تأثير الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية على النقاش الرقمي الخليجي تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية 

  • تتناول الدراسة النقاش الرقمي العام في دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، قطر، الكويت، البحرين، الإمارات، عُمان) تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 27 فبراير إلى 30 أبريل 2026. 
  • يغطي الإطار الزمني للدراسة ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة الصدمة الأولى مع اندلاع الحرب والضربات الإيرانية الأولى على الخليج. مرحلة تصاعد الأحداث وتكاثف التطورات العسكرية والسياسية. ومرحلة ما بعد الهدنة الأمريكية–الإيرانية وما رافقها من تساؤلات استراتيجية. 
  • اعتمدت الدراسة على أداة استماع رقمي لرصد وتحليل: 55,600  نقاش رقمي مستقل1، 29,800 مستخدم فريد2، 531,600  تفاعل3، نطاق وصول محتمل بلغ 4.5 مليار مستخدم. 
  • أظهرت النتائج أن: 76.6%  من النقاشات حملت موقفًا سلبيًا تجاه الحماية الأمريكية، 22.5% كانت محتوى إخباريًا أو محايدًا، وأقل من 1% فقط عبّر عن مواقف مؤيدة للحماية الأمريكية. 
  • تكشف النتائج عن انتقال جزء من النقاش الخليجي من تقييم الأداء الأمريكي خلال الأزمة إلى التشكيك في متانة المنظومة الأمنية الإقليمية التي تستند إليها دول الخليج منذ عقود.  

لقراءة الدراسة الكاملة وما تتضمنه من تفاصيل موسعة حول الخلفية التاريخية للعلاقة الأمنية الخليجية-الأميركية، وتطور منظومة الحماية الأمريكية في الخليج، والسياق العسكري والسياسي للحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، والإطار النظري والمنهجي للدراسة، وتحليل الذروات الزمنية للنقاش الرقمي، وأطر الخطاب الرافض للحماية الأمريكية، والتطور الزمني للمشاعر الرقمية، وتحليل حضور إسرائيل وروسيا والصين في النقاش الخليجي، إضافة إلى الاستنتاجات الاستراتيجية، وقائمة المراجع العربية والأجنبية المعتمدة، يرجى زيارة الموقع التالي: https://wp.me/pdSIuF-5R5  

الفضاء الرقمي الخليجي 

يتميَّز الفضاء الرقمي في دول الخليج بطابعٍ محكومٌ بمنظومة من القيود القانونية والرقابية التي تجعل الرأي العام السياسي المعارض مكلفًا اجتماعيًّا وقانونيًّا، ومع ذلك يمكن القول إنه، كسواه من الفضاءات الرقمية، يتسع في لحظات الأزمات الكبرى ولو ضمن منطق مدروس وحذر. وقد أثبتت البيانات الرقمية أنَّ منصة إكس تحتلّ موقعًا محوريًّا في الفضاء الرقمي الخليجي؛ إذ تُصنَّف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضمن أعلى دول العالم في معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتضمّ المملكة وحدها نحو 15.7 مليون مستخدم على المنصة، مما يجعلها من أكثر دول العالم استخدامًا لإكس نسبةً إلى عدد السكان4. وقد رسَّخ ذلك حضورَ المنصة بوصفها الفضاء الرقمي الخليجي الأول للنقاش السياسي والاستراتيجي الحساس.  

ومن هنا تنبع الأهمية البحثية لهذه الدراسة؛ فالنقاش الرقمي الخليجي حول القضايا الأمنية الاستراتيجية قد يكون من الظواهر التي قليلًا ما تناولتها الدراسات الأكاديمية بأدوات منهجية ملائمة، إذ لم تكن أدوات الرصد التقليدية مُصمَّمة في الغالب لالتقاط هذا النوع من التعبير العفوي الآني الذي يُنتجه الفضاء الرقمي في لحظات الأزمات. وقد تُتيح أدوات الاستماع الرقمي اقترابًا منهجيًّا من هذا الفضاء، مما يفتح إمكانية تحليل ما يُقال في الفضاء العام الرقمي الخليجي خارج القنوات الرسمية والمؤسسية. والسؤال الذي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافه: ماذا أنتج هذا الفضاء الرقمي العام حين واجه الخليج ما يمكن وصفه بأوّل اختبار حقيقي للمظلة الأميركية في تاريخه الحديث؟ 

المنهجية 

يعتمد هذا البحث في تحليله على منهجٍ يجمع بين المستويين الكمّي والنوعي لرصد النقاش الرقمي العام، الصادر عن أي من دول الخليج الستة، حول موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة والحماية الأمريكية، في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية.  

وقد تم الاعتماد في جمع البيانات الكمية وتحليلها على أداة الاستماع والتحليل الرقمي AI Listening Tool، حللت الأداة مزيجًا من منصات رقمية عامة متنوّعة: متمثلة في منصات التواصل الاجتماعي (إكس، فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب)، والمدونات الإخبارية، والمواقع الإلكترونية العامة، بالعربية والإنجليزية على حدٍّ سواء. ولم تقتصر العيّنة على وكالات الأنباء أو الإعلام الرسمي، لكنها استهدفت أيضًا النقاش الرقمي العام بمعناه الواسع. وقد بُنيت أداة الاستعلام ومعادلة البحث (Query) بدقة لاستهداف التفاعل الرقمي الصادر عن المستخدمين المقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي الستّ تحديدًا، مع استبعاد أي ضوضاء إلكترونية أو ذباب إلكتروني أو محتوى مولَّد آليًّا بالذكاء الاصطناعي دون تدخّل بشري حقيقي، وحصر النتائج بالمحتوى خليجي المصدر الذي يتناول موضوع الحماية الأمريكية. 

في هذا السياق تُشكّل نظرية التأطير (Framing Theory)  الدعامةَ النظرية الرئيسة في التحليل5. وفي سياق هذه الدراسة، تُوظَّف النظرية جزئيًا لفهم الأُطر التي اختار من خلالها المستخدمون المتفاعلون في الفضاء الرقمي خليجي المصدر لتناولَ موضوع الحماية الأميركية خاصة النسبة المتفاعلة السلبية، فيطرح بعض الأسئلة في هذا السياق هل هو إطارٌ سيادي يمسّ الكرامة الوطنية؟ أم إطارٌ أمني؟ أم إطارٌ هوياتي وحضاري؟ 

بما يتعلق بأداة الرصد وبناء العيّنة، فقد رصدت أداة الاستماع والتحليل الرقمي خلال الفترة الممتدّة بين 27 فبراير و30 أبريل 2026، وهي الفترة التي تمتد من اليوم الذي سبق اندلاعَ الحرب في 28 فبراير 2026 وحتى ما بعد أسابيع من إعلان الهدنة الأمريكية-الإيرانية في 8 أبريل 2026، ما مجموعه 55,600 نقاشًا أصيلًا على الفضاءات الرقمية العامة خليجية المصدر يتناول موضوع الحماية الأميركية للخليج أو البدائل المطروحة بشكل مباشر. ولا تشمل هذه النقاشاتُ التعليقاتِ أو الإعجاباتِ التي تُحتسب ضمن التفاعلات لا ضمن النقاشات المستقلة. 

وقد أنتجَ هذه النقاشات 29,800 مستخدمًا فريدًا من دول الخليج الستّ وهي: المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان. 

النتائج والتحليل 

  1. حجم النقاش الرقمي 

رصدت الدراسة 55,600 نقاشًا رقميًّا أصيلًا، أنتجها 29,800 مستخدمًا فريدًا، وحصدت 531,600 تفاعلًا. يعكس هذا الحجم من النتائج الدلالات الآتية:  

أولًا، أنَّ زاوية تناول النقاش الرقمي العام الخليجي للعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية تمحور حول دور أو مفهوم الحماية، إذ احتلت مسألة الحماية الأميركية مركزًا في الاهتمام الرقمي الخليجي لا هامشه.  

ثانيًا، أنَّ التفاعل الهائل مقارنةً بعدد النقاشات يدلّ على أنَّ المحتوى لامسَ وترًا شعبيًّا حسّاسًا.  

  1.  ذروات النقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية  

شهد منحنى النقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية أربع ذروات متمايزة خلال اليوم الذي سبق اندلاع الحرب وحتى 30 أبريل 2026، ويرتبط كلٌّ منها ارتباطًا مباشرًا في مسار الأحداث، مما يكشف أنَّ الفضاء الرقمي الخليجي يعمل بمنطق الاستجابة للحدث. 

ارتفع منحنى النقاش بحدّة ليبلغ ذروته الأولى في 2 و3 مارس، مدفوعًا بالأيام الأولى من الهجمات الإيرانية المباشرة على القواعد الأميركية والمدن الخليجية في البحرين، والإمارات، والكويت، وقطر. كان السؤال المهيمن على النقاش الرقمي العام خليجي المصدر فيما يخص الحماية الأميركية في هذه الذروة: لماذا لم تمنع القواعد الأميركية الضربات الإيرانية على الخليج؟ 

ثم عاد المنحنى للارتفاع في 9 مارس متجاوزًا الذروة الأولى، حين أعلن رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد قاليباف صراحةً أنَّ دول الخليج ستظلّ هدفًا ما دامت تحتضن قواعد أمريكية، وهو تصريح حوَّل الاستهداف الإيراني من ردّ فعل عسكري إلى موقف سياسي يضع دول الخليج أمام معادلة مغايرة وجديدة: الوجود الأمريكي هو سبب الاستهداف. كما تزامن ذلك مع إعلان أوكرانيا إرسال خبراء عسكريين إلى المنطقة، مما أضاف بُعدًا جديدًا حول تشابك الملفات الدولية على الأراضي الخليجية، لاحقًا تراجع المنحنى مجدّدًا بين 12 و20 مارس. 

وفي الفترة الممتدّة بين 16 و27 من مارس بلغ المنحنى ذروته الكبرى المطلقة، غير أنَّ ما يكشفه شكل المنحنى لا يقلّ أهميةً عمّا تكشفه الأرقام؛ فالذروة لم تكن انفجارًا رقميًّا مفاجئًا، وإنما تصاعدًا تدريجيًّا بدأ من 16 مارس واستمرَّ صعودًا حتى بلغ قمّته في 23 منه.  

وهذا التدرّج يعني أنَّ ثمة محرّكات سبقت تهديد الرئيس دونالد ترامب في 21 مارس بتدمير محطات الكهرباء الإيرانية خلال 48 ساعة إن لم تُفتح مضيق هرمز؛ إذ شهدت الأيام السابقة تصاعدًا في الهجمات الإيرانية على البنية التحتية الخليجية وتصريحات إيرانية متصاعدة حول استمرار الاستهداف، مما أنتج في الفضاء الرقمي الخليجي حالةً من القلق المتراكم قبل أن يُضيف تهديد ترامب وقودًا إضافيًّا لنقاش كان يتصاعد أصلًا. ولعلَّ الدلالة الأعمق في هذا التهديد تحديدًا هي ارتباطه بالطاقة واستدامة التيار الكهربائي؛ إذ كانت مفردة “الكهرباء” المفردة المسيطرة على المنشورات في تلك الفترة، لأنَّ التهديد بضرب محطات الكهرباء الإيرانية يعني في الوعي الخليجي الجماعي تصعيدًا إيرانيًّا انتقاميًّا محتملًا على البنية التحتية الخليجية بالمثل، وهو ما يمسّ الحياة اليومية مسًّا مباشرًا.  

ثم جاء تراجع ترامب في 26 مارس مُعلِنًا تأجيل الضربات عشرة أيام مقابل السماح لناقلات النفط بالمرور، مما ظهر عند الخلجيين بأنه لا يوجد اتساق بين تصريحات ترمب والأداء العسكري على الأرض، وما يعنيه هذا التدرّج في مجمله تحليليًّا هو أنَّ الخليجيين كانوا يتفاعلون مع إحساس متراكم بأنَّ قرارات مصيرية تؤثر عليهم دون أن يكون لهم صوت فيها، وأنَّ السؤال الرقمي تحوَّل تدريجيًّا من “ماذا يجري لنا؟” إلى “من يقرر عنّا؟” وهو ما يفسّر لماذا كانت هذه الذروة الأعلى على الإطلاق في الفترة كلّها. 

ثم شهد المنحنى صعودًا تدريجيًّا ثانيًا بين 30 مارس و8 أبريل، وهو صعود يختلف في طبيعته عن الذروات السابقة؛ إذ كان تعبيرًا عن مرحلة إعادة تموضع خليجي. فمع اقتراب الهدنة باتت التساؤلات الخليجية الرقمية تنزاح من “ماذا يجري؟” نحو “ماذا بعد؟”. ومنذ 8 أبريل انحدر المنحنى انحدارًا مستمرًّا لنهاية أبريل. وتراجع النقاش الرقمي قد يعكس في الغالب انتقال الأزمة من طور المشاركة في النقاش حول الأحداث المتسارعة التي يُنتج فيها ذروات رقمية إلى طور الترقّب الصامت الذي يقل فيه الإنتاج الرقمي. 

  1.  تحليل المشاعر للنقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية  

يكشف تحليل المشاعر عن الآتي: 

76.5% من النقاش الرقمي العام الصادر عن دول الخليج حول الحماية الأميركية يمثل موقف سلبي من الحماية الأمريكية، إذ شكَّلت التعبيراتُ السلبية القطبَ الأعظم في النقاش، وتتنوَّع بين التشكيك في فاعلية الحماية الأميركية الميدانية، وانتقاد التبعية الأمنية بوصفها استدراجًا للخطر لا دفعًا له، والتساؤل عن جدوى استضافة قواعد أمريكية دفعت ثمنها البنية التحتية الخليجية. ويظهر في هذا السياق المقيَّد للتعبير السياسي الخليجي أنَّ هذه النسبة تُمثّل تحوّلًا نوعيًّا في مستوى الجرأة الرقمية الخليجية على التعاطي النقدي مع الشراكة الأمنية الكبرى. 

ويمكن تصنيف موجة الرفض (76.6%) في أربعة أُطر خطابية متمايزة تتصاعد في عمقها:  

الأول هو الإطار السيادي الذي يتجاوز انتقاد أداء الحماية الأميركية في الخليج، إلى إعادة تأطير الوجود العسكري الأمريكي برمَّته بوصفه مصدر الخطر؛ فالقاعدة الأميركية في الأراضي الخليجية أصبحت تعتبرها القوات الإيرانية في هذا الإطار هدفًا مرسومًا على الأرض الخليجية وهو ما أثبتت الضربات الإيرانية التي كانت الأولى والأشد من نوعها صحّته. 

والإطار الثاني يمكن وصفه بالبراغماتي الذي يقدم مساءلة حول الأداء الميداني بمعايير موضوعية: هل قامت أميركا باعتراض الصواريخ الإيرانية التي وجهت للخليج؟ وهل حمت أميركا البنية التحتية الخليجية؟ فهذه الحرب وفَّرت اختبارًا حقيقيًا غير مسبوق أظهر فجوةً بين الوعد الضمني بالحماية والأداء الفعلي على الأرض.  

أما الإطار الثالث فهو إطار البدائل الذي يمثّل النضج الأكثر تقدّمًا في النقاش؛ إذ يتبنى هذا الإطار من النقاش الرافض نظرة استشرافية وبحث وطرح لسيناريوهات ولا يكتفي بنقد الحماية الأمريكية، وإنما يطرح سؤال “وماذا بعد؟” مستحضرًا بصورة عامة الشراكة مع الصين وتركيا والهند أو بناء منظومة دفاع خليجية مستقلة أو النموذج العُماني في الحياد الاستراتيجي.  

أمّا الإطار الرابع فهو الإطار الهوياتي الحضاري الخليجي، وهو الأصعب في القياس الكمّي، الذي يتجاوز الحسابات الأمنية ليطرح سؤالًا أعمق عن علاقة الخليج بالغرب تاريخيًّا، ويجد وقوده في مشهد بعينه: دول تدفع ثمنًا باهظًا لقرارات لم تُشارك في صنعها. 

ثم بالانتقال لأنماط المشاعر الأخرى، تكشف النتائج إلى أن 22.5% من المحتوى الرقمي الصادر عن دول الخليج حول الحماية الأميركية كان يتسم بطابع إخباري، إذ تداولَ المستخدمون الأخبارَ والمعلومات حول الحرب والهجمات دون إبداء موقف صريح، وهو ما يعكس جزئيًّا ثقافةَ الحذر في الفضاء الرقمي الخليجي. غير أنَّ هذا الحياد يحمل في طياته دلالةً ضمنية؛ إذ إنَّ اختيار تداول أخبار الإخفاق الأمني الأمريكي ونشرها بحدّ ذاته موقفٌ ضمني ذات دلالة تحليلية سلبية. 

وبالنسبة للنتائج الإيجابية، تشير النتائج أن التأييد للحماية الأميركية لم يتجاوز 1% من النقاش الرقمي الصادر عن دول الخليج، بالكاد يُحدث هذا الجزء الصغير أثرًا في مشهد النقاش الرقمي. ويُشير حجمه الضئيل إلى أنَّ الأصوات المؤيِّدة، التي لا تكاد تكون موجودة وتكاد تكون محصورة في إعادة نشر للمواقف الرسمية خاصة تلك التي استخدمت اللغة الإنجليزية والتي جاملت الوجود الأميركي في الخليج. 

  1.  التطوّر الزمني للمشاعر 

تكشف المقارنة بين مراحل النقاش الرقمي الخليجي عبر الفترة الممتدّة من 27 فبراير حتى 30 أبريل 2026 عن بنية زمنية متمايزة الأطوار تجعل من الفضاء الرقمي الخليجي صدىً للحدث أكثر منه تعبيرًا عن موقف راسخ. 

 ولعل الملاحظة المنهجية الأولى التي يكشف عنها المنحنى الزمني أنَّ الخطّين الأحمر (النقاش الرقمي السلبي) والأصفر (النقاش الرقمي الإخباري) ساريان بشكل شبه متوازٍ دون أن يتقاطعا أو يتبادلان الموقع، مما يعني أنَّ المحرّك الحقيقي للذروات لم يكن تحوّلًا في طبيعة المشاعر من الحياد إلى الرفض، وإنما تصاعدًا في حجم النقاش الإجمالي استجابةً للأحداث المفصلية مع الحفاظ على النسبة الثابتة بين المشاعر. 

في المرحلة الأولى بين 27 فبراير و8 مارس، كان المحايد يُقارب السلبي في الحجم نسبيًّا أكثر من أيّ مرحلة لاحقة. وتُفسَّر هذه المقاربة النسبية بأنَّ لحظات الصدمة الأولى تدفع إلى التداول الإخباري لا إلى إصدار الأحكام؛ فالمستخدم الخليجي في الأيام الأولى كان ينقل الخبر ويوثّق الحدث أكثر مما كان يُأطِّره أو يحكم عليه. 

ومع اشتداد الأحداث في مارس بدأت الفجوة بين الخطّين تتّسع لصالح السلبي، وبلغت أقصاها في الذروة الكبرى في 23 مارس التي شكَّلت أعلى تركّز للمشاعر السلبية في الفترة كلّها. وما يميَّز هذه المرحلة ليس فقط ارتفاع السلبية وإنما تنوُّع مضمونها؛ إذ لم يعد النقاش السلبي مقتصرًا على انتقاد الإخفاق الميداني للدرع الأمريكي، ولكنه تجاوز ذلك وامتدَّ إلى التشكيك في منطق التحالف برمَّته وطرح بدائل استراتيجية صريحة. 

وفي أعقاب الهدنة بعد الثامن من أبريل، تراجعت كثافة السلبية تراجعًا موازيًا لتراجع حجم النقاش الإجمالي، لكنَّ نسبتها ظلَّت ثابتة عند 76.6% دون أن تتغيَّر. وهذا هو المعطى الأكثر دلالةً في تحليل المشاعر كلّه: فحين انتهت الأزمة الحادّة لم يتحوَّل الرافضون إلى مؤيِّدين، ولكن توقّف كثيرون عن الكلام. والصمت هنا قد لا يكون قبولًا، ولكنه انكفاء من فضاء لم يعد يُنتج أحداثًا تستدعي التعليق، مع احتفاظ الموقف بثقله في العمق. 

  1.  سحابة الكلمات: ما الذي شغل النقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية 

تُقدّم سحابة الكلمات قراءةً مرئيةً مستقلةً تُكمل ما كشفه تحليل الحجم والمشاعر، وتُجيب عن سؤال مختلف؛ ليس كمية النقاش الرقمي الصادر عن الخليج ولا كيف شعروا، وإنما بأيّ مفاهيم وأُطر خطابية فكَّروا؟، ويظهر في هذه السحابة عبارات مركّبة تكشف بنية التفكير لا مجرد موضوعاته. 

والإجابة التي تكشفها السحابة صريحة: الحماية الأميركية تُناقَش بوصفها ضمانةً أمنية وإشكاليةً تستدعي المساءلة. 

ثم تهيمن “القواعد الأمريكية” على السحابة بحجم استثنائي، وهذا الهيمنة بحدّ ذاتها دالّة؛ فالمستخدم الخليجي حين يفكّر في الحماية الأميركية لا يستحضر مفهوم “الضمان” أو “التحالف” ولكنه يستحضر “القاعدة” كبنية مادية ملموسة على أرضه، وهو تأطير يجعل السؤال عن الحماية سؤالًا عن الوجود العسكري المباشر لا عن الالتزام السياسي المجرَّد الذي من الواضح أن النقاش الرقمي الصادر عن الخليج قام باستبعاده.  

في هذا السياق تكشف العبارات المركّبة عن ثلاثة أُطر خطابية متمايزة في تناول هذه الحماية، الأول هو إطار الاتهام بازدواجية الأغراض والمساعي الأميركية، وتُجسّده عبارة “عصفورين بحجر” التي تقول صراحةً إنَّ الحماية الأميركية للخليج ليست غايةً في ذاتها، ولكنها أداةً لتحقيق أجندة أمريكية إسرائيلية أوسع، سيدفع الخليج ثمنها أمنًا وبنيةً تحتيةً، وهو ما ظهر بوضوح خلال هذه الحرب. ويعزّز هذا الإطار عبارة “بحجة الدفاع” التي تُفصح عن شكّ صريح لدي المتفاعلين الرقمين في الخليج، في المبرَّر المُعلَن للوجود العسكري الأمريكي على الأرض الخليجية: الحماية المزعومة ليست حمايةً، ولكنها ذريعة، فأميركا تحقق أهدافها في المنطقة وتخدم المصالح الإسرائيلية تحت غطاء وحجة الدفاع عن الخليج وتقديم الحماية. 

والإطار الثاني هو إطار التشكيك في وظيفة الوجود العسكري الأمريكي، وتحمله عبارة “القواعد وليست القواعد”، أي القواعد الأميركية المخصصة لضمان الحماية ليست قواعد فاعلة ولم تقم بدورها بالمستوى المطلوب، الأمر الذي يجسَّد خلاصة المفارقة الكبرى في النقاش الخليجي: القاعدة موجودة على الأرض الخليجية، والحماية غائبة عنها. فالمستخدم الرقمي في الخليج حين يستخدم هذه العبارة لا يُجادل في وجود المنشآت الأميركية وإنما يُجادل فيما تُقدَّمه هذه المنشآت فهي برأيهم ليست قواعد حماية للخليج، ولكنها قواعد عمليات تخدم أجندة أمريكية أوسع، تقع على الأرض الخليجية لا لأنَّ الخليج مستفيد، وإنما لأنَّ الموقع الجغرافي يخدم واشنطن. بالتالي في نظر النقاش العام الرقمي الصادر عن الخليج كشفت الحرب الراهنة الطبيعة الحقيقية لهذه القواعد منذ البداية. 

والإطار الثالث هو إطار الكلفة الاقتصادية للحماية، وتُجسّده عبارة “ثلث موارد المنطقة لاختيارات” إلى جانب حضور “أنابيب الغاز” و”برميل نفط”؛ إذ تربط شريحة من النقاش الخليجي بين إخفاق الحماية الأميركية بين حجم الثمن الاقتصادي الذي دفعته دول الخليج مقابل هذه الحماية على مدى عقود الحماية لم تنجح، والفاتورة كانت باهظة. 

أمّا ظهور اسم “ليندسي غراهام” فيكشف أنَّ شريحة من المستخدمين الرقميين في الخليج كانت تتابع التصريحات الداخلية الأميركية وتستحضرها في نقاشها عن الحماية، وهو ما يعني أنَّهم لا يتعاملون مع أمريكا كمنظومة موحَّدة، وإنما يُفرِّقون بين توجّهاتها الداخلية المتعارضة، وهذا وعي سياسي خليجي متقدّم يُعيد تأطير سؤال الحماية من “هل تحمينا أمريكا؟” إلى “أيّ أمريكا هذه التي تحمينا؟”، بمعنى أن الوعي السياسي الخليجي انتقل من سؤال حقيقي ومشروع عن جدوى الحماية الأميركية إلى سؤال استنكاري مستمد من تجربة عملية وضحتها هذه الحرب تثبت ضعف الحماية الأميركية للخليج.  

والغائب الأكثر دلالةً هو أيّ مفردة تنتمي إلى معجم الحماية الإيجابية: لا “ضمان” ولا “حليف” ولا “درع” ولا “شراكة أمنية”. المعجم الخليجي الرقمي حين يتحدَّث عن الحماية الأميركية هو حصرًا معجم المساءلة وإعادة الحساب، وهذا التحوّل المعجمي هو أعمق ما تقوله هذه السحابة. 

  1. التحليل الجغرافي والديموغرافي 

تتصدَّر المملكة العربية السعودية النقاشَ الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية بفارق ساحق إذ تستأثر بـ72.1% من إجمالي النقاش، تليها الإمارات بـ10.8%، ثم الكويت وقطر وعُمان والبحرين بنسب أدنى بكثير. 

تفسير هيمنة السعودية بـ72.1% يتقاطع فيه عاملان رئيسان: الثقل الديموغرافي إذ تضمّ المملكة نحو ثلثَي سكان مجلس التعاون، والفضاء الرقمي السعودي الأوسع نسبيًّا في تناول الملفات الأمنية مقارنةً بسائر دول الخليج. ويُضاف إلى ذلك أنَّ سؤال الحماية الأميركية كان يحمل في السياق السعودي بُعدًا إضافيًّا مرتبطًا بمفاوضات الاتفاقية الأمنية السعودية-الأميركية التي كانت قيد التفاوض قبيل الحرب، مما جعل النقاش السعودي حول الحماية أكثر إلحاحًا وارتباطًا بمستقبل محدَّد. 

أمّا الإمارات بـ10.8% فتأتي ثانيةً في ضوء ارتفاع نسبة استخدام الإنترنت الإماراتية، وإن كانت نسبة نقاشها الرقمي حول الحماية الأميركية تبقى أدنى بكثير من النسبة السعودية. 

وتُسجَّل قطر والإمارات نسبًا منخفضة نسبيًّا في هذا النقاش تحديدًا، ويُشار إلى أنَّ كلتا الدولتين فرضتا قيودًا معلنة على النشر الرقمي المتعلق بالملفات الأمنية خلال فترة الحرب، وهو عامل منهجي مباشر يُفسِّر انخفاض حصتهما في العيّنة المرصودة ويستوجب الإشارة إليه صراحةً عند قراءة هذا التوزيع، كما يمكن تفسير ذلك لارتفاع نسبة الأجانب فيها بالمقارنة مع المواطنين، الذي ربما لم يشاركوا بالنقاش بنفس شدة وتيرة المواطنين الخليجين بسبب الخشية المساءلة القانونية.  

وتبقى نسبة عُمان المنخفضة جدًّا قابلةً للفهم في ضوء نموذجها الأمني القائم على الحياد الاستراتيجي والوساطة، وهو نموذج يجعل سؤال الحماية الأميركية أقل إلحاحًا في فضائها الرقمي مقارنةً بجيرانها. 

  1.  تحليل توزع النقاش الرقمي عبر المنصات  

يهيمن منصة إكس (تويتر سابقًا) على النقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية بنسبة 87.4% من إجمالي النقاشات المرصودة، وهي نسبة تكاد تجعل إكس المنصة الوحيدة ذات الأثر التحليلي القابل للقياس في هذا الموضوع تحديدًا. وتتوزَّع النسبة المتبقية البالغة 12.6% على مصادر متعدّدة تضمّ المواقع الإخبارية الأخرى بـ8.9%، والمدونات والمنتديات ويوتيوب وفيسبوك وإنستغرام بنسب هامشية. 

هيمنة إكس بهذا الحجم ليست مفاجِئةً في السياق الخليجي؛ فالمنطقة تُصنَّف تاريخيًّا ضمن أعلى مناطق العالم في معدلات استخدام المنصة نسبةً إلى عدد السكان، وقد رسَّخت إكس حضورها بوصفها الفضاء الرقمي الخليجي الأول للنقاش السياسي والأمني. غير أنَّ ما يستحق التأمّل هو أنَّ هذه الهيمنة في سياق موضوع الحماية الأميركية تحديدا تعني أنَّ النقاش كان عفويًّا وفرديًّا في معظمه؛ إذ إنَّ إكس هي منصة الرأي الشخصي والتعليق الفوري لا منصة المحتوى المُنتَج المُحرَّر، وهو ما يجعل البيانات المرصودة أقرب إلى المزاج الشعبي الحقيقي منها إلى الخطاب المؤسسي الموجَّه. 

والنسبة الضئيلة لفيسبوك وإنستغرام ذات دلالة مزدوجة؛ فهاتان المنصتان تهيمنان على النقاش الاجتماعي اليومي في الخليج، لكنَّهما تنسحبان من النقاش السياسي الحادّ، مما يُشير إلى أنَّ موضوع الحماية الأميركية يكن موضوع “المحتوى الترفيهي أو الاجتماعي” بل موضوع النقاش التحليلي المكثَّف الذي يجد بيئته الطبيعية على إكس. 

  1.  التوزع اللغة بالنقاش   

يُسجَّل النقاش الرقمي الخليجي حول الحماية الأميركية بنسبة 87.8% باللغة العربية و12.2% باللغة الإنجليزية. وهذه النسبة الإنجليزية وإن بدت متواضعة إلا أنَّها تستحق تأمّلًا تحليليًّا، لا سيما أنَّها تعكس شريحتين مختلفتين من المنتجين: المقيمون الأجانب في دول الخليج الذين عبَّروا عن مخاوفهم المباشرة بلغتهم الأولى في سياق أزمة يعيشونها على أرض الخليج، وبعض الخليجيون أنفسهم الذين اختاروا التعبير بالإنجليزية سواء لكونها اللغة الثانية في دول الخليج أو لأنَّهم يستهدفون جمهورًا أوسع خارج المنطقة.  

النقاش والاستنتاجات  

تُقدّم هذه الدراسة دليلًا تجريبيًّا على أنَّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أفرزت لحظةً استثنائية في مسار النقاش العام الرقمي الخليجي حول الحماية الأمريكية في زمن الحرب. فقد أظهرت النتائج أنَّ ما يقارب ثلاثة أرباع النقاش الرقمي الخليجي حمل موقفًا سلبيًّا من هذه الحماية، في فضاء رقمي ارتبط تاريخيًّا بدرجات أعلى من الحذر السياسي عند تناول القضايا الأمنية والاستراتيجية. 

وتسهم هذه النتائج في فهم طبيعة النقاش الرقمي الخليجي خلال الأزمات الأمنية الكبرى وما يكشفه من تحولات محتملة في التصورات الجمعية. فقد أظهرت الدراسة وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي المرتبط باعتبارات التحالفات والاتفاقيات الدفاعية والمزاج الشعبي الرقمي الذي عبَّر عن رفض واسع للحماية الأمريكية بنسبة بلغت 76.6% ولو بطريقة حذرة تراعي القيود المفروضة. 

كما كشفت النتائج عن تشكَّل اتجاهات الرفض بصورة تدريجية مع تراكم المؤشرات الميدانية المرتبطة بالأداء الأمني، الأمر الذي يشير إلى أنَّ النقاش العام يتأثر بالمسار التراكمي للأحداث أكثر من تأثره بالحدث المفرد. وتوضح الذروات الأربع التي رُصدت خلال فترة الدراسة أنَّ النقاش الرقمي الخليجي يتفاعل بدرجة عالية مع اللحظات الرمزية المفصلية التي تعيد تعريف فهم الأزمة ومعانيها لدى الجمهور. 

كما يعكس الحضور الملحوظ للغة الإنجليزية إدراكًا متزايدًا لدى شريحة من المستخدمين لأهمية الفضاء الرقمي الدولي بوصفه قناة للتأثير في الرأي العام الخارجي وصنّاع القرار، ويعكس أيضًا اسهام الأجانب المقيمين على الأراضي الخليجية بالنقاش. 

وتضيف النتائج المتعلقة بإسرائيل وروسيا والصين بعدًا استراتيجيًّا أوسع يتجاوز العلاقة الثنائية بين الخليج والولايات المتحدة. فقد وردت إسرائيل في أكثر من 23,800 منشور، وتمحور الخطاب حول اعتبار الارتباط الأمريكي بإسرائيل أحد العوامل التي أسهمت في تعريض القواعد الأمريكية في الخليج للاستهداف الإيراني، بما عزز تصورات تربط بين أمن الخليج وتداعيات الصراع الإقليمي الأوسع. 

وفي ضوء ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في النقاش الأكاديمي المتعلق بطبيعة التحولات التي قد تشهدها التصورات الجمعية الخليجية تجاه المنظومة الأمنية الإقليمية. ورغم أن النتائج توثق لحظة رقمية استثنائية ارتبطت بظروف أزمة غير اعتيادية، فإنها لا تسمح بالحسم فيما إذا كانت هذه الاتجاهات تعبيرًا ظرفيًّا مرتبطًا باستثنائية الحدث أم مؤشرًا على تحول أعمق وأكثر استدامة في النظرة الخليجية إلى منظومة الأمن التي شكَّلت أحد مرتكزات السياسة الإقليمية لعقود طويلة. 

وتنتهي الدراسة بالتأكيد أنَّ 55,600 نقاش رقمي خليجي تمثل سجلًّا جماعيًّا مهمًا لرصد كيفية تفاعل مع ما يمكن تسميته بالرأي العام الرقمي مع أزمة أمنية كبرى، كما تفتح المجال أمام دراسات لاحقة تتبع مسار هذه التصورات في مرحلة ما بعد الأزمة. 

زر الذهاب إلى الأعلى