الحالة الفلسطينية الداخلية في ظل حرب الإبادة: الفواعل والفعل في الضفة الغربية
بحلول نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أطلقت إسرائيل ما أسمته عملية “حجارة خمسة”1 في الضفة الغربية، مدّعية أن هدفها يتمثل في “ردع” مقاومين محتملين في شمال الضفة، مع تركيز خاص على محافظات طوباس وجنين ونابلس. غير أن هذه التطورات لا يمكن فهمها إلا بوصفها امتدادًا لحملة عسكرية متواصلة. فمنذ 21 كانون الثاني/يناير 2025، تتعرض مناطق شمال الضفة الغربية لعمليات إسرائيلية مستمرة، تمركزت خلالها قوات الاحتلال وآلياته العسكرية في مدينتي جنين وطولكرم، ما أدى إلى تهجير ما يقارب 40 ألف فلسطيني من مخيمي المدينتين. ومع مرور أقل من عام على انطلاق هذه الحملة المفتوحة، يمكن الحديث عن تشكّل واقع ميداني فلسطيني مختلف كليًا، يتسم أساسًا بغياب الفواعل الميدانيين على الأرض، وهيمنة أنماط استجابة فردية إلى حد كبير، واستجابات ضعيفة للمؤسسات السياسية.
غياب الفواعل الميدانيين على الأرض
فتحت هبة الكرامة2 (2021) أفقًا مختلفًا لمسار التعبئة الشعبية الفلسطينية. ففي تلك المرحلة، برز نمط شبه منظم من الفعل الجماعي، تمثل في مظاهرات واسعة ومنسقة، ونشاط مجموعات شبابية وناشطين في الميدان والفضاء الرقمي، إضافة إلى إضراب عام غير مسبوق شمل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. وبعد أشهر قليلة، برز شكل جديد من المقاومة المسلحة في شمال الضفة الغربية، انطلق من مركزين رئيسيين: نابلس ممثلة بـ”عرين الأسود”، وجنين ممثلة بـ”كتيبة جنين”، قبل أن يتمدد إلى ساحات أوسع ضمن بنية لا مركزية.
أثارت هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفواعل السياسيين في السياق الفلسطيني: هل كان الفلسطينيون بصدد إنتاج أطر تنظيمية جديدة تتجاوز حالة الجمود والتشظي التي تعانيها الفصائل التقليدية؟ وهل امتلكت مخرجات مرحلة ما بعد هبة الكرامة القدرة على التحول إلى مسار جامع وشامل، قادر على تأطير التعبيرات الهوياتية التي أفرزتها تلك المرحلة؟
في المقابل، أخفقت الفصائل التقليدية في تجاوز خطابها وأدواتها المألوفة، التي باتت بعيدة بشكل متزايد عن المجال العام. وعلى النقيض من ذلك، تمكنت مجموعات مثل “عرين الأسود” من الدعوة إلى إضراب عام واسع في الضفة الغربية عبر بيان واحد نُشر على تطبيق “تيلغرام”. وسرعان ما أصبحت عبارة “بقرار من العرين” شائعة بين أبناء الجيل Z، المعروفين بتمكنهم العالي من الفضاء الرقمي وقدرتهم على التعبير داخله.
في الوقت ذاته، صعّد الاحتلال الإسرائيلي من استراتيجيته القائمة على “تجفيف الشارع” لمنع تكرار هبة الكرامة. وشمل ذلك الاستهداف المباشر للفواعل الناشئين، عبر تكثيف الرقابة المادية والرقمية، وشن حملة متواصلة لتفكيك شبكات المقاومة الآخذة في التشكل في شمال الضفة الغربية.
ومع أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بلغت الضغوط الإسرائيلية مستوى غير مسبوق؛ إذ جرى اعتقال جميع النشطاء الذين اعتُبروا “قادرين على تحريك الشارع”، وتصاعدت العمليات العسكرية التدميرية في جنين وطولكرم. ونتيجة لذلك، تراجعت مستويات التعبئة الشعبية والاحتجاج الميداني—التي كانت مرتفعة في الأسابيع الأولى من حرب الإبادة—تدريجيًا حتى وصلت إلى الصفر.3
من منظور فصائلي، عمّقت الحرب الانقسامات الفلسطينية القائمة، والتي اتخذت طابعًا استقطابيًا حادًا حول أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها. غير أن استطلاعات الرأي تشير ميدانيًا إلى نمط واضح من العزوف الشعبي عن الفصائل، وتراجع الثقة العامة بها؛ إذ لم يعد أكثر من نصف الفلسطينيين—وتصل النسبة إلى الثلثين في بعض الاستطلاعات—يؤمنون بالنظام الفصائلي، رغم استمرار حضور محدود لحركتي فتح وحماس، وإن كان هذا الحضور في تراجع ملحوظ.4
ويتجلى غياب الفصائل الفلسطينية عن الميدان بصورة خاصة في الاختفاء شبه الكامل للمقاومة الشعبية، وهو المجال الذي لعبت فيه فصائل منظمة التحرير الفلسطينية دورًا بارزًا منذ تشييد جدار الفصل العنصري عام 2002. ويأتي هذا الانسحاب في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين والهجمات الممنهجة.
الاستجابات الفردية
منذ بدء حرب الإبادة، برز نمط متصاعد من الفعل الفردي، تراوح بين عمليات فردية منفردة، وشبكات رقمية دولية متناثرة للدفاع والمناصرة. وقد امتدت هذه الفردانية لتشمل مختلف الفاعلين والمؤسسات والأفراد العاملين في الحقل الوطني.
تعكس هذه الفردانية، من جهة، فقدانًا عميقًا للثقة بالفصائل الفلسطينية، ومن جهة أخرى، غياب رؤية جماعية مشتركة. كما تشكل مؤشرًا مقلقًا على ترسخ الانقسام داخل الوعي السياسي الفلسطيني. فعلى مدى العقدين الماضيين، ظهرت عشرات المنصات الناقدة للانقسام الداخلي—وحتى للنظام السياسي الرسمي—إلا أن هذه المنصات أخفقت في بلورة نموذج بديل واضح، أو في بناء مشروع توحيدي خاص بها، بسبب انقساماتها الداخلية وتباين رؤاها.5
خلال العامين الماضيين، أدى الطابع الفردي للاستجابات إلى تفتيت الجهود الفلسطينية في مختلف الساحات: الإغاثة الإنسانية، تعزيز الصمود، القانون الدولي، الدبلوماسية الدولية، وغيرها. وقد حدّ هذا التشتت بشكل كبير من أثر الانخراط الفلسطيني في هذه المجالات. وفي الضفة الغربية تحديدًا، تشمل هذه الساحات المواجهة المباشرة مع التوسع الاستيطاني وعنفه، وتمكين المجتمعات المحلية، وتقديم الإغاثة للمناطق المتضررة، وغيرها من الاحتياجات الملحّة.
وتتجلى هذه الفردانية في أشكال متعددة: تدخلات محلية تقودها البلديات أو مبادرات مجتمعية؛ تحركات فصائلية متفرقة؛ استجابات تقودها مؤسسات “خاصة مؤسسات المجتمع المدني”، لا سيما منظمات المجتمع المدني؛ وحتى إجراءات رسمية لا تبني على التدخلات القائمة ولا تخضعها لتقييم نقدي.
ضعف استجابات المؤسسات السياسية
خلال السنوات الأخيرة، نجحت إسرائيل في تقويض قدرة المؤسسة الفلسطينية الرسمية على العمل الفاعل ميدانيًا أو الاستجابة للتحديات المستجدة. وقد تحقق ذلك عبر قرصنة أموال الضرائب الفلسطينية، ما أغرق السلطة الفلسطينية في ديون تُقدّر بنحو 14.6 مليار دولار،6 إلى جانب تقييد حركة وعمل المؤسسات الفلسطينية، واستهداف البنية التحتية في المراكز الحضرية الكبرى، وفرض عقوبات متصاعدة ردًا على أي موقف سياسي تتخذه القيادة الفلسطينية.
في المقابل، عانت منظمة التحرير الفلسطينية من عملية تراكمية أدت إلى تهميشها وذوبانها داخل بنية السلطة الفلسطينية. ونتيجة لذلك، لم تعد المنظمة تؤدي دورًا فاعلًا في المشهد السياسي الفلسطيني، رغم مكانتها الرسمية—ضمن هيكل النظام السياسي—بوصفها الإطار الجامع والمرجعية الحصرية لمكوناته.
وعلى الرغم من أن السلطة الفلسطينية أُنشئت أصلًا بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير—أحد هيئاتها التشريعية—فإنها سرعان ما احتكرت الموارد الأساسية: السيطرة المالية عبر وزارة المالية، والتمثيل السياسي الخارجي عبر وزارة الخارجية، وإدارة الشأن العام عبر مجلس الوزراء. في المقابل، تحولت منظمة التحرير إلى بند مالي ضمن الموازنة العامة للسلطة، لا سيما مع تقلص موارد الصندوق القومي الفلسطيني. كما أسهم التحول السياسي نحو نموذج “الدولة تحت الاحتلال”، وتحول مؤسسات السلطة إلى ممثل لفلسطين في الاتفاقيات والعضويات الدولية، في تقليص وزن المنظمة ودورها.
وقد فاقمت هذه الأزمة المؤسسية شروط المجتمع الدولي وأجندات الإصلاح المفروضة خارجيًا. فالمقترحات المتعلقة بالمناهج التعليمية أو بسياسات الأسرى، على سبيل المثال، أثارت نقاشًا واسعًا ورفضًا شعبيًا، لا سيما في ظل غياب أي حوار وطني شامل حول هذه القضايا الخلافية.
مقاربات جديدة
تؤكد التحولات المتسارعة والتحديات الناشئة على الأرض الحاجة إلى مقاربات جديدة تتجاوز البنى القائمة وأنماط الفعل التقليدية. فقد أعادت الوقائع التي أفرزتها حرب الإبادة وضع قضايا التهجير، والصمود، والمشروع الوطني الفلسطيني برمته في صدارة النقاش العام، ما يستدعي بنية سياسية قادرة على مواجهة هذه التحديات. ويتطلب ذلك تحديد أولويات تركز على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتقوية مناعة المجتمع، وتمكين المؤسسات السياسية الوطنية.
تتمثل الخطوة الأولى في هذا التحول بالانتقال من نمط التنظيم الفصائلي إلى مشهد حزبي يستجيب لمشاعر القاعدة الشعبية ويتفاعل معها. وقد يشكل النقاش الرسمي الدائر حول قانون جديد للأحزاب السياسية مدخلًا لهذا التحول، شريطة أن يترافق مع حوار وطني عميق حول القانون وتداعياته، بما يضمن عدم إقصاء أي فاعل سياسي ضمن مشروع وطني جامع.
وعلى مستوى منظمة التحرير الفلسطينية، تبرز الحاجة إلى الانفتاح على جميع المبادرات والفاعلين في مجالي المناصرة الدولية والعمل الميداني. ويُعد هذا الانفتاح شرطًا أساسيًا لصياغة استراتيجيات وطنية شاملة، قائمة على الخبرة والتخصص الوظيفي.
أما على صعيد السلطة الفلسطينية، فثمة حاجة ملحّة للتحول من نموذج “بناء الدولة” إلى عقيدة الصمود، التي تركز على دعم المجتمعات الواقعة في مناطق الاستهداف الاستيطاني والأمني، وهو ما يستلزم إعادة توجيه الأولويات المالية، وإعادة هيكلة المؤسسات ووظائفها وأجنداتها.
وأخيرًا، لا يمكن لأي مسار سياسي فردي أن يحقق تقدمًا حقيقيًا في غياب بيئة وطنية جامعة تتجاوز الانقسام والاستقطاب. بل إن التحديات الراهنة قد تمثل فرصة لإحياء إطار وطني فلسطيني واسع، وبناء جبهة شعبية عالمية قادرة على توظيف التضامن الدولي وتحويله إلى دعم فعّال ومستدام.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية