بعد الحرب: أربع دول عربية يمكنها استئناف إدارة أربعة ملفات

ينطلق هذا المقال من سؤال رئيسي يتمثل في: كيف يمكن توظيف الأدوار العربية المختلفة، وخصوصاً أدوار الأردن ومصر وقطر والسعودية، في إدارة أربعة ملفات مركزية خلال حرب غزة وبعدها، بما يعيد تشكيل الموقف الدولي، ويطلق مساراً سياسياً جديداً، ويسهم في الإصلاح الداخلي الفلسطيني، ويوفر إطاراً عربياً موحداً للتعامل مع المرحلة التالية للصراع؟ ويهدف المقال إلى تحليل هذه الأدوار العربية المنهجية والعلنية التي برزت بين عامي 2023 و2025، وتحديد كيفية مساهمتها في ملفات الوساطة لوقف إطلاق النار، وإحياء مسار حل الدولتين عبر تحالفات دولية وأممية، ودعم مساعي الإصلاح الداخلي الفلسطيني وتوحيد الصف، إضافة إلى صياغة رواية سياسية مضادة للسردية الإسرائيلية–الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بالتهجير والإبادة. كما يسعى المقال إلى بلورة رؤية عملية لتحويل هذه الأدوار من استجابات ظرفية إلى أجندة عربية موحدة ومستدامة. علما أن المقال ركز على الدور العربي في المسألة الفلسطينية، لكن الهجمات الإسرائيلية، في دول عربية وإقليمية مختلفة اثناء العامين الفائتين له معاني وتداعيات تحتاج لمعالجة منفصلة.

يمكن الإشارة إلى أربع دول عربية لعبت دوراً بارزاً وواضحاً في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (ما بين شهري أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر 2025)، دون أن يعني هذا أن الدول الأخرى لم تلعب دوراً. والمقصود في تحديد هذه الدول الأربع، أنها قامت أولاً بدور منهجي وعلني ومباشر ذو بعد سياسي، فيما قامت دول أخرى بأدوار سياسية غير مباشرة أو ركزت جهودها على الإغاثة والمساعدات الإنسانية.

الدول الأربع المشار إليها هي الأردن، ومصر، وقطر، والسعودية. هذه الدول إما قادت جهداً دبلوماسياً لتحديد مسارات المواقف الدولية من الحرب، أو قامت بأدوار وساطة لوقف الحرب، أو سعت إلى بلورة تحالف دولي لحسم الصراع العربي الإسرائيلي، أو سعت للوساطة بين الفلسطينيين أنفسهم.

بطبيعة الحال، يجدر التمييز بين الدول الأربع من حيث متغير أساسي، هو الجغرافيا وما يتعلق بها من تبعات أنتجت تاريخاً وواقعاً ديموغرافياً وميدانياً خاصاً. فمصر والأردن هما دولتا “طوق” أي على حدود مباشرة مع فلسطين، وبالتالي مع الاحتلال، بعكس قطر والسعودية، ولهذا حسابات وتبعات مختلفة، تنعكس في طبيعة الأجندات والمصالح.

هذه الدول عموماً لعبت دوراً في كبح جماح الموقف الإسرائيلي الأمريكي لتبرير حرب إبادة إسرائيلية، ولتحميل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وبالتالي الفلسطينيين مسؤولية الحرب، مع تبرئة الجانب الإسرائيلي والاحتلال والحصار على قطاع غزة. ولعل من المناسب التوقف عند الزيارة الأولى لوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، بعد بدء الحرب، والتي قال فيها للإسرائيليين جملته الشهيرة: “أتيت إليكم ليس فقط كوزير خارجية… بل كيهودي أيضاً” (يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023). بعد هذه البداية التي أكدت وضع الولايات المتحدة الأمريكية كطرف في الحرب، زار بلينكن كلاً من الأردن، وقطر، ومصر، والبحرين، والسعودية، والإمارات.

في هذه الجولة، واجه بلينكن عكس ما كان يتوقعه من إسناد عربي للهجوم الإسرائيلي باعتباره حرباً على “حماس” والإرهاب، بحسب منطقه. فالأردن واجهه، بحسب كلمات وزير الخارجية أيمن الصفدي، بأن ما يحدث هو “عقوبة جماعية وقتل للمدنيين”، والسعودية أعلنت موقفاً واضحاً بأنها ستوقف مسيرة التطبيع مع إسرائيل التي كانت موضوع تفاوض حينها مع الأمريكيين. بشكل عام، انتقل خطاب بلينكن من الحديث عن الدين والأيديولوجيا والتاريخين القديم والحديث في زيارته لإسرائيل، إلى التعامل مع واقع القانون الدولي والسياسة، بسبب مواقف عربية رفضت الحرب وما تضمنته من قتل واسع (لم يكن مصطلح أو واقع الإبادة قد اتضح حينها)، وتم رفض التهجير لأهالي غزة، ونوقشت مسألة المساعدات وإدخالها.

تدريجياً برز أربعة ملفات أساسية شغلت الدبلوماسية العربية في سياق هذه الحرب. وبحسب ما قال دبلوماسيون خليجيون من هذه الدول (للكاتب) على هامش ندوات وورش عمل أثناء الحرب، فإن التنسيق بين وزراء خارجية هذه الدول كان كثيفاً جداً، لدرجة كانت تفاجئ مساعديهم أحياناً، فالتواصل عبر تطبيقات التواصل الإلكتروني الشخصي بينهم لم يتوقف، وكانوا يصلون أحياناً لتفاهمات يبلغون مساعديهم ومستشاريهم بها لتنفيذها.

الملفات الأربعة التي يمكن تمييز الأدوار بين هذه الدول فيها، هي: ملف الوساطة لوقف إطلاق النار، وهنا تصدت مصر وقطر لهذه المهمة بشكل أساسي. والدور الثاني، ملف إطلاق عملية سياسية لإقامة الدولة الفلسطينية، ورغم الدعم المطلق لهذه الدول مجتمعة لهذا الهدف، إلا أن السعودية قامت بدور أساسي ومختلف في سياق هذه الحرب، عبر إطلاق التحالف الدولي لحل الدولتين. أما الدور الثالث، فهو عمليات الإصلاح الداخلي والوساطة بين الفلسطينيين أنفسهم، وهنا يبرز دور كل من السعودية ومصر. رابعاً، لعب الأردن دوراً بارزاً خصوصاً في بدايات الحرب، بتحديد المسؤوليات عن الحرب، فالخطاب الأردني الدبلوماسي والإعلامي كان مهماً في سياق عدم قبول تبرير الحرب وتبرئة الإسرائيليين، ولعبت الدبلوماسية الأردنية بقيادة الملك عبدالله الثاني، وبأداء لافت لوزير الخارجية أيمن الصفدي، دوراً مهماً في هذا، كما قامت الملكة رانيا العبدالله بسلسلة مقابلات إعلامية مع وسائل أنباء عالمية لاقت صدىً مهماً.

بطبيعة الحال، الإشارة للدور القيادي لدولة من هذه الدول الأربع في ملف بعينه، لا يعني بالضرورة التقليل من شأن أدوار الدول الأخرى في هذا الملف. كما أنّ هذه الدول لعبت دوراً في ملفات تولت القيادة فيها دول غير عربية، مثل الملف القانوني الذي تولته جنوب إفريقيا.

في الوساطة لوقف إطلاق النار، لا شك أن الموقف العربي عموماً وموقف هذه الدول خصوصاً، مجتمعة، أسهم في كبح الحملة الأمريكية الإسرائيلية في بداية الحرب لتبرير الهجوم الشامل وتبرير الجرائم الإسرائيلية، لكن ملف الوساطة كان بيد قطر ومصر، بحكم وجود علاقات وقنوات مفتوحة بين الدولتين مع حركة “حماس” صاحبة القرار في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن نأت السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، عن لعب دور مباشر في هذا الملف، الذي كان يتطلب فتح قنوات مع حركة “حماس” والتنسيق معها.

في ملف حل الدولتين، حصل نوع من توزيع الأدوار النسبي، ربما غير المقصود بين الدول الأربع، ومرت هذه الجهود في ثلاث مراحل، المشترك بينها القيادة السعودية. في المرحلة الأولى، قامت الدول العربية مجتمعة، بناءً على تشكيل اللجنة العربية الإسلامية التي تكونت عقب القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية 2023 التي عُقدت في الرياض بتاريخ 11 نوفمبر 2023، بجولات ولقاءات ساهمت في موازنة الخطاب الإسرائيلي. ولكن بعد مرور نحو عام على الحرب، وتحديداً على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2024، انتقل الجهد العربي الإسلامي إلى مرحلة جديدة بانضمام أوروبا للنشاط، عبر الموافقة على مبادرة السعودية أثناء أيام انعقاد الجمعية لإطلاق التحالف الدولي لحل الدولتين، وبدأ التحالف بقيادة سعودية، أوروبية، نرويجية. وفي صيف عام 2025 انتقل الجهد إلى مرحلة ثالثة، بالعمل ضمن الأمم المتحدة لإطلاق مؤتمر دولي يتبنى إجراءات عملية على صعيد الاعتراف بدولة فلسطين، وتجسد هذا المسار بقيادة سعودية – فرنسية (ولا مجال هنا لبحث أسباب هذا التحول من التحالف الدولي (الذي لم يتوقف) لمسار المؤتمر الدولي)، ولكن هذا الجهد تطور واستمر، وكان له دور في وقف الحرب وحفز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعلان خطة وقف الحرب، التي وافقت الأطراف المختلفة عليها، خصوصاً بعد مواقف الدول التي اشتركت في الاجتماعات والمؤتمرات برئاسة السعودية وفرنسا، أثناء اجتماعات الأمم المتحدة، وسلسلة الاعترافات من دول أوروبية وغير أوروبية بدولة فلسطين، وبدء الحديث عن عقوبات على إسرائيل.

في ملف الإصلاح الداخلي الفلسطيني، يجب الإشارة إلى وجود شقين لهذا الملف، الأول ما يتعلق بالوحدة الفلسطينية، ومعالجة الانقسام بين السلطة في رام الله، والثاني يتعلق بإعادة تأهيل النظام السياسي الفلسطيني وتحديداً موضوع القيادة الرسمية، وترتيب ما يسمى بملفات الخلافة. وقد لعبت السعودية دوراً مهماً في هذا الملف، ومثلما بدت فرنسا شريكاً مع الرياض في “المؤتمر الدولي” بدت أساسية أيضاً في ملف الإصلاح الداخلي الفلسطيني، لدرجة وضع خريطة طريق للقيادة الفلسطينية. وإذا كانت السعودية اهتمت بملفات الخلافة والقيادة، فإن فرنسا تدير ملفات مثل موضوع الدستور الفلسطيني، وتغيير مناهج التعليم، وغيرها من الملفات.

لم تؤدِّ الجهود المصرية، حتى الآن، إلى نتيجة عملية على صعيد تكوين لجنة خاصة لإدارة قطاع غزة، أو ترتيب العلاقة بين “الرئيس الفلسطيني” و”حماس”، تماماً مثلما فشلت الصين وروسيا، وقبلهما الجزائر، في رأب الصدع الداخلي بين الفصائل (الرئيس/حماس). هذا رغم أن مصر لعبت دوراً مهماً في جعل الرئيس الفلسطيني يعلن في القمة العربية في القاهرة، في آذار/مارس 2025، خطوات بدت كأنها نوع من الإصلاح مثل تعيين نائب للرئيس الفلسطيني، وترتيبات لإعادة مفصولين من حركة “فتح”. ورغم تعيين نائب رئيس فعلاً، وإعادة بعض المفصولين للحركة، إلا أن هذا يبدو أبعد ما يكون عن تجديد حقيقي للنظام السياسي. ولا بد من التوقف عند أن سبباً أساسياً لتدهور وضع السلطة الفلسطينية ومنع تجديدها هو الاحتلال الإسرائيلي ذاته.

في الواقع، أن ما بدا بأنه تطورات ومواقف وخطط ظهرت أثناء الحرب في قطاع غزة، تحت ضغط الحدث اليومي، يمكن أن تتحول إلى أجندة عمل من خمس نقاط تتبناها لجنة عربية رباعية، أو حتى أوسع من رباعية، وتجعل هناك طرفاً عربياً موحداً يخاطب العالم، ويجلب شركاء عالميين معه. وبما أن بعض الملفات أصبحت أقل إلحاحاً مثل المفاوضات الخاصة بالأسرى والرهائن، فيمكن أن تتحول الجهود لهذه الأجندة، والتي تتداخل بنودها بشكل واضح يصعب فصله، وهي:

فرض الوقف الفعلي لإطلاق النار، فالجانب الإسرائيلي يواصل عمليات القتل والتهجير في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ولا بد من مواجهة دبلوماسية وإدامة الضغط على إسرائيل، كما حدث في الأسابيع الأخيرة من الحرب (سبتمبر/أيلول 2025)، وبدلاً من الذهاب للحديث عن مطالب الولايات المتحدة في توسعة التطبيع يصبح الحديث عن العقوبات على إسرائيل. وبشكل عام، يمكن للأردن لعب دور أساسي في معارضة التهجير ومواجهة إجراءات إسرائيل على الأرض دبلوماسياً، خصوصاً في ملفات مثل المقدسات وما للأردن من دور وصاية هاشمية هناك. وهنا يصبح أيضاً وضع خطة للتحرك القانوني بالتعاون مع جنوب إفريقيا وغيرها أمراً بالغ الأهمية.

الحل السياسي وإنهاء الاحتلال، وهنا يبدو استئناف الجهد السعودي وتشكيل لجنة عربية لإدارة هذا الملف، ربما باستمرار القيادة السعودية أمراً مهماً، وتوسعة العمل في إطار الأمم المتحدة.

ملف الإصلاح الداخلي الفلسطيني، لا بد من الإقرار أن سبباً أساسياً في تدهور وضع السلطة الفلسطينية وديمومة الانقسام وصعوبة تجديد النظام السياسي الفلسطيني تنبع من ضغوط وسياسات الاحتلال، وفي مقدمتها الحصار المالي على السلطة، ومن ضمنها العنف الاستيطاني والاحتلالي اليوميين، وهذا ما يحتاج إلى حملة دولية للجم إسرائيل. من جهة ثانية، هناك اعتبارات داخلية فلسطينية تمنع أو تعيق الإصلاح، ولا بد من مقاربات أكثر شمولاً وبمنهجية أوسع حتى تتم الوساطة بين الأطراف الفلسطينية، ومساعدة هذه الأطراف لتبلور استراتيجيات عمل جديدة، لمصلحة مستقبل القضية الفلسطينية ووقف التدهور، وهنا يمكن تقاسم الأدوار بين الدول الأربع، بين من يخاطب السلطة، ومن يخاطب حماس، أو كليهما، ووضع خطط وساطة أكثر في شمولية وديمومة، بعيداً عن فكرة الوساطة الموسمية أو في ملفات بعينها.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى