مراجعة كتاب: «الإسلاميون ما بعد السابع من أكتوبر»
في منطقة تعجُّ بالأزمات والتحوّلات المتسارعة، والتي غالباً ما يَصعُب فيها التمييز بين الأحداث الآنية والمنعطفات التاريخية المفصلية، تُوصَف معظم التحولات بوصفها “استراتيجية” وقادرة على إعادة تشكيل المنطقة وتوازناتها.
غيرَ أنّ لحظتين فارقتين في التاريخ العربي المعاصر منذ الألفية وما بعدها لا تزال إرهاصاتها تتشكّل وتعيد تشكيل الواقع: الربيعُ العربي/ الثورات العربيّة من جهة، والسابع من أكتوبر من جهةٍ أخرى. ورغم اختلاف السياقات والنتائج بين الحَدثين، خصوصاً وانّ السابع من أكتوبر لا يزال حتى اللحظة لم تكتمل مآلاته بعد. غيرَ أن كِلاهما أعاد تشكيل الأسئلة الكبرى من الدولة والمواطنة والحرّيات وموقع الفواعل السياسية والاجتماعية وفي مقدمتها الحركات الإسلاميّة بمُختلف تشكّلاتها ومدارسها وانتماءاتها، وتموضعها في الدولة وفي الفضاء العام. إلى السابع من أكتوبر وسؤال المقاومة وجدوى التطبيع، والهُوية والقدرة والفِعل الشعبيين، ومستقبل القضية الفلسطينية ومحور المقاومة كمفصلٍ أساسي لرسم ملامح المنطقة من جديد. كلحظةٍ أخرى أكثر أهمية وارتداداً وإن كانت نتائجه وتحوّلاته لا تزال قيد التشكّل ولم تستقر بعد.
لقد شكّل الربيع العربي، وما تَبِعه من صعودِ للحركات الإسلامية إلى السلطة في عددِ من البلدان العربية، ولا سيما مصر وتونس، نقطة تحوّل فارقة في تاريخ هذه الحركات. بل وحتى على مستوى التحوّلات التي لحقتها في هذه الدول وغيرها، فبعد عقودٍ طويلةٍ من المعارضة أو شبه المعارضة* وجدت هذه الحركات نفسها أمامَ اختبار السلطة، قبل أن تتعرّض تجاربها وبدرجاتٍ متفاوتة إلى الإخفاق أو الإقصاء أو الانقلاب عليها. وما أعقب ذلك من قمعٍ وتراجع وتآكل تنظيمي وسياسي لهذه الحركات وللفضاء العام على حدٍ سواء. لتعودَ بعد ذلك لمربع المعارضة في المنافي والسجون وإلى هامش الفِعل في دولٍ أخرى، وإن كان بصيغٍ وأشكالِ وطرقٍ مختلفة. وبدا بذلك الإسلام السياسي خلال عقدٍ ونيف يعيش أكثر لحظاته ارتباكاً، خصوصاً في ظل تراجع جاذبية السرديات الكبرى التي حَكَمت خطابه لعقودٍ طويلة.
ثم جاءت لحظة السابع من أكتوبر لتعيدَ خلط المشهد من جديد. فالسابع من أكتوبر ابتداءً وما تلاه من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، أعادت القضية الفلسطينية إلى صُلب وصدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وأعادت طرح أسئلة قديمة-جديدة حول الإسلاميين وموقعهم داخل المشهد السياسي والإقليمي. وربما من أهم المفارقات أن هذه اللحظة التاريخية لم تُعِد الإسلاميين بالضرورة إلى المشهد بقدر ما أعادت النقاش حولهم؛ حول مشاريعهم الفكرية والسياسية، وتحوّلاتهم التنظيمية والأيديولوجية، وعلاقتهم بالدولة، وموقعهم من المقاومة، وقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم ومشروعاتهم متجاوزين خطاب التعبئة والعواطف والهَبّات، في سياق إقليمي مغاير ورافضِ لهم بالمُطلَق.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى العقدين الأولين من الألفية الجديدة بوصفهما محكومين بلحظتين تأسيسيتين في تاريخ المنطقة: الربيع العربي من جهة، والسابع من أكتوبر من جهة أخرى وإذا كانت اللحظة الأولى قد أعادت طرح سؤال السلطة والديمقراطية والدولة، فإن الثانية أعادت طرح سؤال الهوية والمقاومة والهيمنة وفواعل ما دون الدولة، وإنّ كانت التحوّلات الجارية تشير إلى عودة المخيال ما فوق القُطري، وإعادة إنتاج الدولة الوطنية القُطرية بصيغ جديدة في “عالم ما بعد السابع من أكتوبر”.
ضمن هذا السياق يأتي كتاب “الإسلاميون ما بعد ما السابع من أكتوبر: سؤال الهُوية والمصير”، الصادر مطلع العام 2026 كمؤلَّفٍ جماعي وإسهامٍ بحثي جديد عن منتدى الشرق في إسطنبول ومعهد السياسة والمجتمع في عمّان، وبتحرير الباحث د. محمد عفّان، ومساعدة الباحث مريم البطوش، وتقديم د.محمّد أبو رمّان. وقد جاء الكتاب كمحصِّلة لورشة عمل عقدت في إسطنبول/تركيا خلال شهر سبتمبر/أيلول 2025 تحت عنوان ” مستقبل الإسلام السياسي في ضوء التطورات الإقليمية”.
يقع الكتاب في سبعة فصول من القطع المتوسط، ويضم اثنتي عشرةَ ورقةٍ بحثية إلى جانب فصلٍ ختاميّ تضمّن أبرز المُناقشات والتعقيبات التي دارت خلال جلسات الورشة. ويتحرّك الكتاب عبر جغرافيا واسعة من فلسطين وسوريا ولبنان والأردنّ والعراق وصولاً إلى اليمن محاوِلاً تتبّع أَثرَ السابع من أكتوبر على الحركات الإسلامية، وعلى التصوّرات المتعلّقة بمستقبل هذه الحركات والحقل عموماً.
عَرض الكتاب
يتوزع الكتاب على سبعة فصول تجمع بين العرض البحثي والمناقشة الجماعية، وتتحرك أوراقه حول سؤال مركزي: كيف أعاد السابع من أكتوبر فتح النقاش حول الحركات الإسلامية، وموقعها السياسي، وقدرتها على التكيف مع بيئة إقليمية شديدة التحول؟
يفتتح الكتاب بفصل يتناول الإسلام السياسي بين الربيع العربي والسابع من أكتوبر. ففي ورقة محمد أبو رمان، يحضر صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا بوصفه اختبارًا جديدًا لمسار الجهادية المحلية، ولقدرة الفاعلين الإسلاميين السابقين على الانتقال من المنطق الفصائلي ومنطق الثورة إلى منطق الدولة. أما ورقة محمد عفّان فتتناول أثر السابع من أكتوبر على الحركات الإسلامية في دول الطوق، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، من زاوية المفارقة بين لحظة كان يُفترض أن تكون “قِبلة الإسلام السياسي” لهذه الحركات، وبين واقع زاد من الضغوط السياسية والأمنية عليها.
وينتقل الفصل الثاني إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي. تناقش ورقة طارق حمّود مستقبل حماس من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: إعادة ترتيب البنية الداخلية من خلال انتخابات قيادة جديدة للحركة ، وتموضع الحركة داخل شبكة تحالفاتها الإقليمية من محور المقاومة إلى دول الوسطاء، والعلاقة بين الجناحين السياسي والعسكري. وترى الورقة أن قدرة حماس على التكيف مع ترتيبات ما بعد الحرب في غزة ستبقى عاملاً حاسماً في تحديد مستقبلها وعلاقتها بحاضنتها الاجتماعية. أما ورقة خالد الزواوي فتتوقف عند خصوصية حركة الجهاد الإسلامي بوصفها حركة مقاومة اجتنبت العمل السياسي منذ تأسيسها، وهو ما يجعل خياراتها بعد الحرب أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل شروط الهدنة وتراجع القدرة العسكرية نتيجة استنزافها في المعارك مع الاحتلال الإسرائيلي ما قبل السابع من أكتوبر، وانخراطها في المعركة وما تبعه أيضاً من خسارة لِمُقدراتها وتراجع قدراتها.
ويخصص الفصل الثالث لحزب الله، من خلال مقاربتين تتناولان تحولات موقعه الداخلي والإقليمي بعد السابع من أكتوبر. فيقرأ مهند الحاج علي الحزب في ضوء خسائره القيادية والعسكرية وتراجع موقعه من فاعل إقليمي مؤثر إلى طرف يسعى إلى حماية ما تبقى من دوره وسلاحه ضمن المعادلة الداخلية اللبنانية. ومن منظور آخر يقرأ بشّار اللقيس الحزب كظاهرة مركّبة بوصفه تفاعل لمحددين أساسين كفاعلٍ مقاوم قام لأجل محاربة إسرائيل، وكحزبٍ إسلامي شيعي، وأخيراً نتيجة تفاعل هذين المكونين كامتدادٍ متقدم لشبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. وهو محدّد أساسي في هُوية ودور وتوازانات الحزب مستقبلاً كما يراه بشار.
أما الفصل الرابع فيتناول الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن ضمن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل محور المقاومة. وتبرز ورقة فراس إلياس التباس قراءة الحشد الشعبي واختزاله بالمرجعية في إيران دونَ الإشارة أيضاً لطبيعته المركبّة والتباينات فيه بين الاندماج الكامل في الدولة العراقية وبينَ الحشد الولائي الذي يرى نفسه جزءاً من محور المقاومة، كما تبيّن ورقة عاتق جارالله كيف منح السابع من أكتوبر جماعة الحوثي رصيداً وزخماً سياسياً وشعبياً، أجّل الكثير من الاستحقاقات الداخلية نتيجة سلوكها الاقتصادي والسياسي ضد الجماعة، مع الإشارة إلى أن ذلك لم يعنِ اختفاء أزماتها الداخلية والاقتصادية والاحتقان اتجاهها، بل يقدّر جارالله أنها أصبحت في عِداد التأجيل أو مفتوحة على احتمالات جديدة.
ويركز الفصل الخامس على هيئة تحرير الشام والتحولات السورية. وتظهر الأوراق انتقالًا أوسع داخل المجال الإسلامي من تهشّم فكرة الخِلافة كمخيالٍ عابرٍ للحدود إلى مقاربات محلية ووطنية أكثر براغماتية. كما يناقش الفصل في ورقتي عبد الرحمن الحاج، وفاضل خانجي تحديات الدولة السورية الجديدة، ورهانات الانفتاح الإقليمي والدولي، وصعوبة بناء شرعية سياسية مستقرة في بيئة داخلية شديدة التعقيد.
ويبحث الفصل السادس مستقبل الجهادية العالمية في تنظيمي داعش والقاعدة في ضوء التحولات الإقليمية الراهنة. وتذهب أوراقه إلى أن تراجع الاهتمام الدولي بملف الإرهاب لا يعني انحسار الظاهرة الجهادية، ما دامت الأزمات والأسباب السياسية والأمنية التي تغذيها قائمة.
ويُختتم الكتاب بفصل يضم خلاصات النقاشات التي دارت بين الباحثين، وفيه تعود الأسئلة المفاهيمية الكبرى إلى الواجهة: مفهوم الإسلام السياسي، وحدود العلاقة بين الأيديولوجيا والبراغماتية، وبين المحلي والأممي، وبين السياسي والعسكري. ومن خلال هذه الخريطة الواسعة، لا يقدم الكتاب جوابًا نهائيًا عن مستقبل الإسلاميين، بقدر ما يسعى لفتح النقاش وضرورة إعادة التفكير في هذا الحقل بعد السابع من أكتوبر.
ومن خلال هذه المحاور المتعددة، لا يسعى الكتاب إلى تقديم إجابة واحدة أو نهائية حول مستقبل الإسلاميين، بقدر ما يحاول رسم خريطة أولية للأسئلة والتحولات التي فرضها السابع من أكتوبر على مختلف تيارات الإسلام السياسي، سواء كانت حركات مقاومة، أو تنظيمات إسلامية كلاسيكية، أو فواعل جهادية مسلّحة، أو جماعات مرتبطة بمحور المقاومة الإقليمي.
وعلى مستوى التوصيات والمقترحات، يشير الفصل الخِتامي إلى الحاجة إلى تطوير مؤشرات منهجية وتراكمية لرصد تحولات الحركات الإسلامية، بما يسمح بمتابعة اتجاهاتها وفهم مساراتها المستقبلية بصورة أكثر دقة، واستشراف تحوّلاتها لحظةً بلحظة بدلاً من الاكتفاء برصدها لحظة حدوثها. كما يطرح الكتاب الحاجة إلى مشروع مصالح تاريخية كبرى في المنطقة بين المكوّنات الرئيسية فيها (العرب، الكرد، الترك، الفرس) وكذلك بين السنة والشيعة كشرط بنيوي لتجاوز منطق الصراعات الأهلية والتوظيف الخارجي على أن تقودها نخب فكرية قادرة على إعادة صياغة العلاقة بين التاريخ والواقع السياسي المعاصر.
غير أن أهمية الكتاب لا تتحدد فقط في اتساع الحالات التي يتناولها، بل في قدرته على جمعها داخل لحظة إقليمية واحدة. وهنا تبدأ القيمة النقدية للمراجعة: فالكتاب ينجح في التقاط الأسئلة، لكنه يترك عددًا منها مفتوحًا على مستوى المفهوم والمنهج والاستشراف. ومن ثم، فإن قراءته لا ينبغي أن تقف عند حدود عرض الفصول، بل يجب أن تنتقل إلى اختبار الإطار الذي جمع هذه الفواعل المتباينة تحت عنوان واحد.
نقاط القوة والإسهام المعرفي للكتاب
لا تكمن أهمية الكتاب في مضمونه أو موضوعه أو توقيته فحسب، وإنّما أيضاً في طبيعة الأسئلة التي يطرحها. فهو من جهة يحاول مقاربة أسئلة أكثر اتصالاً بالواقع السياسي وإفرازاته على مستقبل هذه الحركات. وفي محاولة تتجاوز المقاربات الأمنية أو العسكرية الآنية -على أهميتها- بل بالتقاطه السابع من أكتوبر كلحظة مفصلية أعادت فتح الأسئلة حول الإسلاميين ومستقبلهم بعد سنواتٍ من الخمود والركود، وكمحاولة مبكرة لالتقاط التحوّلات وإعادة بناء أجندة بحثية جديدة لفهمها والتي فرضها السابع من أكتوبر على المجال السياسي الإسلامي ومستقبل المنطقة ككلّ.
ولعل القيمة الأبرز للكتاب تكمن في مساهمته في إنتاج معرفة عربية حول الحركات الإسلامية انطلاقاً من خبرات المنطقة وأسئلتها الخاصة. ففي حقل ظل لفترات طويلة خاضعًا لهيمنة المقاربات الأمنية أو الأدبيات الغربية، تمثل مثل هذه الأعمال الجماعية محاولة جادة لبناء أجندة بحثية عربية أكثر اتصالاً بالسياقات المحلية والنقاشات الجَارية وبالتحولات الفعلية التي تشهدها المنطقة. ومن هنا يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره خطوة مهمة في مسار أوسع يتجاوز دراسة الحركات الإسلامية نحوَ التعامل معها كظاهرة اجتماعية وتاريخية معقّدة تستدعي أدوات تحليل أكثر تنوعاً وعمقاً.
كما يُسجّل للكتاب نجاحه في التقاط تحول مهم داخل المجال الإسلامي السياسي، يتمثل في الانتقال من سؤال “المشروع الحضاري” إلى سؤال “البقاء السياسي”. فبعدَ عقودٍ من الحديث عن “الدولة/الخِلافة الإسلامية”. تبدو كثير من الحركات الإسلامية اليوم منشغلة ضمن حدودها القُطرية، أو جاهِدةً في الحفاظ على حضورها التنظيمي أو ما تبقى منه، والتكيّف مع التوازنات الإقليمية المتذبذبة وإكراهاتها.
غير أن هذه الفكرة، رغم حضورها القوي في بعض الأوراق، لا تُطوَّر نظرياً بما يكفي داخل الكتاب خصوصاً إذا ما كانت نتيجةَ مراجعاتٍ في الخيارات الاستراتيجية لهذه الفواعل أو تكيّفات مع الواقع الراهن إلى حين. فثَمّةَ تفاوت واضح بين الأوراق من حيث العمق التحليلي والقدرة على بناء استنتاجات تتجاوز اللحظة.
وتتفاوت الأوراق من حيث العمق التحليلي والقدرة على قراءة التحولات البنيوية على المديين المتوسط والبعيد. فبينما تنجح بعض الدراسات في تقديم مؤشرات وسيناريوهات تساعد على فهم اتجاهات هذه التحولات، تظل أوراق أخرى أقرب إلى التقدير السياسي أو التعليق على الحدث الآني. ورغم أن هذا التفاوت يبدو مألوفًا في الأعمال الجماعية، فإنه ينعكس على درجة التماسك العام للكتاب ضمن خيط ناظم ومستوى الاتساق بين فصوله المختلفة.
وعلى امتداد فصول الكتاب، تظهر ثلاث ملاحظات رئيسية تكاد تشكل الخيط الناظم للتحولات التي يناقشها: أولها صعود الجهادية المحلية وتحولاتها الوظيفية بوصفها نتيجة لمسار متراكم من التحولات داخل التيار الجهادي؛ وثانيها حالة الارتباك التي تعيشها الحركات الإسلامية التقليدية بعد التحولات التي بدأت مع الربيع العربي وتعمقت بعد السابع من أكتوبر؛ وثالثها تراجع النفوذ الإقليمي للإسلام السياسي الشيعي، خصوصًا بعد الضربات التي تعرض لها حزب الله والتداعيات الإقليمية للحرب الإسرائيلية-الإيرانية.
ملاحظات نقدية ومنهجية
على الرغم من القيمة المعرفية التي يقدمها الكتاب والذي يُسجَل له مجدداً كونه “مختبر أسئلة”، وما يطرحه من أسئلة مهمة حول التحوّلات الجارية داخل المجال الإسلامي السياسي، فإن ذلك لا يحول دون تسجيل عدد من الملاحظات النقدية المرتبطة ببنيته المفاهيمية ومنهجيته العامة إذا ما تجاوزنا بعضَ التفاصيل الفنية والشكلية في إخراجه، وهي ملاحظات لا تنتقص من أهمية العمل بقدر ما تفتح المجال أمام تطويره والبناء عليه في طبعاتٍ مزيدة ومُنقّحة أو مشاريعٍ بحثية لاحقة.
تتمثل الملاحظة الأهم في أن الكتاب يتعامل مع السابع من أكتوبر بوصفه لحظة جامعة، لكنه يحتاج إلى تمييز أدق بين الحدث بوصفه صدمة سياسية ورمزية، وبين نتائجه الفعلية على كل فاعل من الفواعل الإسلامية. فالحدث لم ينتج أثرًا واحدًا على الجميع؛ فقد منح بعض الحركات زخمًا رمزيًا، وفرض على أخرى كلفاً أمنية أو سياسية عالية، ودفع فواعل ثالثة إلى إعادة تعريف أدوارها. لذلك يبدو السابع من أكتوبر في الكتاب لحظة كاشفة لتباين مسارات الإسلاميين، أكثر من كونه نقطة تحول تشترك في ذات النتيجة.
تتمثل أولى هذه الملاحظات في الإشكالية المفاهيمية المرتبطة بتعريف “الإسلاميين” أنفسهم. فالكتاب يضع ضمن فضاء تحليلي واحد فواعل شديدة التباين من حيث النشأة والبنية التنظيمية والمرجعيات الفكرية والأهداف السياسية؛ من حماس والجهاد الإسلامي، إلى جماعة الإخوان المسلمين، مروراً بحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين، وصولاً إلى هيئة تحرير الشام وتنظيمي القاعدة وداعش. ورغم وجود قواسم مشتركة بين هذه الفواعل تتمثل في الأيديولوجيا أو توظيف الهُويّة الإسلامية أو حضورها داخل المجال الإسلامي السياسي بمفهومه الواسع، أو حتى غاياتها. فإنها تفترق جوهرياً وتتابين على المستوى البنيوي بشكل كبيرِ للغاية، سواء على مستوى الأيديولوجيا أو الخصوصيات الوطنية والسياقات المحلية من حيث التشكّل والنشأة والظروف، والعلاقة مع دولها وحواضنها، أو طبيعة المشروع الذي تتبناه، بل وحتى على مستوى مسارات العمل التي انتهجتها والأدوات التي استخدمتها.
وهنا تبدو الحاجة واضحة إلى إطار مفاهيمي أكثر صرامة يحدد المقصود بـ “الإسلاميين” وهل من الممكن أن تكونَ هذه الفواعل بمجموعها وتباينها الشديد ضمن ذات البوتقة؟ وأين موقع الخطاب الرسمي المُحافظ/الديني والسياسات الدينية الرسمية من هذا التعريف؟ وهو ما يجعل المفهوم هلامياً وغير منضبط المعنى والقصد داخل الكتاب والحقل البحثي. وبالتالي ضرورة مراجعته وتعريفه.
فيما يتّصل بالإطار النظري أيضاً، رغم أن سؤال المستقبل يشكّل الخيط الناظم لمعظم فصول الكتاب، فإن القارئ لا يجد إطاراً نظرياً متماسكاً/واحداً، يحكم عملية الاستشراف ذاتها. فالأوراق تتفاوت في تعريفها للمستقبل وفي الأدوات التي تعتمدها لتقدير المآلات المحتملة، أو إلى منهجية استشرافية محددة أو إلى مؤشرات تراكمية واضحة يمكن البناء عليها أو اختبارها لاحقاً. وبذلك يبقى الانتقال من التحليل إلى الاستشراف متفاوتاً بين ورقة وأخرى؛ إذ لربما تعتمد بعض الأوراق على الخبرة التقديرية للباحث أكثرَ مما تعتمد على نماذج أو أدوات منهجية متعارف عليها في دراسات المستقبليات. ما يجعل بعض السيناريوهات أقرب إلى تقدير الموقف السياسي منها إلى الاستشراف البحثي المنهجي. وكان من الممكن أن يضيف الكتاب قدراً أكبرّ من التماسك لو خُصِصَ مدخل منهجي يوضّح المقاربة المعتمدة في دراسة المستقبل، والمؤشرات المستخدمة في بناء السيناريوهات الخاصة بهذه الحركات وتحولاتها. ومما يتصل بها أيضاً، ورغم حرص القائمين على الكتاب على تجاوز السياقات التاريخية والأيدولوجية إلّا أن بعض الأوراق تغرق فيها وهي وإن كانت مهمة في بعض جوانبها إلّا أن الإغراق فيها أفقدَ كثيراً من الأوراق مساحتها من الاستشراف.
الملاحظة الثانية، الفصل الختامي على أهميته وتفرّده بجمع النقاشات وما يثير من ملاحظات إلّا أن الجدل الدائر لم يحسم ولم يؤطّر حتى اللحظة للإشكاليات البحثية التي سادت في هذا الحقل على مستوى “الإسلام السياسي” و”ما بعد الإسلام السياسي” والعلاقة بين المحلي والأممي، دون أن يجد محاولة حاسمة لإعادة تعريف هذه المفاهيم أو ضبط حدودها النظرية. وربما يعكس ذلك طبيعة الحقل نفسه بوصفه حقلا لا يزال في طور التشكّل وإعادة التعريف، إلا أنه يترك مساحة واسعة لمزيد من الاشتباك المفاهيمي في الأعمال اللاحقة.
الملاحظة الثالثة، لربما ساد كثيرٌ من الفرضيات والتي أصبحت أقرب للـ”كليشيهات” في تحوّلات الحركات الإسلامية، التي تستلزم اليوم إعادة النظر في كثيرٍ منها الفرضيات “ضمنَ خطٍ مستقيم”، وهيّ وإن سُجِل للكتاب تجاوزها في ورقتين من أوراقه ورقة عبد الرحمن الحاج وشفيق شقير، وفي ملاحظة جماعية في الفصل الختامي تشير إلى أنّ الحالة الإسلامية ستظل تتشكّل وتتفاعل وتُنتج أشكالاً جديدة مختلفة. وبأن تراجع هذه الحركات لا يَعني اختفاء جدل العلاقة بين الدين والسياسة في عالمنا.
إلّا أنّ كثيراً منها لا يزال حاضراً وبحاجة مراجعة خصوصاً في الحالة السورية كافتراض أنَّ كلَّ انشقاقٍ داخل التنظيمات الجهادية سينتهي بالضرورة إلى مزيد من الراديكالية، أو أن التحولات البراغماتية تقود حتماً إلى تفكيك الهُويّة الأيديولوجية للحركات وعلى مستوى الانقسامات/الانشقاقات العامودية والرأسية على حدّ سواء في هذه الحركات.
كما أن بعض القراءات تعاملت مع السابع من أكتوبر كنتيجة حتمية نقطة انعطاف موحّدة لجميع الحركات الإسلامية تستدعي قدراً من المراجعة. فبالرغم من أن الحدث أعاد هذه الحركات إلى واجهة النقاش السياسي والفكري، فإن آثاره لم تكن متطابقة بينها. ففي حين عزّز من حضور بعض الفاعلين ومنحهم زخماً سياسياً أو شعبياً جديداً مثل حركة حماس وهيئة تحرير الشام، أفضى لدى فاعلين آخرين إلى مزيد من الضغوط أو الاستنزاف أو إعادة تعريف أدوارهم ووظائفهم كحزب الله، والحشد الشعبي، وحركة الجهاد الإسلامي بل حتى جماعة الإخوان المسلمين حالياً وبضرورة أكثر إلحاحاً مستقبلاً. ولذلك قد يكون من الأدق النظر إلى السابع من أكتوبر بوصفه لحظة كشفت تباين مسارات الحركات الإسلامية أكثر مما وحّدتها، بدلا ًمن النظر إلى نتائجه كنتيجة موّحدة/واحدة للجميع. وهي ربما ملاحظات تستدعي اليوم مزيداً من التأمّل والنقاش والمُراجعة.
الملاحظة الرابعة، يُلاحَظ غياب النقاش عن خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار صعود ” الفاعلون الإسلاميون الجدد” الجيل الجديد الناشئ المختلف تماماً عمّن سبقه، بتحلّله من الأطر التنظيمية، وتديّنه الشبكي وغيرها وهم بمجموعهم. والذينَ بجموعهم يشكلّونَ تفاعل جميع هذه الحركات ويملكون نقداً لسلوكها خطابها ومشاريعها. وهي تحولات لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتأطير النظري، وبوصفها أحد المسارات الواعدة للبحث مستقبلاً. فجزء من التحولات الراهنة لا يرتبط فقط بالحركات الإسلامية الكلاسيكية، وإنما أيضًا بتحولات المجال الديني الرقمي، وصعود فاعلين جدد أقل ارتباطًا بالبنية التنظيمية وأكثر ارتباطًا بالفضاء الإعلامي العابر للحدود.
ويغيب عن الكتاب سؤال مهم يتعلق بما إذا كان السابع من أكتوبر قد دفع باتجاه إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، أم أنه أعاد إحياء فكرة “الأمّة” وصعود فواعل ما دون الدولة العابرة للحدود. كما أن بعض القراءات داخل الكتاب لا تميز بصورة كافية بين أثر الحدث في لحظته الآنية وبين ارتداداته الاستراتيجية طويلة المدى.
أمّا الملاحظة الخامسة، وقد يكون المرور باختزال شديد على تجارب بعض الحركات الإسلامية في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين كأكبر وأقدم فاعلِ فيها، غيّب عن الكتاب توسعاً كبيراً فيها. فاختلاف حجم القواعد للجماعة بين الدول ومن ثم ما تعرّضت له، والخصوصيات القُطرية والمحلية والاجتماعية التي تتمتع بها تجعل من الصعب دراسة مآلاتها ضمن خيار واحد. فعلى سبيل المثال حظر جماعة إخوان المسلمين في الأردن، كان له سياق مختلف عن بقية الدول فكان محصِّلة لتراكم مسار قانوني، والنتيجة كانت حتمية عاجلاً أم آجِلاً. كما أن تداعيات السابع من أكتوبر وما تبعها من تحولات رسمية وشعبية لم تكن متطابقة بينها وبينَ مختلف الدول خصوصاً وأن الجماعة لا تزال تملك هامش من الحركة وإعادة التموضع هذه الحالات. وكان من الممكن أن يضيف الكتاب مزيدًا من العمق لو منح هذه الفروقات مساحةً أوسع من التناول والتحليل.
وأخيراً، ثمة فرق كبير بين استعادة “الرمزية” واستعادة “المشروع/الحاضنة”. فقد تتمكن الحركات الإسلامية من استعادة جزء من حضورها العاطفي أو الأخلاقي داخل المجال العام، لكن ذلك لا يعني أنها استعادت قدرتها على الفِعل وإعادة تقديم نفسها، وتقديم نموذج/مشروع سياسي قادرة فيه على البناء، والترميم، والحشد، والاستقطاب. وهذه إحدى أهم الأفكار التي كان يمكن للكتاب تطويرها بصورة أوضح وأكثر تماسكاً. خصوصاً وان هذه المقاربة هيمنت على مختلف الكِتابات لحظة السابع من أكتوبر “كبوّابة عودة للجماعة” للساحات.
ومن هنا، تبدو الأزمة التي يواجهها الإسلاميون اليوم أعمق من مجرد أزمة تنظيم أو سلطة؛ إنها أزمة تتعلق بوظيفتهم التاريخية ودورهم السياسي في المجال العام. ماذا يريد الإسلاميون اليوم؟ وما المشروع الذي يحملونه فعلًا؟ وما هو الخيط الفاصل بينَ السياسي والإسلامي في مشروعهم اليوم؟
ورغم هذه الملاحظات، يُسجَّل للكتاب ما قدّمه من أسئلة جادّة ومحاولات أولية للاشتباك معها، في لحظة إقليمية تتسم بالسيولة واللايقين. وتزداد قيمة هذا الجهد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار محدودية الإنتاج العربي الجماعي المتخصص في دراسة الحركات الإسلامية وتحولاتها المعاصرة، والحاجة المتزايدة إلى تطوير أدوات تحليلية ومنهجية أكثر قدرة على فهم هذه التحولات واستشراف مساراتها المستقبلية.
خاتمة
قد يبدو النقاش النظري اليوم نوعًا من الترف الفكري مع تجدد الأزمات والصِراعات، وهي مقاربة وإن صبغت كلّ أزماتنا الفاصلة بحجّة الحاجة إلى تجاوز النظرية سواءً السياسية أو الأكاديمية، وتغليب الفعل المباشر والاشتباك مع اللحظة الراهنة على حساب الفكر والمعرفة والنقاش. غيرَ أن تجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين وربما أكثر، أثبتت حاجتنا وضرورتنا إلى تطوير نقاشتنا ومُقارباتِنا. لأنّ فهمَ التحوّلات الكبرى والمنعطفات التاريخية يظل مرهوناً بقدرتنا على تطوير مقاربات تتجاوز الانحيازات الأيديولوجية، ومتابعة التحولات الجارية دون الارتهان للحظة الآنية أو أسر الماضي.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الأعمال البحثية من هذا النوع أهميةً خاصة، ليسَ لأنها تقدّم إجابات نهائية، بل لأنها ربما خطوة ضرورية/جادة تستلزم منّا النظر في إعادة واستعادة مسار نقاشاتنا النظرية التي كانت دوماً هامشاً في ظل التراشق السياسي والتنازع السلطوي بما يسمح بإعادة بناء نقاش معرفي أكثر قدرة على فهم تحولات المنطقة. وبالقدرة المستمرة على مراجعة المسلّمات وإعادة اختبار الفرضيات في ضوء الوقائع المتغيّرة. وفي مرحلة تاريخية تتجاوز فيها الأفكار والرؤى حدود الجغرافيا واللغة، تبقى الحاجة قائمة إلى بناء مجتمع معرفة قادر على دراسة حركاته الاجتماعية والسياسية من داخل منظوراته الخاصة، وإنتاج فهمٍ أكثر عمقاً لواقعه وتحولاته ومستقبله. وهو ما يستلزم بالضرورة تطوير هذا الكتاب في طبعة ثانية منقحة ومزيدة وبضبطٍ منهجي وأكاديمي أكثرَ صرامة. وفي مرحلة تاريخية تتجاوز فيها الأفكار والرؤى حدود الجغرافيا واللغة، تبقى الحاجة قائمة إلى بناء “مجتمع معرفة” قادر على دراسة حركاته الاجتماعية والسياسية من داخل منظوراته الخاصة، وإنتاج فهم أكثر عمقًا لواقعه وتحولاته ومستقبله.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية