مقابلة العدد مع نبيل عمرو
السؤال الأول: هل ترى، في ضوء المعطيات الراهنة، أن الانتقال إلى “المرحلة الثانية” بات مسارًا إجباريًا، سواء شاءت إسرائيل ونتنياهو أم لم يشاءا؟
نبيل عمرو: في ضوء قرارات مجلس الأمن والمبادرة الأميركية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، يبدو واضحًا أن المسار السياسي أصبح ملزمًا، وأن انتقال العملية إلى “المرحلة الثانية” لم يعد خيارًا خاضعًا لإرادة نتنياهو. فالولايات المتحدة لعبت دورًا حاسمًا في فرض وقف إطلاق النار، سواء في الساحة اللبنانية أو في قطاع غزة، ولولا هذا التدخل المباشر لظل نتنياهو متمسكًا بإدارة الحرب وفق حساباته الخاصة. وفق القراءة الدقيقة للتطورات السياسية والدبلوماسية المتلاحقة، يبدو أن قرار مجلس الأمن الأخير، كما المبادرة الأميركية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، قد وضعا مسارًا لا يمكن لإسرائيل-ولا لنتنياهو تحديدًا-الالتفاف عليه. فالقرار الأممي، رغم ما يعتريه من عموميةٍ في الصياغة، يحمل في طياته تصورًا متعدد المراحل، حتى وإن لم تُذكر هذه المراحل حرفيًا، إلا أنها واضحة في منطق القرار، وفي طبيعة الضغوط الدولية التي تشكّلت من حوله. لقد ربط نتنياهو مصيره الشخصي ومصير ائتلافه الحاكم بمسار الحرب ونتائجها. وبسبب فشله في تحقيق “النصر المطلق” الذي وعد به جمهوره، بات مستعدًا للاستمرار في المواجهة حتى لو أدى ذلك إلى تدمير غزة بالكامل. وهذا ما وجد المجتمع الدولي أنه لم يعد مقبولًا، وهو ما استدعى سحب القرار منه ونقله تدريجيًا إلى إدارة أميركية مباشرة.
إن الدور الأميركي كان حاسمًا في وقف إطلاق النار، سواء في الساحة اللبنانية أو في قطاع غزة؛ إذ لو لم تتدخل واشنطن بالطريقة المباشرة التي تدخلت بها، لاستمر نتنياهو في إدارة الحرب وفق مصالحه السياسية الذاتية. فقد ربط مصيره الشخصي، ومصير ائتلافه الحاكم، بمآلات الحرب، وتحديدًا بوعد “النصر المطلق” الذي لم يتحقق، ولم يعد بالإمكان تحقيقه وفق المعطيات العسكرية والإنسانية الراهنة. ومن هنا، فإن ترك زمام المبادرة بيد نتنياهو وحده كان سيعني استمرار الحرب حتى لو أدى ذلك إلى تدمير غزة بأكملها.
إن مجلس الأمن، من خلال هذا القرار، ومن خلال التفويض السياسي الذي مُنح لترامب في قمة شرم الشيخ-حيث اجتمعت معظم دول العالم والتكتلات الدولية-قدّم خريطة طريق واضحة: وقف الحرب، ثم فتح مسار سياسي للقضية الفلسطينية، وذلك عبر مراحله المتتابعة. هذا التفويض منح ترامب موقع “القائد الفعلي لمسار الشرق الأوسط” في هذه اللحظة، وبالتالي أصبح الانتقال إلى المرحلة الثانية هدفًا دوليًا معلنًا.
صحيح أن نتنياهو يحاول التمسك ببعض الذرائع لتأخير هذا الانتقال-مثل قضية الجثتين المتبقيتين في غزة، والتي يحاول توظيفها لإبقاء المنطقة رهينة لمصالحه الشخصية-إلا أن هذه الذرائع بدأت تفقد قوتها مع انتقال بعض صلاحيات إدارة الملف من حكومته إلى الإدارة الأميركية مباشرة. فالإدارة الأميركية باتت الآن مسؤولة عن إدخال المساعدات الإنسانية، وعن وضع الترتيبات العملية للمرحلة التالية.
مع ذلك، لا ينبغي إنكار احتمال أن يفاجئ نتنياهو العالم بتعطيل المسار من خلال افتعال أحداث أو توظيف دعم بعض المتعاطفين معه داخل الإدارة الأميركية أو الكونغرس. إلا أن الاتجاه العام يميل نحو تقليص دوره التدريجي في إدارة الحرب. وأنا أرى أن انتزاع بعض الملفات من بين يديه، وتحويلها إلى إدارة أميركية مباشرة، أفضل بما لا يقاس من تركه متحكمًا منفردًا بمسار الأحداث.
لكن رغم هذه التطورات، لا تزال أمام الفلسطينيين والعرب مهمة ثقيلة تتعلق بصياغة المرحلة السياسية اللاحقة، وتحويل هذا الزخم الدولي إلى خطوات عملية على طريق الدولة الفلسطينية.
السؤال الثاني: هناك من يذهب إلى القول إن قرار مجلس الأمن يهيّئ بيئة مشابهة لتلك التي سبقت اتفاق أوسلو الأول، وكأننا أمام “أوسلو ثانية”. ما رأيك؟
نبيل عمرو : هذا التشبيه، في تقديري، غير دقيق وينطوي على قدر كبير من التبسيط التاريخي، إذ إن السياقين اللذين وُلد فيهما كل من أوسلو الأولى واللحظة الراهنة مختلفان جذريًا. فقد جاء اتفاق أوسلو في مطلع التسعينيات في ظل عالم أحادي القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة في ذروة نفوذها الدولي، بينما كانت أوروبا أكثر قدرة على لعب أدوار داعمة وفاعلة في المسار السياسي. أما الإقليم العربي، فرغم تعقيداته المزمنة، كان يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار تسمح بإنتاج مسارات تفاوضية من النوع الذي عُرف لاحقًا بأوسلو.
ثم إن اتفاق أوسلو نفسه لم يكن خاليًا من الثغرات الجوهرية-ومنها غياب الإطار النهائي للحل، والعجز عن ضبط الاستيطان-وقد جاءت التطورات اللاحقة لتُظهر هشاشة البناء الذي قام عليه الاتفاق.
اليوم، نحن نعيش في شرق أوسط مختلف تمامًا عمّا كان عليه في تسعينيات القرن الماضي؛ فالإقليم غارق في دوامة اضطرابات متواصلة منذ عقد الربيع العربي، والاقتصاد العالمي أصيب بضربات قاسية أعقبت جائحة كورونا وما رافقها من أزمات بنيوية. ولم يعد النفوذ الأميركي على صورته القديمة، كما تراجع الدور الأوروبي بشكل ملحوظ، في الوقت الذي برزت فيه قوى دولية أخرى تبحث عن موطئ قدم في المنطقة. ويأتي ذلك كلّه في ظل واقع فلسطيني ممزق، واحتلال أشد ضراوة، واستيطان أكثر تغولًا، ما يجعل من اللحظة الراهنة سياقًا مغايرًا جذريًا لأي مقاربة تقيسها على لحظة أوسلو الأولى.
فإذا كان لا بد من مقارنة، فهي مقارنة تُظهر الفروق لا التشابهات. نحن لسنا أمام “أوسلو ثانية”، بل أمام لحظة جديدة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع إرهاقات الحرب، وتطالب بإعادة صياغة قواعد اللعبة. غير أن المنتج السياسي لهذه اللحظة لن يكون تكرارًا لأوسلو، مهما تعددت القراءات.
السؤال الثالث: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن منظمة التحرير كانت عند توقيع أوسلو الأولى تعاني ضائقة مالية شديدة، وهو واقع يتكرر اليوم. كما يشيرون إلى أن أوسلو الأولى جاءت في سياق هزيمة العراق، بينما نحن اليوم أمام محور مقاومة تلقّى ضربات هائلة. هل تعزز هذه المقارنة فرضية أن المرحلة الراهنة تُنتج «أوسلو ثانية»؟
نبيل عمرو : لا أميل إلى هذا النوع من المقارنات، لأنها تتجاهل طبيعة الفوارق البنيوية بين اللحظات التاريخية المختلفة. فكل حدث سياسي يتكوّن ضمن سياق محدّد، ويستمد منطقه من شبكة معقدة من الظروف والمتغيرات، ولا يجوز إخضاعه لمعادلات تشابه ظاهرية.
صحيح أننا كفلسطينيين خسرنا كثيرًا في ما أسميه “حرب أكتوبر الفلسطينية”-أي الحرب الأخيرة على غزة وما تلاها من تصعيد عسكري في الضفة الغربية-إذ مُني الشعب بتضحيات بشرية ضخمة، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، وانكماش لمجالات الحياة اليومية. غير أن هذه الخسائر لم تُنتج صورة واحدة؛ ففي مقابل هذا الجانب المأساوي، تحقق مكسب سياسي استراتيجي بالغ الأهمية: أصبحت الدولة الفلسطينية التزامًا عالميًا، لا مجرد تعاطفٍ أخلاقي أو تأييدٍ سياسي عابر.
عندما تعترف ما يقارب 190 دولة بدولة فلسطين، فهي لا تفعل ذلك لتسكين ضميرها، ولا لإرضاء الفلسطينيين، بل لأنها خلصت إلى قناعة عميقة مفادها أن القضية الفلسطينية-إن تُركت بلا حل-ستظل جوهر الاضطراب في الشرق الأوسط، وستبقى مصدرًا دائمًا لاستنزاف المصالح الدولية في المنطقة. وهذه الحقيقة، وإن جاءت في سياق مأساوي، إلا أنها تصب في المصلحة الإستراتيجية للفلسطينيين.
لكن يجب التأكيد: الاعتراف الدولي لا يُنشىء دولةً من تلقاء نفسه. إنه رصيد سياسي كبير، لكنه يحتاج إلى تحويلٍ مؤسسي وعملي، وإلى جهد فلسطيني-عربي-دولي منسق لانتقاله من خانة الشرعية القانونية إلى خانة الوجود الفعلي على الأرض.
ومن بين المتغيرات المهمة في السياق الراهن دخول الإسلام السياسي بشكل مباشر في المشهد السياسي، لا بوصفه حالة تضامنية من بعيد، بل كفاعل حاضر في منظومات الحكم العربية والإسلامية. هذا الحضور أدّى إلى تغيير قواعد الحوار مع إسرائيل نفسها؛ فعندما التقى ممثلو الدول العربية والإسلامية بنتنياهو في واشنطن، فرضوا عليه-للمرة الأولى بهذه الحدة-التراجع الصريح عن فكرة الضم، التي كانت مشروعه المركزي، والتخلي عن مشاريع التهجير التي كان يلوّح بها، ومن بينها خطة “الريفيرا” التي كان يتصوّر فيها اقتلاع سكان غزة وتشتيتهم عبر العالم دون حق العودة.
نحن الآن في قلب صراع مفتوح، فيه مكاسب تتحقق وأخرى تتعثر. وهذا أمر طبيعي في أي مسار تفاوضي أو سياسي؛ فلا توجد تسوية مع الخصم تمنح أحد الطرفين كل ما يريد. ما يجري اليوم ليس «أوسلو ثانية»، بل لحظة سياسية لها معطيات جديدة، وتستدعي جهدًا عربيًا وإسلاميًا ودوليًا لترجمة الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى واقع ملموس، لا أن يبقى حبرًا على ورق.
السؤال الرابع: ينص قرار مجلس الأمن على أن أي تقدم أو انتقال سياسي مشروط بإصلاحات “على نحو مرضٍ” داخل السلطة الفلسطينية. كيف تقرأ هذه الإشارة؟ أهي ذريعة تُستخدم على نطاق واسع، أم مطلب موضوعي؟
نبيل عمرو : مع الأسف، لا يمكن وصف هذه الإشارة بأنها ذريعة؛ إنها حقيقة دامغة. نحن-كفلسطينيين-نعيش داخل نطاق السلطة ونعرف واقعها. فهل نحن راضون عن أدائها؟ وهل تبذل السلطة الجهد المطلوب لمعالجة أخطر قضية في العصر الفلسطيني الحديث؟ الجواب الصريح: لا.
ولهذا، حين أتحدث عن الإصلاح، فإنني لا أراه مطلبًا أميركيًا أو اشتراطًا دوليًا بقدر ما أراه ضرورة وطنية خالصة، تنبع من احتياجات الشعب نفسه: ضرورة لتعزيز صموده، وترسيخ وجوده على أرضه، وتمكينه من الدفاع عن حقوقه وانتزاعها.
أي إصلاح حقيقي يجب أن يستند إلى رؤية فلسطينية داخلية، وإلى قناعة بأن بناء مؤسسة وطنية قوية هو شرط وجود، لا شرط تفاوض. العالم قد يربط الإصلاح بالتعامل مع السلطة، لكن هذا الارتباط-مهما بدا ضاغطًا-لا يلغي جوهر الحقيقة: نحن بحاجة إلى إصلاح لأن واقع مؤسساتنا يفرض ذلك، لا لأن الخارج يطالب به.
الإصلاح، إذن، ليس معركة مع الخارج، بل معركة مع الذات-مع بنية سياسية تحتاج إلى إعادة بناء، ومع مؤسسة تحتاج إلى تجديد شرعيتها ومضاعفة قدرتها على مواجهة تحديات المرحلة.
السؤال الخامس: لكن هل هذا فعلًا ما يقصده قرار مجلس الأمن، وما يريده الأميركيون وغيرهم؟ أم أن الحديث عن «الإصلاح» أصبح ذريعةً تستخدمها الأطراف الدولية للضغط على الفلسطينيين؟
نبيل عمرو : ثمة نقاط التقاء حقيقية بين ما يطلبه المجتمع الدولي وما يحتاجه الفلسطينيون فعليًا. فمن حيث المبدأ، لا يعارض العالم أن يكون للفلسطينيين برلمان منتخب انتخابًا حرًا ونزيهًا، ولا يعارض بناء سلطة تستند إلى شرعية ديمقراطية واضحة؛ بل إن هذا شرط موضوعي للتعامل الجاد مع أي كيان سياسي. وكان على السلطة، قبل أي ضغوط خارجية، أن تبادر هي إلى فتح مسار انتخابي شامل، بدل البحث عن ذرائع لتعطيله تحت مسمى “التأجيل”.
ليس كل ما يُطلب إصلاحه من الخارج صحيحًا أو حسن النية؛ هذا أمر واقع. لكن جوهر الإصلاح ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها. الإصلاح الحقيقي هو الذي يُسدّ الذرائع على خصومنا، ويعزز قدرة الفلسطينيين على التقدم في مشروعهم الوطني.
خذ مثلًا ملف المناهج الدراسية. هذا الملف كثيرًا ما يُستخدم لتوجيه اتهامات جاهزة ضد الفلسطينيين. ومع ذلك، نجحت السلطة-بنهج مؤسساتي-في أن تفتح هذا الملف أمام اليونسكو، لتعاين مناهجنا وتعاين مناهجهم. أنا شخصيًا، في فترة وجودي في السلطة، كنت مسؤولًا عن لجنة التحرير، وكان نظيري الإسرائيلي وزير الخارجية آنذاك تسيبي ليفني (أو من كان يشغل حقيبة الخارجية في ذلك الوقت). وفي إحدى جلسات النقاش حول “التحريض”، قلت له شيئًا مسجلًا في محاضر الاجتماعات: من يحرض أكثر؟ قصيدة شاعر فلسطيني؟ درس مدرسي؟ خريطة تُظهر فلسطين؟ أم مسؤول إسرائيلي يقول علنًا إنه “يتمنى أن يبتلع البحر غزة”؟ ومن قبل ذلك قال ليبرمان إنه “يتمنى أن يغرق الفلسطينيون في البحر الميت”. إن لم يكن هذا تحريضًا، فماذا يكون؟
من هنا أقول: كيفية إدارة الملفات هي التي تسد الذرائع أو تفتحها. إن أحسنتَ إدارة الملف، صرت قادرًا على حماية روايتك. وإن أسأتَ إدارته، تحوّل إلى اتهام ضدك.
السؤال السادس: هل الضغوط المالية الهائلة المفروضة على السلطة، ومحاولات تحجيمها من أطراف إقليمية، جزء من معادلة أكبر؟ هل هذا هو السياق الحقيقي لهذه الضغوط؟
نبيل عمرو : لا، الإقليم ليس داخلًا في جوهر هذا الموضوع بالصورة التي يعتقدها البعض. ولا أريد للشعب الفلسطيني أن يتصور أن “العالم كله ضده”-فمثل هذا التصور لا يقود إلا إلى الاستسلام. قبل الحديث عن الخارج، يجب أن نبدأ من الذات. فالفلسطيني قادر على إنجاز الكثير إذا تصرف بوعي وحكمة، سواء في مواجهة الاحتلال أو في مواجهة الأزمات الداخلية.
خذ مثلًا قضية الانتخابات. حتى لو منعت إسرائيل إجراءها في القدس، فهل هذا مبرر كافٍ لتعطيل الانتخابات في كل فلسطين؟ في القدس، قُمنا-فلسطينيين ومؤسساتٍ وقيادةً وشعبًا-بتشييع فيصل الحسيني في جنازة شارك فيها مئات الآلاف في قلب المدينة المحتلة. وقُمنا بتشييع شيرين أبو عاقلة رغم قمع الشرطة الإسرائيلية، ونجحنا. فلماذا تهبط العقلانية فجأة عند ملف الانتخابات؟ لماذا ننتظر موافقة بن غفير لإجراء انتخابات في القدس؟ هذا غير منطقي سياسيًا، وغير مبرر وطنيًا.
الانتخابات، في ظل الاحتلال، ليست ترفًا سلطويًا؛ إنها فعل مقاومة. مقاومة ديمقراطية، تشتبك مع المحتل على صندوق الاقتراع. لقد كانت حجة السلطة لإلغاء الانتخابات مجرد ذريعة في جوهرها؛ لأن الاستعداد الحقيقي للانتخابات لم يكن قائمًا أصلًا. ومن الضروري أن نضع النقاط على الحروف: غياب الانتخابات ليس مسألة تقنية، بل مسألة سياسية.
ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالفلسطينيون، بحضورهم العددي والديمغرافي والجغرافي، باتوا أكبر من أن يُقصَوا أو يُتجاوزوا. فمن يعيش اليوم على أرض فلسطين التاريخية—في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر—يُقارب تسعة ملايين فلسطيني. وهذه الكتلة البشرية الهائلة تمثّل معضلة بنيوية لإسرائيل، التي لا تملك أي حلّ واقعي للتعامل معها: فلا هي قادرة على تصفيتها، ولا على تهجيرها، ولا على احتوائها ضمن مشروع “حسم نهائي” يطيح بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
حتى في النقب، حيث أقامت إسرائيل مؤخرًا عوائق إسمنتية، نتساءل: إذا كانت الدولة عاجزة عن التعامل مع بضعة آلاف من الفلسطينيين داخل “النقب الإسرائيلي نفسها”، فكيف ستتعامل مع تسعة ملايين فلسطيني على امتداد فلسطين التاريخية؟
إن قوة الفلسطينيين الاستراتيجية الكبرى اليوم هي الكثافة البشرية، التي تضاعفت منذ عام 1967 عدة مرات، بما في ذلك في القدس. في البلدة القديمة وحدها، يشكل الفلسطينيون غالبية عددية واضحة. هذا الواقع الديمغرافي هو الذي أوقف-وسيوقف-مشاريع الإبادة والتهجير الكبرى، وجعل العالم يمنح الفلسطينيين حقًا معترفًا به بقيام دولتهم على حدود 1967، مع وضع قضية اللاجئين على طاولة الحل النهائي، والقدس الشرقية عاصمةً للدولة.
من هنا، يصبح لزامًا على السلطة—وعلى الشعب كذلك—العمل على تحويل هذا الرصيد الاستراتيجي إلى فعلٍ سياسي مؤسسي قادر على إنتاج أثر ملموس. فلا يكفي أن ننتظر العالم أو نحمّله مسؤولية التقصير؛ فالبداية يجب أن تكون من الداخل عبر تنظيم الصف الوطني، وخلق حراك شعبي فاعل، وتقديم نموذج سياسي رشيد يتيح للمجتمع الدولي أن يساند الفلسطينيين بثقة ووضوح.
لقد وجّه لي أحدهم ملاحظة على التلفزيون قائلًا: “في لندن خرج مئة ألف متظاهر. هل خرج في رام الله أكثر من 20 أو 30 شخصًا؟” فشعرت بالحرج؛ لأنني رأيت بعيني بعد إعلان نفير عام أن أعداد المشاركين كانت قليلة، بل إن نصفهم كانوا من رجال الأمن. هذا يكشف الخلل الداخلي قبل أي خلل خارجي.
والخلاصة: يجب أن ينجز الفلسطينيون ما عليهم أولًا، قبل أن يطلبوا من الآخرين دعمًا إضافيًا.
مجلس الأمن أعطانا أفقًا سياسيًا. لكن تحويل هذا الأفق إلى واقع هو مسؤوليتنا، وليس مسؤولية الآخرين.
السؤال السابع: وفق تقديراتك اليوم، ما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني بشقيه: منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وكذلك النموذج الذي بنته حركة حماس في قطاع غزة، وهو اليوم على المحك؟
نبيل عمرو : المسألة لا تتعلق بكون النموذج على “المحك” كما قلت، بل أرى أن الأمر بات يتجاوز ذلك بكثير. ما جرى في غزة لم يُنهِ نموذج السلطة هناك فحسب، بل دمّر البيئة الحاضنة نفسها. عندما يُدمَّر ما بين 80% إلى 85% من القطاع، فنحن أمام مستوى من الخراب لم يشهد له التاريخ الفلسطيني مثيلًا؛ لا في نكسة عام 1967، ولا في حرب 1973، ولا في أي محطة من محطات الاحتلال الممتدة لما يناهز قرنًا من الزمن.
اليوم، نحن لا نتحدث عن سلطة تتعرض لهزة، بل عن مكان يبدأ حياته من الصفر. إعادة بناء غزة تبدأ من نقطة العدم تقريبًا، وهذا واقع لا يمكن تجاهله أو تخفيف حدّته.
وبالطبع، لا تستطيع حركة حماس أن تتنصل من جزء من المسؤولية عمّا حدث. فهي كانت سلطة الأمر الواقع، وهي التي أدارت القطاع خلال السنوات التي سبقت الحرب. نعم، قاومت إسرائيل، وأوقعت خسائر في صفوفها، وهذا لا ينكره أحد، لكن النتيجة النهائية الكبرى هي أننا فقدنا معظم غزة، وأن عملية استعادتها إلى ما كانت عليه قد تتطلب عشرين عامًا على الأقل. كم أرملة خلّفت الحرب؟ كم طفلًا قضى في أشهره أو سنواته الأولى؟ كم جيلًا فقد نصف أو ثلاثة أرباع سنواته الدراسية؟ هذه ليست أرقامًا عابرة، بل وقائع ستؤثر في مستقبل المجتمع الفلسطيني لعقود طويلة.
والعمل السياسي-وأي حركة سياسية-لا تُقاس بصواب الدافع فقط، بل تُقاس بقدرتها على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب. وهذا يتطلب وسائل واضحة لحماية المدنيين، وتأمين الملاجئ، والحفاظ على العملية التعليمية، لأن انهيار التعليم وحده كافٍ لإبادة مستقبل أمة.
حين أفكر في مراهق يبلغ 15 عامًا، فقد في الحرب ثلاث أو أربع سنوات من الدراسة، فهذا يعني أنني مضطر لإعادته إلى مستوى طفل في الثامنة. هذه فجوة لا يجبرها الوقت بسهولة. إن اتخاذ القرار المقاوم أو العسكري لا يُقاس بالحماسة وحدها، بل بحسابات دقيقة لنتائجه، لأن “من يحسب جيدًا يكسب جيدًا”.
السؤال الثامن: إذن، في ضوء هذا الواقع، كيف ترى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني؟
نبيل عمرو : تطرّقت في سؤالك إلى ما يبدو أنه ثنائية بين منظمة التحرير والسلطة، وكأنهما كيانان منفصلان. هذه ثنائية غير موجودة في الواقع السياسي. فلا وجود لفصل حقيقي بينهما: منظمة التحرير تعتمد ماليًا وإداريًا على مؤسسات السلطة، والسلطة تستمد شرعيتها الأولية من شرعية المنظمة. أيعقل أن نقول: محمود عباس رئيسٌ للسلطة، وليس رئيسًا للمنظمة؟ أو العكس؟ هل يُقسم الإنسان نصفين؟ هذا غير منطقي سياسيًا.
النظام السياسي الفلسطيني نظام واحد متكامل، وله بنية تبدأ من المدرسة الابتدائية وتنتهي بالرئاسة. ما لم تكن هذه المنظومة متماسكة-مؤسسات، وهياكل، وآليات حكم-لن تنجح أي عملية إصلاح.
غياب فصل السلطات، شبه غياب السلطة القضائية، تعطّل المجلس التشريعي، هي كلها مظاهر تشير إلى اختلال المنظومة. أما أساس المنظومة كلها فهو: صندوق الاقتراع. عندما تتخلى قيادة سياسية عن الاحتكام إلى الصندوق، وتبحث عن ذرائع تمنع الانتخابات، فهي عمليًا تمهّد لحكم فردي، وتُعطّل الحياة الديمقراطية.
ولذلك، فلا معنى للحديث عن “إصلاح المنظمة ثم إصلاح السلطة”. هذا نهج لا تتبعه حتى العشائر في شؤونها الداخلية. النظام بأكمله-منظمة التحرير، السلطة الوطنية، المجالس المحلية، النقابات-يجب أن يخضع لإعادة ترتيب شاملة ضمن منظومة واحدة أساسها: الانتخاب المباشر، أو التفويض الشعبي المباشر.
نحن نجري انتخابات محلية بنجاح كبير. وقد أثبتت التجربة أن الانتخابات البلدية أنتجت نماذج تستحق الإعجاب؛ شبابٌ مُستنيرون، خططٌ مدروسة، إدارةٌ فعالة، وبرامجٌ حقيقية. لماذا لا نُعمّم التجربة على البرلمان؟ لماذا لا نُعمّمها على الرئاسة؟ الجواب بسيط: لأن من يخشى الانتخابات يخشى أن يظهر حجمه الحقيقي. ولأن هذه الخشية موجودة، يُقال: الظروف لا تسمح. ولكن متى سمحت الظروف أصلًا للشعب الفلسطيني بشيء؟ الظروف لا تُعطى؛ الظروف تُنتزع.
ولذلك أقول بوضوح: نحن الآن في وضع بلا نظام سياسي فعلي. وما لم يُستعد هذا النظام عبر الشرعية الانتخابية، فسيظل الفلسطينيون يديرون وضعًا سياسيًا بلا بنية دولة ولا بنية تمثيل.
السؤال التاسع: لماذا تجنب قرار مجلس الأمن أي إشارة تفصيلية إلى الوضع في الضفة الغربية، باستثناء الحديث عن “إصلاح السوق”؟
نبيل عمرو: من الناحية العملية، عند صياغة أي قرار دولي يتصل بحرب قائمة، تكون الأولوية للموضوع الأكثر إلحاحًا، وهذا ما حدث مع غزة. لقد تجزّأ التركيز على القطاع حتى أصبح هناك مسار خاص لوقف إطلاق النار، وآخر للحكم المدني، وثالث للإغاثة الإنسانية. وبطبيعة الحال، كان التركيز على غزة أكثر وضوحًا من التركيز على الضفة.
غير أنّ القرار لم يتجاهل جوهر المسار السياسي، بل تضمّن إشارة صريحة إلى ضرورة فتح ملف الشرق الأوسط عبر مسار يؤدي إلى دولة فلسطينية. هذا الخط المركزي موجود، وقد جاء بعد مؤتمر عالمي انعقد في نيويورك، اعترفت خلاله أغلبية دول العالم بالدولة الفلسطينية.
أما بالنسبة للأميركيين، فثمة سوء فهم شائع: الولايات المتحدة ليست ضد الدولة الفلسطينية، بل ضد توقيتها.
هي التي اخترعت عبارة “حل الدولتين”. والموقف الأميركي اليوم يقول: نعم لحقوق الفلسطينيين، ولكن ليس الآن. وهذا لا يعني رفض الدولة، بل يعني أن واشنطن تعتقد-خطأً أو صوابًا-أن الظروف غير ناضجة.
وظيفتنا نحن الفلسطينيين، ومعنا العرب والأوروبيون، هي أن نقنع الأميركيين بأن التأخير يزيد الأمور تعقيدًا. وأن الاعتراف بالدولة بلا خطوات تنفيذية يبقى عديم الجدوى. وقد صار واضحًا أن الدول التي اعترفت بفلسطين قادرة على اتخاذ خطوات أكثر جدية لو توافرت إرادة فلسطينية موحّدة.
السؤال العاشر: الوضع في الضفة الغربية اليوم متفجّر جدًا!
نبيل عمرو: صحيح، وهذا التفجّر يمنح الرواية الفلسطينية مصداقية متجددة على المستوى الدولي. فعندما يبقى الاحتلال حاضرًا، ويستمر الاستيطان في التوسع، يصبح الانفجار أمرًا طبيعيًا، بل تحصيل حاصل. إن أي اشتعالٍ في الضفة يُسقط كل محاولات التغطية على حقيقة أن غياب الحل السياسي الجذري هو أصل الأزمة.
حين تُقدِم إسرائيل على توسيع المستوطنات، أو تطرح مشاريع ضمّ، أو تُطلق يد “الفتية”-ميليشيات المستوطنين-في القرى الفلسطينية، فإنّ كل البناء السياسي الذي تحاول بعض الأطراف الدولية-بمن فيهم ترامب-تحقيقه في غزة، ينهار أمام لحظة انفجار واحدة في الضفة. فالصراع مترابط، ولا يمكن التعامل مع غزة بمعزل عن الضفة. وعندما نقول للعالم: انظروا ماذا يحدث في غياب حلٍ سياسيٍ عادلٍ ومرضٍ للشعب الفلسطيني، فإنّ انفجار الضفة يصبح دليلًا إضافيًا على أن جذور الأزمة ليست أمنية، بل سياسية، وأن الاحتلال والاستيطان هما مصدر التفجير الحقيقي. والعالم، في عمقه، يدرك هذه الحقيقة: مادام الاحتلال قائمًا، ستبقى الضفة قابلة للاشتعال. ومادام الاستيطان مستمرًا، ستظل التسويات هشة وناقصة.
السؤال الحادي عشر: هناك من يتحدث عن صمت عالمي تجاه جرائم المستوطنين. هل ترى ذلك؟
نبيل عمرو : لا، ليس هناك صمتٌ بالمعنى الذي يُتداول. أوروبا-بعمومها-حذّرت، مرارًا، من جرائم المستوطنين، ودعت إلى وقفها، ورفضت الاعتراف بأي مستوطنة، من الأولى حتى آخر بؤرة استيطانية. قد توجد استثناءات محدودة هنا أو هناك، لكنها لا تُغيّر من الإجماع الأوروبي الرافض لشرعنة الاستيطان.
الجهات الوحيدة التي تُظهر قدرًا من التساهل مع المستوطنين هي بعض المؤسسات داخل الولايات المتحدة، وبعض التيارات في الإدارة الأميركية. أما الموقف الدولي العام فهو واضح: لا شرعية لأي استيطان.
لكن جوهر المسألة ليس في بيانات العالم؛ بل في موقف الفلسطيني نفسه. لو قبل الفلسطينيون بالضم أو بالاستيطان مقابل بعض “التسهيلات الحياتية”، لكان الاستيطان نجح. لكنهم لم يفعلوا ذلك. بل على العكس، صمدوا وبقوا فوق أرضهم، ولم يهربوا منها رغم إرهاب المستوطنين.
هذا الصمود الشعبي هو ما أفشل مشروع تفريغ الأرض، وهو ما يبقي احتمال الدولة قائمًا مهما اشتدّت الهجمة.
السؤال الثاني عشر: بالعودة قليلًا إلى السياق الدولي: هل تتوقع تسوية في أوكرانيا؟ هل نضجت الظروف لذلك؟
نبيل عمرو : لا، الظروف لم تنضج بعد. والسبب يعود إلى طبيعة منهج ترامب في إدارة الأزمات. فهو رجلٌ مرتجل، يتعامل مع أعقد أزمات العالم بمنطق مقاولٍ يريد أن يُشيّد برجًا: يشتري الإسمنت، يحضر العمّال، ويباشر العمل دون النظر إلى جذور المشكلة أو التعقيد البنيوي لها.
ترامب الآن يتحدث عن تسليم أجزاء من أوكرانيا لروسيا، ويفكر بمنطق الصفقة، كأنه يملك “عصا سحرية” يستطيع بها إعادة رسم الحدود. لكنه يتجاهل أن أوكرانيا بلد واسع، مساحته تقارب مساحة فرنسا، وثرواته هائلة، وأن الحرب فيها ليست مجرد نزاع حدودي بل صراعٌ بنيوي على الهوية والسيادة والمجال الحيوي.
وحتى تعهّدُه بأن تسدد أوكرانيا “من لحمها الحي” كل ما تلقته من مساعدات أميركية، عبر منح واشنطن حقولًا وموارد تحت الأرض، يعكس رؤية اختزالية خطيرة.
أتمنى وجود تسوية تُنهي المأساة الروسية-الأوكرانية وتخفف الخسائر البشرية الهائلة-فمئات الآلاف فقدوا حياتهم-لكن طريقة ترامب لا تمنحني الاطمئنان. هي قد تدفع أوكرانيا نحو استسلامٍ جزئي، لكن مقدماته غير واضحة، ولا أرى أن الشروط الموضوعية للحل قد اكتملت.
السؤال الثالث عشر: إذا كان من الممكن أن تأتي تسوية في أوكرانيا بمنطق الضم، فلماذا لا يُطبَّق المنطق نفسه هنا، على الضفة، في ظل ميزان القوى القائم؟
نبيل عمرو: لا يمكن إسقاط السياق الأوكراني على السياق الفلسطيني. الفروق بنيوية وعميقة. فلسطين التاريخية-الضفة وغزة وداخل الخط الأخضر-بجغرافيتها وبكينونتها الديمغرافية، لا تمثل حتى جزءًا واحدًا من مدينة أوكرانية كبرى. الوضع مختلف جذريًا.
وفوق ذلك، من هو صاحب القرار هنا؟ في موضوع الضم، تحدث ترامب كأنه يمسك مفتاح الحلول، لكنه ما إن واجه اعتراضات دولية حتى تراجع. هذا يؤكد أن مشروع الضم ليس قدرًا محتومًا، بل مادة صراع مستمر بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
نحن كفلسطينيين أمام معادلة واضحة: إما أن نستعيد كامل الأراضي التي احتلت عام 1967 -تتضمن القدس الشرقية- كما أقرّ العالم، أو يستمر الصراع. هذه معادلة عمرها 60 أو 70 عامًا، ولا تُختزل بمنطق “القوي يفرض إرادته”. التاريخ مليء بدول انهارت واستسلمت في الحرب العالمية، لكن ذلك لم يصبح قاعدةً تُلزم كل الشعوب أن تستسلم للأقوى.
العالم اليوم معنا في مطلب قيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967، وفتح ملف اللاجئين على طاولة الحل. وهذا ليس منّةً من أحد، بل نتيجة صمود الشعب الفلسطيني.
السؤال الرابع عشر: لكن مشروع الضم يسير بسرعة على الأرض ويفرض وقائع كل ساعة تقريبًا!
نبيل عمرو: أنا لا أرى الأمر بهذه الصورة. أرى المشهد من زاوية مختلفة. ثمة فرق كبير بين الاحتلال والضم. الاحتلال هو سيطرة قسرية، قائمة على القوة، وقد تُترجم في أي لحظة إلى اقتحام منزلك وأخذك إلى السجن. هذا احتلال قائم ومستبد. أما الضم فهو شيء آخر: أن تصبح الأرض المحتلة جزءًا من إسرائيل بموافقتك أنت. وهذا لن يحدث. إسرائيل تفرض وقائع احتلالية، نعم. لكن الضم يعني اعترافًا فلسطينيًا وقانونيًا وسياسيًا بأن الأرض جزء من إسرائيل، وهذا مستحيل. ما دام الفلسطيني موجودًا على الأرض، وما دام الشعب صامدًا فوق ترابه، لن يتحول الاحتلال إلى ضم. الاحتلال قد يستمر، وقد يتغول، لكنه لا يصبح ضمًا إلا إذا اعترف الشعب صاحب الأرض بذلك. ونحن لم ولن نفعل.
السؤال الخامس عشر: هل المخاوف الأردنية الراهنة من احتمالات التهجير وما يجري في الضفة الغربية مخاوف مبرَّرة؟
نبيل عمرو: نعم، هذه الهواجس مبرَّرة استراتيجياً قبل أي شيء، لأن الدولة الأردنية ليست طرفًا محايدًا في المسألة الفلسطينية؛ بل هي طرف أصيل فيها. الأردن يحمل التزامًا قوميًا راسخًا تجاه القضية الفلسطينية وتجاه إقامة الدولة الفلسطينية. ولا ينبغي أن ننسى أن أول سفارة فلسطينية أنشئت خارج الأراضي المحتلة قامت الدولة الأردنية بافتتاحها على أرض عمّان، وهو إجراء ذو دلالة سياسية عميقة.
أما من الناحية الأمنية، فمن الطبيعي أن تحسب أي دولة محترمة حساب وجود قوة عسكرية غاشمة ومحتلة على حدودها المباشرة. فبين الجيش الإسرائيلي والضفة الشرقية مسافة لا تتجاوز “شبرين”، على حد التعبير الشائع. ورغم محدودية الإمكانات الأردنية مقارنة بما تمتلكه إسرائيل من قدرات، فإن الأردن يقوم بدور محوري في التحذير من الضم، وفي العمل الدبلوماسي والسياسي والتعبوي لصدّه. ذلك أن ضمّ منطقة الأغوار – على سبيل المثال – يعني المساس بجزء من المسؤوليات القومية التي تتقاسمها الدول العربية الكبرى، بما فيها الأردن والسعودية ومصر.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن محاولات “الاحتيال السياسي” لم تتوقف؛ من بينها الدفع باتجاه “تهجير طوعي” مغلَّف بصفقات اقتصادية، إذ جرى – على نحو غير معلن – طرح أفكار على الأردن تتضمن تقديم حلول اقتصادية مقابل استيعاب مئات الآلاف من الفلسطينيين. لكن الرد الأردني جاء حاسماً بالرفض. ولو تراخى الأردن أو مصر في ملف التهجير، لكان التهجير أصبح واقعاً. وقد قال نتنياهو بوضوح إن الفلسطينيين يمكن “نقلهم” إلى دول أخرى، حتى وصل به الخطاب إلى اقتراح وضعهم في “الربع الخالي”. غير أن الموقف الأردني، مثله مثل الموقف المصري، كان حائلاً صلباً أمام هذه الطروحات.
ولهذا السبب قلت منذ اليوم الأول إن التهجير لن يحدث، لأن مصر لن تتواطأ على تهجير سكان غزة، ولا الأردن سيقبل بذلك مهما كان الثمن. وقد شكّل الموقفان الأردني والمصري “سداً منيعاً” يصد التهجير عملياً على الأرض قبل أن يصدّه سياسيًا أو إعلاميًا.
السؤال السادس عشر: هناك رأي سياسي في الأردن – ليس شاذاً – يقول إن المملكة دفعت ثمناً باهظاً من أجل الفلسطينيين، وحان الوقت للالتفات إلى الداخل. إلى أي مدى يعكس هذا الرأي حقيقة سياسية؟
نبيل عمرو: هذا الرأي هامشي ولا يعكس التيار العام في الأردن. ولو كان رأيًا جوهريًا لكانت مسيرة التطبيع بين إسرائيل والمجتمع الأردني قطعت شوطًا كبيرًا، وهذا لم يحدث. صحيح أن من يروّجون لهذا الطرح موجودون، حتى بين بعض الفلسطينيين أنفسهم، لكن تأثيرهم محدود، وهم غير مؤهلين للوصول إلى مواقع القرار.
في الأردن توجد دولة حقيقية تواجه تحديات وأزمات، نعم، لكن جوهر العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني ظلّ عبر العقود علاقة تكامل لا علاقة تنافر. وكما كنت أقول دائمًا: كنا في فترة ما “نقسم الواحد نصفين”، ولكن هذين النصفين كانا متآلفين، ولم يحاول أحد منهما الدعوة إلى الانفصال أو الانكفاء.
والحقيقة أن “الرئة الأساسية” للفلسطينيين هي الرئة الأردنية. فمن عمّان يستطيع الفلسطيني أن يتواصل مع العالم، بينما انسداد هذه الرئة يعني اختناقًا وجوديًّا. ولا أحد يفترض أن الفلسطيني حين تُغلق أمامه خياراته سيجد أمنية إلا العمل في إسرائيل.
الذين يعتقدون أن تخلي الأردن عن فلسطين سيحوّله إلى “سويسرا الشرق” يتجاهلون الواقع تماماً. الدولة المحترمة تضع أمنها القومي فوق كل اعتبار. والأمن القومي الأردني – كما الأمن القومي المصري – مرتبط عضوياً بفلسطين. وقد قالت مصر يوماً إن غزة وفلسطين هما جزء أساسي من نظرية أمنها القومي، ورغم ما مرّ على القاهرة من تراجعات وهزائم، بقي هذا الأساس ثابتاً.
والأمر نفسه ينطبق على الأردن: ما يجمع الأردنيين والفلسطينيين أضعاف ما يمكن أن يفرقهم. أما أولئك الذين يتوهمون أن الأردن إذا تخلّى عن فلسطين سيتحوّل إلى دولة غنية وآمنة، فهم ببساطة لا يدركون موقع بلدهم في الخريطة ولا معنى أمنه القومي.
السؤال السابع عشر: هل يمكن أن تعيد الانسدادات السياسية والأزمات المتراكمة إحياء فكرة “الكونفدرالية” مع الأردن، خصوصًا في ظل سيناريوهات انفصال غزة؟
نبيل عمرو: لا، لا يوجد “انسلاخ” لغزة، ولا انخراط في أي تصور للكونفدرالية في السياق الراهن. وقد قلت سابقاً – عبر هذا المنبر – إن التهجير لن يحدث، وكل ما كُتب حوله في وقت الحرب ثبت اليوم أنه غير قابل للتحقق. نعم، قد يسافر فرد فلسطيني بحثاً عن عمل في بلد آخر، وهذا أمر يشهده العالم كله، لكنه لا يُسقط صلته بوطنه.
حين طرح ترامب مشروع “الريفييرا” تحدث عن خروج الفلسطيني بلا عودة، وهو تصور لم يعد قائماً. قد ينتهي ملف غزة لاحقاً، وقد يخرج عدد من الفلسطينيين بحثاً عن فرص عمل، لكن شرطاً واحداً يحكم كل هذا: أن يبقوا مالكين لأرضهم، محافظين على هويتهم، وقادرين على العودة متى أرادوا.
التجربة التاريخية واضحة: اللبنانيون خارج لبنان اليوم أكثر من اللبنانيين في الداخل، ومع ذلك يبقى اللبناني لبنانيًا أينما ذهب. وكذلك الفلسطيني: قد يعمل في عمّان، أو يدير مطعماً، أو يفتح صالوناً، أو يهاجر إلى أمريكا ويحصل على جنسيتها، لكن صلته ببلده لا تنقطع.
أما عني شخصياً، فأقول: لو سكن سموتريتش في الطابق الذي يعلو شقة ابني، أو عاش بن غفير في الطابق الأسفل، فلن أغادر. ليس فقط تمسكاً معنوياً، بل لأن حياتنا بُنيت على أرضنا، وملايين الفلسطينيين بنوا بيوتهم وأعمالهم هنا. كيف يمكن لإنسان أن يهجر بيته وملكه لأنه “بن غفير لا يريده”؟ هذه فكرة ساذجة.
وها هو الواقع يثبت ذلك: الجسور بين فلسطين والأردن مفتوحة على مصراعيها، والقوافل ذاهبة وآتية. وقد طلبت مرة من صحفي أجنبي أن يقف على الجسر يومًا واحدًا ليرى أن الداخلين إلى فلسطين أكثر من الخارجين منها، رغم الاحتلال، ورغم عنف “فتية التلال” والمستوطنين.
الفلسطينيون يعيشون على أرضهم، ويتشبثون بها، وهذه ليست خطابة إنشائية؛ بل ممارسة واقعية يراها كل من ينظر بأمّ العين إلى حركة الناس بين الضفتين. فلسطين عامرة بأهلها، باقون فيها، ولا مشاريع التهجير ستنجح ولا سيناريوهات “الانسلاخ” ستتحقق.
السؤال الثامن عشر: هل تشكّل فكرة “الكونفدرالية” خيارًا واقعيًا للفلسطينيين في هذه اللحظة؟
نبيل عمرو: من المهم بدايةً استحضار الأبعاد التاريخية والسياسية لخياراتنا الوطنية. فالكونفدرالية ليست فكرة طارئة، بل هي واردة رسميًا في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني، ما يعني أنها خيار مُدرج ضمن البدائل الاستراتيجية التي درستها المؤسسات الفلسطينية العليا. غير أن أي بحث جدي في هذه الصيغة لا يمكن أن يتجاوز شرطًا جوهريًا: أن تكون برضا الشعبين الأردني والفلسطيني. هذه النقطة أساسية؛ فلا وحدة تُبنى بقرار بيروقراطي من أعلى، بل تُكرَّس بإرادة الناس عبر استفتاء شعبي واضح يضمن القبول المتبادل.
وعندما نتحدث عن طبيعة هذه العلاقة، نكتشف أن “البنية الاجتماعية” بين الشعبين تشكّل عاملًا داعمًا لأي صيغة تكاملية مستقبلية؛ فالتصاهر العائلي بين الأردنيين والفلسطينيين واسع وعميق. يكفي أن تعدّ كم شاب أردني تُعدّ خالاته أو أخواله فلسطينيين، وكم شاب فلسطيني يرتبط بنسب حقيقي مع عائلات أردنية. هذا الاندماج الاجتماعي لا توفره الكثير من العلاقات بين الشعوب، وهو من أهم ركائز أي مشروع وحدوي لاحق.
السؤال التاسع عشر: البعض يطرح الكونفدرالية باعتبارها جزءًا من “الحل مع إسرائيل”، وليس بعد الحل. ما تعليقكم؟
نبيل عمرو: هنا يجب نزع إسرائيل من مركز هذه المعادلة. الكونفدرالية ليست مشروعًا تفاوضيًا مع إسرائيل، ولا يجب تحويلها إلى “ملحق” ضمن أي تسوية. لقد نوقشت هذه الفكرة تاريخيًا بين القائد الشهيد ياسر عرفات والملك حسين، وكان النقاش واضحًا: الكونفدرالية تأتي بعد قيام الدولة الفلسطينية، لا قبله.
الموقف الأردني الحالي أيضًا يُعبّر عن حكمة سياسية: “عندما تنضج الظروف، يمكن مناقشة أي صيغة تعاون”. وهذا موقف واقعي. فمن حيث التراث السياسي، لم تكن علاقتنا بالأردن مجرد كونفدرالية محتملة، بل كانت قبل ذلك أقرب إلى وحدة اندماجية حقيقية. هذا الإرث الوحدوي بين الشعبين يُوفّر قاعدة نفسية وسياسية لأي مشروع مستقبلي.
حتى إذا قامت الدولة الفلسطينية غدًا، فمن الممكن أن توقّع اتفاقيات اندماج وتنسيق عميقة مع الأردن في الاقتصاد والأمن والتعليم والسفر والتجارة. الاتحاد الأوروبي نفسه ليس دولة واحدة، ومع ذلك يمارس مستويات عالية من الاندماج.
وفي النهاية، يبقى هذا الخيار فلسطينيًا-أردنيًا مشتركًا؛ لا يمكن للفلسطينيين فرضه على الأردن، ولا للأردن فرضه على الفلسطينيين. وإذا لم يكن القرار مشتركًا، فلن تنجح أي صيغة. لذلك أقول بوضوح:
الكونفدرالية مطلب فلسطيني، ومرهونة بقيام دولتين وبقبول الطرفين، وهي قد تشكّل إطارًا يساعد الفلسطينيين في تثبيت دولتهم ضمن علاقة صحية ومدروسة مع الأردن.
السؤال العشرون: كيف ينعكس الاستعصاء اللبناني والتطورات السورية على الضفة الغربية وعلى المشهد الفلسطيني عمومًا؟
نبيل عمرو: للإجابة بدقة يجب تحليل البنية الإقليمية. سوريا قبل الأزمة لم تكن دولة “عادية”؛ كانت تمثل بيضة القبان بين اتجاهين عربيين متصارعين: محور المقاومة والمحور التسووي. وعلى الرغم من أن سوريا لم تكن في حالة مواجهة مباشرة مع إسرائيل، فإنها لعبت الدور الحاسم في رعاية المقاومة وتوفير الممرات الاستراتيجية لها. حزب الله، على سبيل المثال، يعتمد على سوريا بوصفها الرافعة اللوجستية والسياسية.
وعندما تعرض النظام السوري للانهيار في مرحلة من المراحل، كان ذلك بمثابة الخسارة الاستراتيجية الأكبر لمعسكر الممانعة، لأن سوريا من أكثر دول الشرق الأوسط تأثيرًا بفضل موقعها الجغرافي المحوري وتعدد حدودها الدولية ودورها التاريخي في توازنات المنطقة.
أما لبنان، فهو الدولة العربية التي قدّمت للفلسطينيين أكبر قدر من الدعم السياسي والمادي والمعنوي عبر عقود. عشنا في لبنان، وأسسنا جزءًا واسعًا من مكتسباتنا السياسية هناك. وتجربتنا في لبنان تُظهر أن وضعنا يتأثر وفق العلاقة مع الأطراف اللبنانية:
عندما نكون في صدام مع طرف لبناني، تنعكس الأزمات علينا مباشرة؛
وعندما تكون العلاقة إيجابية، تتحسن البيئة السياسية.
ولا ننسى أن الفلسطينيين في لبنان ليسوا خارج دائرة الاستهداف؛ فما زلنا نُصاب ونُقتل في الاشتباكات والغارات. الغارة التي وقعت على عين الحلزون مثال حديث.
وبالتالي، عند النظر إلى الشرق الأوسط كمنظومة، نجد أننا – كفلسطينيين – جزء من مصير إقليمي واحد؛ نتأثر بكل ما يحدث في سوريا ولبنان والعراق، ونتفاعل مع انعكاساته السياسية والأمنية.
السؤال الواحد والعشرون: هل يمكن أن يظهر “أحمد الشرع فلسطيني” يقلب المشهد؟
نبيل عمرو: علينا الحذر من إسقاط تجارب البلدان الأخرى على واقعنا. أحمد الشرع سوري، ولا يجوز إلباسه “ثوبًا فلسطينيًا”. أما السؤال الجوهري: هل ينتظر الفلسطينيون شخصًا واحدًا يغيّر مسار التاريخ؟
فالجواب: لا. علينا، كفلسطينيين، التخلص من ثقافة انتظار الفرد المنقذ. الشعب الفلسطيني أرقى من أن يكون رهينة عبقرية شخص واحد. هذا شعب يمتلك أعلى نسب التعليم في المنطقة قياسًا بعدد السكان، وله حضور إبداعي وثقافي كبير. اقرأ ما كتبه طلال سلمان عن كيف ساهم الفلسطينيون في بناء جزء واسع من الحضارة اللبنانية. وعبر الخليج كذلك، كانت الكفاءات الفلسطينية تبني المدارس وتدرّس وتنتج، ثم تُحوّل عوائدها إلى الضفة لدعم صمود أهلها. نحن شعب له قدرة على إنتاج القوة من ذاته، وليس شعبًا ينتظر “صلاح الدين آخر”.
المستقبل الفلسطيني لن يُصنع إلا على قاعدة عقل جمعي، ومنطق تعاون مع الجوار، ومنفعة متبادلة مع الدول العربية لا تقوم على التبعية بل على بناء المصالح المشتركة.
السؤال الثاني والعشرون: كيف تفسرون – سياسيًا – تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمام ترامب حول مسار يقود إلى دولة فلسطينية؟
نبيل عمرو: من الضروري الاعتراف بالدور السعودي التاريخي تجاه القضية الفلسطينية. المملكة منذ تأسيسها وقفت موقفًا ثابتًا من الشعب الفلسطيني، رغم أنها لم تستطع كسر التحالف الصهيوني-الغربي.
الملك فيصل، رحمه الله، قدّم نموذجًا استثنائيًا عندما أوقف إمدادات النفط رغم الضغط الدولي، ودفع حياته ثمنًا للموقف المبدئي.
اليوم، هناك دولتان عربيتان تمتلكان نفوذًا واسعًا في ملفات استراتيجية:
السعودية في الطاقة،
مصر في الأمن الإقليمي.
هاتان الدولتان واجهتا مشاريع الفوضى والإسلام السياسي والتفجير الداخلي. وإلى جانبهما الجزائر التي تُربّي أبناءها على حب فلسطين.
وفي ظل هذه المعادلة، يأتي تصريح محمد بن سلمان ليعيد تثبيت خط استراتيجي واضح:
لا تطبيع بدون مسار مضمون نحو الدولة الفلسطينية.
“مضمون” هنا ليست كلمة عادية؛ بل تعني وجود ضمانات دولية وإقليمية ملزمة ومحمية سياسيًا. وهذا موقف يُحسب للسعودية في ظرف يعاد تشكيله عالميًا وإقليميًا.
السؤال الثالث والعشرين: الفلسطيني البسيط يتساءل: لماذا لا تُقدّم الدول القادرة مساعدات مالية أكثر للسلطة؟
نبيل عمرو: الاعتقاد بأن ضخ المال سيغيّر الواقع هو تبسيط مخلّ للمشهد. فقد تدفقت الأموال على السلطة في بداياتها، لكن بنية الصراع لم تتغير جذريًا.
الدول تتحرك وفق مصالحها القومية، وليس وفق عاطفتها. فلا أحد يدخل حربًا نيابة عن أحد، ولا أحد يغامر بأمنه من أجل آخرين. مصر، على سبيل المثال، لن تدخل حربًا مع إسرائيل لأن الفلسطينيين يتعرضون لهجوم.
الدعم العربي يبقى قائمًا، لكنه لم يعد يكفي. القضية أصبحت قضية مصير لا تمويلاً. لاحظ أن:
الإبادة التي كانت ماثلة في غزة لم تعد ممكنة كما تصوّرها الاحتلال،
التهجير تراجع،
الضمّ أصبح مرفوضًا عالميًا.
هذه التحولات جاءت بفعل مواقف عربية إسلامية حدّت من شطحات الموقف الأمريكي والإسرائيلي. إذن المسألة ليست “فلوس أكثر”، بل معادلة إقليمية جديدة.
السؤال الرابع والعشرين: هل سيصوّت الجيل الشاب في الضفة وغزة – أكثر من مليون ونصف شاب لم يصوّتوا سابقًا – قريبًا؟
نبيل عمرو: أنا من الذين يرون أن الذهاب إلى صندوق الاقتراع – حتى لو أخطأ الناخب الاختيار – أفضل بكثير من الامتناع عنه. لكن الانتخابات ليست إجراءً تقنيًا؛ بل ثقافة.
الشباب يشكلون أكثر من 50% من الشعب الفلسطيني، ومع ذلك لم نبنِ لهم مشروعًا شاملًا في الرياضة والثقافة والتمكين المدني. حتى اللحظة، لم نخلق بيئة تُشعر هذا الجيل بأنه جزءٌ من صناعة القرار.
والمطلوب هو إدخال فكرة الانتخاب في بنية الوعي الشعبي، لا تناولها فقط عندما تُعلن المواعيد. ومع أن هذا التطور بطيء، إلا أن التقدم سنة الحياة، ولا بد أن يأتي يوم تُصبح فيه الانتخابات حاجة يومية لا حدثًا استثنائيًا.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية