكة العلاقات المعقّدة التي تربط الشرق الأوسط بعضه ببعض.
الاستراتيجية الأمريكية
على امتداد الكتاب، يقدّم مارك لينش مجموعة من الأدلة لدعم فكرته حول الأهداف الرئيسية الثلاثة للولايات المتحدة، وكيف شكّلت هذه الأهداف طبيعة علاقة الإدارات الرئاسية الأمريكية المتعاقبة بمختلف الفاعلين والدول في المنطقة. فعلى الرغم من اختلاف الرؤساء الأمريكيين ظاهريًا عبر العقود الأخيرة، بقيت المصالح الأمريكية الجوهرية ثابتة إلى حدّ بعيد: ضمان تدفق النفط من حلفاء الخليج، واحتواء الخصوم، وربما الأهم حتى اليوم، ضمان أمن اسرائيل.
أما العلاقة مع إسرائيل، والتي لم تكن في بداياتها قائمة على “اعتماد سياسي متبادل” بالدرجة نفسها، فقد تطورت بصورة أعمق مع “عقيدة نيكسون” (ص. 36–37). ويرى لينش أن هذه العلاقة، وبعد عقود من ترسيخها، أفضت إلى النتائج الكارثية التي تجلت في الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي يعترف بأنها شكّلت دافعًا رئيسيًا وراء تأليف هذا الكتاب.
رؤساء مختلفون… نتائج متشابهة
في مقدمة الكتاب، يطرح مارك لينش فرضيته الأساسية القائلة إن الاختلاف في أساليب مقاربة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لم يُفضِ إلى اختلاف حقيقي في جوهرها، إذ بقي الالتزام بالحفاظ على الأمر الواقع ثابتًا تقريبًا عبر الإدارات المختلفة. وعلى امتداد الكتاب، يشير لينش إلى أن إنتاج المعرفة والدراسات التي شكّلت أساس السياسة الأمريكية تجاه المنطقة جرى إنتاجها وإعادة إنتاجها من قبل نخب ثرية في المنطقة، إلى جانب مجموعة محدودة من الخبراء والمحللين العاملين داخل مؤسسات الحكم الأمريكية (ص. 61–64). ويرى أن تجاهل أصوات الشعوب العربية ظلّ أحد الأسباب الجوهرية للإخفاقات المتراكمة في المنطقة، ويجسّد في الوقت ذاته الخلل البنيوي في المنطق الأمريكي تجاه الشرق الأوسط. ولم تكن الحرب المدمرة على غزة، التي يصفها بأنها “استثنائية فقط في تفاصيلها”، سوى لحظة كشفت بصورة واضحة الأنماط الطويلة من المعاناة الناتجة عن السياسات الأمريكية في المنطقة.
في الفصلين الأول والثاني، يصف لينش صعود الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بوصفه امتدادًا حلّ محل الأطر الاستعمارية البريطانية والفرنسية القديمة. ويتتبع الجذور التاريخية للدور الأمريكي في المنطقة، والذي تزامن مع صعود الولايات المتحدة عالميًا خلال القرن العشرين وفي سياق الحرب الباردة. وخلال تلك المرحلة، يوضح لينش أن النظام الدولي كان قائماً على الثنائية القطبية، حيث كانت المصالح الأمريكية والسوفييتية مهيأة للتصادم، خصوصًا في العالم العربي. وقد شكّلت الحرب الباردة الإطار المرجعي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ كانت واشنطن تخشى أن يؤدي فرض هيمنة مباشرة على القادة المحليين، على غرار التجارب الاستعمارية الأوروبية السابقة، إلى ردود فعل واسعة داخل المنطقة وخارجها (ص. 32). لذلك تجنبت الولايات المتحدة التوسع المباشر، خشية أن يدفع صعود القومية العربية قادة المنطقة نحو المعسكر السوفييتي ومبادئه الاشتراكية. وكانت المصالح الأمريكية في تلك المرحلة ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى، وتمحورت حول ضمان تدفق النفط من منطقة الخليج. ومن هنا، أصبح تأمين حضور عسكري وسياسي أمريكي في الخليج ضرورة لمنع السوفييت من تهديد تدفقات النفط التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الغربي بقيادة الولايات المتحدة (ص. 35).
وفي السياق ذاته المرتبط بمنطق الحرب الباردة، يناقش لينش تطور العلاقة الأمريكية مع اسرائيل، إلى جانب موقع الدول العربية، وخصوصًا فلسطين، خلال إدارتي نيكسون وريغان. ويشير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تطورت تدريجيًا، فرغم التعقيدات والخلافات التي رافقت “العلاقة الخاصة” بين الطرفين على مدى عقود، ظلّت إسرائيل تُنظر إليها بوصفها أصلًا استراتيجيًا يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة (ص. 37).
وفي الفصل الثالث، يوضح لينش كيف حاولت كل من إدارة الرئيس جورج بوش الأب وإدارة كلنتون إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية، بهدف تكريس الهيمنة الأمريكية في المنطقة. وقد فتحت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بطابعها الشعبي والسلمي، الباب أمام تحولات جوهرية وإمكانية التقدم نحو حل الدولتين. غير أن الغزو العراقي للكويت وما تبعه من تدخلات أمريكية في العراق وإيران كشفا التداعيات الإنسانية والسياسية لاستراتيجية “الاحتواء المزدوج”. ويتساءل لينش عن منطق الولايات المتحدة في قيادة عملية السلام الفلسطينية–الإسرائيلية، بينما كانت في الوقت نفسه تسعى إلى احتواء دولتين رئيسيتين في المنطقة. ويرى أن الفصل بين هذين المسارين يعكس فشل إدارتي بوش وكلينتون في تحقيق السلام والديمقراطية في الشرق الأوسط.
وفي الفصل الرابع، المعنون من كلينتون إلى بوش: تدمير أمريكا للشرق الأوسط، يركّز لينش على “الحرب العالمية على الإرهاب” التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر خلال رئاسة جورج دبليو بوش فبعد أن كان الاتحاد السوفييتي يُمثّل التهديد الأكبر للولايات المتحدة، أصبح ما سُمّي بالإسلاموية والجهادية الخطر الوجودي الجديد. وخلال تلك المرحلة توسعت منظومات المراقبة الأمنية، وتصاعدت الحروب العنيفة في كل من العراق وأفغانستان. وربما كان الأبرز آنذاك “حرب الأفكار” التي تجلت في “أجندة الحرية”، حيث رُبط مشروع دمقرطة الشرق الأوسط بإقامة نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة. وقد استندت هذه الأجندة إلى فرضية مفادها أن الأنظمة القمعية التي فشلت في معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية خلقت بيئة خصبة للتطرف الديني والعنيف، وأن الانفتاح الديمقراطي وحده كفيل بمعالجة هذه الأزمات. إلا أن لينش يتحدث بصراحة حين يؤكد أن واضعي “أجندة الحرية” كانوا يحملون “احتقارًا كاملًا لشعوب المنطقة”، وأنهم، شأنهم شأن الحلفاء السلطويين في الشرق الأوسط، لم يكونوا معنيين فعليًا بالديمقراطية بقدر اهتمامهم باحتواء الخصم التقليدي، ايران.
أما في الفصل الخامس، فيتناول لينش رئاسة أوباما بوصفها محاولة لإحداث تغيير حقيقي في الشرق الأوسط، إلا أن البنية الإقليمية المتجذرة، التي أسهمت الولايات المتحدة نفسها في تشكيلها، شكّلت عقبة كبرى أمام أي تحول فعلي. ففي حالة أوباما، كانت شبكة الحلفاء الإقليميين والمؤسسات القائمة العائق الرئيسي أمام إعادة تشكيل الواقعين الإقليمي والداخلي. وخلال أحداث “الربيع العربي”، حين برزت فرصة تاريخية لدعم تحولات ديمقراطية من القاعدة إلى القمة، يشير لينش إلى أن إدارة أوباما فضّلت الوقوف جانبًا. وحتى في ما يتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، فعلى الرغم من استعداد أوباما للتعامل مع هذا الملف، نجحت إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، في تعطيل جهود التسوية، بينما حصلت في المقابل على حزمة مساعدات عسكرية ضخمة. وبصورة عامة، يرى لينش أن طموحات أوباما اصطدمت بتشابك مصالح القوى الإقليمية ومراكز النفوذ داخل واشنطن، ما حال دون إحداث أي تغيير حقيقي في بنى السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في الشرق الأوسط.
في الفصلين الأخيرين، يركّز مارك لينش على مرحلتين رئاسيتين متتاليتين لرئيسين يُعدّان من الأكبر سنًا في التاريخ الأمريكي الحديث، هما ترامب وبايدن. وعلى الرغم من التباين الكبير بين الخلفيتين الشخصيتين والسياسيتين للرئيسين، يرى لينش أن مخرجات الإدارتين انتهت عمليًا إلى البناء على سياسات بعضهما بعضًا.
في الفصل السادس، المعنون ترامب: أمريكا بلا أوهام، يبرز تباين واضح في وصف لينش للرئيس ترامب مقارنة بالرؤساء الآخرين، ولا سيما سلفه باراك أوباما. فقد عكس تجاهل ترامب للأعراف التقليدية في السياسة والدبلوماسية اختلافًا في الأسلوب والتكتيك، خاصة عبر خطابه السياسي الذي تجنّب الحديث عن الكرامة وحقوق الإنسان. ومع ذلك، يؤكد لينش أن جوهر السياسة الخارجية لإدارة ترامب ظل ملتزمًا بالمسار التقليدي ذاته: الدفع نحو تطبيع العلاقات العربية–الإسرائيلية، واحتواء ايران، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج.
كما يشير إلى أن ترامب أحاط نفسه بشخصيات محافظة مخضرمة، وسعى إلى بناء علاقات أوثق مع الحلفاء الإقليميين الأقوياء، إلا أن إدارته أخفقت في إدراك هشاشة العلاقات بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى. ويرى لينش أن الطابع غير التقليدي لسياسة ترامب أدى إلى تفويت فرصة لحل أزمة إقليمية مهمة، وهي الأزمة التي سارعت إدارة بايدن إلى احتوائها فور وصولها إلى الحكم.
أما في الفصل السابع، بايدن: إعادة الترتيب العنيف للشرق الأوسط، فينتقد لينش ما يعتبره ثقة مفرطة لدى بايدن بقدرته على فرض تغيير في الشرق الأوسط، معتبرًا أن هذه الثقة كانت في غير محلها، خاصة أن إدارة بايدن واصلت عمليًا السياسات نفسها التي انتهجتها إدارة ترامب، بما في ذلك مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي واستمرار العقوبات على إيران. كما يوجّه لينش نقدًا حادًا لفريق السياسة الخارجية في إدارة بايدن، معتبرًا أنه لم يكتفِ بالفشل في منع الكارثة الإنسانية في غزة، بل أسهم أيضًا في تمكين الانتهاكات وجرائم الحرب، رغم التاريخ الطويل لبعض أفراده في الدفاع عن حقوق الإنسان.
ويؤكد لينش أن تراجع الهيمنة الأمريكية في المنطقة كان قد بدأ بالفعل قبل هجوم السابع من أكتوبر الذي شنّته حماس على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لغزة. ففي عهد ترامب، كان العديد من قادة المنطقة، خاصة في إسرائيل والخليج، يتمتعون بوصول مباشر إلى الرئيس الأمريكي. أما في عهد بايدن، فإن محاولة العودة إلى الدبلوماسية التقليدية، إلى جانب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، دفعت العديد من الحلفاء التقليديين إلى تبني مواقف أكثر حيادًا وعدم الانخراط الكامل في الاستقطابات الدولية. وبحلول عام 2023، بدأت ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب تحظى بقبول متزايد بين دول الجنوب العالمي (ص. 201–202).
ويرى لينش أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل في حربها على غزة، ثم لاحقًا في لبنان، جعل من إرث بايدن السياسي إرثًا ارتبط بالعجز عن منع كارثة إنسانية كبرى، رغم حجم النفوذ الأمريكي الهائل في المنطقة.
ويخلص لينش إلى أن التبسيط المفرط لطبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، والاستمرار في دعم الأنظمة السلطوية، وعدم ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، لا يمكن فهمها إلا ضمن السياق الأوسع للحضور الأمريكي في الشرق الأوسط. فمنذ إدارة بوش الأب وحتى ولاية بايدن، لم يعد الانغراس الأمريكي في المنطقة قابلًا للاستدامة من منظور قطاعات واسعة في العالم العربي. كما أن الأجيال الجديدة من الشباب في الشرق الأوسط لم تعد تقبل استمرار واقع التدخل الخارجي على حساب تطلعاتها إلى الازدهار الاقتصادي والحرية والكرامة.
الخاتمة
في مقدمة الكتاب، يعترف مارك لينش بصراحة بأنه بدأ كتابة هذا العمل في لحظة مشحونة بانفعال عاطفي عميق. فقد نشأت مشاعر الغضب والذنب لديه من إدراكه أن التجريد المستمر من الإنسانية لملايين البشر في أنحاء الشرق الأوسط، عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ظل يحتل مرتبة متدنية ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. وقد شكّلت الحرب على غزة، وإرث إدارة بايدن، والحركات الاحتجاجية الطلابية غير المسبوقة في الجامعات الأمريكية، دوافع رئيسية وراء تأليف هذا الكتاب.
ومن موقعه كباحث وأكاديمي متخصص في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، يقرّ لينش أيضًا بمسؤوليته الشخصية بوصفه جزءًا من هذا الحقل الفكري والسياسي عبر سنوات طويلة من الكتابة والعمل البحثي. ويتحدث عن علاقاته الودية مع عدد من محاوريه وشركائه الفكريين الذين دعم بعضهم أكثر أشكال السياسة الأمريكية عنفًا في الشرق الأوسط. ومن خلال هذا الاعتراف الصريح، يصل لينش إلى حقيقة يصفها بالمزعجة لكنها ضرورية: أن شعوب الشرق الأوسط هم بشر كاملون، يمتلكون القدرة ذاتها على الإحساس بالألم والأمل والكرامة مثل أي شعوب أخرى.
وفي هذا الكتاب، يقدّم لينش نصًا سلسًا ومكثفًا يجمع بين مقاربات السياسة العربية وسياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، من خلال مساءلة شرعية الأفعال الأمريكية في ضوء المصالح الهيمنية التي حكمت السياسة الأمريكية خلال العقود الخمسة والثلاثين الماضية. ومن خلال تحليله للهيمنة الأمريكية في المنطقة، واعترافه بإخفاقات السياسات التي دعمت استمرار الأنظمة السلطوية والحروب المفتوحة طويلة الأمد، لا يقدّم لينش حلًا واضحًا أو وصفة جاهزة للمستقبل. لكنه يؤكد أن التفوق الإقليمي الأمريكي يقترب من نهايته نتيجة “التناقضات الداخلية” الناتجة عن التصورات المتناقضة التي حكمت فهم الولايات المتحدة للشرق الأوسط.
ويرى لينش أن السياسة الأمريكية ظلت تتأرجح بين تصورين متطرفين لشعوب الشرق الأوسط: فإما شعوب تتطلع بشغف إلى “التحرير الأمريكي”، أو شعوب معادية تسعى إلى تدمير الولايات المتحدة. وهذا، بحسبه، يمثل الخلل الجوهري في السياسة الهيمنية الأمريكية تجاه المنطقة. وبدلًا من الاستمرار في بناء السياسات الأمريكية على تصورات ثقافوية قديمة متجذرة في الخطاب الاستشراقي، يسلّط لينش الضوء على الطاقات المتنامية داخل المجتمعات العربية، والتي لا تسعى إلى استرضاء الولايات المتحدة أو الارتهان لها.
وفي النهاية، يحذّر لينش من الاستمرار في النهج السياسي ذاته تجاه الشرق الأوسط، ويدعو إلى بناء علاقات مستقبلية تقوم على دعم الاستقرار دون الانحياز إلى القوى ذات السجل الطويل في القمع والاستبداد، مع الالتزام الحقيقي بالقيم والمبادئ التي طالما رفعت الولايات المتحدة شعار الدفاع عنها على المستوى العالمي.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية