مراجعة كتاب: بيبي — قصتي

الملخص التنفيذي

في كتابه “بيبي: قصتي”، يقدّم بنيامين نتنياهو سردًا مطوّلًا لحياته ومسيرته السياسية الممتدة لأكثر من نصف قرن، في محاولة واعية لكتابة تاريخه الخاص. ولا يقتصر الكتاب على استعادة التجارب الشخصية، بل يتجاوز ذلك ليقدّم بيانًا سياسيًا متكاملًا يعيد من خلاله تفسير التاريخ الإسرائيلي الحديث من منظور قائد يرى نفسه حارسًا لأمن الدولة وصانعًا لأمجادها.

تتناول هذه المراجعة المحاور الرئيسة للسيرة من حيث المضمون والأسلوب، من خلال قراءة نقدية لكيفية تقديم نتنياهو لذاته، ولتصوّره للعلاقات الإقليمية – ولا سيما مع الأردن – ورؤيته للأمن والسياسة.

تعتمد هذه المراجعة مقاربة تحليل الخطاب النقدي، مقترنة بنقد السيرة السياسية، بحيث يُتعامل مع كتاب “بيبي: قصتي” لا بوصفه سردًا ذاتيًا محايدًا، بل باعتباره نصًا سياسيًا صيغ من موقع سلطة. ويركّز التحليل على الكيفية التي تُستَخدم بها التجربة الشخصية بشكل انتقائي لبناء الشرعية، وتبرير الخيارات السياسية، وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية، ولا سيما عبر لغة متمركزة حول الأمن، ومفاهيم الرسالة التاريخية، وثنائيات التهديد والقوة. وبدلًا من التحقق من صحة الادعاءات الوقائعية، تنصرف المراجعة إلى تفكيك آليات سرد التاريخ وتوظيفه لخدمة مشروع أيديولوجي محدد، مع اهتمام خاص بتمثيلات العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والعلاقات الإقليمية – خصوصًا مع الأردن – والمسألة الفلسطينية، والعلاقات مع الولايات المتحدة. وبهذا المعنى، يُقارب الكتاب بوصفه أثرًا خطابيًا وسياسيًا يعكس تحولات أوسع في الثقافة السياسية الإسرائيلية وفي أيديولوجيا اليمين، أكثر من كونه مجرد مذكّرات شخصية.

أولًا: نظرة عامة على الكتاب

يُعدّ كتاب “بيبي: قصتي” من أبرز السير السياسية التي صدرت خلال العقد الأخير، ليس فقط لأنه يوثّق حياة أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة، بل لأنه يشكّل كذلك وثيقة فكرية وسياسية تكشف ملامح العقل الذي حكم إسرائيل خلال أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا.

يمزج الكتاب بين السيرة الذاتية والسرد التاريخي، ويقدّم نتنياهو بوصفه الشخصية المحورية التي دارت حولها أحداث الدولة منذ سبعينيات القرن الماضي. وعلى امتداد أكثر من سبعمائة صفحة، يسعى المؤلف إلى تقديم رواية شاملة لمسيرته من الطفولة إلى السلطة، غير أنه يفعل ذلك بلغة لا تضعه في موقع الشاهد على التاريخ، بل في موقع صانعه.

تبدأ السيرة بطفولته في القدس والولايات المتحدة، حيث تشكّل وعي نتنياهو بين ثقافتين: الصهيونية القومية التي ورثها عن والده بن تسيون نتنياهو، والبراغماتية الأمريكية التي احتكّ بها خلال سنوات دراسته في ماساتشوستس. غير أن الحدث الفاصل في حياته، كما يكرّر التأكيد عليه، كان مقتل شقيقه يوني نتنياهو في عملية عنتيبي عام 1976. فهذا الحدث لم يكن مجرد لحظة مأساوية، بل تحوّل إلى حجر الزاوية في صياغة ما يسميه “رسالة حياته”: الدفاع عن إسرائيل بكل الوسائل، والنظر إلى العالم من خلال ثنائية القوة والخطر.

ومن هذه النقطة، يتحوّل الكتاب إلى سرد متواصل للفكرة المركزية ذاتها: أن إسرائيل تعيش في بيئة معادية، وأن قادتها، وفي مقدمتهم نتنياهو، مطالبون بأن يكونوا حراسًا دائمين على بوابات التاريخ.

وعلى الرغم من الطابع الشخصي الظاهر للسرد، فإن “بيبي: قصتي” لا يمكن اعتباره سيرة ذاتية تقليدية، بل هو بيان سياسي يهدف إلى ترسيخ رواية محددة للتاريخ الإسرائيلي الحديث. فكل مرحلة من مراحل حياة نتنياهو، سواء في العمل الدبلوماسي أو في الحكم، تُقدَّم بوصفها دليلًا على بصيرته الاستثنائية وعلى ضرورته الوجودية للدولة. وبذلك، يتحوّل الكتاب في جوهره إلى مرافعة مطوّلة للدفاع عن الزعيم أمام التاريخ، أكثر من كونه تأملًا ذاتيًا أو مراجعة نقدية للتجربة.

ثانيًا: البنية العامة والمضامين الرئيسة

يبني نتنياهو كتابه وفق تسلسل زمني دقيق يمتد من طفولته حتى عام 2022، غير أن هذا التسلسل لا يُستخدم بوصفه إطارًا سرديًا محايدًا، بل كأداة لخدمة غاية واحدة: صناعة أسطورة الذات القائدة. فالبنية السردية تقوم على تفاعل دائم بين الخاص والعام، حيث تُستدعى التجربة الشخصية لتفسير الحدث السياسي، ويُستثمر الحدث السياسي لتبرير الموقف الشخصي.

في الفصول الأولى، مثل “البدايات”، و”العائلة”، و”الجندي”، يرسم نتنياهو صورة لبيت يهودي محافظ مثقل برسالة قومية صارمة. ويظهر والده، بن تسيون نتنياهو، المؤرخ المتخصص في محاكم التفتيش الإسبانية، بوصفه رمزًا للصرامة الفكرية والانضباط الأيديولوجي. فمن وجهة نظر نتنياهو، كان والده هو من غرس فيه الإيمان بأن التاريخ لا يرحم الضعفاء، وأن بقاء الشعب اليهودي يقوم على القوة لا على المثالية. وقد شكّل هذا الوعي المبكر، المقترن بتنشئة قومية صلبة، العمود الفقري لرؤيته السياسية لاحقًا.

ومن خلال استعادته لتجربته العسكرية في وحدة “سييرت متكال”، يقدّم نتنياهو نفسه مقاتلًا تعلّم في الميدان معنى الحسم واتخاذ القرار. ويصف العمليات العسكرية التي شارك فيها بنبرة بطولية، معتبرًا أن تجربته العسكرية منحته ما يسميه “الدليل العملي على أن الخطر لا يُدار بالخوف، بل بالمبادرة”.

غير أن أكثر فصول القسم الأول تأثيرًا هي تلك التي تتناول شقيقه يوني، بطل عملية عنتيبي. ففي هذا الجزء، يتحوّل السرد إلى ما يشبه الطقس الجنائزي الذي يُنتج شرعية القيادة. فبالنسبة لنتنياهو، لا تمثّل وفاة يوني نهاية حياة، بل بداية رسالة. وفي أحد المقاطع، يشير إلى أن “دم يوني أنار طريقه”، ومنذ تلك اللحظة يصبح الألم الشخصي جزءًا من الأسطورة السياسية التي يبني عليها صورته كقائد يواجه الخطر نيابة عن الأمة.

وتشكّل هذه العلاقة بين المأساة الفردية والرسالة الوطنية خيطًا نفسيًا متصلًا في الكتاب، حيث تتحوّل كل أزمة إلى اختبار للذات، وكل انتصار إلى دليل على القدر.

في القسم الثاني، ينتقل نتنياهو إلى مسيرته الدبلوماسية في الأمم المتحدة وواشنطن خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث يظهر بُعد آخر من شخصيته: المقاتل بالكلمات. يروي كيف أتقن لغة الإعلام الأمريكي، واكتشف قوة الصورة والخطاب في معركة الرأي العام. وفي هذا السياق، يقدّم نفسه منقذًا لصورة إسرائيل في الخارج، ويرى أن تجربته في واشنطن أسهمت في تحويل الدفاع عن إسرائيل إلى خطاب عالمي. ومن وجهة نظره، قادته هذه التجربة إلى إدراك أن “بقاء إسرائيل يعتمد على قدرتها على رواية قصتها”، وهي فكرة سترافقه لاحقًا في جميع معاركه السياسية.

ومع دخوله الحياة الحزبية في “الليكود”، تتبلور صورته السياسية بشكل أوضح. ففي فصول مثل “الليكود” و”النصر”، يصف مواجهته للنخب السياسية التي يتهمها بالانهزامية، ويرى نفسه صوت الواقعية في مواجهة ما يسميه “وهم السلام”، معتبرًا أن خصومه “يقعون في فخ الرواية الفلسطينية”. وتعكس هذه اللغة ذهنية تقسّم العالم إلى من يدرك الحقيقة ومن ينكرها، وهي ذهنية ستلازمه في الحكم وتجعله قائدًا مثيرًا للجدل داخل إسرائيل وخارجها.

ثم تأتي فترته الأولى في رئاسة الحكومة بين عامي 1996 و1999، والتي يعرضها في فصول “النصر”، و”الصدام”، و”السقوط”. ويصوّر لقاءاته مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ومع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، على أنها مواجهات شخصية بين الواقعية التي يمثلها والمثالية التي يمثلها الآخرون. ويناقش اتفاق “واي ريفر”، والضغوط الأمريكية، والإعلام الإسرائيلي الذي يعتقد أنه تآمر ضده. وعندما خسر السلطة، أعاد تفسير الهزيمة على أنها دليل على أن الشعب اختار الوهم بدل الواقع. وبهذا المعنى، تتحوّل السياسة في نظره إلى اختبار أخلاقي لا إلى منافسة ديمقراطية، وتصبح الهزيمة شكلًا آخر من أشكال الانتصار الروحي.

وبعد فترة من الإقصاء السياسي، يعود نتنياهو في دور جديد كوزير للمالية في حكومة أرييل شارون. وهنا ينتقل الخطاب من السياسة إلى الاقتصاد، ليقدّم نفسه مهندسًا للتحول الليبرالي الذي أنقذ إسرائيل من “الجمود الاشتراكي”. ويزعم أنه نفّذ إصلاحات جذرية حوّلت إسرائيل إلى “دولة الشركات الناشئة”، مستخدمًا لغة السوق لتبرير سياسات التقشّف. غير أن هذا الجزء يحمل أيضًا نبرة دفاعية، إذ يسعى إلى إثبات أن رؤيته الاقتصادية كانت متقدمة على زمنها، رغم الجدل الداخلي الذي أثارته.

استقال نتنياهو من حكومة شارون عام 2005 احتجاجًا على خطة الانسحاب من غزة، واصفًا ذلك بأنه لحظة نقاء مبدئي. ثم عاد إلى السلطة عام 2009 فيما وصفه بـ”عودة التاريخ إلى مساره الصحيح”. ومنذ تلك اللحظة، يمتد السرد إلى سنوات حكمه الطويلة حتى عام 2022، حيث تتقاطع القضايا الكبرى: البرنامج النووي الإيراني، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والانتفاضات العربية، وتطبيع العلاقات مع عدد من الدول العربية في إطار “اتفاقيات أبراهام”.

وفي هذه الفصول الأخيرة، يبدو نتنياهو أقرب إلى صاحب بيان سياسي منه إلى كاتب مذكرات. فهو يتحدث عن خطابه الشهير أمام الكونغرس الأمريكي، وعن خلافه مع باراك أوباما، وعن تحالفه مع دونالد ترامب الذي يراه تتويجًا لرؤيته لـ”السلام من خلال القوة”. وتحت كل هذه الأحداث، يظل اللحن نفسه حاضرًا: أن إسرائيل مدينة له ببقائها وازدهارها.

ثالثًا: الأردن في العقل السياسي لنتنياهو

يحتلّ الأردن موقعًا خاصًا في سردية نتنياهو، بوصفه عمقًا أمنيًا وخطًا فاصلًا بين الاستقرار والفوضى. ففي أكثر من موضع في الكتاب، يكرّر أن غور الأردن يشكّل “خط الدفاع الشرقي” لإسرائيل، وأن أي انسحاب منه من شأنه أن يجعل الدولة “غير قابلة للدفاع”. وتتكرر هذه العبارة بصيغ متعددة، ما يدل على أنها ليست رأيًا ظرفيًا، بل مبدأ أيديولوجيًا راسخًا في تفكيره السياسي.

كما ينتقد نتنياهو ما يصفه بـ”الأوهام الأمريكية” حول إمكانية أن يشكّل الأردن وطنًا بديلًا للفلسطينيين، مؤكدًا أن مثل هذه الطروحات تهدّد أمن البلدين معًا. ورغم إقراره بأهمية العلاقات الأمنية مع عمّان، فإن نظرته تظل محكومة بمنطق المصلحة الإسرائيلية؛ إذ يتعامل مع الأردن بوصفه “جارًا مفيدًا” أكثر من كونه “شريكًا متكافئًا”.

ومن هذا المنظور، يتحوّل الأردن في خطاب نتنياهو إلى رمز للحدود التي يجب أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي مواضع أخرى، يتحدث باحترام عن الملك الأردني، غير أن هذا الاحترام يظل مرتبطًا بالاستقرار الأمني لا بالتعاون السياسي. ويكشف الكتاب ضمنيًا عن تصوّر إسرائيلي ينظر إلى العلاقة مع الأردن باعتبارها وظيفة أمنية أكثر منها علاقة دولة بدولة.

وفي هذا السياق، يستشهد نتنياهو بفصول تتناول محاولاته إقناع الولايات المتحدة بعدم ممارسة ضغوط على الأردن في قضايا حساسة، مشيرًا إلى أن أي اختلال في التوازن الأمني الأردني سينعكس مباشرة على أمن إسرائيل. لكنه لا يُخفي في الوقت نفسه أن عمّان كانت، في بعض الأحيان، مصدر إزعاج سياسي، ولا سيما خلال الجدل الذي رافق خطة ضم أجزاء من غور الأردن بين عامي 2019 و2020.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن ما يصفه بعض المحللين بـ”عقيدة نتنياهو تجاه الأردن” يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسة: السيطرة الجغرافية، والتحالف الأمني، وضبط النفس السياسي. وهي رؤية تجعل الأردن جزءًا من “البنية الأمنية الإسرائيلية” أكثر مما تجعله عنصرًا في “نظام السلام الإقليمي”.

رابعًا: قراءة نقدية وتحليلية

من الناحية الأدبية، يكتب نتنياهو بلغة واضحة وسلسة تمزج بين الخطاب السياسي والمونولوج الشخصي. الجمل قصيرة، والإيقاع سريع، واللغة مشبعة بالثقة واليقين. غير أن السرد يُستخدم لترسيخ صورة واحدة: صورة القائد الذي لا يخطئ. فكل أزمة يمرّ بها تتحوّل إلى دليل على صلابته، وكل خصم سياسي يصبح رمزًا للضعف أو لسوء الفهم.

وتُنتج هذه اللغة نصًا مشوّقًا للقارئ، لكنها في الوقت ذاته تُضعف البعد التحليلي الذي يُفترض أن تحمله السيرة الذاتية. فبدلًا من تقديم مراجعة نقدية للتجربة، يقدّم الكاتب دفاعًا عنها، ما يجعل الكتاب أقرب إلى وثيقة تبريرية سياسية منه إلى سيرة فكرية تأملية.

على المستوى النفسي، يرسم الكتاب شخصية ذات وعي استثنائي بالذات. فنتنياهو لا يكتفي بالحديث عن نفسه، بل يتحدث من داخل ذاته، ويرى نفسه تجسيدًا للتاريخ الإسرائيلي الحديث، بحيث يغدو سقوطه مرادفًا لتراجع الأمة. وهذه الثقة المطلقة بالنفس تمثّل في آنٍ واحد مصدر قوته ونقطة ضعفه؛ فهي تمنحه ثباتًا في المواقف، لكنها تمنعه من الاعتراف بالأخطاء.

ويتكرر مفهوم “الرسالة” في أنحاء الكتاب كافة: رسالة حماية إسرائيل، وكشف “التهديد الإيراني”، وقيادة الاقتصاد، وحتى مواجهة الإعلام. فكل فعل يقوم به يُبرَّر باسم هذه الرسالة، لتتحوّل القيادة من خيار سياسي إلى قدر محتوم، ومن مسؤولية قابلة للنقاش إلى عبء يبرّر كل قرار.

أما على المستوى السياسي، فيقدّم الكتاب مادة ثرية لتحليل التحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي. فهو يعكس كيف انتقلت إسرائيل، في ظل حكم نتنياهو، من “خطاب السلام مقابل الأرض” إلى “القوة مقابل السلام”. فوفق رؤيته، لا يتحقق السلام إلا حين يدرك الخصوم أن إسرائيل قوية وغير قابلة للابتزاز. وتشكل هذه الفلسفة الأساس الأيديولوجي لاتفاقيات أبراهام، التي يصفها في الكتاب بأنها “تحقيق للحلم الصهيوني خارج حدود الصراع”.

غير أن هذه الرؤية تخفي نزعة إقصائية واضحة، حيث يُختزل العرب في معادلة القوة، ويُختزل الفلسطينيون في عبء دائم. ولا يتيح النص أي صوت آخر أو منظور مغاير؛ فالعلاقة مع الفلسطينيين تُقرأ حصريًا من زاوية أمنية، بينما تُقرأ العلاقات مع العرب من زاوية المنفعة. وبهذا، يقدّم الكتاب نموذجًا جليًا لما يسميه بعض الباحثين “الذات القومية المتعالية”، التي ترى في التفوق الأخلاقي مبررًا للهيمنة السياسية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار القيمة التوثيقية للكتاب. فمن منظور شاهد مباشر، يوثّق تفاصيل دقيقة للمفاوضات والقرارات والاجتماعات التي شكّلت الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، كما يكشف كواليس السياسة الإسرائيلية: الصراعات داخل حزب الليكود، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية، والخلافات مع الإعلام والسلطة القضائية.

ومن أكثر الفصول صراحة ذلك الذي يتناول فيه اتهامات الفساد الموجهة إليه. فهو يروي كيف تعرّض، بحسب وصفه، لـ”حملة اغتيال سياسي” قادتها الشرطة ووسائل الإعلام، ويعيد تفسيرها بوصفها دليلًا على صلابته ونزاهته. وحتى هنا، يظل الخطاب دفاعيًا، دون أي استعداد لمساءلة الذات أو تفحّص أسباب تآكل الثقة به داخل المجتمع الإسرائيلي.

ويكتسب البعد النفسي للسرد أهمية خاصة في فهم شخصية القائد. فالكتاب يعكس ذهنية ترى في التهديدات الوجودية شرطًا للبقاء، وفي العداء الخارجي سببًا للتماسك الداخلي. وقد جعلت هذه الذهنية نتنياهو، بحسب بعض المراقبين، أكثر براعة في إدارة الأزمات من قدرته على إنتاج الحلول. ومن ثم، فإن “بيبي: قصتي” هو في جوهره انعكاس لعقلية حكم تقوم على اليقظة الدائمة والخوف البنّاء.

خامسًا: موقع الكتاب في الأدبيات السياسية الإسرائيلية

ينضمّ كتاب “بيبي: قصتي” إلى سلسلة طويلة من السير الذاتية لقادة إسرائيل، غير أنه يختلف عنها في الشكل والمضمون. فبينما ركّزت مذكّرات قادة مثل دافيد بن غوريون أو غولدا مائير على سرد التجربة الجماعية لبناء الدولة، ينقلنا نتنياهو إلى مرحلة يحتكر فيها القائد الفرد الرواية بأكملها.

لا يناقش الكتاب إسرائيل بوصفها وطنًا، بل بوصفها فكرة متجسّدة في شخصه. وبهذا المعنى، يمكن اعتباره وثيقة انتقال من “جيل التأسيس” إلى “جيل التبرير”، حيث لم يعد الهدف بناء الدولة، بل الدفاع عن القائد في مواجهة النقد.

ومع ذلك، يظل الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم تطوّر اليمين الإسرائيلي الحديث، وكيف تحوّل من حركة قومية ذات تركيز أمني إلى مشروع أيديولوجي متكامل يقوم على ثلاثة أعمدة: الأمن، والهوية، والشرعية الدولية عبر التحالف مع الغرب.

وفوق ذلك، يقدّم “بيبي: قصتي” نموذجًا لقائد يكتب تاريخه بنفسه، ساعيًا إلى تشكيل السردية الوطنية وفق رؤيته الخاصة. وبهذا، ينتمي الكتاب إلى نمط عالمي من السير السياسية التي تحوّل القائد إلى رمز تتماهى فيه الشخصية مع الدولة، على غرار مذكّرات تشرشل أو ديغول، وإن كان ذلك يتم هنا بنبرة أيديولوجية أكثر مباشرة وأقل تواضعًا.

سادسًا: الخلاصة العامة

إن “بيبي: قصتي” أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ إنه بيان سياسي طويل الأمد يشرح كيف يرى نتنياهو إسرائيل والعالم من حولها. وبأسلوبه الواثق ولغته المشبعة بالاستعارات العسكرية، يمكن قراءة الكتاب بوصفه وثيقة عن صناعة القيادة في إسرائيل المعاصرة.

في كل صفحة، يقدّم نتنياهو نفسه مخلّصًا محاصرًا بالأعداء، وحارسًا للتاريخ. ومن خلال ذلك، يعبّر عن نمط قيادة كاريزمية تستمد شرعيتها من الأزمات لا من المؤسسات. لذلك، تكمن أهمية الكتاب لا في موضوعيته، بل في كشفه للمنظور الذاتي الذي يُعاد من خلاله تفسير كل حدث سياسي في ضوء رؤية واحدة: “بيبي”.

ورغم افتقار النص إلى النقد الذاتي أو تعدّد وجهات النظر، فإنه يظل مرجعًا لا غنى عنه لفهم التحوّلات الفكرية والسياسية داخل إسرائيل، ولإدراك كيفية تبرير اليمين الإسرائيلي لسياساته داخليًا وخارجيًا. ومن خلال تتبّع التفاصيل التي يقدّمها المؤلف عن علاقاته مع الأردن، والفلسطينيين، والولايات المتحدة، يتضح أن نتنياهو لم يكن مجرد سياسي محافظ، بل صاحب مشروع متكامل يقوم على تحويل القوة إلى أداة للشرعية، وتحويل الخطر إلى مبرّر دائم للبقاء في السلطة.

ويختتم نتنياهو كتابه بالعبارة الرمزية: “لقد أديتُ واجبي، وسيحكم التاريخ على الباقي”. غير أنه في الواقع لا يترك للتاريخ مجالًا للحكم، إذ يروي الوقائع كما لو أن الحكم قد صدر بالفعل. ومن هذا المنظور، يصبح الكتاب نصًا عن القيادة أكثر منه عن إسرائيل، وعن الإيمان المطلق بالذات أكثر منه إيمانًا بالمستقبل.

وبذلك، تتيح قراءة “بيبي: قصتي” فهمًا عميقًا لكيفية إعادة كتابة التاريخ من منظور السلطة، وتكشف كيف تتحوّل السيرة الشخصية إلى أداة لتكريس السرديات السياسية في عالم يزداد فيه التداخل بين القائد والدولة.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى