النهج الإسرائيلي تجاه الضفة الغربية: ما الجديد؟

تهدف هذه المقالة إلى تحليل التحوّل الجوهري في سياسة إسرائيل تجاه الضفة الغربية، من خلال إظهار كيف انتقلت إسرائيل من إدارة الاحتلال إلى فرض ضمٍّ فعلي تدريجي، بالاعتماد على أدوات استيطانية وتشريعية ومؤسسية جديدة. وتنطلق المقالة من سؤال محوري هو: ما الجديد في المقاربة الإسرائيلية الراهنة تجاه الضفة الغربية؟ وهل تشكّل هذه السياسات مسارًا حاسمًا نحو ترسيخ واقع الدولة الواحدة، وإغلاق أفق حلّ الدولتين بصورة نهائية؟

 

تؤكد التقارير الميدانية الحديثة — ولا سيما الصادرة عن مصادر إسرائيلية — أن التطورات التي شهدتها الضفة الغربية خلال الفترة الماضية تُظهر أن عملية ضم هذه الأراضي كانت جارية على أرض الواقع منذ وقت ليس بالقصير. كما يشير تعامل إسرائيل مع السكان الفلسطينيين إلى أنهم يُدارون بوصفهم رعايا محرومين من الحقوق السياسية والمدنية.

ومن أبرز التطورات الأخيرة التي تدعم هذا التوجه ما يلي:

أولًا، تقوم مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين، بالتواطؤ مع السلطات الحكومية والجيش، بإقامة كرافانات ومنشآت مؤقتة غير قانونية على بُعد أمتار قليلة من بساتين الزيتون الفلسطينية في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية. ثم يدّعي هؤلاء أن موسم قطاف الزيتون يشكّل تهديدًا لهم، مستندين إلى ما يزعمونه (حقًا إلهيًا) لتبرير الاعتداء على المزارعين وسفك دمائهم. وكما ورد في أحد التقارير الإسرائيلية، يُنظر إلى كل بئر مياه، أو سوق شعبي، أو جولة سياحية منظَّمة في المنطقة المصنّفة اصطناعيًا على أنها “المنطقة ج”، على أنه فعل إجرامي يُعاقَب عليه القانون.

ثانيًا، كشفت الصحفية عميرة هس، مراسلة شؤون الضفة الغربية في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، عن وجود ما أسمته (الترحيل الصامت) الجاري في ما يُعرف بـ”منطقة التماس”. وتمتد هذه المنطقة الشاسعة على مساحة بنحو 320 ألف دونم، وتقع بين جدار الفصل — الذي أُقيم في عمق الضفة الغربية — والخط الأخضر. وهي منطقة مفتوحة أمام الإسرائيليين، لكنها مغلقة أمام الفلسطينيين. إذ يتمتع الإسرائيليون والسياح بحرية التنقل فيها كما يشاؤون، وبإقامة مستوطنات تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي. في المقابل، تشكّل هذه المنطقة بالنسبة لسكان الأراضي المحتلة عام 1967 حيّزهم الطبيعي للعيش، إلا أنها باتت اليوم غير متاحة لهم، “وراء جبال من الظلام”، على حد تعبيرها المؤثر.

ثالثًا، تشير تقارير صادرة عن وسائل إعلام إسرائيلية إلى وجود أكثر من 120 مزرعة استيطانية غير قانونية في أنحاء الضفة الغربية. وتتمثل أهداف هذه المزارع أساسًا في (استيطان أراضي الدولة) و(منع البناء الفلسطيني غير المرخَّص). ووفقًا لمنظمة “كرم نابوت” — وهي منظمة غير حكومية تأسست عام 2012 وتُعنى بتوثيق النشاط الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية بدقة — فقد جرى تهجير نحو 60 تجمعًا فلسطينيًا قسرًا منذ عام 2022. ومن بين هذه التجمعات، تم تهجير 44 تجمعًا بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب ما أفادت به منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم.

علاوة على ذلك، خلص تحقيق مشترك أجرته منظمتا (كرم نابوت) و(السلام الآن) إلى أن مجموعات المستوطنين المرتبطة بما يُعرف بـ(شبيبة التلال) وحدها استولت على نحو 800 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية حتى نهاية عام 2024.

رابعًا، في 19 آب/أغسطس 2025، منحت الحكومة الإسرائيلية المصادقة النهائية على مخططات البناء في منطقة “E2” والتي تتضمن إنشاء 3,401 وحدة سكنية. ومن المتوقَّع أن تكون لهذه المخططات تداعيات بعيدة المدى على حلّ الدولتين، إذ إن تنفيذها سيؤدي عمليًا إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها. وكانت هذه المخططات قد جُمِّدت لسنوات طويلة بفعل الضغوط الدولية، بما في ذلك الضغوط الأمريكية، نظرًا إلى أنها صُمِّمت لتفتيت التواصل الجغرافي للضفة الغربية ومنع قيام تواصل سيادي وعمراني فلسطيني بين شطريها الشمالي والجنوبي.

ومن خلال تنفيذ هذه المخططات، تسعى إسرائيل إلى خلق تواصل إقليمي بين القدس الغربية والقدس الشرقية، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بمداخل البحر الميت، وذلك في إطار ما تطلق عليه “الحزام الأمني الاستيطاني اليهودي حول القدس”. ويهدف هذا الحزام إلى الحيلولة دون قيام حزام عمراني فلسطيني يطوّق القدس من جهة الشرق، ومنع المدينة من العودة إلى وضع “المدينة الطرفية” (أي حالتها عشية حرب حزيران/يونيو 1967)، بما قد يقيّد تطورها وتوسعها باتجاه الشرق. وفي الوقت ذاته، تهدف إسرائيل، من خلال هذه المخططات ذاتها، إلى تأمين الطريق الرئيسي الواصل بين القدس وأريحا في مواجهة ما تعتبره تهديدات محتملة أو توسعًا ديمغرافيًا فلسطينيًا. وتُضفي إسرائيل على هذا الطريق أهمية استراتيجية عسكرية وأمنية من الدرجة الأولى، تحسّبًا لاندلاع حرب أو لإعادة تفعيل الجبهة الشرقية. وفي أول تعليق على القرار، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش: “يتم محو الدولة الفلسطينية — لا عبر الشعارات، بل من خلال الأفعال”. ومع المصادقة على هذه المخططات، باتت الدولة قادرة على طرح العطاءات ومنح تراخيص البناء، تمهيدًا لبدء أعمال الإنشاء الفعلية.

وعلى الرغم من تأطير القرار ضمن اعتبارات استراتيجية مستمدة من تنامي الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، ومن الدروس التي تزعم إسرائيل استخلاصها من هجوم (طوفان الأقصى) في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فإنه لا يمكن إغفال حقيقة أنه منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر عام 2022، دأب بتسلئيل سموتريتش وسائر القيادات البارزة في معسكر (الصهيونية الدينية) على التأكيد مرارًا أن فرصة تاريخية قد أُتيحت لتغيير الطابع الجوهري للضفة الغربية عبر تكثيف النشاط الاستيطاني. وقد جادل هؤلاء بأن الهدف الأساسي للحكومة ينبغي أن يكون بلوغ (نقطة اللاعودة)، بحيث لا تتمكن أي حكومة مستقبلية — حتى في حال سقوط اليمين المتطرف — من تنفيذ أي شكل من أشكال الفصل بين الشعبين. ولا يبدو أن موقف حزب الليكود يختلف جوهريًا عن هذا التوجه، بل إنه تعزّز على نحو أكبر في أعقاب الحرب على قطاع غزة.

وبحسب مايكل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، فإن وقائع جديدة آخذة في التشكل مؤخرًا في الضفة الغربية، استنادًا إلى افتراضين أساسيين. يتمثل الافتراض الأول في أن واشنطن ستقف دائمًا إلى جانب إسرائيل، حتى في حال اتخاذ إجراءات ضمّ في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبناءً على ذلك، لا ترى إسرائيل كلفة تُذكر في الإضرار بعلاقاتها مع دول غربية محورية، كما لا تشعر بأنها ملزمة بأخذ تقلبات مرحلة دونالد ترامب في الحسبان، أو احتمال أن يتبنى رؤساء أمريكيون مستقبليون سياسة مختلفة جذريًا.

أما الافتراض الثاني، فيقوم على عدم الحاجة إلى مراعاة الرأي العام الدولي عند السعي إلى تحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى”، بما في ذلك التوسع المتزايد في استخدام المصطلحات التوراتية في هذا السياق. غير أن الأخطر من ذلك كله هو التسارع نحو ما يُوصف بـ”واقع الدولة الواحدة”، وهو ما يشكّل هدفًا مركزيًا لـ(خطة الحسم)التي نشرها سموتريتش عام 2017 (يديعوت أحرونوت، 24 آب/أغسطس 2025).

يجدر التنبيه إلى أن تبرير هذه التطورات جرى في الغالب من خلال الإحالة إلى ما يُزعَم أنه مقتضيات فرضها هجوم (طوفان الأقصى). غير أن خلفياتها السياسية تسبق هذا الهجوم. فمنذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في أواخر عام 2022، شهدت الضفة الغربية أوسع موجة من التوسع الاستيطاني منذ المراحل الأولى للمشروع الاستيطاني عام 1974. ويتجلى ذلك في جملة من التطورات، من أبرزها: اعتراف الحكومة الإسرائيلية بعشرات البؤر الاستيطانية ومنحها صفة مستوطنات جديدة؛ إنشاء عشرات المزارع والمواقع المقامة على قمم التلال والمخصَّصة للرعي والزراعة، والتي تمتد على مئات آلاف الدونمات؛ تنفيذ مشاريع بناء واسعة النطاق شملت عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة الغربية؛ شقّ آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، والطرق الالتفافية، والميادين المرورية، وأنظمة الإشارات، بما رافقه من إعادة هيكلة عميقة للبنية التحتية للنقل؛ مضاعفة ما يُسمّى (كتائب الدفاع) واعتماد إجراءات تهدف إلى تحسين الجاهزية والاستجابة العملياتية للإجراءات الدفاعية في مختلف أنحاء المنطقة؛ تفكيك آلاف الخيام البدوية وتهجير سكانها قسرًا، بمساعدة مجموعات (شبيبة التلال)؛ تنفيذ سلسلة من العمليات الهجومية في مدن الضفة الغربية؛ وما يُوصف بـ(ثورة العمل العبري) داخل المستوطنات الإسرائيلية، والتي أفضت إلى حظر دخول العمال الفلسطينيين إلى المستوطنات واستبدالهم بعمال يهود أو أجانب.

ولتوضيح هذه الفكرة، يكفي التوقف عند قرارين اتخذتهما الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة القصيرة التي انقضت منذ بداية ولايتها القانونية في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2022 تمت المصادقة على القرار الأول من قبل الحكومة في 18 حزيران/يونيو 2023، وهو يمنح عمليًا بتسلئيل سموتريتش — الذي يشغل أيضًا منصب وزير ثانٍ داخل وزارة الدفاع — سيطرة كاملة على إقرار مخططات البناء في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية. ووفقًا للقرار الجديد، الذي يعدّل قرارًا حكوميًا صدر عام 1996، جرى تقليص المراحل المتعددة التي كانت تتطلب سابقًا مصادقة وزير الدفاع على المخططات الهيكلية وتخصيص الأراضي إلى مرحلة مصادقة واحدة فقط. وستُمنح هذه المصادقة الآن من قبل سموتريتش بصفته الثانية كوزير داخل وزارة الدفاع.

وقد أشاد قادة المستوطنات بكلٍّ من سموتريتش وبنيامين نتنياهو لدفعهما نحو إقرار هذا التعديل والمصادقة عليه، ورحّبوا بآلية الإقرار الجديدة، مؤكدين أنها ستجعل إجراءات التخطيط في الضفة الغربية روتينية ومماثلة لإجراءات التخطيط المعمول بها داخل (الخط الأخضر). في المقابل، أدانت الجماعات المناهضة للاستيطان هذا القرار، معتبرةً أنه يشكّل ضمًّا فعليًا للضفة الغربية، وأنه سيفتح المجال أمام توسّع استيطاني غير مقيّد.

أما القرار الثاني، فتمثّل في مصادقة الكنيست الإسرائيلي، بتاريخ 21 آذار/مارس 2023، في القراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون قدّمته الحكومة لإلغاء بنود من “قانون فك الارتباط عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية” الصادر عام 2005. ويُمهّد هذا القرار الطريق لإعادة إقامة أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية جرى إخلاؤها قبل ثمانية عشر عامًا. إذ يُلغي القانون قرار فك الارتباط المتعلق بمستوطنات غانيم، وكاديم، وحومش، وسانور، التي جرى تفكيكها عام 2005، كما يرفع العقوبات الجنائية التي كانت مفروضة سابقًا على المستوطنين الذين يدخلون إلى هذه المواقع أو يقيمون فيها.

وقد قوبل هذا التشريع بالإدانة حتى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. إذ صرّح نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، فيدانت باتيل، بأن واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء خطوة الكنيست، واصفًا التعديل بأنه استفزازي على نحو خاص ويقوّض الجهود الرامية إلى استعادة الهدوء. كما شدّد على أن الولايات المتحدة تشعر بقلق جدي إزاء إقرار الكنيست لهذا القانون، مذكّرًا بأن حكومة أريئيل شارون كانت قد قدّمت تعهدات لواشنطن في صيف عام 2005 بعدم التراجع عن (قانون فك الارتباط) المتعلق بقطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.

ويُذكر أن إلغاء هذه البنود شكّل أحد الشروط التي وضعتها الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة مقابل انضمامها إلى ائتلاف حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحالية.

وكان القرار الثاني قد تمثّل في مصادقة الكنيست الإسرائيلي، بتاريخ 21 آذار/مارس 2023، في القراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون تقدّمت به الحكومة لإلغاء بنود من “قانون فك الارتباط عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية” الصادر عام 2005. ويُمهّد هذا الإجراء الطريق لإعادة إقامة أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية، كانت قد أُخليت قبل ثمانية عشر عامًا. إذ يُلغي القانون قرار فك الارتباط المتعلق بمستوطنات غانيم، وكاديم، وحومش، وسانور، التي جرى تفكيكها عام 2005، كما يُسقط العقوبات الجنائية التي كانت مفروضة سابقًا على المستوطنين الذين يدخلون إلى هذه المواقع أو يقيمون فيها.

وقد أُدين هذا التشريع مجددًا من قبل الولايات المتحدة، حيث أعاد نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية التأكيد على أن واشنطن منزعجة بشدة من خطوة الكنيست، معتبرًا أن هذا التعديل استفزازي ويقوّض مساعي التهدئة، ومشيرًا إلى التعهدات التي قدّمتها حكومة شارون عام 2005 بعدم التراجع عن قانون فك الارتباط المتعلق بقطاع غزة ومستوطَنات شمال الضفة الغربية الأربع.

شكّل إلغاء هذه البنود جزءًا من الشروط التي وضعتها الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة مقابل انضمامها إلى ائتلاف حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحالية.

وبحسب عدد من المرجعيات القانونية الإسرائيلية، من بينها منظمتي “يش دين” (هناك قانون) وجمعية حقوق المواطن في إسرائيل، فإن القانون الدولي ينظّم وضع الأراضي المحتلة على أساس اعتبار الاحتلال إدارة مؤقتة للأرض من قبل القوة المحتلة، ويحظر بشكل صارم أي ضمٍّ أحادي الجانب. ولا يقتصر هذا الحظر على كونه إجراءً شكليًا، بل يُعد مبدأً قانونيًا جوهريًا يهدف إلى منع استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس. إذ إن إرساء قناعة مفادها أن السيادة لا يمكن تحقيقها بالقوة من شأنه تقليص الحوافز المؤدية إلى الحروب. ويشكّل هذا المبدأ جزءًا من منظومة دولية أوسع نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وتهدف في جوهرها إلى كبح اندلاع النزاعات والحروب.

ويتمثل الهدف من القاعدة القانونية التي تفرض إدارة الأراضي المحتلة من قبل سلطة عسكرية، وليس مباشرة من قبل حكومة الدولة المحتلة، في إيجاد حاجز فاصل بين مواطني الدولة المحتلة والسلطة القائمة في الأراضي المحتلة. ويستند هذا الترتيب إلى افتراض مفاده أن المؤسسة العسكرية أقل خضوعًا للاعتبارات السياسية من الوزارات الحكومية المنتخبة والخاضعة للمساءلة السياسية.

غير أن نقل صلاحيات الحاكم العسكري إلى مسؤولي حكومة الدولة المحتلة وممثليها يفضي إلى فرض سيطرة مباشرة من قبل مواطني الدولة المحتلة على الأراضي المحتلة، بما يعني عمليًا تمديد السلطة السيادية إلى هذه المناطق، أي تنفيذ ضمٍّ فعلي. وهذا بالضبط ما حقّقه بتسلئيل سموتريتش، إذ جرى إقصاء الجيش بالكامل عن دوائر صنع القرار في القضايا غير المرتبطة مباشرة بالأمن في الضفة الغربية، وبدأ تطبيق السيادة الإسرائيلية على الأرض بصورة عملية — أي أن مسار الضمّ قد انطلق فعليًا ومن شأن هذا التحوّل أن تترتب عليه تداعيات خطيرة على حقوق الفلسطينيين، إذ إن القيود المحدودة التي كانت تفرضها المؤسسة العسكرية — ولو بشكل جزئي — للحيلولة دون الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية أو إلحاق الأذى بالفلسطينيين، سيتم رفعها الآن. وكانت هذه القيود، أصلًا، شديدة المحدودية، غير أن إلغاءها يزيد من وتيرة توسّع السيطرة الإسرائيلية ويعمّق آثارها.

في 23 تموز/يوليو 2025، صوّتت الهيئة العامة للكنيست لصالح إعلان يدعو الحكومة إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وغور الأردن. وجاء هذا التصويت في إطار نقاش قرّر الكنيست إدراجه على جدول أعماله، بناءً على مبادرة قدّمها أعضاء الكنيست سمحا روتمان (الصهيونية الدينية)، ولمور سون هار ميلخ (عوتسما يهوديت)، ودان إيلوز (الليكود)

وقد حظي الإعلان بتأييد 71 عضو كنيست، مقابل معارضة 13 عضوًا فقط، كان معظمهم من أعضاء الأحزاب العربية، وهو ما يبرز الموقف السياسي للمعارضة الإسرائيلية حيال هذه القضية.

وفي تعليقه على التصويت، قال رئيس الكنيست أمير أوحانا (الليكود):

” أصدر الكنيست إعلانًا تاريخيًا يدعم تطبيق السيادة الإسرائيلية على مناطق يهودا والسامرة. يشرفني كثيرًا أن أؤدي مهامي رئيسًا للكنيست وأن أقول بصوت واضح وحازم: هذه أرضنا، وهذا وطننا. أرض إسرائيل هي ملك لشعب إسرائيل. في عام 1967 لم يبدأ الاحتلال، بل انتهى. هذه هي الحقيقة التاريخية، والطريق الوحيد لتحقيق سلام حقيقي هو الانطلاق من موقع القوة. نحن باقون هنا، وقد أكد الكنيست ذلك بأغلبية كبيرة”.

) موقع الكنيست، 23 تموز/يوليو 2025(

وبالتوازي مع جميع التطورات المشار إليها أعلاه، تشير الأحداث الأخيرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية — والتي تشكّل بعضها في سياق تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 واستمرت لعامين من دون أن تفضي إلى أي تسوية متوافق عليها، مع استمرار كثير من الديناميات التي سبقت الحرب — إلى اتجاه مركزي آخذ في الترسخ بصورة متزايدة. فبحسب دراسة حديثة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، فإن هذا الاتجاه يشير إلى “انزلاق متواصل ومتسارع نحو واقع الدولة الواحدة القائم على الهيمنة اليهودية”، بالتوازي مع تصاعد العقبات التي تعترض التوصل إلى تسوية سياسية تقوم على الفصل السياسي والجغرافي والديمغرافي بين الشعبين.

ويتأكد هذا الاستنتاج من خلال سلسلة من العمليات الجوهرية الجارية داخل إسرائيل — وعلى نطاق أوسع، أيضًا داخل الساحة الفلسطينية — وفي مقدمتها التراجع المتزايد لفكرة التسوية القائمة على حلّ الدولتين

وعلى وجه التحديد، يمكن تلخيص التطورات الجارية داخل إسرائيل على النحو الآتي:

أولًا، يجري الترويج بشكل متزايد لتصوّر مفاده أن قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية من شأنه أن يشكّل “كيانًا إرهابيًا”، على غرار وضع قطاع غزة في ظل حكم حركة حماس.

ثانيًا، تصاعدت وتيرة الضمّ الإسرائيلي الزاحف للمنطقة “ج”، التي تشكّل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني فيها. ويقود ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، إلى تكريس واقع الدولة الواحدة، وقد يشير إلى أن نموذج حلّ الدولتين لم يعد يُنظر إليه بوصفه خيارًا ذا صلة. ووفقًا لمعهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل، تقود الحكومة الإسرائيلية الحالية “ثورة” في نمط السيطرة على الضفة الغربية، تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على هذه الأراضي، وإحباط أي إمكانية للتوصل إلى تسوية سياسية–جغرافية مع كيان فلسطيني يقوم مبدؤه الجوهري على الفصل بينه وبين دولة إسرائيل.

ثالثًا، في أعقاب عملية (طوفان الأقصى)، ترسّخت داخل المجتمع الإسرائيلي مجموعة من السرديات المتشددة، من بينها الادعاء بعدم وجود أي أفق للتقدم نحو تسوية مع الفلسطينيين؛ وأن المصير الحتمي هو العيش في ظل صراع دائم؛ وأن اتفاقيات أوسلو تُعد السبب الجذري لما يُوصَف بـ”الإرهاب”؛ وأن السلطة الفلسطينية تدعم (الإرهاب) ولا تختلف في جوهرها عن حركة حماس. وبناءً على ذلك، أخذت تتعزّز الحجة القائلة بأن الوقت قد حان أيضًا لتفكيك السلطة الفلسطينية.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى