فلسطين في عين العاصفة الإقليمية: حصار وتهميش

شكّلت احتمالات اندلاع الحروب الإقليمية دائمًا هاجسًا استراتيجيًا للقضية الفلسطينية، في ظل حساسية السياسات الاستعمارية الإسرائيلية للاستجابات الإقليمية والدولية، التي اعتمد الفلسطينيون عليها بوصفها هامش حماية سياسي وإقليمي، خاصة مع استفحال هذا المشروع الاستعماري. ومع اندلاع الحرب في فبراير/ شباط 2026، واشتعال الإقليم وانشغاله بتحديات أمنية واقتصادية وسياسية مركبة، بدا تلمس الاستغلال الإسرائيلي للحرب كغطاء يحمي سياساتها على الأرض، ما فاقم من المرحلة الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية أصلاً، وسط تسارع تراجع الاهتمامين الإقليمي والدولي بالملفات التي كانت ساخنة -فلسطينياً- قبل المواجهة، وهي ملفات شملت غزة والضفة، والقضية الفلسطينية بشكل استراتيجي.  

من الضروري هنا، الإشارة إلى ان الحرب ما تزال مستمرة وإن كان بأدوات أقل فتكاً وقتلاً، بالمعنى السياسي بقيت الحرب بالموقع الأول على سلم أولويات القضايا الإقليمية الملحة والساخنة، والتي يشكل حلها مدخلاً إجبارياً لعودة القضية الفلسطينية إلى شيء من المركزية، وهذا ما ينطبق على ساحتي الحرب المركزيتين: إيران ولبنان، أما بالمعنى الاقتصادي فما تزال عملية الاستنزاف الاستراتيجي للإقليم والعالم مستمرة، ما يجعل الحرب أيضاً أولوية نقاش وتفاعل كونها تمس جيب المواطن وموقع السياسي حول العالم.  

تكشف الحرب الإقليمية الراهنة أن الخطر الأكبر على القضية الفلسطينية لا يتمثل فقط في تصاعد العنف الإسرائيلي على الأرض، بل في انتقال فلسطين من موقع القضية المركزية في النقاش الإقليمي إلى موقع الملف المؤجل داخل هندسة أمنية جديدة تنشغل بإيران، والممرات، والردع، وترتيبات ما بعد الحرب. في هذا التحول، وجدت إسرائيل مساحة أوسع لإدارة مشروعها في غزة والضفة بأقل كلفة سياسية ممكنة، مستفيدة من انشغال الإقليم والعالم بأولويات أمنية واقتصادية أكثر إلحاحًا. 

بهذا المعنى، لا تتعامل هذه المقالة مع الحرب بوصفها حدثًا خارجيًا أثّر على الفلسطينيين فقط، بل بوصفها لحظة أعادت ترتيب موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الإقليمي. فغزة انتقلت من مركز الاهتمام الدولي بعد الحرب إلى هامش المساومات الأمنية، والضفة الغربية تحولت إلى مجال مفتوح لتسريع سياسات الإحلال والاستيطان، بينما وجدت السلطة الفلسطينية نفسها أمام انكشاف سياسي ومالي متزايد. لذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد كيف استغلت إسرائيل الحرب فقط، بل كيف ساهمت الحرب في إعادة إنتاج فلسطين كقضية مؤجلة داخل نظام إقليمي يعيد تعريف أولوياته. 

غزة: من المركز إلى الهامش 

تظهر غزة بوصفها المثال الأوضح على تحوّل القضية الفلسطينية من مركز الحدث إلى هامشه. فبعد أن كانت الحرب على غزة تفرض نفسها على الدبلوماسية الإقليمية والدولية، جاءت الحرب الإقليمية لتزاحمها على الأولوية، وتمنح إسرائيل فرصة لإدارة القطاع بمنطق أكثر هدوءًا من الناحية السياسية، وأكثر قسوة من الناحية الميدانية. لم تتوقف السياسات الإسرائيلية تجاه غزة، لكنها أصبحت أقل حضورًا في المجال الدولي، وهذا هو جوهر التحول. 

في التاسع عشر من فبراير 2026، عقد مجلس السلام اجتماعه الأول في واشنطن، بحضور ممثلي 27 دولة انضمت إلى المجلس رسمياً، و21 دولة أخرى حضرت بصفة مراقب. ورغم الغياب الأوروبي الواسع عن المجلس، وسط الخلافات على الميثاق، إلا أن هذا اللقاء أفرز تعهدات بتقديم سبع مليارات دولار لإعادة الإعمار، مع إشارة إلى استضافة اليابان فعالية لاحقة لجمع التبرعات لصالح المجلي، وإعلان رئيس البنك الدولي عن البدء بإنشاء صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة1

بالتوازي، تحركت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في محاولة لمأسسة عملها، لتعلن منتصف فبراير عن سعيها لإنشاء قوة شرطية، كقاعدة ارتكاز لبناء منظومة سيادة قانون، مع استمرار مطالبتها بتمكينها واعطائها كامل الصلاحيات اللازمة لأداء عملها، في ظل رفض إسرائيل السماح بدخول أعضائها، فيما اعلنت حماس استكمال إجراءات نقل الصلاحيات في جميع مجالات الحكم إلى اللجنة2

استثمرت إسرائيل تراجع الاهتمام الدولي بغزة في ثلاثة اتجاهات متوازية: تجويف مسار إدارة القطاع وإعادة الإعمار، توسيع السيطرة الميدانية تحت غطاء الترتيبات الأمنية، ودفع السكان نحو بيئة أكثر طردًا عبر تقليص المساعدات وتصعيد الضغط اليومي. بهذه الطريقة، لم يكن تهميش غزة مجرد نتيجة جانبية للحرب الإقليمية، بل تحول إلى فرصة إسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع داخل القطاع.  

فعلى مستوى خطة السلام، لم يلق الاستمرار بمنع اللجنة الوطنية من الدخول إلى القطاع أية ردود فعل دولية ضاغطة، وأعلن عن عزم واشنطن اغلاق مركز التنسيق المدني العسكري، الذي يديره الجيش الأميركي في جنوب إسرائيل، وتخفيض عدد القوة الأميركية العاملة في قوة الاستقرار الدولية من 190 عنصراً إلى 40 عنصراً3

وبعد اقل من ثلاثة أسابيع من الحرب، كانت عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة قد تراجع بنحو 80%، بانخفاض من 4200 شاحنة أسبوعياً، إلى حوالي 590 شاحنة في الأسبوع الأول من الحرب على سبيل المثال4. فيما تصاعدت عمليات القتل والاستهداف المكثف، وتحت ظلال هذا التراجع، اتسعت المنطقة العازلة الإسرائيلية لتشمل نحو 60% من مجمل مساحة قطاع غزة، بدلاً من 53% كان قد أقرها الاتفاق5

إذن، استثمرت إسرائيل الحرب لتحويل غزة من المركز إلى الهامش، وبهذا استطاعت تنفيذ استراتيجيتها القائمة على تثبيت المنطقة الصفراء كمساحة سيطرة دائمة، ضمن استراتيجية الاحزمة الأمنية الدائمة، وحشر الفلسطينيين على حوالي ثلث مساحة القطاع، والعودة إلى استخدام المساعدات كسلاح، والتصاعد المتدرج بسياسات القتل والاغتيالات، حيث ارفع معدل قتل الفلسطينيين بحوالي خمسة أضعاف، في الأسبوعين التاليان لوقف الحرب6.  

بالتوازي، واليوم، تضع اسرائيل عنواناً على الطاولة “سلاح حماس يعطل الهدنة وإعادة الإعمار”، ما يؤشر إلى نجاحها في حصر النقاش بسلاح حماس كشرط مسبق قبل التحرك نحو أية خطوة، حتى وإن كانت متواضعة، تجاه إدارة القطاع وانسحاب إسرائيل وإعادة الإعمار، وهو ما تبناه مجلس السلام ممثلاً بمفوضه السامي نيكولاي ملادينوف7

تشير هذه المعطيات، إلى أن غزة خاسر مركزي بهذه الحرب، مع تبعثر الأولويات الإقليمية وتراجع حماسة الرئيس ترامب لمشروعه في غزة، وإطلاق يد إسرائيل فيها. ولعل حالة المراوحة السياسية تخدم إسرائيل في هندستها لتجميد هذا الملف وتحويله إلى مركز سياسات إسرائيلي، خاصة في ظل المزاودة الانتخابية.  

وفي هذه المرحلة من الحرب، تتبنى إسرائيل نمطًا من التصعيد التدريجي منخفض الكلفة سياسيًا “استراتيجية التصعيد الناعم”، إذ تقوم بخطوات هادئة، بطيئة، لكنها تراكمية، تخطو بكل خطوة من هذه الخطوات خطوة إضافية نحو الإطباق على غزة والعودة إلى حالة ما قبل وقف إطلاق النار، لكنها وبالتوازي تحافظ على خطابها السياسي والإعلامي حول التزامها بوقف اطلاق النار.  

هذا المشهد عكس نفسه على خطاب حماس، المتسم بالإحباط والعجز عن مواجهة هكذا مشهد، فمع تراجع الزخم الدولي الداعم، وعدم قدرة اللجنة الوطنية عن ممارسة اعمالها، وفي ظل استمرار الاستهدافات الميدانية التي طالت مؤخراً قائد الحركة الأول في القطاع عز الدين الحداد، تواجه حماس ضغوطًا متزايدة في ظل تراجع أدوات المناورة السياسية والميدانية في ظل انحسار النقاش حول سلاحها كعتبة تأسيسية للانتقال من حالة المراوحة.  

الضفة الغربية: سياق آخر 

تختلف الضفة الغربية عن غزة في طبيعة المشروع الإسرائيلي وفي أدواته. ففي غزة تسعى إسرائيل إلى إدارة الكثافة السكانية والسيطرة الأمنية والحصار، أما في الضفة الغربية فإن المشروع يقوم على إعادة تشكيل الأرض والسكان والسلطة بصورة تدريجية. لذلك، فإن الحرب الإقليمية لم تصنع سياسة إسرائيلية جديدة في الضفة، لكنها منحت هذه السياسة مساحة أوسع للتحرك، وقللت من كلفة الاستيطان والعنف والضم الزاحف أمام الرأي العام الدولي. 

فعلت إسرائيل منظومة الإغلاق والرقابة في الضفة الغربية، وفرضت طوقاً على كل المدن والقرى والتجمعات، فيما صعّد المستوطنون من اعتداءاتهم مستفيدين من الانشغال الإقليمي بالحرب، ما أدى لاستشهاد 6 مواطنين في أول أسبوعين من الحرب بالاستهداف المباشر من هؤلاء المستوطنين8.  

لكن لم تكن هذه الاعتداءات استثنائية، بل جاءت امتداداً لاستراتيجية متصاعدة تتوسع من خلالها اعتداءات المستوطنين من حيث المناطق والجغرافيا، وتتعمق من حيث الأثر والجرأة والعنف، وسط دعم توفره السلطات الإسرائيلية لهم على عدة مستويات، ليس آخرها تعطيل إنفاذ القانون الإسرائيلي عليهم. وخلال الحرب الإيرانية، جاءت هجمات المستوطنين على شكل موجات متلاحقة ومتقاربة، شملت اقتحام القرى بأعداد كبيرة ومنظمة، اطلاق النار، تخريب الممتلكات، السرقة، واللافت كان التوسع في المناطق المصنفة ب وأ. 

إن هذه السياسة الهادفة للتهجير وإجبار الفلسطينيين على الانكفاء، تتوازى مع غرس البؤر الاستيطانية في نطاقات الاستهداف، ما يشير إلى استراتيجية تديرها هذه المنظومة الموحدة. إلى جانب ذلك، حرض المستوطنون حكومتهم على اتخاذ اجراءات “تجتث البنية التحتية المسلحة” في الضفة الغربية، وبالتركيز على جنين9، التي اعيد الاستيطان إليها بشكل مكثف ووفق إجراءات مصادرة وبناء وحدات استيطانية سريع ومنتشر.  

على المستوى الأمني، استغلت إسرائيل سماء الضفة الغربية كمساحة دفاع جوي متقدم، فذهبت إلى التصدي للصواريخ الإيرانية فوق مناطق الضفة المختلفة، وتناثرت الشظايا في كل مكان، ما أدى لاستشهاد عدة مواطنات ومواطنين بفعل هذه التصديات.  

السؤال هنا، هل يمكن اعتبار الحرب الإيرانية غطاءً استثمرته إسرائيل لإنفاذ مشروعها في الضفة؟ أميل إلى القول لا، إذ ان بنية السياسات الإستعمارية الإسرائيلية في الضفة الغربية مختلفة كلياً عن قطاع غزة.  

يقوم المشروع الصهيوني في الضفة الغربية على الاستيطان المكثف، الإحلال، التهجير الداخلي، وتمكين منظومة الاستيطان و بنية استيطانية شبه مستقلة “دويلة المستوطنين”، وهذا المشروع يدار عبر الصهيونية الدينية، بما تشمل من تمثيل في الحكومة والكنيست، حضور قوي في الجيش، وشبكة مؤسسات تدير بشكل حصري هذه المنظومة الاستيطانية، وفق استراتيجية واضحة لا تأبه للرأي العام الدولي ولا للعقوبات التي يتم تهديها بها.  

لكن كما في قطاع غزة، تعمل إسرائيل اليوم في الضفة الغربية مرتاحة دون ضغط دولي، فرغم ظهور انتقادات دولية موسمية – بعضها أميركي-، إلا انها لا تغير المشهد استراتيجياً. ففي ردها على عقوبات أوروبية خجولة فرضت خلال مايو/ أيار 2026 على منظمات استيطانية وشخصيات داعمة للاستيطان، اتجهت اسرائيل لتخصيص مزيد من الدعم الحكومي للاستيطان. 

وهنا تقف السلطة الفلسطينية عاجزة بشكل كامل، فلا تمتلك القدرة ولا هوامش المناورة لتغيير هذا الواقع، وفي ظل أن استراتيجية منظمة التحرير تقوم بشكل حصري على المسار الدولي والإقليمي الداعم، تجد السلطة نفسها محدودة القدرة على التأثير في هذه المواجهة غير المتكافئة، ما يخلق حالة إحباط شعبي واسع وسط تصديات فردية لهجمات المستوطنين وجرائمهم.  

من مركزية فلسطين إلى مركزية الأمن الإقليمي 

أحد أهم آثار الحرب الإقليمية يتمثل في انتقال مركز النقاش في الشرق الأوسط من سؤال فلسطين إلى سؤال الأمن الإقليمي. فالأولويات التي كانت تدور حول وقف الحرب في غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وحل الدولتين، تراجعت أمام أسئلة أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى العواصم الإقليمية والدولية: أمن الخليج، مستقبل إيران، حركة الطاقة، الممرات البحرية، وترتيبات الردع بعد الحرب. 

استفادت إسرائيل من هذا الانتقال لأنها استطاعت أن تضع سياساتها في غزة والضفة داخل هامش أقل مراقبة. فكلما زاد انشغال الإقليم بالخطر الإيراني وبترتيبات الأمن والطاقة، تراجعت قدرة الفلسطينيين على فرض قضيتهم كأولوية دبلوماسية. وهنا لا يظهر التهميش بوصفه غيابًا كاملًا لفلسطين، بل بوصفه تراجعًا في وزنها داخل جدول الأعمال الإقليمي، بحيث تبقى حاضرة أخلاقيًا وخطابيًا، لكنها أقل قدرة على تعطيل السياسات الإسرائيلية ميدانيًا. 

تداعيات الحرب الإقليمية على القضية الفلسطينية 

كانت السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير، منخرطة مع التحالف الدولي لحل الدولتين، وتنشط بصورة مكثفة على تلبية متطلبات الإصلاح والمأسسة، بالتوازي مع محاولة إيجاد حلول – أصبحت يائسة- لتوفير الحد الأدنى من الموارد المالية لضمان استمرار الخدمات الرئيسة وتامين رواتب موظفي القطاع العام.  

لكن وخلال الحرب، تم وقف تحويل الموارد المالية للسلطة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، والمعروفة باموال المقاصة، إذ لم تعد وزارة المالية الفلسطينية تتلقى أي مبلغ من أموالها التي تجاوزت 5 مليارات دولار. كما استمرت إسرائيل بقضم صلاحيات السلطة، مانعة إياها من التحرك والعمل وتقديم الإسناد والخدمات لمواطنيها، بل تعدت ذلك عبر الاستيلاء على أراضي في المناطق المصنفة أ، للمرة الأولى منذ توقيع اتفاق أوسلو، لأغراض عسكرية.  

ومع هذا المشهد الذي يذوي فيه موقع القضية الفلسطينية على سلم الأولويات الإقليمية، تتراجع فرص توفير شبكات أمان سياسي واقتصادي للسلطة الوطنية، مع تصاعد الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، وتحول عنف المستوطنين إلى تهديد وجودي على العديد من القرى والمناطق المركزية، ليصل عدد التجمعات البدوية المهجرة، على سبيل المثال، إلى 33 تجمعاً، كانت تشكل عصب الوجود الفلسطيني في الأغوار، مع مراوحة استنزافية في قطاع غزة.  

تؤمن النخب السياسية الفلسطينية أن أية بارقة أمن لن تأتي إلى ضمن تسوية إقليمية شاملة، تضع كافة قضايا المنطقة، وعلى راسها القضية الفلسطينية، على طاولة واحدة تجيب عن الأسئلة الصعبة وتفرض حلولاً جذرية. لكن الأشهر القادمة، وعلى ظلال ترقب نتائج الحرب ونهايات المشهد، ستشهد سباقاً صهيونيا، لأغراض انتخابية، يسعى من خلاله تسجيل نقاط في لبنان وغزة، فيما تسعى الصهيونية الدينية تسجيل نقاط أكثر راديكالية في الضفة الغربية.  

لكن بالمقابل، ورغم الإحباط الشديد بين كل فواعل السياسة والمجتمع الفلسطيني، تستمر السلطة الوطنية بمسار تحالف حل الدولتين والتفاهمات الأوروبية الفلسطينية، إذ عقدت الانتخابات المحلية نهاية إبريل/ نيسان 2026، وعقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن حيث أجرت انتخابات أفضل إلى تغيير نصف هيئتها القيادية العليا، اللجنة المركزية، مع وصول شخصيات شعبية ذات حضور موقع اجتماعي مقبول، فيما صدرت مسودتي الدستور وقانون الأحزاب، بالتوازي مع إنجاز المرحلة الأولى من خطة الإصلاح الحكومية الشاملة.  

ورغم هذا الحراك، إلا أن توقيته، وضعف تلمس انعكاساته المباشرة، وثقل الأعباء على المواطن الفلسطيني، تجعل منها خطوات لا ترتقي لمستوى التحديات، وفق ما يرى الشارع، الذي يطالب بخطوات تحدث تحولات جدية على مستويات الصمود والحماية على الأقل.  

ختاماً، تكشف الحرب الإقليمية الراهنة أن القضية الفلسطينية لا تواجه خطر العنف الإسرائيلي وحده، بل خطر التراجع في سلم الأولويات الإقليمية والدولية. فحين يتحول مركز الاهتمام إلى إيران، وأمن الخليج، والممرات، وترتيبات ما بعد الحرب، تجد إسرائيل مساحة أوسع لإدارة مشروعها في غزة والضفة بكلفة سياسية أقل، بينما يواجه الفلسطينيون واقعًا أكثر انكشافًا وأقل قدرة على استدعاء ضغط خارجي مؤثر. 

في غزة، يتجسد هذا التحول في الانتقال من لحظة مركزية دولية إلى حالة مراوحة واستنزاف، حيث تصبح إعادة الإعمار والإدارة والانسحاب ملفات مؤجلة أو مشروطة. وفي الضفة الغربية، يظهر التهميش بصورة مختلفة، من خلال تسارع الاستيطان وعنف المستوطنين ومحاولات إعادة تشكيل الأرض والسكان تحت غطاء انشغال الإقليم بالحرب. أما السلطة الفلسطينية، فتجد نفسها أمام أزمة مركبة تجمع بين الاختناق المالي، وتراجع القدرة السياسية، واتساع الفجوة بين الإصلاح المؤسسي المطلوب والتهديدات اليومية التي يعيشها المواطن الفلسطيني. 

من هنا، فإن أخطر ما أنتجته الحرب ليس فقط أنها منحت إسرائيل فرصة إضافية لتوسيع سياساتها، بل أنها أعادت ترتيب البيئة التي تعمل داخلها القضية الفلسطينية. ففلسطين ما تزال حاضرة في الخطاب، لكنها أصبحت أقل حضورًا في صناعة القرار الإقليمي والدولي. وهذا هو جوهر التهميش الاستراتيجي: أن تبقى القضية معترفًا بها سياسيًا وأخلاقيًا، بينما تتراجع قدرتها على فرض كلف فعلية على الاحتلال أو على تغيير مسار السياسات القائمة على الأرض. 

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى