ميليشيات التلال وإعادة تشكيل الحقل الفلسطيني في الضفة الغربية
تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك الأسس الاجتماعية والأيديولوجية لهذه الميليشيات، وتحليل دورها في إعادة هندسة الحقل الريفي الفلسطيني عبر العنف المنهجي، واستهداف سبل العيش، وتفكيك العلاقة التاريخية بين الإنسان والأرض. وتُفضي هذه الممارسات إلى إنتاج عملية بطيئة وتراكمية من الإزاحة القسرية، تتجاوز في كثير من جوانبها فاعلية الأدوات التقليدية للاحتلال. كما تسعى الورقة إلى تحليل الكيفية التي أسهم بها هذا التحول في إضعاف البنية السياسية الفلسطينية، وإعادة توزيع مصادر الشرعية داخل المجال السياسي، وظهور فاعلين محليين جدد يعملون خارج الأطر المؤسسية الرسمية.
وفي هذا السياق، تطرح الورقة سؤالها المركزي حول كيفية تطور ما يُعرف بـ«ميليشيات التلال» من تجمعات استيطانية هامشية إلى ذراع ميدانية فاعلة تنتج السيادة على الأرض، وما يترتب على هذا التحول من آثار عميقة على قابلية قيام دولة فلسطينية. وتتجلى هذه الآثار في ظل تفكك الجغرافيا، وتآكل الشروط المادية والسياسية للسيادة، وانهيار الافتراضات التي قام عليها حل الدولتين منذ تسعينيات القرن الماضي.
المقدمة
منذ اندلاع حرب الابداة الاسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من اكتوبر 2023م، شهدت الضفة الغربية تحوّلاً بنيوياً عميقاً أعاد تشكيل معادلة السيطرة الاستعمارية، وفتح الباب أمام صعود أحد أخطر الفواعل في المشهد الاستيطاني المعاصر: الميليشيات الاستيطانية الاستعمارية المعروفة في الأدبيات الإسرائيلية باسم فتية التلال والتي سيطلق عليها في هذا المقال “مليشيات التلال”.
خلال عامي 2024م–2025م، تحوّلت هذه المجموعات من مجرد إطار شبابي هامشي إلى ذراع ميداني منظم داخل المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، تمارس عنفاً ممنهجاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية – الديمغرافية للضفة الغربية، بما يتجاوز قدرات الجيش الإسرائيلي نفسه أحياناً.
تمتاز هذه الجماعات بكونها تعبيراً عن المرحلة الجديدة من الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، التي لا تعتمد فقط على سلطات الاحتلال الرسمية، بل أيضاً على “مجتمع مستوطن” يمتلك أيديولوجيا توسعية راسخة ويعمل دون قيود قانونية أو سياسية حقيقية. وفي ظل هذا التحول، باتت القرى الفلسطينية – بوصفها المجال الأكثر هشاشة – مسرحاً يومياً لعمليات الاقتلاع والتهجير البطيء.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل معمّق لبنية هذه الميليشيات، ودورها في صياغة السيادة الهجينة في الضفة الغربية، وتأثيراتها على المجتمع القروي، وعلى النظام السياسي الفلسطيني، وعلى مستقبل حلّ الدولتين. كما تقدّم خمسة سيناريوهات رئيسية للمسارات الفلسطينية المحتملة في التعامل مع الظاهرة.
أولاً – البنية الاجتماعية–الأيديولوجية لـ ” مليشيات التلال”
تنبثق مليشيات التلال من بيئة اجتماعية مغلقة تُنتج نموذجاً بشرياً شديد التطرف، حيث ينشأ أفرادها في مستوطنات منعزلة عن المجتمع الإسرائيلي المدني، ومحصّنة بثقافة قومية–دينية تعتبر العيش في فلسطين “واجباً توراتياً” لا مجرد خيار سياسي. في هذه البيئات، يجري تشكيل الوعي منذ الطفولة على ثنائية “شعب مختار” مقابل “سكان أصليين بلا حقوق”، ما يخلق حالة ذهنية ترى في الفلسطيني عقبة وجودية ينبغي إزالتها أو إقصاؤها من المشهد الجغرافي والبشري. ويزداد هذا الوعي انغلاقاً بفعل الانسحاب المتزايد لهذه المجموعات من النظام التعليمي الرسمي، والاعتماد على مدارس دينية متشددة تُقدّم نصوصاً توراتية مؤدلجة باعتبارها بديلاً عن المعرفة المدنية الحديثة. وهكذا، يتأسس جيل يرى في العنف ليس فعلاً وظيفياً فقط، بل طقساً تأسيسياً لهوية “مقاتل التلال” الذي يثبت وجوده على الأرض من خلال القدرة على فرض السيطرة بالقوة1.
وتعمل هذه الجماعات داخل فراغ قانوني مُصمّم بدقة: فهي تبدو في ظاهرها رافضة لقانون المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، لكنها في الواقع تؤدي دوراً تنفيذياً موازياً يكمل المشروع الاستيطاني الاستعماري. إنها “الذراع التي تفعل ما لا تستطيع سلطات الاحتلال الاعتراف به رسمياً”—الطرد القسري للمجتمعات القروية، الاعتداءات المنظمة على الرعاة، التوسع التدريجي في الحقول، فرض منع الوصول، وتغيير المعالم الجغرافية من خلال الوجود الدائم والعنيف. هذا التموضع بين “الخارج عن القانون” و”المحمي من بنية القانون” هو أحد أهم ملامح الاستعمار الاستيطاني المعاصر، حيث يصبح القانون نفسه أداة تتيح لممارسات غير قانونية أن تجري تحت مظلته2.
وقد شكّل صعود اليمين الديني–القومي داخل بنى سلطات الاحتلال منذ انتخابات 2022م نقطة تحول حاسمة في دور الميليشيات الاستيطانية. فقد انتقل وجود هذه الجماعات من الهامش إلى قلب بنية الحكم الاستعماري، عبر توفير دعم سياسي مكشوف، وتسهيلات مالية، وتنسيق ميداني مع الجيش. إن تعيين وزراء من حركة “الصهيونية الدينية” واليمين التوراتي في مواقع مؤثرة—خصوصاً في وزارتي الأمن القومي والمالية—أعاد تعريف العلاقة بين المستوطنين وجيش الاحتلال: لم تعد العلاقة علاقة ضبط، بل علاقة تمكين، بحيث بات المستوطن جزءاً من صناعة القرار الأمني والميداني. ومع هذا التحول، لم تعد هذه المجموعات “عناصر متطرفة منفلتة”، بل تحوّلت إلى ذراع ميدانية غير رسمية تعمل في انسجام كامل مع منطق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الذي ينزع نحو تفكيك المجتمع الفلسطيني والسيطرة على الفضاء القروي عبر منظومة من العنف اليومي المنهجي3.
بهذا المعنى، فإن البنية الاجتماعية–الأيديولوجية لهذه الميليشيات ليست انحرافاً عن المنظومة الاستعمارية، بل تعبّر عن مرحلة متقدمة من تطورها، حيث يتحول “المستوطن العنيف” إلى أداة سياسية تعيد تشكيل الحدود، وتوسّع الجغرافيا المستعمَرة، وتنتج واقعاً جديداً أكثر خطورة من الاستيطان الرسمي ذاته.
ثانيا – العنف الممنهج كأداة لإعادة هندسة المجال القروي الفلسطيني
لا يمثّل العنف الذي تمارسه مليشيات التلال مجرد سلسلة من الاعتداءات المنفصلة أو الانفعالية، بل يشكّل جزءاً من هندسة استعمارية واعية تستهدف تفكيك المجال القروي الفلسطيني وتحويله إلى فضاء طارد للسكان. يقوم هذا العنف على إعادة تشكيل علاقة الفلسطيني بأرضه عبر خلق حالة يومية من الإرهاق المعيشي والنفسي تجعل الاستمرار في الزراعة والرعي والإقامة فعلاً محفوفاً بالخطر. وفي السياق ذاته، يصبح العنف ليس مجرد أداة تهجير، بل عملية “إعادة إنتاج للمكان” وفق منطق الهيمنة الاستيطانية.4
وتعتمد هذه الجماعات على مجموعة متكاملة من أدوات السيطرة الميدانية: ملاحقة الرعاة وإبعادهم عن المراعي الحيوية، تخريب المحاصيل الزراعية وإحراق الحقول في مواسم حساسة، اقتلاع أو تكسير أشجار الزيتون التي تشكل رمزاً للهوية الاقتصادية والروحية الفلسطينية، تنفيذ هجمات ليلية على التجمعات الصغيرة، ونصب حواجز غير رسمية لقطع الوصول إلى ينابيع المياه أو الأراضي الزراعية البعيدة. هذه الممارسات ليست أحداثاً منفصلة؛ بل تُنَفّذ ضمن منطق استيطاني متدرّج يهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية غير قابلة للاستمرار.
وتظهر تقارير منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية أنّ أكثر من عشرين تجمعاً قروياً تم تهجيره خلال عام 2024م فقط في مناطق الأغوار وتلال نابلس وجنوب الخليل5، وهي مناطق تُعد خطوط تماس مركزية في الصراع على المجال الحيوي في الضفة. هذه الأرقام تعكس مساراً يتجاوز مفهوم “الاعتداءات الفردية”، ليقترب من سياسة منظمة للتهجير القسري تتّسق مع تعريفات التطهير العرقي في القانون الدولي الإنساني6.
إنّ أخطر ما ينتجه هذا العنف هو كسر الاستمرارية المعيشية للمجتمع القروي الفلسطيني، إذ يتحول الفضاء الزراعي من مصدر رزق واستقرار إلى حيّز عدائي يفرض الهجرة القسرية البطيئة. ومع خروج السكان من أراضيهم، يتكوّن تدريجياً فراغ جغرافي–اجتماعي يُعاد إدماجه داخل الشبكة الاستيطانية، بما يؤدي إلى طمس الحدود التقليدية بين التجمعات الفلسطينية والمستوطنات، وخلق مجال استيطاني متصل جغرافياً ومحمِيّ بقوة السلاح.
وبذلك، يصبح العنف الممنهج أداة لإعادة تصميم المشهد القروي، حيث لا تُكتسَب الأرض فقط عبر المصادرة القانونية أو إنشاء البؤر، بل عبر هندسة الخوف التي تنتزع الفلسطيني من مكانه وتعيد تعريف المجال بما يخدم أهداف المشروع الاستيطاني الاستعماري.
ثالثاً- السيادة الهجينة: بنية استعمارية جديدة وتقاسم للأدوار بين الجيش والمستوطنين
شهدت الضفة الغربية خلال عامي 2024م–2025م ترسيخ نموذج متقدّم من السيطرة يمكن وصفه بـ السيادة الهجينة، وهو نموذج لا يُمارس من خلال احتكار سلطات الاحتلال لأدوات القمع التقليدية فحسب، بل عبر توزيعٍ وظيفيّ دقيق يجعل المجتمع الاستيطاني شريكاً مباشراً في إنتاج السيادة على الأرض. ففي هذا النموذج، يواصل جيش الاحتلال فرض سيطرته الكلية على المعابر وشبكات الطرق الرئيسة وحركة الفلسطينيين، بينما تتولى الجماعات الاستيطانية إدارة النطاقات الهامشية والفرعية في الريف الفلسطيني—مثل المراعي، الوديان، الحقول، وشبكات الحركة القروية غير الرسمية7.
ويخلق هذا التقسيم المعقّد بنية مزدوجة:
سيادة عسكرية رسمية تضع الإطار القانوني العام، وسيادة مدنية–استيطانية تنتج تفاصيل الحياة اليومية وتعيد تشكيل الحيّز القروي الفلسطيني.
بهذه الطريقة، يتحول المستوطن من مجرّد فاعل مدني إلى وكيل ميداني لسلطات الاحتلال، يمتلك قدرة عملية على رسم الحدود، تحديد من يدخل ومن يُمنع، من يزرع ومن يُطرد، وفي أي وقت يمكن لفلسطيني الوصول إلى أرضه أو منعه منها. هذا التحول البنيوي يعني أن إنتاج السيادة لم يعد حكراً على الجهاز العسكري، بل بات “موزعاً” بين مستويات سياسية ومجتمعية داخل المنظومة الاستعمارية، بحيث تصبح سلطات الاحتلال أشبه بـ “هيئة إدارة عليا” تشرف على واقع تُنتجه الجماعات الاستيطانية عبر العنف اليومي.8
وتكشف هذه الديناميكية عن انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلته الكلاسيكية—التي تقوم على قانون الدولة والمؤسسة العسكرية—إلى مرحلة الاستعمار المجتمعي حيث يصبح المجتمع الاستيطاني نفسه منتجاً مباشراً للهيمنة. وهذا ما يجعل الهيمنة أكثر مرونة واتساعاً، وأقل ارتباطاً بقرارات رسمية يمكن مساءلتها أو التفاوض حولها9.
وهنا تكمن الإشكالية الأعمق:
أي مقاربة سياسية تركّز على “سلوك حكومة الاحتلال الإسرائيلية” فقط ستفشل في تفسير الواقع، لأن مركز الفعل الاستعماري لم يعد موحداً. فالجماعات الاستيطانية ليست فقط منفّذة لقرارات الاحتلال، بل أصبحت أحد مصادر القرار الميداني، وواحدة من أهم أدوات خلق الوقائع على الأرض—وقائع لا تخضع لمنطق التفاوض ولا تلتزم بأي التزامات سياسية قد تترتب على العملية التفاوضية.
وبذلك، فإن السيادة الهجينة ليست مجرد ترتيبات أمنية، بل نموذج استعماري جديد يعيد تشكيل العلاقة بين الجيش والمستعمر، وبين الأرض وسكانها الأصليين، ويحوّل الصراع من صراع على السلطة إلى صراع على تعريف “السيادة” نفسها ومن يمتلك حق ممارستها.
رابعا – إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني تحت ضغط الفاعل الاستيطاني العنيف
يترك صعود الجماعات الاستيطانية الاستعمارية آثاراً بنيوية عميقة على النظام السياسي الفلسطيني، إذ يعيد توزيع مصادر الشرعية ويغيّر طبيعة الفاعلين داخل الحقل السياسي. ويتمظهر هذا التحوّل في ثلاثة مسارات مترابطة تتغذّى من بعضها وتنتج في مجموعها أزمة مركّبة تتجاوز حدود القدرة على الإدارة اليومية.
أول هذه المسارات يتمثل في التآكل المتسارع لشرعية السلطة الفلسطينية، حيث تبدو السلطة—في ظل اتساع العنف الاستيطاني وتزايد الاعتداءات على المجتمع القروي—عاجزة عن أداء الوظيفة الوطنية الأساسية المتمثلة في الحماية. وبذلك يتحول دورها تدريجياً إلى إدارة شؤون يومية وبيروقراطية للحياة، من دون قدرة فعلية على توفير الأمن الوجودي للسكان. ومع كل حادثة اعتداء على قرية، وكل عملية طرد قسري، وكل تدمير للمراعي أو مصادر المياه، يتعمّق الشرخ بين السلطة وجمهورها، وتتراجع الثقة بوصفها إطاراً قادراً على فرض ردع أو حتى تسجيل موقف سياسي مؤثر. هذا التدهور في الشرعية يعكس بوضوح انهيار فرضيات “أوسلو”، التي افترضت أنّ تقلّص الاحتلال وهيمنة الأمن سيفتحان المجال لنمو مؤسسات فلسطينية مستقرة، بينما الواقع يكشف أن المنظومة الاستعمارية لم تنسحب، بل توسّعت وتحوّلت وأنتجت فواعل جديدة أكثر تطرفاً وأبعد عن أي التزام سياسي.10
المسار الثاني يتعلق بـ تصاعد الخطاب المقاوم وتعزيز مكانة حركة حماس. ففي الفراغ الذي تتركه السلطة في مجال الحماية، يتقدم خطاب المقاومة بوصفه البديل الأكثر انسجاماً مع مشاعر الخذلان والغضب التي يعيشها الفلسطينيون، خاصة في المناطق القروية المعرّضة لهجمات الاستعمار الاستيطاني. وتزداد قدرة هذا الخطاب على اختراق الوعي العام بعد حرب الإبادة في غزة، حيث عزّزت حماس حضورها الرمزي وظهرت في نظر قطاعات واسعة كفاعل قادر على فرض كلفة على الاحتلال، ولو على المستوى الرمزي. حتى في غياب تنظيم ميداني كثيف للحركة داخل الضفة، فإن حضورها المعنوي والسياسي شهد تمدداً واضحاً، انعكس في إعادة توزيع توازنات القوة داخل المجال السياسي الفلسطيني، وفي تراجع الخطاب الرسمي لصالح سرديات المقاومة والتحرر11.
أما المسار الثالث فيتمثل في صعود تشكيلات المقاومة المحلية التي باتت تُعيد تعريف وظيفة المقاومة في الضفة الغربية. مجموعات مثل “عرين الأسود” في نابلس وكتائب جنين تقدم نموذجاً جديداً للمقاومة اللامركزية، المستندة إلى المبادرة المحلية وليس إلى البنية الفصائلية التقليدية. تنبع هذه التشكيلات من المجتمع نفسه، وتستمد شرعيتها من قدرتها على الرد على العنف الاستيطاني الاستعماري وحماية المجال القروي في لحظات غياب كامل لأطر الحماية الرسمية. وبذلك، فإنها لا تقدّم فقط بديلاً أمنياً، بل بديلاً سياسياً أيضاً، لأنها تُعيد توزيع الشرعية الوطنية من المركز—حيث المؤسسات التقليدية—نحو الأطراف، حيث تتشكّل مقاومات يومية ترتبط مباشرة بتجربة الناس في مواجهة الاقتلاع والتهديد12.
بهذه المسارات الثلاثة مجتمعة، يمكن القول إن صعود الجماعات الاستيطانية الاستعمارية لا يغيّر فقط الجغرافيا الفلسطينية، بل يُعيد هندسة البيئة السياسية برمتها، من شرعية السلطة إلى موقع الفصائل إلى طبيعة الفعل المقاوم، ويُدخل النظام السياسي الفلسطيني في لحظة اختبار وجودي غير مسبوقة منذ تأسيسه.
خامساً – الاقتصاد كأداة سيطرة: تفكيك القدرة المعيشية للمجتمع القروي الفلسطيني.
لا يقتصر أثر العنف الاستعماري على مجرد الاعتداءات الميدانية، بل يتجاوزها إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية–الاجتماعية للمجتمع القروي الفلسطيني، بحيث يصبح البقاء في الأرض عبئاً يفوق قدرة السكان على احتماله. ويُعد استهداف الاقتصاد القروي أحد أعمدة الاستراتيجية الاستعمارية، لأنه يمسّ مباشرة قدرة الفلسطينيين على الصمود في فضائهم المعيشي، ويفتح الطريق أمام تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
أظهر تقرير حماية موسم الزيتون لعام 2024 أن القيود الإسرائيلية والعنف المتصاعد أدّيا إلى تراجع كبير في قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وصيانة حقولهم. فقد بقي أكثر من 96,000 دونم دون حصاد في الموسم السابق، بخسائر بلغت 10 ملايين دولار، فيما تواصلت في 2024 الاعتداءات الواسعة، بما في ذلك 225 هجومًا للمستوطنين خلال موسم القطاف وحده. وأسهمت هذه الممارسات في تدهور الإنتاج وجودته، مستهدفة قطاعًا يشكّل مصدر رزق رئيسيًا لعشرات آلاف الأسر، ما يجعل استهداف الزيتون استهدافًا مباشرًا لبنية الصمود الفلسطيني13.
كما شهدت منطقة الأغوار والبادية الوسطى تراجعاً حاداً في الثروة الحيوانية، نتيجة الاعتداءات المنظمة على الرعاة، ومنعهم من الوصول إلى المراعي، ومصادرة المعدات، وإتلاف مصادر المياه. هذا الاستهداف لم يكن عرضياً أو فردياً، بل جزءاً من عملية تضييق ممنهجة تهدف إلى تقويض أحد أهم قطاعات البقاء الاقتصادي في القرى الفلسطينية.
أما على مستوى البنية السكانية، فقد أدت الاعتداءات المتكررة خلال 2024 إلى نزوح جماعي لعشرات التجمعات القروية، ما يعني أن مئات الأسر فقدت مصادر دخلها التي تعتمد بالكامل على الأرض والزراعة والرعي. ويؤدي هذا النزوح إلى حلقات متتابعة من التدهور: فقدان الأرض ← فقدان الدخل ← فقدان القدرة على العودة ← توسّع الفراغ الجغرافي المتاح للاستيطان.14
هذه النتائج ليست مجرد تداعيات جانبية لظاهرة العنف، بل تمثّل آلية مركزية في المشروع الاستيطاني تستهدف تفكيك ما يمكن تسميته بـ”اقتصادات البقاء”، وهي الاقتصادات الصغيرة والمتجذرة التي تربط الإنسان بأرضه. فحين تتفكك هذه الاقتصادات، يصبح المجتمع القروي هشاً، وأكثر عرضة للتهجير القسري، وأكثر ارتهاناً لشبكات المساعدات، وأقل قدرة على المقاومة اليومية15.
وتنعكس هذه التحولات على المستوى الاجتماعي والسياسي عبر ثلاث ظواهر رئيسية:
اتساع الاحتقان الاجتماعي نتيجة فقدان مصادر الرزق وانهيار أنماط الحياة التقليدية.
تعاظم انتقادات المجتمع للسلطة الفلسطينية بسبب غياب خطط فعّالة للحماية أو التعويض أو تطوير استراتيجيات صمود.
صعود بدائل غير رسمية—سواء كانت مبادرات مجتمعية، أو تشكيلات مقاومة محلية، أو شبكات تضامن—تملأ الفراغ الذي تركته المؤسسات الرسمية، وتعيد بناء أشكال جديدة من التنظيم المحلي.
بهذا المعنى، فإن الاقتصاد ليس مجرد ضحية للعنف الاستيطاني، بل حقل أساسي للصراع، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية كأدوات هندسة سكانية وجغرافية، بهدف إعادة تشكيل المجال الفلسطيني بما يخدم المشروع الاستيطاني.
سادساً – تفكيك إمكانية الدولة: كيف يُعيد تمدُّد مليشيات التلال صياغة نهايات حل الدولتين
يمثل تمدد الميليشيات الاستيطانية في الضفة الغربية واحداً من أكثر التحولات البنيوية التي تُسهم في إعلان الوفاة العملية لحلّ الدولتين. فالمشروع الاستعماري في شكله الجديد لا يكتفي ببناء مستوطنات أو السيطرة على طرق التفافية، بل ينشئ منظومة سيطرة مجهرية تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بما يجعل أي كيان فلسطيني مستقل غير قابل للحياة.16
تعمل هذه الميليشيات على تفتيت المجال الفلسطيني إلى وحدات منفصلة تماماً عن بعضها، بما يشبه “جزر سكانية” محاصرة داخل بحر استيطاني مستمر التمدد. ويحدث ذلك عبر التحكم بالمراعي والوديان والطرق الزراعية، بما يمنع التواصل الطبيعي بين القرى، ويحوّل الانتقال بين المناطق إلى عملية محفوفة بالمخاطر. ومع استمرار هذه الممارسات، يصبح من المتعذر تخيّل قيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً يمكنه ممارسة سيادته أو إدارة موارده أو ضمان حركة سكانه17.
وتقوم مليشيات التلال، بالتوازي مع البؤر الاستيطانية، بخلق ما يمكن وصفه بـ “شريط أمني–ديموغرافي” يحيط بالتجمعات الفلسطينية، ويشلّ قدرتها على التمدد العمراني أو الاقتصادي. هذا الحصار التدريجي لا يهدف فقط إلى سلب الأرض، بل إلى إعادة تعريف معنى الوجود الفلسطيني نفسه باعتباره وجوداً محاصراً، معطلاً، ومقسّماً إلى فضاءات صغيرة بلا قدرة على التكامل الداخلي.
ويمكن القول إن أثر هذه المنظومة يتجاوز البعد الجغرافي ليصل إلى البعد السياسي؛ إذ إن حلّ الدولتين يفترض بالضرورة وجود جغرافيا قابلة للتواصل، وحدود يمكن الاتفاق عليها، ومجال سيادي واضح. إلا أن السيادة الهجينة—الموزعة بين الجيش ومليشيات المستوطنين—خلقت واقعاً تتفكك فيه الدولة المحتملة قبل أن تولد، ويتبدد فيه مفهوم “السيادة الفلسطينية” في ممارسات استعمارية متدرجة تُسقط الإمكانية العملية لأي تسوية مستقبلية، وهو ما تؤكده تحليلات حديثة أن هذا التفكك ليس عَرَضياً، بل جزء من بنية استعمارية ممنهجة، وتُظهر الخرائط السياسية الحالية “ضفةً غربية مجزأة إلى جيوب سكانية مفصولة بجدران ونقاط سيطرة، تتخللها مستوطنات تعمل كأوتاد تمنع أي تواصل جغرافي فعلي، ما يجعل الاستقلال السياسي مجرد وهم هندسي.” وتشير التحليلات أن هذا الواقع ينتج “نظام سيطرة واحداً يمارس السيادة الفعلية على كامل الأرض، بينما تُمنح الفلسطينيين أشكال مقيدة من السلطة لا تغيّر في جوهر السيطرة الاستيطانية.18”
بهذا المعنى، لا يمثّل تمدد الميليشيات مجرد انتهاك إضافي لحقوق الفلسطينيين، بل يشكل تحدياً وجودياً للمفهوم السياسي للحلّ ذاته. فحين تتحول الأرض إلى شبكة معقدة من المناطق الخاضعة لسيطرة المستوطنين، وعندما تصبح الحركة الفلسطينية مقيدة ضمن فضاءات مقطعة، يصبح الحديث عن دولة مستقلة أقرب إلى خطاب رمزي لا يجد ما يسانده على الأرض.
إن المشروع الاستيطاني، في صيغته التي تقودها الميليشيات، لا يستهدف فقط الحاضر الفلسطيني، بل يوجّه ضربته نحو المستقبل السياسي للفلسطينيين، عبر إغلاق المسارات التاريخية التي بُني عليها حلّ الدولتين منذ التسعينيات.
سابعاً – السيناريوهات الفلسطينية المحتملة للتعامل مع تمدّد مليشيات التلال
تفرض الظاهرة الاستيطانية الجديدة—المتجسدة في مليشيات التلال—إعادة النظر في مسارات الفعل الفلسطيني الممكنة. إذ لم تعد التحديات مقتصرة على الاحتلال التقليدي، بل أصبحت مرتبطة بسيادة هجينة تجمع بين جيش الاحتلال وتجمعات المستوطنين كفاعلين متوازيين. وفي هذا السياق، يمكن استشراف خمسة سيناريوهات رئيسية للتعامل الفلسطيني مع التحولات المتسارعة.
السيناريو الأول: الاستمرار تحت ضغط التحولات
يقوم هذا السيناريو على استمرار السلطة الفلسطينية في نمط إدارة الأزمات دون قدرة على التحول إلى فاعل استراتيجي، في ظل توسّع الهجوم الاستيطاني الذي يعمّق تفتيت الجغرافيا، ويقيّد الحركة، ويوسّع السيطرة الهجينة للجيش والمستوطنين. وتجد السلطة نفسها محصورة في وظائفها الإدارية والأمنية الداخلية مع تراجع متزايد في قدرتها على حماية التجمعات القروية، نتيجة قيود بنيوية تشمل استمرار التنسيق الأمني، والضغوط الدولية للحفاظ على الوضع القائم، والعجز المالي، إضافة إلى واقع ميداني تُصاغ فيه السيطرة الفعلية على الأرض خارج قدرة المؤسسات الرسمية19.
وينتج عن ذلك تحوّل السلطة إلى فاعل تفاعلي أكثر منه مبادر، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاطر استراتيجية تشمل اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، وتآكل شرعيتها، وظهور مبادرات حماية محلية مسلحة غير منظمة تُضعف مركزية القرار، إضافة إلى تعميق التفكك الجغرافي والسيادي بما يهدد أي إمكانية مستقبلية لإطار حكم مستقر20. وبالنظر إلى ثبات العوامل البنيوية التي تغذي هذا المسار، فإن احتمالية تحقق هذا السيناريو تُعد مرتفعة–متوسطة في المدى المنظور.
السيناريو الثاني: التحوّل نحو مقاومة مجتمعية منظمة
يستند هذا السيناريو إلى بناء منظومات حماية ذاتية داخل القرى والمجتمعات الريفية، تعتمد على الحراسة الشعبية، الإنذار المبكر، المراقبة والتوثيق، والتنسيق الحقوقي المحلي والدولي، بوصفها أدوات غير عسكرية للحد من اعتداءات المستوطنين وتعزيز صمود السكان21. وتُظهر المعطيات الميدانية أنّ تراكم خبرات التهجير وتدمير مصادر الرزق أصبح يشكّل قاعدة اجتماعية تدفع المجتمعات الريفية للتحول من موقع الاستهداف إلى موقع الفاعلية في حماية مجالها. فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش تهجير أكثر من 6,200 فلسطيني منذ أكتوبر 2023 بفعل هجمات المستوطنين والهدم، ووصفت هذا العنف بأنه سياسة ممنهجة مدعومة من الدولة، إضافة إلى منع واسع للفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية واعتداءات متكررة على المزارع والمحاصيل. هذه الوقائع عزّزت اتجاهات محلية نحو تطوير آليات حماية ذاتية وصمود مجتمعي.22
غير أن نجاح هذا المسار يتطلب درجة من التنظيم المركزي والتنسيق مع مؤسسات السلطة الفلسطينية، إذ إن غياب الإطار الجامع قد يحول هذه المبادرات إلى جهود متفرقة يسهل احتواؤها أو توظيفها من قبل الاحتلال لتبرير مزيد من القمع. كما أن محدودية الموارد وضعف التشبيك مع المؤسسات الرسمية يهددان استدامة هذه الهياكل المجتمعية23. ورغم ذلك، تبقى احتمالية تحقق السيناريو متوسطة في حال تبنّت منظمات المجتمع المدني دوراً تكاملياً ومنتظماً في تطوير هذه الأدوات ودعم المجتمعات القروية بشكل مؤسسي.
السيناريو الثالث: مأسسة الوحدة الوطنية وإنتاج قيادات متعددة المستويات
يرتكز هذا السيناريو على إدراك فلسطيني متزايد بأن المشروع الوطني لم يعد قابلًا للاستمرار دون إعادة بناء مؤسسة سياسية شاملة تتجاوز منطق “المصالحة الإجرائية” الذي ساد في العقدين الماضيين. ويفترض هذا المسار الانتقال نحو إطار تنسيقي يجمع القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية ضمن منظومة قيادة وطنية جديدة، تُعاد فيها صياغة توزيع الأدوار بين المقاومة، والدبلوماسية، والمؤسسات الرسمية، وآليات الحماية المجتمعية، بحيث تصبح التعددية مصدر قوة لا عامل انقسام.
ويستمد هذا السيناريو زخمه من انهيار فرضيات أوسلو، وفشل المسار التفاوضي، واتساع التأييد الشعبي لفكرة الوحدة، إضافة إلى انكشاف البنية الاستعمارية إقليميًا ودوليًا بعد حرب الإبادة في غزة. غير أنّ تحقيقه يواجه تحديات عميقة تتعلق بتدخلات إقليمية ودولية متعارضة، وبنية سياسية منقسمة يصعب دمجها في إطار قيادي موحد، فضلًا عن تباين التصورات حول وظائف السلطة وأدوار الفاعلين الوطنيين.24 لذلك تُصنّف إمكانية تحقق هذا السيناريو بأنها منخفضة في المدى القريب نظرًا لتعقيدات المشهد الداخلي وتشابكه مع حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
السيناريو الرابع: انكشاف النظام السياسي دون انهيار مؤسسي
يفترض هذا السيناريو استمرار بقاء المؤسسات الفلسطينية ضمن بنيتها الشكلية الحالية، لكن مع تراجع قدرتها الفعلية على تمثيل المجتمع أو ممارسة وظائف الحماية في المجال القروي والريفي. في هذا السياق، يتحول القرار السياسي تدريجيًا إلى جهاز بيروقراطي محدود الفاعلية، فيما تنتقل القدرة الواقعية على التأثير إلى المبادرات المحلية والشبكات المجتمعية، أو إلى الفاعلين المسلحين في بعض المناطق. ويتيح هذا الفراغ البنيوي للمستوطنين، عبر سياسات المصادرة والعنف، إعادة تشكيل الجغرافيا والسيادة الفعلية على الأرض، الأمر الذي يحوّل السلطة الفلسطينية القائمة إلى كيان ذي حضور رمزي أكثر منه مؤثر ميدانيًا25.
ويستند هذا المسار إلى مجموعة من العوامل البنيوية التي تناولتها الأدبيات التحليلية، خصوصًا ما يرتبط بتآكل مرتكزات الشرعية السياسية، وتراجع الوظيفة الاجتماعية للسلطة، وضعف أدواتها العدلية والأمنية في مناطق الاحتكاك. فمع انحصار قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سياسات عامة أو تقديم حماية فعّالة، تزداد احتمالات بروز سلطات أمر واقع محلية أو شبكات نفوذ متنافسة، بما يعمّق الانقسام الجغرافي والسياسي ويوسّع الفجوة بين المجتمع والبنى الرسمية26. ووفقًا للمعطيات البنيوية حول تآكل مرتكزات الشرعية وتراجع الفاعلية المؤسسية، يُصنَّف هذا السيناريو ضمن مستوى الاحتمالية المرتفعة، بوصفه نتاجًا لتراكم اختلالات هيكلية أكثر منه نتيجة لتطورات ظرفية.
السيناريو الخامس: التحول نحو مقاومة سياسية- قانونية دولية
يفترض هذا السيناريو انتقال الفعل الفلسطيني من ساحة الاشتباك الميداني المحدود إلى ساحة القانون الدولي، عبر تحويل العنف الاستيطاني والتهجير القسري إلى ملفات مركزية في المؤسسات الدولية. ويرتكز هذا المسار على تفعيل أدوات المساءلة الدولية، وتوسيع اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبناء ملفات أدلة ممنهجة حول الانتهاكات البنيوية، بما فيها تدمير مصادر العيش ومنع الوصول إلى الأراضي27. ويقوم جوهر السيناريو على رفع الكلفة السياسية والحقوقية على الكيان الإسرائيلي عبر بناء تحالفات مع حركات التضامن العالمية، والاستفادة من التحولات الواسعة في الرأي العام الدولي بعد حرب الإبادة في غزة، خاصة في ظل الأدلة الميدانية التي وثقتها العفو الدولية في تقريرها لعام 2024 بشأن أنماط السلوك التي ترقى إلى جرائم ابادة28.
غير أنّ هذا المسار، رغم قدرته على إعادة تعريف القضية في الإطار القانوني العالمي، يظل بطيئاً في تحقيق نتائج مباشرة على حماية التجمعات القروية في مناطق الاحتكاك. كما يواجه تحديات تتعلق بقدرة المؤسسات الفلسطينية على إنتاج ملفات مهنية ومتناسقة، وضعف البنية السياسية الداخلية اللازمة لقيادة هذا التوجه بفاعلية. ومع ذلك، يمكن أن يتحول إلى مسار أكثر تأثيراً إذا ترافق مع إصلاح داخلي يعالج أزمة الشرعية، ويعيد بناء مؤسسات التمثيل الوطني، ويضمن وحدة المرجعية القانونية والسياسية29. وبناءً على هذه المعطيات، تُصنَّف احتمالية تحقق السيناريو بأنها متوسطة.
الخاتمة
تُجسّد مليشيات التلال ذروة التطرّف داخل المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، إذ لم يعد المستوطن فيها مجرد مستفيد من منظومة الاحتلال، بل تحول إلى فاعل ميداني منتج للسيادة ومحرّك رئيسي لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية. وبهذا المعنى، فإن صعود هذه الجماعات لا يُمثّل انحرافاً، بل تطوراً عضوياً في مسار الاستعمار الإحلالي، حيث يتداخل العنف الميداني مع الأجهزة الرسمية في إنتاج سيادة هجينة تُفكّك المجال القروي الفلسطيني على نحو منهجي.
كما تكشف هذه الظاهرة عن موجة متقدمة من التطرف العنيف والإرهاب المرتبط ببنية الاستعمار الكولونيالي، وهو ما يفرض إدراجها ضمن إطار أوسع في دراسات التطرف، نظراً لكونها تمارس عنفاً سياسياً منظماً يستهدف السكان الأصليين ويعمل على إعادة هندسة المكان والديموغرافيا بما يخدم أهداف السيطرة الإحلالية. وإهمال هذا البعد البحثي يُبقي تفسير الظاهرة ناقصاً ويغفل دور المستوطن كفاعل عنيف ذي مشروع سياسي واضح لا يقل خطورة عن الجماعات الإرهابية التقليدية.
لقد أدّى تمدد مليشيات التلال، وتحوّلها إلى ذراع ميدانية للهيمنة، إلى انهيار ما تبقّى من فرضيات أوسلو ومن مقولة “السلام مقابل الأمن”، وأعاد تعريف التحدي المطروح على الفلسطينيين، من مجرّد إدارة أزمة مزمنة إلى إعادة بناء مشروع وطني مقاوم يقوم على ثلاثة أعمدة:
تعزيز الصمود المجتمعي في الفضاء الريفي القروي،
إعادة تشكيل التمثيل السياسي وآليات القيادة،
وتفعيل المساءلة الدولية بوصفها مساراً سياسياً وقانونياً يفرض كلفة على الاحتلال.
إن مستقبل الضفة الغربية لن يُحسم فقط بقدرة الفلسطينيين على مواجهة عنف المستوطنين، بل بقدرتهم على إعادة بناء السياسة نفسها بوصفها أداة للتحرر الوطني. فالمعركة لم تعد على الحدود أو المساحات فحسب، بل على تعريف السيادة، وعلى من يمتلك الحق في إنتاجها وممارستها. وفي هذا السياق، يصبح فهم مليشيات التلال كحركة استعمارية عنيفة—وليست مجرد مجموعات منفلتة—خطوة أساسية لوضع استراتيجيات فلسطينية قادرة على صياغة مستقبل مختلف في وجه مشروع إحلالي يتسع بلا قيود.
اقرأ المقال في النسخة التفاعلية