الإبحار وسط الضباب: الأمن القومي الأردني 2026 — التهديدات والتحديات والفرص الاستراتيجية

بالرغم من النجاح النسبي لوقف إطلاق النار في غزة؛ مما أنهى حرباً استمرت لعامين (2023-2025)، وكان لها تأثيراتها العالمية والإقليمية، كما أنّها قلبت المعادلات الإقليمية رأساً على عقب وخلقت ديناميكيات جديدية في المنطقة، إلاّ أنّ ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى مرحلة من الاستقرار الإقليمي والخروج من مخاطر تدهور النزاعات الإقليمية وتأثيرها على باقي مناطق ودول ومجتمعات الإقليم، فما تزال هنالك العديد من مصادر التهديد الداخلية والإقليمية التي من الممكن أن تؤثر بصورة سلبية على ديناميكيات الشرق الأوسط بأسره.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار نظرية مدرسة كوبنهاغن في الأمن، فإنّ الأردن يتأثر سياسياً واقتصادياً وبيئياً واجتماعياً وأمنياً بكل ما يحيط به، فإنّ الأمن القومي الأردني متأثر بصورة كبيرة في مختلف المجالات بما يحدث حول الأردن، في المنطقة، من تطورات عسكرية وأمنية واستراتيجية.

في هذا المقال نسعى إلى تعريف أبرز التحولات والمتغيرات على صعيد البيئة الإقليمية؛ التي حدثت وتطورت خلال الشهور الماضية، والتوقعات والسيناريوهات المتعلقة بالعام الجديد وما هي تأثيراتها المتوقعة عموماً على الأردن، بما يساهم في إعادة تعريف وتأطير المصالح الوطنية الأردنية ومصادر التهديد والتحديات الإقليمية المحيطة بالأردن..

 

الشرق الأوسط .. ديناميكيات عدم الاستقرار

ما تزال العديد من الأسئلة والتساؤلات محيطة بملفات إقليمية متعددة في المنطقة، من بينها مستقبل الوضع في غزة، والمرحلة الثانية التي من المفترض أن تشكّل الحالة السياسية وإعادة البناء في غزة، ومدى نجاح الخطة الأميركية (وقرار مجلس الأمن 2728) في ترسيخ حالة من الاستقرار السياسي هناك، لكن – وفي مقابل – توقف الحرب في غزة، ما تزال الحرب غير المعلنة في الضفة الغربية قائمة على قدمٍ وساق، ويبدو أنّ الأمور في حالة من التدهور المستمر جراء سياسات حكومة بنيامين نتنياهو وانفلات المستوطنين بما يهدد الأمن اليومي للفلسطينيين، فضلاً عن المشروع المستمر والمنهجي من قبل الحكومة الإسرائيلية في تقويض السلطة الفلسطينية وإضعافها، والعمل المستمر على ضمّ مساحات من الضفة الغربية والقيام بعمليات التهويد في القدس، ولعلّ أحد أبرز المشروعات الخطيرة يتمثّل فيما يعرف بمشروع E1 الذي يقسم عملياً الضفة الغربية إلى شمال وجنوب، ويمهد الطريق إلى مزيد من الضم والقضم التدريجي للأرض الفلسطينية.

على الجهة المقابلة فإنّ الوضع في سورية بالرغم من التحسن المستمر والتطوّر التدريجي نحو الاستقرار ما يزال هشّاً، بخاصة في المناطق الجنوبية، التي أصبحت مسرحاً للعمليات الإسرائيلية منذ سقوط نظام بشار الأسد، ولا يبدو الوضع داخل السويداء في إطار الحل أو الهدوء نتيجة التدخلات الإسرائيلية الداعمة لحكمت الهجري وميوله نحو الانفصال عن النظام السوري الجديد، أو حتى في المناطق الواقعة جنوب دمشق حتى الحدود الإسرائيلية- السورية، إذ تصرّ حكومة بنيامين نتنياهو على ترسيخ “معادلة جديدة” في هذه المنطقة، تتمثل بالهيمنة الإسرائيلية الكاملة، ومنطقة منزوعة السلاح بالكامل، بمعنى عدم وجود جيش سوري في هذه المنطقة، أو ما يطلق عليه نتنياهو منطقة عازلة، تمتد من جنوب دمشق حتى حدود الجولان المحتل، فضلاً عن إصرار القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية على عدم الانسحاب من المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي من جبل الشيخ ومناطق أخرى، بما فيها حوض نهر اليرموك، الذي يعد جزءاً من الأمن المائي الأردني.

على الجهة الشرقية للأردن يبدو الوضع العراقي أكثر استقراراً، مقارنةً بالمرحلة السابقة، وقد تجاوز العراق المخاطر المترتبة على تداعيات الحرب الإيرانية- الإسرائيلية وتأثيراتها على المنطقة، وتجنب ضربات ضد الميليشيات المسلحة هناك، التي تشكل جزءاً من القوى الرئيسية الفاعلة في البلاد، والتي تمتلك علاقات قوية وصلبة مع طهران، لكن رئيس الوزراء العراقي، محمد شيّاع السوداني، نجج ببناء ميزان دقيق لينأى بالعراق عن التورط المباشر بهذه الحرب؛ خلال العامين الماضيين، فيما يتجه العراق بعد الانتخابات الأخيرة نحو تشكيل حكومة جديدة، تبدو من خلالها فرص السوداني كبيرة بالاستمرار بالحكم، وهو على علاقة جيدة مع الأردن، وإن كانت ما تزال هنالك قوى عراقية، قريبة من طهران، تتحفظ على العلاقة مع الأردن، ولا تساعد على تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين البلدين..

الموضوع الآخر الذي يمثل مصدراً من مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، المحتمل، هو العلاقات الإيرانية- الأميركية والإسرائيلية، فما تزال هنالك عقبات أمام التوصل إلى اتفاق نووي جديد بين إيران والغرب، وما تزال احتمالات ضربة إسرائيلية ضد إيران قائمة، مما قد ينعكس على العديد من الملفات الإقليمية ودول المنطقة، سواء في لبنان أو العراق أو حتى دول أخرى في حال قررت إيران الردّ على أي ضربة محتملة ضد القواعد العسكرية أو المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، بما فيها الأردن.

الحالة في لبنان ما تزال ايضاً هشّة، وبالرغم من عدم وجود حدود مشتركة للأردن مع لبنان، فإنّ تداعيات الوضع في لبنان تؤثر على باقي المنطقة بالضرورة، وقد تستدرج قوى دولية وإقليمية أخرى، مما ينعكس على الوضع الإقليمي، بخاصة مع وجود حالة من التعبئة الطائفية والدينية والعرقية.

 

في الخلاصة؛ هنالك حالة من الغموض الشديد فيما يتعلّق بالتطورات والسيناريوهات المتوقعة خلال العام الجديد؛ لكن العامل الرئيس المهم في هذه المعادلة يتمثّل في تحول السياسات الإسرائيلية الجديدة في المنطقة مع بروز نظرية أمن قومي إسرائيلي جديدة تتمثّل في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم ومحاولة بناء سياجات حماية في خارج حدود إسرائيل، واجتثاث مصادر التهديد الإقليمية من جذورها، لذلك ستسعى إسرائيل إلى تكريس معادلة جديدة في جنوبي لبنان وسورية، من نهر الليطاني إلى الحدود لبنانية ومن جنوب دمشق إلى الجولان.

 

 

خارطة مصادر التهديد الإقليمي والأمن القومي الأردني

تأسيساً على ما سبق فإنّ مصدر التهديد الرئيس للأمن القومي الأردني خلال العام الجديد يتمثّل بالسياسات الإسرائيلية، بدرجة أولى فيما يتعلّق بالضفة الغربية وسياسات الضم وتقويض السلطة الفلسطينية، وهو ملف يؤثر بصورة كبيرة على الأمن القومي الأردني ويشتبك مع ملفات عديدة، من ضمنها ملف القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات، ومن ضمنها ملف الحدود وأمن الحدود، ومن ضمنها مخاطر التهجير القسري أو الطوعي، بخاصة لمن يحملون وثائق أردنية مثل جوازات السفر التي تحتوي على أرقام وطنية وبدون أرقام وطنية أردنية ويعيشون في الضفة الغربية، فيما إذا تدهور الوضع الأمني بصورة أكبر عبر سلوك الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، أو على المدى البعيد المتعلّق بتقويض السلطة الفلسطينية وانهيارها واحتمالات حدوث فراغ أو فوضى أمنية في الضفة، أو تطورات خطيرة تتعلق بالوضع في المسجد الأقصى والقدس الشريف، فجميع هذه الملفات مترابطة ومتشابكة ومؤثرة على الأمن القومي الأردني، فضلاً أنّ هنالك امتداد وتداخل ديمغرافي ومجتمعي وثقافي كبير بين الأردن والضفة الغربية، لأسباب اجتماعية وتاريخية وسياسية، مما يجعل كل ما يحدث في الضفة أقرب إلى المسألة الداخلية الأردنية.

 

 

تتجاوز مصادر التهديد للأمن القومي الأردني الوضع في الضفة الغربية إلى الحدود الشمالية، بخاصة في الجنوب السوري، وهنا تكمن العديد من الهواجس الأردنية، الهاجس الأول مرتبط بوجود أجندة إسرائيلية للهيمنة والنفوذ في المناطق الجنوبية، بخاصة في محافظتي درعا والسويداء، وهما المحافظتان المحاذيتان للحدود الأردنية، وهو ما يعني أنّ الوضع الأمني في هذه المنطقة سيكون هشاً ومرتبطاً بحالة من عدم الاستقرار نتيجة لغياب الجيش السوري والقوات السورية، وبالتالي استمرار مظاهر التهريب للمخدرات والأسلحة، والمشكلات الداخلية السورية التي قد تؤدي إلى هجرات أخرى من المحافظات الجنوبية إلى الأردن في حال تدهور الوضع الأمني هناك.

يمكن أن نضيف إلى ما سبق السيطرة على حوض اليرموك من قبل الجنود الإسرائيليين وتأثيرها على الأمن المائي الأردني، وهي مسألة على درجة عالية من الأهمية للأردن، وكانت هنالك توقعات أردنية إيجابية حيال انهيار نظام الأسد وتشكل الحكم الجديد بأن يكون هنالك التزام بالحصة المتوافق عليها من المياه للأردن، التي تأثرت سلباً خلال العقود السابقة لعدم التزام الجانب السوري بالاتفاقيات، وفي حال سيطرت إسرائيل على حوض اليرموك فإنّ الماء المائي الأردني سيكون متأثراً بصورة كبيرة بالعلاقة مع إسرائيل بالضرورة.

 

أما السياسات الإيرانية ومدى تأثيرها على الأمن الوطني الأردني؛ فيمكن القول بأنّ هنالك تراجعاً كبيراً في نفوذ إيران الإقليمي، بخاصة ما يتعلّق بالجنوب السوري، إذ كانت الميليشيات الطائفية الإيرانية تشكل مصدر تهديد مباشر من خلال شبكات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود الأردنية، مما شكل صداعاً كبيراً للأمن القومي الأردني وتطلب تجنيد العديد من الموارد العسكرية والأمنية لمواجهة ذلك. وبالرغم من أنّ احتمال وقوع حرب بين إيران وإسرائيل قد يؤثر على الأمن القومي، سواء عبر الصواريخ والطائرات فوق الأردن، أو ربما استهداف مصالح أميركية أو غربية في الأردن أيضاً، إلاّ أنّ مستوى هذا التهديد مقارنةً بمرحلة ما قبل سقوط النظام السوري يعد محدوداً وضعيفاً مقارنة بما تشكله اليوم السياسات الإسرائيلية..

 

لعلّ السؤال الرئيس فيما يتعلّق باعتبارات الأردن الأمنية والاستراتيجية خلال العام الجديد؛ فيما لو أجريت انتخابات إسرائيلية مبكرة وخرج نتنياهو من الحكم، هل سيخفف ذلك من مصادر التهديد للأمن القومي الأردني؟!

على الأغلب قد يخفف ذلك من حجم الأزمة المباشرة مع حكومة نتيناهو، لكن ليس من المتوقع أن يكون ذلك بمثابة نقطة تحول أو ديناميكية تغيير جوهرية Game Changer في السياسات الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، أو التفكير الإسرائيلي بمراجعة الموقف من حل الدولتين، بعدما أخذ الكنسيت قراراً بعدم إقامة دولة فلسطينية، وهو قرار حظي بشبه توافق بين المعارضة والحكم، بمعنى أن الأمور قد تتحسن على المستوى التكتيكي وليس الاستراتيجي، وعلى صعيد التعاون الأمني اليومي وبعض الملفات مثل الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى والعلاقات الأمنية بين الطرفين، إلاّ أنّ ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة الكبيرة مع السياسات الإسرائيلية التي ألغت عملياً من قاموسها مشروع الدولة الفلسطينية.

 

خارطة طريق نحو التعامل مع التحديات ومصادر التهديد

بناء على ما سبق فإنّ هنالك العديد من التحديات ومصادر التهديد التي من الضروري أن يؤطر الأردن تصورات واضحة للتعامل معها، على صعيد مصالحه الاستراتيجية والشراكات والتحالفات الممكنة..

ا. المجموعة العربية- الإسلامية مفتاح مهم لشراكات الأردن الاستراتيجية؛ تمثّل ما أصبح يطلق عليها المجموعة العربية الإسلامية، التي تتكون من الأردن ومصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وباكستان وأندونسيا حليفاً استراتيجياً مهماً للأردن في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية وفي تعزيز الموقف الأردني المبدئي من عدم إمكانية أي تعاون إقليمي اقتصادي أو خدماتي مع إسرائيل، ضمن ما يطلق عليه الاتفاقيات الإبراهيمية، من دون حل القضية الفلسطينية والوصول إلى تسوية تنتهي بإقامة دولة فلسطينية. وقد أصبحت هذه المجموعة متغيراً مهماً منذ أشهر تقريباً، عندما تقاربت مواقف هذه الدول العربية والإسلامية واصبحت تقدم مقاربات وخطاباً مشتركاً، على الأقل من الناحية الرسمية والدبلوماسية.

من المهم أن يسعى الأردن إلى مأسسة جهود هذه المجموعة الوازنة وإيجاد قدر أكبر من التنسيق والتشبيك بين أعضائها، سعياً لإعادة ترميم شيئ من موازين القوى التي انهارت بعد الحرب على غزة، مع تراجع النفوذ الإيراني، والتفرد الإسرائيلي العسكري في المنطقة، وبخاصة الدعم الكبير الذي تحظى به حكومة بنيامين نتنياهو من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

قد تكون مواقف المجموعة العربية الإسلامية ليست متسقة تماماً في العديد من الملفات الإقليمية وربما تتباين مصالحها ومواقفها الاستراتيجية في ذلك أيضاً، لكن وجود حدّ ادنى من الشراكة والتوافق والتفاهم مسألة على درجة عالية من الأهمية لتحصين الموقف الأردني وتعزيزه في مواجهة أي ضغوط أميركية أو إسرائيلية في المرحلة القادمة، ربما تكون متعلقة بالوضع في الضفة الغربية، وفي مساندة الموقف الأردني تجاه القدس والمقدسات الإسلامية. وبالرغم من أنّ الأردن ليست دولة كبرى مقارنة بالدول الكبيرة المنضوية في هذه المجموعة، والدور القيادي الواضح للسعودية، إلاّ أنّ الدبلوماسية الأردنية امتازت بالفعالية والمصداقية والنشاط الكبير، وهو ما يدفع بالأردن إلى العمل على تعزيز بناء أجندة مشتركة لهذه المجموعة وتطوير أدوات النفوذ والتأثير لها على السياسات الإقليمية والدولية على السواء.

ب. يقودنا ما سبق إلى شراكات الأردن الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية مع العديد من دول العالم، وقد شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، بخاصة مع العديد من الدول الأوروبية التي تغيرت مواقفها بعد الحرب على غزة وأصبحت أكثر ميلاً للاعتدال وتبني الاعتراف بالدولة الفلسطينية ورفض سياسات الضم والتهجير وتغيير الواقع الإسرائيلية، وهذه شراكات مهمة للأردن ومن الضروري تعزيز الدبلوماسية الأردنية ودورها في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وتطوير المصالح المشتركة والتصورات التوافقية حول الملفات الإقليمية في المنطقة. ذلك لا ينفي أنّ أوربا ما تزال فاعلاً ثانوياً في المنطقة مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية التي ما تزال هي القوة العظمى الوحيدة عالمياً التي تملك مفايتح الربط والحل في هذه المنطقة، إلاّ أنّ الموقف الأوروبي والتأثير الأوروبي في السياسات العالمية تجاه المنطقة يمثّل عاملاً ثانوياً مسانداً.

ت. يقودنا ما سبق إلى علاقة الأردن بالولايات المتحدة الأميركية وهي وإن كانت على درجة عالية من حيث المصالح الاستراتيجية المشتركة والدور الأردني المهم في الاستقرار الإقليمي، إلاّ أنّ علاقة الأردن مع إدارة ترامب تحديداً تشهد تراجعاً كبيراً وملموساً في مدى تقدير هذه الإدارة للدور والمكانة الاستراتيجية الأردنية، مما ينعكس على مستوى وحجم الدور الإقليمي القيادي الأردني، مقارنة بمراحل سابقة كان الأردن بمثابة دولة مركزية في المنطقة، حتى بالمنظور الأميركي لحلفائها الإقليميين، وهو الأمر الذي من الواضح أنه تراجع مع الإدارة الأميركية الحالية.

ث. فيما يتعلّق بعلاقة الأردن بروسيا، فقد كان هنالك تفاهمات مهمة بين الطرفين على صعيد السياسات السورية في مرحلة ما قبل سقوط بشار الأسد والحرب الأوكرانية، ومن الواضح أن هذه الحرب أثرت سلباً على العلاقة بين الدولتين، مع ذلك ما تزال العلاقة جيدة، ومن الضروري أن يسعى الأردن إلى تطور شبكة علاقات إيجابية وجيدة مع الروس؛ حتى وإن كانوا قد خرجوا بصورة كبيرة من المنطقة منذ نهاية حكم الأسد، ولم تعد منطقة الشرق الأوسط بمثابة منطقة استراتيجية لهم في الفترة الحالية.

ج. من المهم أن يعمل الأردن على تطوير مقاربات متكاملة وشمولية في العلاقة مع كل من العراق وسورية، وأن يلعب دور المحايد الإقليمي في الخلافات البينية وأن يوازن في علاقاته مع هذه الأطراف، وسيساعد كثيراً على تحسين العلاقات مع العراق أن يتم تحسينها مع إيران، بخاصة بعد تراجع النفوذ والأخطار الإيرانية في المنطقة، إذ يمثل العراق وسورية مصادر مهمة لتعزيز الاقتصاد الوطني الأردني في العديد من المجالات، مما ينعكس إيجابياً على الأمن الوطني الأردني.

ح. من المهم كذلك أن يكون هنالك تطوير وتأطير لمقاربات وطنية أردنية تربط بين المصالح السياسية والاقتصادية في السياسة الخارجية الأردنية، بخاصة في العلاقة مع الجوار الجغرافي ودول الخليج العربي، فجزء رئيس من قدرة الأردن على الصمود وأحد مصادر قوة الأردن يتمثل في الاقتصاد الوطني وتخفيف البطالة بين جيل الشباب وتعزيز الصادرات الأردنية إلى دول الجوار واستقطاب الاستثمارات الخارجية، وتعزيز الموارد السياحية وتطويرها لاستقطاب السياحة العلاجية من المنطقة، والسياحات الترفيهية والمغامرات والثقافية، وهذه جميعاً تساعد في تطوير النموذج الإقليمي الأردني بوصفه عامل استقرار ومركزاً إقليمياً للسياحة والنقل والتجارة والخدمات اللوجستية.

 

الخاتمة

بالقدر نفسه من الغموض والضبابية والمخاطر التي يحملها العام الجديد هنالك فرص اقتصادية وسياسية يمكن العمل عليها واستثمارها، ومن الضروري أن تدفع التحولات الإقليمية الجوهرية والرئيسية في المنطقة، والتغيرات في نظريات الأمن الإقليمي والردع ومفاهيم القوة واستدخال الأنواع الجديدة من الحروب والآليات الجديدة، ذلك كلّه بصانع القرار إلى مراجعة جذرية وبنيوية لمفهوم الأمن القومي الأردني وبناء مفهوم حديث وجديد يراعي هذه المتغيرات والتحولات ويقوم على استدخالها في المنظور الأردني للمنطقة وللمصالح الاستراتيجية ومصادر التهديد والفرص المتاحة.

لم يعد ممكناً في عالم اليوم الفصل بين الجوانب السياسية والاقتصادية في الأمن القومي، ولا عناصر القوة التقليدية والجديدة، ولا البحث العلمي والذكاء الصناعي والأمن السيبراني والجوانب الأخرى للأمن، هذه جميعاً أصبحت بمثابة كتلة جوهرية في أي مفهوم وطني وصلب للأمن القومي وهو ما يدفع إلى تطوير مثل هذه المقاربات المتكاملة والشمولية للأمن الداخلي والخارجي وربط التعليم والبحث العلمي والابتكار والبطالة والشباب بملفات الأمن المختلفة، بخاصة بعدما أثبتت الحروب الأخيرة أنّ التلاعب بالجبهات الداخلية وحروب الوعي والرواية والسردية قد تكون أكثر خطورة من القنابل الذكية والصواريخ البالستية.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى