إعادة تعريف الدور: حماس وإدارة الحكم والشرعية في غزة ما بعد الحرب
المقدمة
تمرّ حركة حماس اليوم بإحدى أكثر المراحل تعقيدًا منذ تأسيسها، في ظل حرب مدمّرة أعادت تشكيل المشهدين السياسي والاجتماعي في قطاع غزة على نحو عميق، ووضعت الحركة أمام تحديات تنظيمية ووطنية غير مسبوقة. فبعد سنوات من إدارة القطاع في ظروف حصار مزمن ومواجهات متكررة، أفضت الحرب الأخيرة إلى اختلالات جسيمة في البنى الإدارية والأمنية، وفرضت واقعًا جديدًا تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع متطلبات بقاء المجتمع، وإعادة الإعمار بعد الحرب، ومستقبل التمثيل السياسي الفلسطيني.
لم تعد المعضلة المركزية التي تواجه الحركة محصورة في قدرتها على الصمود أو الاستمرار، بل باتت تتعلق أساسًا بقدرتها على إعادة تعريف دورها ووظيفتها في سياق فلسطيني وإقليمي بالغ السيولة والتقلب. فحماس تجد نفسها اليوم عالقة بين ضغوط داخلية متزايدة من مجتمع منهك يبحث عن حدٍّ أدنى من الاستقرار، وضغوط خارجية تسعى إلى إعادة هندسة النظام السياسي في غزة، سواء عبر ترتيبات إدارية انتقالية، أو من خلال أطر إقليمية ودولية لا تخلو من محاولات الإقصاء أو الاحتواء المشروط.
في مواجهة هذا السياق المعقّد، يصبح استقراء الواقع من داخل التجربة ذاتها ضرورة تحليلية لا غنى عنها. ففهم تحوّلات حركة حماس، وحدود الخيارات المتاحة أمامها، والمسارات المحتملة التي قد تتخذها في المرحلة المقبلة، لا يمكن أن يتحقق من خلال التحليلات الخارجية وحدها. بل يتطلب ذلك إنصاتًا معمّقًا لأصوات شاركت في عمليات صنع القرار ورافقت عن كثب التحولات التنظيمية والسياسية داخل الحركة. وفي هذا الإطار، تكتسب رؤى الشخصيات التي كانت جزءًا من الدائرة السياسية القريبة من قيادة الحركة أهمية خاصة، ليس فقط بحكم مواقعها السابقة، بل أيضًا لما تمتلكه من معرفة مباشرة بأنماط التفكير الداخلي وآليات اتخاذ القرار داخل حماس.
أحمد يوسف (يوسف محمود صالح)، وُلد في 27 كانون الأول/ديسمبر 1950 في مخيم رفح (الشابورة) للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة، وينحدر من أسرة لاجئة هُجّرت أصلًا من قرية هُليّقات في قضاء غزة. وهو متزوج وله ثمانية أبناء. تلقّى تعليمه الابتدائي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وأتمّ تعليمه الثانوي في مدرسة بئر السبع الثانوية للبنين، حيث حصل على شهادة الدراسة الثانوية العامة عام 1969. ثم التحق بكلية الشريعة في القدس قبل أن يسافر إلى الخارج لاستكمال دراسته الجامعية.
حصل يوسف على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة الأزهر في مصر عام 1979، ودرجة الماجستير في التكنولوجيا الصناعية من جامعة ولاية كولورادو في الولايات المتحدة عام 1984، ثم درجة ماجستير ثانية في الصحافة الدولية من جامعة ميزوري – كولومبيا عام 1987، كما نال درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ولاية كولورادو عام 1994.
تمتد المسيرة المهنية لأحمد يوسف عبر مجالات أكاديمية وبحثية واستشارية سياسية. فقد عمل في جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي في دولة الإمارات العربية المتحدة بين عامي 1979 و1982، ثم شغل منصب مدير مؤسسة البحوث والدراسات المتحدة في الولايات المتحدة خلال الفترة من 1991 إلى 2004. ولاحقًا عُيّن مستشارًا سياسيًا لرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بين عامي 2006 و2008، كما تولّى منصب وكيل وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية من عام 2007 حتى 2011. ومنذ عام 2009، يشغل منصب مدير معهد بيت الحكمة للبحوث وحل النزاعات في غزة، كما يعمل منذ عام 2015 أستاذًا زائرًا في قسم العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية في غزة.
سياسيًا، انضم يوسف إلى جماعة الإخوان المسلمين عام 1968، ونشط في العمل الإسلامي التنظيمي في الولايات المتحدة، حيث تولّى مناصب قيادية في الاتحاد الإسلامي الفلسطيني في أمريكا الشمالية. والتحق بحركة حماس منذ تأسيسها، وكان من كوادرها في الولايات المتحدة، وعضوًا في لجنتها السياسية والإعلامية خلال الانتفاضة الأولى، وشارك في أعمال مكتبها السياسي أثناء وجوده في الخارج في أوائل تسعينيات القرن الماضي، كما كان عضوًا في مجلس الشورى العام للحركة. وشارك كذلك في لقاءات مع وفود أوروبية من دول عدة، من بينها النرويج وهولندا.
وعلى الصعيدين المؤسسي والمدني، نشط أحمد يوسف في عدد من الهيئات المهنية والوطنية، من بينها لجنة المتابعة لدعم الوحدة الفلسطينية، ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، ونقابة المهندسين الفلسطينيين، واتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، وهيئة الوفاق الوطني الفلسطيني التي يترأسها حاليًا. كما تولّى رئاسة تحرير عدد من الإصدارات، من بينها مجلة الأمل التي تصدر عن رابطة الشباب المسلم العربي في الولايات المتحدة، ومجلة شؤون الشرق الأوسط الدولية التي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية. إضافة إلى ذلك، شارك في العديد من المؤتمرات الأكاديمية والثقافية، من بينها مؤتمر الإسلام والغرب: تعاون لا صدام (1993)، ومؤتمر الإسلام وأمريكا والعالمية الثالثة الذي نُظم بالتعاون مع جامعة جورجتاون.
يُعدّ أحمد يوسف، من بين الشخصيات السياسية الفلسطينية المعاصرة، أحد أبرز من أسهموا في بلورة الخطاب السياسي لحركة حماس، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت فوز الحركة في الانتخابات التشريعية عام 2006. فقد هيّأت له خلفيته الفكرية والسياسية أن يؤدي دور المستشار الاستراتيجي أكثر من كونه قائدًا تنظيميًا تقليديًا، مع تركيز خاص على قضايا الحوكمة، والشرعية السياسية، وإدارة العلاقة مع المجتمع الدولي. وقد عكس هذا الدور وجود تيار داخلي داخل الحركة منشغل بإشكاليات الانتقال من حركة مقاومة إلى فاعل سياسي يتولى مسؤوليات الحكم.
ولا يزال أحمد يوسف يقيم في قطاع غزة، حيث يعيش في ظل ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد، وهو ما يتيح له منظورًا يجمع بين الخبرة المعاشة المباشرة لواقع القطاع، ومسافة تحليلية نسبية عن تفاصيل القرار التنظيمي اليومي.
وانطلاقًا من حوار معمّق أُجري مع أحمد يوسف، يقدّم هذا المقال قراءة تحليلية لآرائه وتجربته السياسية وتأملاته في القضايا المحورية المرتبطة بالحوكمة، وتطوّر الخطاب السياسي لحركة حماس، وطبيعة تفاعلها مع البيئتين الإقليمية والدولية.
المحور الأول: مستقبل قطاع غزة ومرحلة ما بعد الحرب
يبرز الجدل الدائر حول مستقبل قطاع غزة ومرحلة ما بعد الحرب في لحظة سياسية وإنسانية بالغة الحساسية، تتجاوز الأطر التقليدية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتمتد لتلامس بنية النظامين الإقليمي والدولي ذاتهما. فالحرب الأخيرة لم تفضِ إلى دمار مادي واسع النطاق فحسب، بل أفرزت أيضًا فراغًا سياسيًا وإداريًا عميقًا، فتح الباب أمام سباق إقليمي ودولي محموم لصياغة تصورات متباينة لما يُعرف بـ”اليوم التالي”. وفي إطار هذه التصورات، تتقاطع الحسابات الأمنية مع الأجندات السياسية، غالبًا في ظل غياب رؤية وطنية فلسطينية جامعة وشاملة.
وفق قراءة أحمد يوسف، فإن مستقبل قطاع غزة في الأشهر المقبلة، وكذلك ملامح المرحلة اللاحقة، لن يُحسم ببيان سياسي واحد أو باتفاق منفرد، بل سيتشكّل من خلال تفاعل ثلاثة متغيرات رئيسية تُكوّن معًا الإطار الحاكم لأي مسار محتمل. يتمثل المتغير الأول في قدرة غزة، كمجتمع ومن خلال مؤسساتها، على إعادة بناء الحد الأدنى من البُنى المدنية والإدارية عقب الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب. وهذه القدرة لا تعتمد فقط على الكفاءة المحلية، بل ترتبط أيضًا بحجم ونوعية المواد المسموح بإدخالها إلى القطاع، وطبيعة القيود المفروضة على عملية إعادة الإعمار ذاتها. فإعادة بناء المؤسسات، في هذا المعنى، ليست مسألة تقنية بحتة، بل تُعد مؤشرًا على وجود أو غياب إرادة حقيقية للسماح بعودة شكل من أشكال الإدارة الفلسطينية الفاعلة.
أما المتغير الثاني، فيتعلق بمسار اتفاقات وقف إطلاق النار وإمكانية الانتقال إلى مراحل لاحقة أكثر استقرارًا. فالتقدم في تنفيذ هذه الاتفاقات، أو تعطيلها، وما إذا كانت ستفضي إلى مرحلة ثانية، يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة، من بينها نشر قوة دولية، أو إنشاء مجلس إداري دولي أو شبه دولي للإشراف على القطاع. ولا يُنظر إلى هذه الترتيبات بوصفها إجراءات أمنية فحسب، بل كأدوات سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهدين الإداري والحوكمي في غزة.
ويتمثل المتغير الثالث في مواقف القوى الإقليمية والدولية إزاء وجود السلاح والفصائل المسلحة داخل القطاع، ومحاولاتها فرض إطار إداري خارجي بديل عن الفاعلين المحليين. وتعكس هذه المواقف ليس فقط اعتبارات أمنية، بل تصورًا أوسع لمستقبل غزة: هل يُراد لها أن تكون مساحة مُدارة من الخارج، أم كيانًا فلسطينيًا ذا سيادة محدودة ومقيدة، أم ساحة مفتوحة لإدارة أزمة ممتدة؟
وانطلاقًا من هذه المتغيرات، يرى أحمد يوسف أن استمرار تبنّي نموذج الإشراف الانتقالي الدولي أو التكنوقراطي مرشح لأن يقود إلى مرحلة من الإدارة الدولية المؤقتة، ترافقها ضغوط واضحة على الفاعلين المحليين لإعادة هيكلة المؤسسات المدنية بما يتوافق مع الشروط الدولية. غير أن فشل هذا المسار في تحقيق تحسّن ملموس في الأوضاع المعيشية والإدارية قد يقود في نهاية المطاف إلى حالة من الفوضى الإدارية والأمنية، تغذّيها حالة التوتر المستمر وغياب الأفق السياسي.
وعلى المدى القصير، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو اعتماد مقاربة تدريجية تُعطي الأولوية لإدارة دولية أو تكنوقراطية لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ولكن ضمن إطار من السيادة الفلسطينية الفعلية المنخفضة. وفي جوهره، يعكس هذا السيناريو محاولة لإدارة الأزمة لا حلّها، وتأجيل الأسئلة السياسية الكبرى عبر حلول انتقالية قد تستمر لفترة أطول بكثير مما يُعلن رسميًا.
في هذا السياق، تتباين المقاربات الأمريكية والإسرائيلية والدولية الأوسع تجاه مستقبل قطاع غزة تباينًا ملحوظًا. فبعضها يدفع باتجاه ترتيبات أمنية صارمة تُعيد إنتاج السيطرة عبر آليات جديدة، فيما يطرح بعضها الآخر أطرًا انتقالية مغلّفة بخطاب إنساني أو تكنوقراطي، تحت عناوين إعادة الإعمار وإدارة الأزمات. وعلى الرغم من اختلاف هذه المقاربات، فإنها تلتقي عند سؤال جوهري لم يُحسم بعد: إلى أي مدى سيُسمح لغزة باستعادة دورها كفضاء سياسي وإداري فلسطيني فاعل، بدل أن تبقى مجرد إقليم يُدار من الخارج؟
ويتفاقم هذا المأزق بفعل اختلال ميزان القوى القائم، واستمرار الجمود في العملية السياسية الفلسطينية الأوسع، وغياب أفق واضح لتسوية شاملة. فغزة اليوم ليست مجرد موضوع لجهود إعادة الإعمار، بل تحوّلت إلى ساحة اختبار لإعادة تعريف مفاهيم السيادة والشرعية والحكم المحلي، في ظل حضور دولي متزايد وضغوط إسرائيلية مستمرة تهدف إلى منع إعادة تشكّل أي بنية سياسية أو أمنية يمكن أن تُفهم بوصفها عودة إلى واقع ما قبل الحرب.
وبناءً عليه، فإن استشراف السيناريو الأكثر واقعية وترجيحًا لمستقبل غزة في الأشهر المقبلة وفي المرحلة اللاحقة يصبح سؤالًا محوريًا، لا يمكن مقاربته بمعزل عن فهم تفاعلات الفاعلين الإقليميين والدوليين، وحدود قدرتهم على فرض ترتيبات قابلة للاستدامة، ولا من دون تقييم دقيق لقدرة المجتمع الغزّي ذاته على الصمود وإعادة إنتاج مؤسساته في ظل قيود قاسية ومتواصلة.
المحور الثاني: حماس والجدل الدائر حول وضع الحركة الراهن
لم تقتصر آثار الحرب الأخيرة على تغيير الواقع الميداني في قطاع غزة فحسب، بل وضعت حركة حماس ذاتها أمام اختبار وجودي متعدد المستويات طال بنيتها التنظيمية، وخطابها السياسي، وعلاقتها بالمجتمع الذي حكمته لسنوات في ظروف استثنائية. فالحركة التي استمدّت جزءًا مهمًا من شرعيتها من معادلة «المقاومة مقابل الحكم» تجد نفسها اليوم في مواجهة واقع مختلف جذريًا، تضيق فيه هوامش الفعل العسكري، في مقابل اتساع متزايد لمطالب المجتمع بالحماية، وإعادة الإعمار، وتأمين حدٍّ أدنى من الاستقرار المدني.
وفي هذا السياق، برز نقاش داخلي وخارجي متصاعد حول موقع حماس الراهن في غزة: إلى أي مدى ما تزال الحركة متماسكة تنظيميًا بعد الضربات التي طالت قيادتها وبُناها الأمنية؟ وهل لا تزال تمتلك قدرة فاعلة على التأثير والسيطرة على الأرض، أم أن هذه القدرة باتت مجزأة ومشروطة؟ وبالتوازي مع هذه التساؤلات، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بقاعدتها الشعبية والاجتماعية: هل ما تزال حماس تحظى بشرعية تمثيلية داخل مجتمع أنهكته الحرب، أم أن هذه الشرعية أصبحت رهينة شروط جديدة تتجاوز الخطاب الأيديولوجي؟
ولا يمكن مقاربة هذه الأسئلة من زاوية واحدة، إذ تتقاطع الاعتبارات التنظيمية مع المزاج العام، وتتشابك القدرة على الصمود مع القدرة على الحكم. وبناءً عليه، فإن تقييم الوضع الراهن لحركة حماس يقتضي تفكيك مستويين مترابطين: البنية الداخلية للحركة، وعلاقتها بالمجتمع الغزّي في مرحلة باتت فيها متطلبات العيش اليومي تتقدّم على الشعارات السياسية الكبرى.
وفق تقييم أحمد يوسف، ينبغي مقاربة موقع حركة حماس الراهن في قطاع غزة من خلال عدستين متكاملتين: تنظيمية وشعبية. فعلى المستوى التنظيمي، واجهت الحركة ضغوطًا غير مسبوقة بفعل الحرب، أدّت إلى تفكيك جزء كبير من أجهزتها الإدارية والأمنية، وتعطيل شبكات الاتصال التقليدية التي شكّلت لسنوات عماد الحكم والسيطرة في القطاع. وقد أصاب هذا التفكك صميم البنية التنظيمية للحركة، واضطرّها إلى العمل في بيئة تتسم بدرجات عالية من المخاطر وبموارد شديدة المحدودية.
ومع ذلك، يشير يوسف إلى أن حماس أظهرت قدرة نسبية على إعادة تشكيل مؤقتة لبعض كوادرها القيادية، سواء عبر الاعتماد على شخصيات تعمل من خارج غزة، أو من خلال إعادة تفعيل أطر داخلية لا تزال قائمة داخل القطاع. ولا يعني ذلك أن الحركة تجاوزت حالة الهشاشة التي تعيشها، بقدر ما يعكس مستوى من المرونة التنظيمية التي تتيح لها هامشًا من المناورة والاستمرارية، حتى في ظل خسائر جسيمة واستهداف مباشر لمراكز القرار والسيطرة.
أما على مستوى الحاضنة الشعبية، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا وتناقضًا داخليًا. فمن جهة، أنهكت الحرب والحرمان الطويل شرائح واسعة من سكان غزة، ودفع كثيرين إلى تبنّي مقاربة براغماتية تُفضّل القبول بأي ترتيبات تخفف أعباء الحياة اليومية، بغضّ النظر عن الجهة التي تتولى الإدارة. ومن جهة أخرى، تُظهر الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي أن جزءًا معتبرًا من المجتمع الغزّي لا يزال متمسكًا بخطاب المقاومة وبالهوية الوطنية التي تمثلها حماس بالنسبة إليه، لا بوصفها سلطة حاكمة فحسب، بل كتعبير عن التحدي والصمود.
غير أن هذه الشرعية الشعبية، كما يوضح يوسف، لم تعد مطلقة أو غير مشروطة. فبينما يظل المواطنون متشبثين بالثوابت الوطنية الأساسية، فإنهم يطالبون في الوقت ذاته بحلول ملموسة تتعلق بسبل العيش، وإعادة الإعمار، وإدارة شؤون الحياة اليومية بدرجة من الكفاءة والمصداقية. وبناءً على ذلك، بات استمرار الدعم الاجتماعي لحماس مرتبطًا على نحو متزايد بقدرتها على التحول من كونها حركة مقاومة فقط إلى فاعل مدني قادر على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وتلبية الاحتياجات الأساسية، وتقديم نموذج حوكمي يقنع المجتمع بجدوى استمرار دورها بوصفها فاعلًا مركزيًا في مستقبل غزة.
المحور الثالث: مراكز القوة والتيارات الداخلية داخل حركة حماس وآفاق المرحلة المقبلة
أدّت الحرب الأخيرة ليس فقط إلى توليد تحديات خارجية جديدة أمام حركة حماس، بل أعادت أيضاً فتح نقاشات داخلية عميقة تتعلق بطبيعة القيادة، وآليات اتخاذ القرار، والحدود الفاصلة بين البعد العسكري للحركة ووظيفتها السياسية. وقد خرجت بعض جوانب هذه النقاشات إلى العلن — سواء عبر تسريبات إعلامية أو من خلال تداولها على منصات التواصل الاجتماعي — وهو أمر نادر نسبياً في تاريخ حركة عُرفت طويلاً بصلابة بنيتها التنظيمية وانضباطها الداخلي. ولا يشير هذا الانكشاف العلني للخلافات الداخلية بالضرورة إلى انقسام وشيك، بقدر ما يعكس مرحلة من المراجعة الداخلية والضغوط التي فرضتها نتائج الحرب وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات محورية حول مراكز القوة الحقيقية داخل الحركة في المرحلة الراهنة: أي التيارات السياسية والأيديولوجية تمتلك اليوم التأثير الأكبر في رسم مسار حماس؟ وأيّ منها يملك القدرة على توجيه قراراتها في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل تضاؤل هوامش المناورة العسكرية وتزايد الحاجة إلى مقاربات سياسية وإدارية أكثر براغماتية؟ كما يثير الجدل الداخلي سؤالاً حساساً يتعلق بمستقبل القيادة: هل تتجه الحركة نحو تجديد هياكلها عبر انتخابات داخلية، أم أن الظروف الأمنية والسياسية ستفرض استمرار ترتيبات انتقالية مؤقتة؟ وإذا ما أُجريت الانتخابات، فهل ستكون قادرة على إفراز قيادة تستطيع إنقاذ المستقبل السياسي لحماس في ظل عزلة إقليمية ودولية خانقة؟
وفقاً لتحليل أحمد يوسف، يمكن تصنيف التيارات الداخلية الرئيسة داخل حركة حماس، بصورة عامة، إلى ثلاثة اتجاهات كبرى تختلف في أولوياتها وأدواتها، لكنها تلتقي عند هدف مشترك يتمثل في الحفاظ على بقاء الحركة ودورها الوطني. يتمثل التيار الأول في الاتجاه التقليدي أو المحافظ، الذي يمنح المقاومة المسلحة أهمية قصوى ويعتبرها الأساس الجوهري لهوية الحركة وشرعيتها. وينظر هذا التيار إلى أي تنازلات سياسية محتملة بحذر بالغ، خشية أن تؤدي المرونة المفرطة إلى تفريغ المشروع التأسيسي للحركة من مضمونه.
في المقابل، برز تيار الإصلاح السياسي والتطوير الداخلي، ويتكوّن في معظمه من كوادر شابة أكثر التصاقاً بالواقع المجتمعي اليومي في قطاع غزة. ويدعو هذا التيار إلى توسيع الآليات المدنية والسياسية، وربط الرؤى الاستراتيجية بأولويات ملموسة مثل التعافي الاقتصادي، وتوفير الخدمات، وإعادة بناء المؤسسات. ولا تنطلق هذه المقاربة من قطيعة مع خيار المقاومة، بل تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح القدرة على إدارة المجتمع والحفاظ على تماسكه جزءاً لا يتجزأ من معادلة الصمود نفسها.
أما التيار الثالث، فيتمثل في محور المواءمة الإقليمية والوساطة، وهو منخرط بشكل فاعل في قنوات اتصال مع أطراف إقليمية مثل قطر ومصر وتركيا. ويفضّل هذا التيار ترتيبات مرحلية وبراغماتية من شأنها تخفيف الضغط عن غزة ومنح الحركة هامشاً — ولو محدوداً — للمناورة السياسية، مع الحرص على حماية مصالحها التنظيمية وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة وغير محسوبة.
ويرى أحمد يوسف أن ميزان القوى داخل الحركة لا يميل حالياً بشكل حاسم لصالح أي تيار بعينه، إذ تتركز السلطة ضمن إطار قيادي مؤقت يحاول التوفيق بين هذه الاتجاهات المتباينة وتحقيق توازن بين متطلبات الصمود وضرورات التكيّف. ومع ذلك، فإن التيار الأكثر قدرة على تشكيل المرحلة المقبلة سيكون ذاك الذي ينجح في الجمع بين ثلاثة عناصر مترابطة: الحفاظ على الشرعية المستمدة من المقاومة، وإظهار كفاءة إدارية حقيقية في إدارة الشؤون المدنية، وتأمين حدّ أدنى من القبول الإقليمي أو الدولي بما يسمح بتخفيف جزئي للعزلة.
وفي هذا السياق، يبدو أن تيار الإصلاح السياسي الأكثر مرونة يمتلك فرصة حقيقية، شريطة أن ينجح في صياغة خارطة طريق عملية لإعادة الإعمار، تشرك الفاعلين المحليين وتقدّم نموذجاً واقعياً لإدارة المرحلة المقبلة دون التخلي عن المبادئ الأساسية للحركة. أما مسألة الانتخابات الداخلية، فتبقى رهناً بالبيئة الأمنية والسياسية؛ إذ إن تحقيق قدر من الاستقرار — حتى في ظل إدارة دولية مؤقتة — قد يفتح الباب أمام تجديد القيادة عبر آليات تنظيمية داخلية، بينما يرجّح استمرار حالة عدم اليقين بقاء القيادة الانتقالية المعيّنة.
وفي المدى المنظور، تشير التقديرات إلى أن أي قيادة قادمة — سواء أفرزتها انتخابات أو توافقات داخلية — ستتكوّن على الأرجح من شخصيات تجمع بين الخبرة التنظيمية والقدرة على التعامل مع متطلبات المجتمع المدني. ويعني ذلك عملياً بروز جيل ثانٍ أكثر اعتدالاً نسبياً، يسعى إلى ضمان البقاء السياسي للحركة ضمن بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
المحور الرابع: الخلافات الداخلية وآفاق التفكك داخل حركة حماس
تعيد حدة النقاشات الداخلية المتصاعدة داخل حركة حماس إلى الواجهة سؤالاً ظلّ يخيّم طويلاً على المشهد السياسي الفلسطيني، لكنه يكتسب اليوم درجة أعلى من الإلحاح في ظل ظروف استثنائية: هل يمكن للخلافات التنظيمية والسياسية أن تتطور إلى انقسام فعلي داخل الحركة؟ تشير التجارب التاريخية لحركات التحرر والتنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي إلى أن الضغوط الخارجية المستمرة، حين تتقاطع مع أزمات داخلية ممتدة، قد تؤدي أحياناً إلى تصدعات عميقة تتخذ أشكالاً جغرافية أو سياسية أو وظيفية.
وتكتسب هذه الإشكالية حساسية خاصة في حالة حماس، نظراً لتوزّع قيادتها بين الداخل والخارج، وتعدد الساحات التي تنشط فيها الحركة، وتباين البيئات السياسية والأمنية التي تعمل ضمنها. ومع بروز تباينات بين متطلبات الصمود العسكري، ومقتضيات إدارة الشأن المدني، والضغوط الناجمة عن مسارات الوساطة الإقليمية، تبرز مخاوف مشروعة بشأن قدرة الحركة على الحفاظ على وحدة القرار، وتجنّب الانزلاق نحو مسارات انقسامية من شأنها إضعاف موقعها الوطني والسياسي.
ومن هذا المنطلق، يُطرح السؤال حول ما إذا كانت الخلافات الراهنة مرشحة لأن تتبلور في صورة انقسام جغرافي بين قيادتي الداخل والخارج، أو انقسام سياسي يعكس تبايناً في الرؤى والاستراتيجيات، أم أنها ستظل ضمن حدود التنوّع الداخلي المُدار الذي خبرته الحركة في مراحل سابقة. كما يبرز سؤال مكمّل يتعلق بالعوامل التي قد تُسرّع أو تُبطئ هذا المسار، وبما إذا كانت البيئة الإقليمية تشكّل عاملاً كابحاً لهذه السيناريوهات أم، على العكس، محفّزاً لها.
يرى أحمد يوسف أن المشهد السياسي والتنظيمي الراهن ينطوي بالفعل على مخاطر محتملة للتفكك الجغرافي أو الوظيفي، وإن كان هذا السيناريو لا يزال بعيداً عن الحتمية. فاستمرار الضغط العسكري المكثف، والتآكل التدريجي لقدرة القيادة المركزية على بسط سيطرتها الكاملة، إلى جانب الاستقطاب الإقليمي الذي يدفع بعض الفاعلين إلى التنافس على مصادر الدعم الخارجية، كلها عوامل تسهم في تصاعد مستويات التوتر الداخلي. ومن شأن هذه الديناميات مجتمعة أن تفضي إلى اختلالات في توزيع النفوذ بين مراكز اتخاذ القرار المختلفة داخل الحركة.
ومع ذلك، يؤكد يوسف أن هذه العوامل تُواجَه بضرورات تنظيمية راسخة في حركات المقاومة عموماً، وفي حركة حماس على وجه الخصوص، تتمثل في الحفاظ على الوحدة الداخلية في مواجهة التهديدات الوجودية. ففي هذا السياق، لا تُعدّ الوحدة مجرد تفضيل تنظيمي، بل شرطاً أساسياً لبقاء الحركة والحفاظ على شرعيتها أمام قاعدتها الشعبية. وعليه، فإن احتمال تبلور انقسام معلن يتخذ شكل كيانات متوازية ومتنافسة يبقى أقل ترجيحاً من سيناريوهات بديلة أكثر خفاءً، مثل حدوث انقسام وظيفي غير معلن أو تفاوت في مستويات النفوذ بين قيادتي الداخل والخارج.
وبعبارة أخرى، قد تشهد الحركة في المرحلة المقبلة إعادة ترتيب للأدوار وموازين التأثير، إلى جانب تحولات في سلم الأولويات، من دون أن يفضي ذلك بالضرورة إلى قطيعة تنظيمية كاملة. ويبقى هذا المآل رهناً بعوامل حاسمة، في مقدمتها قدرة الحركة على الحفاظ على حدّ أدنى من التماسك الإداري وتجنّب الانهيار المؤسسي، فضلاً عن قدرتها على استيعاب الضغوط الإقليمية من دون السماح لها بالتحول إلى أدوات استقطاب حاد داخل بنيتها التنظيمية. وفي غياب مثل هذه الضغوط الاستثنائية، يظلّ التفكك الشامل خياراً مكلفاً وغير جذاب لحركة تخوض معركة بقاء على جبهات متعددة.
المحور الخامس: حماس وإمكانية عودة فتح إلى إدارة قطاع غزة
تكتسب مسألة احتمال عودة حركة فتح إلى إدارة قطاع غزة أهمية متزايدة في مرحلة ما بعد الحرب، ليس بوصفها خياراً إدارياً لسد فراغ محتمل في الحكم فحسب، بل لأنها تمسّ جوهر المعضلة الفلسطينية الممتدة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، والمتمثلة في الانقسام السياسي وتداعياته على الشرعية والتمثيل الوطني. ففي هذا السياق، لا يُعدّ قطاع غزة ساحة خدمية يمكن نقل إدارتها بقرار تقني، بل يمثل ركناً مركزياً في توازنات القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني، بحيث إن أي تغيير في وضعه الإداري ينعكس مباشرة على تموضع الفاعلين الرئيسيين، وفي مقدمتهم حركتا حماس وفتح.
وفي ظل الدمار الواسع والحاجة الملحّة إلى إعادة الإعمار، تتصاعد الضغوط الدولية والإقليمية للدفع نحو صيغة حكم تُعدّ «مقبولة» سياسياً وأمنياً، وغالباً ما تُطرح عودة السلطة الفلسطينية بقيادة فتح باعتبارها الخيار الأكثر انسجاماً مع التفضيلات الدولية. غير أن هذا الطرح يبدو وكأنه يتعامل مع غزة كملف إداري منفصل عن ديناميات الصراع الداخلية، متجاهلاً حقيقة أن حماس لا تزال فاعلاً سياسياً واجتماعياً يمتلك عمقاً تنظيمياً وحضوراً شعبياً لا يمكن تجاوزه دون كلفة سياسية وأمنية كبيرة.
ومن زاوية أخرى، تواجه حماس معضلة مزدوجة؛ فهي تدرك حدود قدرتها على الاستمرار في إدارة القطاع بصورة منفردة في ظل الحصار والدمار، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي نقل السيطرة الإدارية إلى فتح، في غياب إطار وطني شامل، إلى تهميشها سياسياً وإعادة إنتاج الانقسام بصيغة معكوسة. كما أن إرث محاولات المصالحة السابقة وإخفاقاتها لا يزال حاضراً بقوة في الذاكرة التنظيمية للحركة، ما يعزز مستوى عالياً من الحذر تجاه أي ترتيبات لا تتوافر لها ضمانات واضحة وملزمة.
وفي هذا الإطار، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت حماس تنظر إلى عودة فتح بوصفها مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم مجرد حلّ انتقالي مفروض من الخارج. وهل يمكن فصل البعد الإداري في غزة عن أبعاده السياسية والأمنية، أم أن أي صيغة حكم جديدة ستظل رهينة تفاهمات أوسع تتصل بالمقاومة والشرعية ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني؟
في إطار هذا المنظور التحليلي، يقدّم أحمد يوسف قراءة تفصيلية للشروط والمحددات التي تصوغ موقف حركة حماس من مسألة عودة حركة فتح إلى إدارة قطاع غزة. فمن حيث المبدأ، يرى أن قبول الحركة بإدارة تقودها فتح لا يمكن أن يتم بمعزل عن توافر ثلاثة شروط متزامنة تشكّل بمجموعها إطاراً وطنياً شاملاً، لا مجرد ترتيب إداري مؤقت. ويتمثل الشرط الأول في التوصل إلى اتفاق سياسي وطني واضح يضمن المصالحة ويؤسّس لها مؤسسياً، بما يمنع استخدامها كأداة ظرفية قابلة للتعطيل أو التوظيف مع تغيّر موازين القوى.
أما الشرط الثاني، فيتعلق بتوفير ضمانات صريحة بشأن إطار المقاومة أو الترتيبات الأمنية، بما يحفظ مكانة حماس ودورها، ويحول دون تحوّل عودة فتح إلى مدخل لنزع الشرعية السياسية عن الحركة أو إقصائها تدريجياً من الساحة السياسية. ويأتي الشرط الثالث ليشمل مقايضات سياسية واقتصادية تعيد إلى حماس قدراً من تأثيرها التمثيلي والسياسي، وتطمئن قاعدتها التنظيمية إلى أن أي تنازل إداري لن يترجم إلى خسارة استراتيجية دائمة.
وعلى المستوى العملي، ورغم الإشارات الصادرة عن حماس بأنها لا تسعى إلى ممارسة الحكم المباشر خلال مرحلة انتقالية محتملة، يؤكد أحمد يوسف أن قبولها بنقل كامل للسلطة إلى فتح يظل مستبعداً في غياب ضمانات ملموسة. إذ يُنظر إلى مثل هذا السيناريو على أنه ينطوي على تآكل كبير في المكانة الوطنية للحركة، ويهدد قدرتها على أداء دور مستقبلي داخل النظام السياسي الفلسطيني. وبدلاً من ذلك، تبدو صيغ أكثر محدودية من التعاون الإداري — كحكومة وحدة وطنية أو مجلس تكنوقراطي — أكثر قابلية للتحقق، لأنها تتيح إدارة شؤون القطاع من دون فرض هيمنة سياسية أحادية، ومن دون إعادة إنتاج منطق «الغالب والمغلوب» الذي عمّق الانقسام في مراحل سابقة.
المحور السادس: استخلاص الدروس من السابع من أكتوبر وآفاق التكيّف والإصلاح داخل حركة حماس
تضع الأحداث التي تلت السابع من أكتوبر حركة حماس أمام سؤال يتجاوز توصيف ما جرى أو تبريره، ليمتد إلى تساؤل أكثر حساسية يتعلق بقدرتها على «التعلّم السياسي» بوصفها حركة تجمع بين وظيفة المقاومة وأعباء الانخراط السياسي والاجتماعي. فالحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد أيضاً تشكيل أنماط التفكير داخل التنظيمات: ما الذي نجح، وما الذي أخفق، وما الذي فرض أثماناً مجتمعية لا يمكن تكرارها، وأين تقف حدود الممكن في ظل اختلال موازين القوى، وتعمّق العزلة، وتعقّد البيئة الإقليمية على نحو متزايد.
ومن هذا المنظور التحليلي، تتمحور مسألة قدرة حماس على التعلّم والتجدد حول ما إذا كانت الحركة قادرة على الانتقال من التكيّف التفاعلي إلى إصلاح منظّم ومؤسسي. فالإشكالية الجوهرية لا تكمن في الاستعداد لمراجعة الخيارات السابقة فحسب، بل في ما إذا كانت القيود التنظيمية والأمنية والإقليمية القائمة تسمح بنقاش داخلي جاد من دون أن يفضي إلى تفكك أو صدامات داخلية.
ويمكن فهم هذا التحدي عبر أربعة مستويات مترابطة. أولها مستوى المراجعة الاستراتيجية، حيث يتعين على الحركة إعادة تقييم العلاقة بين الأهداف والوسائل في ظل اختلال حاد في موازين القوة، وإعادة تعريف العقلانية الاستراتيجية بما يحقق توازناً بين المقاومة وبقاء المجتمع واستمراريته على المدى الطويل. أما المستوى الثاني، فهو مستوى الحوكمة الداخلية، ويتصل بآليات اتخاذ القرار، والشفافية، والانضباط المؤسسي. وهنا يتوقف التجديد أقل على الجرأة الخطابية، وأكثر على معالجة الاختلالات البنيوية في قواعد اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وآليات التقييم والمساءلة.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بالموارد والأولويات، ولا سيما التوازن بين القدرات العسكرية من جهة، والاحتياجات المدنية والإدارية والمجتمعية من جهة أخرى. ففي سياق ما بعد الحرب، يصبح نمط إعادة توزيع الموارد مؤشراً حاسماً على التوجه المستقبلي للحركة وشرعيتها. وأخيراً، يبرز مستوى العلاقة مع المجتمع، حيث ينتقل معيار الشرعية من الخطاب والشعارات إلى الأداء والإنجاز، في ظل اتجاه القواعد الشعبية إلى محاسبة الفاعلين السياسيين على قدرتهم على الحد من الأضرار، وإدارة الأزمات، وتقديم نتائج ملموسة.
وبمجموع هذه المستويات، تتبلور المعضلة المركزية التي تواجه حماس: هل تستطيع الانتقال من منطق البقاء التكتيكي قصير الأمد إلى إصلاح مؤسسي أعمق يعيد تشكيل منطق عملها ويقلّص احتمالات تكرار إخفاقات الماضي الاستراتيجية والإدارية؟
وفقاً لرؤية أحمد يوسف، تمتلك الحركة بالفعل عناصر يمكن أن تيسّر عمليات التعلّم وإعادة التقييم، من بينها وجود شخصيات قيادية قادرة على إجراء مراجعات استراتيجية، وضغوط داخلية وإقليمية تدفع نحو إعادة ضبط السياسات والترتيبات الأمنية، إضافة إلى قاعدة شعبية باتت أكثر تركيزاً على النتائج الملموسة وأقل اكتفاءً بالمواقف العامة أو الخطاب التعبوي.
غير أن التحدي الجوهري، في تقديره، لا يكمن في «استخلاص الدروس» بوصفه تمريناً خطابياً، بل في القدرة على ترجمة تلك الدروس إلى إصلاح مؤسسي فعلي. ويتطلب ذلك فتح نقاشات جوهرية حول آليات اتخاذ القرار، وتوزيع الموارد، والعلاقة بين المقاومة المسلحة والعمل السياسي. فإذا ما تشكّلت «كتلة حرجة» داخل القيادة تتبنى الإصلاح بجدية — عبر تدريب الكوادر المدنية، وإعادة النظر في آليات التشاور وإجراءات اختيار القيادة، وضبط الخطاب السياسي بما ينسجم مع تعقيدات المرحلة الراهنة — فإن تجديداً حقيقياً يصبح ممكناً. أما إذا ظلت المراجعات محصورة في الشعارات أو الإيماءات الرمزية، فمن المرجح أن تبقى الدروس المستخلصة معلّقة، من دون أثر بنيوي ملموس.
وفي ختام هذا التقييم، يشير أحمد يوسف إلى تحوّل لافت في المزاج العام؛ إذ لم تعد الثقة تُبنى أساساً على الانتماء الأيديولوجي، بل أصبحت ترتبط بشكل متزايد بالأداء المدني وبقدرة أي فاعل سياسي على إدارة حياة الناس وتقديم خدمات عملية في لحظة تاريخية بالغة القسوة.
المحور السابع: مأزق الجمود السياسي وخيارات الفلسطينيين في ظل أفق مسدود
تواجه القضية الفلسطينية اليوم إحدى أشد لحظات الانسداد التي عرفتها منذ عقود، إذ يتقاطع فشل مسار التسوية السياسية مع تصلّب متزايد في الموقف الإسرائيلي، يقابله غياب شبه كامل لأي إرادة حقيقية للقبول بتسوية سياسية عادلة أو بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. وفي الوقت ذاته، أظهرت الخبرة المتراكمة أن المقاومة المسلحة، في ظل اختلال فادح في موازين القوى، باتت تفرض كلفة إنسانية ومجتمعية باهظة، من دون أن تفتح أفقًا سياسيًا واضحًا يتناسب مع حجم هذه التضحيات. وتضع هذه المعادلة المركّبة الفلسطينيين أمام واقع قاسٍ: لا مسار تفاوضي فاعل، ولا قدرة على فرض تغيير استراتيجي بالقوة، ولا بيئة إقليمية أو دولية مستعدة لفرض حل.
وفي سياق هذا الانغلاق الاستراتيجي والإرهاق السياسي، لم تعد المعضلة المركزية التي تواجه القضية الفلسطينية محصورة في الخيارات التكتيكية، بل باتت تتعلق بإعادة تعريف الفعل السياسي نفسه في ظل أفق مسدود. فاهتزاز المسارات السياسية التقليدية لا يعني بالضرورة نهاية القدرة على الفعل الفلسطيني، بل يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول كيفية تصور الخيارات المتاحة: هل تُطرح كمناورات سياسية قصيرة المدى، أم كاستراتيجيات طويلة الأمد تهدف إلى إدارة الصراع ومنع تصفيته إلى حين تغيّر الشروط الإقليمية والدولية الأوسع؟
يمكن تحليل هذا الانسداد عبر أربعة مستويات مترابطة.
أولًا، على مستوى النظامين الدولي والإقليمي، يظل الفعل الفلسطيني مقيّدًا بنظام دولي يركّز على إدارة الأزمات بدلًا من حلّها، ومنحاز بنيويًا لإسرائيل، ويتسم بتراجع أولوية القضية الفلسطينية على الأجندة الإقليمية. ومع ذلك، وحتى في ظل هذه القيود، قد تتوافر فرص محدودة لاستثمار التحولات في الديناميات الدولية من أجل تعديل الوقائع السياسية أو تحسين شروط الفعل الفلسطيني.
ثانيًا، على مستوى أدوات النضال، نجحت المقاومة المسلحة في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، لكنها كشفت في الوقت نفسه حدودها الاستراتيجية حين تنفصل عن إطار سياسي شامل. وفي المقابل، لا تزال أشكال النضال الشعبي والمؤسسي والسلمي، رغم قدرتها على تحقيق تراكم تأثيري وتعزيز الشرعية الدولية، دون توظيف فعلي يتناسب مع إمكاناتها.
ثالثًا، يبرز على مستوى البنية السياسية الفلسطينية التفكك الداخلي، وتآكل المؤسسات، وغياب برنامج وطني موحّد بوصفها معوّقات رئيسية تحول دون كسر حالة الجمود. فبدون إعادة بناء إطار تمثيلي جامع قادر على تنظيم الفعل الجماعي، تبقى الخيارات المتاحة أقرب إلى تصورات نظرية منها إلى مسارات عملية قابلة للتنفيذ.
وأخيرًا، على مستوى المجتمع والحكم، تكتسب الإدارة الاجتماعية الفاعلة وتقديم الخدمات بُعدًا سياسيًا في ظل غياب التسوية، حيث يتحول الحكم إلى شكل من أشكال المقاومة الناعمة، بما يعكس قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم الذاتية ويُنتج وقائع معيشة يصعب تجاوزها أو تحييدها.
وبمجملها، تؤكد هذه المستويات أن تجاوز حالة الانسداد الراهنة لا يتحقق عبر البحث عن خيار حاسم واحد، بل من خلال إعادة بناء استراتيجية متعددة الطبقات تعيد تعريف الفعل، وتدمج الأدوات المتنوعة، وتحافظ على استمرارية القضية الفلسطينية في ظل أمد طويل من عدم اليقين.
ضمن هذا الإطار، يرى أحمد يوسف أن الخيارات المتاحة لتجاوز حالة الانسداد السياسي الراهنة تظل محدودة، لكنها لم تُستنفد بعد. فعلى الرغم من اختلال موازين القوى وغياب أفق واضح للتسوية، لا يزال بالإمكان العمل ضمن مساحات سياسية واجتماعية قابلة للتفعيل، شريطة توافر حدٍّ أدنى من الإرادة الوطنية الجامعة.
ويضع يوسف في مقدمة هذه الخيارات توحيد الفعل الوطني على أساس برنامج سياسي واضح، وذلك من خلال إعادة إحياء المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، وصياغة برامج اقتصادية واجتماعية مشتركة، إلى جانب تطوير خارطة طريق توافقية تُدمج فيها المقاومة ضمن إطار سياسي أشمل، بدل أن تُطرح بوصفها بديلًا عن المشاركة المدنية أو العمل المؤسسي.
كما يؤكد أهمية استثمار أي مرحلة انتقالية دولية أو إقليمية للتأثير في المسار السياسي، عبر ربط الأولويات الإنسانية – كإعادة الإعمار وعودة اللاجئين – بالترتيبات السياسية طويلة الأمد، وتجنّب التعامل مع هذه الملفات بوصفها قضايا تقنية معزولة عن جوهر الصراع. فالمسارات الإنسانية، في نظره، يمكن تحويلها إلى مداخل سياسية فاعلة إذا ما أُحسن توظيفها.
ويبرز يوسف كذلك دور استراتيجيات الضغط المؤسسي والشعبي والسلمي، من خلال تفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية والإعلامية، والاستفادة من شبكات حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ومنظمات المجتمع المدني الأوسع. وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على المقاومة باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية تُدار بعقلانية، لا أن تُستخدم كخيار وحيد أو كرد فعل تلقائي.
أما الخيار الرابع فيتعلق بتبنّي مقاربات بديلة للحكم المحلي، تقوم على بناء قدرات إدارية فلسطينية قادرة على تقديم الخدمات والإشراف على جهود إعادة الإعمار، بما يُنتج نموذجًا عمليًا لحوكمة فاعلة يصعب على الفاعلين الدوليين تجاهله أو الالتفاف عليه.
ويخلص يوسف إلى أن نجاح أي من هذه الخيارات مرهون بتلاقي الجهود الفصائلية، والمشاركة الفاعلة للمجتمع المدني، وتوافر ضمانات خارجية خلال مرحلة انتقالية حساسة. فالعقبة الأساسية اليوم لا تكمن في البعد العسكري وحده، بل في هشاشة البُنى السياسية والإدارية والاجتماعية الفلسطينية، وهي عوامل لا تقل أثرًا عن موازين القوى في رسم مستقبل الصراع.
خلاصة القول
عند قراءة المحاور السابقة كوحدة تحليلية متكاملة، يتبيّن أن حركة حماس لم تعد تواجه تحدّيًا ظرفيًا ناجمًا عن حرب بعينها أو ضغطًا سياسيًا عابرًا، بل تقف أمام منعطف بنيوي يعيد طرح السؤال التأسيسي المتعلق بدورها داخل النظام السياسي الفلسطيني. فقد انتقل جوهر الإشكالية من مجرد القدرة على الصمود إلى القدرة على إعادة تعريف الذات كفاعل سياسي ومجتمعي قادر على التكيّف مع التحولات الداخلية والإقليمية والدولية، من دون التفريط بجوهر هويته.
ويمكن اختزال هذا التحدّي تحليليًا في ثلاث دوائر مترابطة. تتعلق الدائرة الأولى بإدارة العلاقة بين المقاومة والواقع المجتمعي، إذ أظهرت الخبرة المتراكمة أن الفعل العسكري وحده — في ظل اختلال حاد في موازين القوى — لا يمكن أن يشكّل استراتيجية شاملة لإدارة الصراع أو مصدرًا مستدامًا للشرعية. أما الدائرة الثانية، فترتبط بالبنية التنظيمية والسياسية الداخلية لحماس، وبقدرتها على الانتقال من منطق إدارة الأزمات بردود الفعل إلى مسار إصلاح مؤسسي وبناء آليات حكم قابلة للاستمرار. في حين تتموضع الدائرة الثالثة في السياق الفلسطيني الأوسع، الذي يتسم بالتشظي، والحاجة إلى إعادة بناء إطار وطني جامع، والقيود التي تحكم التفاعل الإقليمي والدولي.
وعند النظر إلى هذه الدوائر مجتمعة، يتضح أن مستقبل حماس لن يتحدد فقط بنتائج المواجهة الميدانية أو بمواقف التفاوض، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للواقع المعيشي للمجتمع، من خلال إدارة الحياة اليومية في ظل الاحتلال والحصار، والتموضع ضمن مشروع وطني يتطلب إعادة تأسيس أكثر مما يتطلب تجديدًا خطابيًا. وفي هذا السياق، باتت الشرعية السياسية تُقاس على نحو متزايد بالقدرة على تخفيف الكلفة الاجتماعية للصراع وإدارة الأزمات بفاعلية، لا بمجرد القدرة على الصمود أو إنتاج خطاب أيديولوجي.
في هذا السياق التحليلي، تبرز خلاصة أحمد يوسف بوصفها صياغة مكثفة للمفترق الحاسم الذي تقف عنده الحركة. فوفق هذا التصور، تواجه حماس خيارين استراتيجيين لا ثالث لهما: إما أن تعيد تكييف أدواتها السياسية والتنظيمية بما يمكّنها من العمل كفاعل مدني يتمتع بشرعية شعبية وسياسية مستدامة، تسمح لها بالمشاركة طويلة الأمد في الحياة العامة الفلسطينية؛ أو أن تبقى أسيرة أنماط عمل تؤدي إلى مزيد من العزلة الإقليمية والدولية، بما يفضي إلى تفويت فرص إعادة الإعمار والانخراط في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وتشير هذه القراءة إلى أن المسار الأكثر واقعية لا يكمن في التخلي عن هوية المقاومة، بل في إعادة صياغتها ضمن معادلة أوسع تجمع بين الحفاظ على هذه الهوية وبين أداء مدني وسياسي موثوق يضع رفاه المواطنين وإعادة الإعمار في صدارة الأولويات. غير أن تحقيق هذا التوازن الدقيق يتطلب قيادة قادرة على بناء توافق داخلي، وإطلاق إصلاح مؤسسي حقيقي، وممارسة مرونة استراتيجية تتيح التكيّف مع واقع متغيّر من دون الوقوع في فخ التنازلات المجانية أو الجمود الأيديولوجي.
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل حماس — وكذلك المشهد السياسي الفلسطيني عمومًا — لن يتحدد فقط بإملاءات موازين القوى، بل بمدى قدرة الفاعلين الفلسطينيين على تحويل هذه المرحلة القاسية إلى لحظة مراجعة وإعادة بناء، تُعاد فيها السياسة إلى موقعها كأداة لإدارة الصراع وحماية المجتمع، لا مجرد وسيلة لإطالة أمده بأدوات مختلفة.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية