شركات التكنولوجيا كقوة سيادية جديدة: من أوكرانيا إلى غزة

تهدف هذه المقالة إلى تحليل صعود شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها قوة سيادية جديدة في الحروب المعاصرة، وذلك من خلال دراسة دورها في إدارة البنية التحتية الرقمية الحيوية للصراع، كما يتجلى في حالتي أوكرانيا وغزة. وتنطلق المقالة من سؤال مركزي مفاده: إلى أي مدى أدى اعتماد الدول المتزايد على شركات التكنولوجيا الخاصة إلى إعادة تشكيل مفهوم السيادة واحتكار أدوات الحرب؟ وما هي التداعيات السياسية والقانونية والأخلاقية لهذا التحول في عصر الحروب الرقمية؟

مشهد من حروب العصر الرقمي

شهدت الحروب المعاصرة تحولًا بنيويًا عميقًا في طبيعة القوة وأدواتها، متجاوزة الأطر التقليدية التي حصرت إدارة الصراع في الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية. فلم يعد التحكم في الأرض أو امتلاك الأسلحة التقليدية وحده كافيًا لحسم المعارك، بل أصبحت السيطرة على البنية التحتية الرقمية—ولا سيما شبكات الاتصالات والبيانات—عاملًا حاسمًا في إدارة العمليات العسكرية وضمان استمرارية الدولة نفسها في زمن الحرب

وفي هذا السياق، برزت شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها فاعلين مركزيين يمتلكون قدرات تتجاوز حدود السيادة الوطنية، من خلال سيطرتهم على شبكات الاتصالات الفضائية، والبنى السحابية، والخوارزميات المستخدمة في التحليل والاستهداف. ويثير هذا التحول تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة السيادة في القرن الحادي والعشرين: إلى أي مدى ما تزال الدولة تحتكر أدوات الحرب، في عصر يعتمد بشكل متزايد على شركات خاصة يمكنها، بقرارات تقنية أو تجارية، تمكين القوات العسكرية أو تعطيلها؟

وتتناول هذه المقالة هذا التحول من خلال تحليل دور شركات التكنولوجيا في حالتي أوكرانيا وغزة، بوصفهما نموذجين كاشفين لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والحرب والفضاء الرقمي، وما يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وقانونية وأخلاقية

 

أوكرانيا: ستارلينك من شريان حياة إلى أداة جيوسياسية

عندما أطلقت روسيا غزوها الواسع لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، سعت كييف بشكل عاجل إلى الحصول على دعم في مجال غير تقليدي لكنه بالغ الأهمية: الإنترنت الفضائي. وقد استجاب إيلون ماسك بسرعة، حيث تم نشر مئات من أجهزة “ستارلينك” للحفاظ على الاتصالات في ظل تدمير البنية التحتية الأرضية. وخلال أشهر قليلة، توسع الانتشار ليشمل أكثر من 50 ألف محطة داخل أوكرانيا، تم تمويل العديد منها من قبل جهات دولية مانحة؛ إذ قدمت بولندا وحدها نحو 25 ألف محطة، وتكفلت بتغطية تكاليف الاشتراك التي بلغت نحو 89 مليون دولار

تحول “ستارلينك” إلى شريان حياة رقمي لكل من الجيش والمدنيين. فمن خلال هذه الشبكة، تمكنت الوحدات العسكرية من الحفاظ على الاتصال فيما بينها، وبقيت الطائرات المسيّرة مرتبطة بمشغليها، واستمرت الحكومة في الوصول إلى البيانات المخزنة سحابيًا، ما أتاح لمؤسسات الدولة الاستمرار في العمل في أقسى الظروف. وقد لخّص أحد المسؤولين الأوكرانيين هذا الواقع بالقول: “من دون ستارلينك، لما كانت الدولة لتصمد—لقد حافظ على وجودنا ذاته.

غير أن الوجه الآخر لهذه المعادلة سرعان ما برز. فما بدأ كمبادرة إنسانية من شركة خاصة، تحوّل تدريجيًا إلى ورقة ضغط جيوسياسية. ففي خريف عام 2022، ومع تقدم القوات الأوكرانية داخل خطوط العدو، بدأت موسكو بالتهديد بأن الأقمار الصناعية التجارية المستخدمة لأغراض عسكرية قد تصبح أهدافًا مشروعة. وفي الفترة نفسها، دخل ماسك في نقاشات غير معلنة مع مسؤولين أمريكيين حول مخاطر التصعيد النووي الروسي. وبعد ذلك بوقت قصير، أصدر توجيهًا مفاجئًا يقضي بتعليق تغطية “ستارلينك” في المناطق التي تقدمت إليها القوات الأوكرانية قرب الحدود الروسية.

 

وكانت النتيجة فقدانًا مؤقتًا للاتصال لدى وحدات الخطوط الأمامية؛ إذ أفاد جنود أوكرانيون بأنهم أصبحوا “عميانًا” من دون الإنترنت، كما توقفت حملة لتطويق موقع روسي بسبب انقطاع الاتصالات. وقد شكّل هذا الحدث غير المسبوق—وهو أول حالة موثقة لإيقاف متعمد لخدمة حيوية أثناء القتال النشط—صدمة حتى داخل شركة ستارلينك نفسها. وفعليًا، أعاد هذا القرار رسم خطوط المواجهة، ومنح ماسك قدرة على التأثير في مجريات الحرب، حيث وصف أحد المطلعين الوضع بقوله إن “نتيجة الحرب أصبحت بين يديه”. وبصورة عملية، بات استمرار العمليات العسكرية الأوكرانية معتمدًا على قرار شخص واحد وشركته.

غير أن الجانب الآخر من هذه المعادلة سرعان ما تكشّف. فما بدأ كمبادرة إنسانية طوعية من شركة خاصة، تحوّل تدريجيًا إلى أداة ضغط جيوسياسية ذات تأثير مباشر في مسار العمليات العسكرية. ففي خريف عام 2022، ومع تحقيق القوات الأوكرانية تقدمًا داخل خطوط السيطرة الروسية، بدأت موسكو بإطلاق تهديدات علنية مفادها أن الأقمار الصناعية التجارية المستخدمة لأغراض عسكرية يمكن اعتبارها أهدافًا مشروعة. وفي الوقت ذاته، دخل إيلون ماسك في نقاشات غير معلنة مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية، على خلفية مخاوف من التصعيد النووي الروسي.

 

وفي أعقاب هذه النقاشات، اتخذ ماسك قرارًا مفاجئًا بتعليق خدمة “ستارلينك” في مناطق معينة كانت القوات الأوكرانية قد تقدمت إليها قرب الحدود الروسية. وأسفر هذا القرار عن انقطاع مفاجئ للاتصالات لدى وحدات الخطوط الأمامية، حيث أفاد جنود أوكرانيون بأنهم فقدوا القدرة على التواصل، وأصبحوا “عميانًا” ميدانيًا دون الإنترنت. كما توقفت عملية عسكرية كانت تهدف إلى تطويق موقع روسي بسبب فقدان الاتصال. وقد مثّل هذا الحدث سابقة غير معهودة في تاريخ الحروب الحديثة، إذ كانت تلك أول حالة موثقة يتم فيها تعطيل خدمة رقمية حيوية بقرار مباشر من شركة خاصة أثناء اشتباكات عسكرية نشطة.

أثار هذا القرار صدمة حتى داخل شركة ستارلينك نفسها، حيث عبّر بعض الموظفين عن دهشتهم من حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه قرار تقني واحد على مجريات الحرب. وفعليًا، أعاد هذا التعطيل المؤقت رسم خطوط المواجهة، ومنح ماسك قدرة غير مسبوقة على التأثير في مسار العمليات العسكرية، إلى درجة وصف أحد المطلعين الوضع بأن “نتيجة الحرب أصبحت بين يديه”. وبصورة عملية، بات استمرار العمليات العسكرية الأوكرانية مرهونًا بقرار شخص واحد وشركته، لا بقرار دولة حليفة.

وأمام هذه التطورات، بدأت الحكومات تدرك أن الاعتماد على “حسن نية” شركة خاصة ينطوي على مخاطر استراتيجية جسيمة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2022، صرّح ماسك علنًا بأنه لا يستطيع الاستمرار في تمويل عمليات “ستارلينك” في أوكرانيا إلى أجل غير مسمى، مشيرًا إلى أن التكلفة الشهرية بلغت نحو 20 مليون دولار، وداعيًا وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى التدخل. وعلى الرغم من تراجعه لاحقًا عن التهديد بوقف الخدمة، إلا أن الرسالة كانت واضحة: استمرار الدعم يتطلب التزامًا رسميًا من الدولة.

وبحلول منتصف عام 2023، وقّع البنتاغون عقدًا رسميًا مع شركة “سبيس إكس” لتأمين خدمات “ستارلينك” لأوكرانيا، ما أنهى الجدل حول التمويل، ووضع الخدمة ضمن إطار حكومي رسمي. ومع ذلك، احتفظت الشركة بنفوذ عملي كبير، إذ ظلت تمتلك القدرة التقنية على تقييد الخدمة جغرافيًا عبر ما يُعرف بسياسة “التسييج الجغرافي” بما يسمح بمنع استخدام الشبكة في عمليات هجومية تعتبرها الشركة أو الجهات المتعاقدة معها عالية المخاطر.

وهكذا، تحوّل “ستارلينك” من مجرد شريان حياة تقني إلى أداة جيوسياسية بالغة الحساسية، يتم تشغيلها بحذر وفق تقييمات ماسك الخاصة لمخاطر التصعيد، وأصبحت عنصرًا مركزيًا في التفاعلات بين واشنطن وكييف. ووجدت أوكرانيا نفسها أمام واقع جديد: الجهة التي تضمن اتصالات جيشها ليست دولة حليفة، بل شركة خاصة تفرض شروط استخدامها في ساحة المعركة.

غزة: الاتصالات تحت الحصار الرقمي

في قطاع غزة المحاصر، حيث يعتمد أكثر من مليوني إنسان على بنية تحتية هشة، شكّلت الاتصالات إحدى ساحات الحرب الخفية. مع اندلاع جولة القتال الأخيرة في أكتوبر 2023، فرضت إسرائيل تعتيما رقميا شبه كامل ضمن استراتيجيتها العسكرية. تعرّضت الشبكات الأرضية للقصف ونضبت إمدادات الوقود للمولدات، مما أدى إلى انقطاع الإنترنت والهاتف عن غزة بأكملها ليلة 27 أكتوبر. خلال تلك الساعات العصيبة، ووسط أعنف قصف جوي، عمّت الفوضى: لم يتمكن المسعفون من التواصل عبر أجهزة اللاسلكي أو الهواتف، فراحوا يتوجهون بسيارات الإسعاف نحو مواقع الانفجارات عشوائياً لمحاولة إنقاذ الجرحى، الأسر المذعورة فقدت الاتصال بأحبّتها، والمستشفيات عجزت عن تنسيق عملياتها الإغاثية. وعلى الرغم من النداءات الدولية لتحييد البنية التحتية المدنية، أقرّ مسؤولون إسرائيليون بأن قطع اتصالات العدو يعدّ تكتيكا حربيا معتادا لكافة الجيوش. هكذا اُستخدِمت الهيمنة الرقمية كأداة حصار تُضاف إلى منع الغذاء والوقود – في تأكيد صارخ أن السيطرة على الفضاء الإلكتروني أصبحت جبهة قتال بحد ذاتها.

أمام هذا المشهد، برز حل غير تقليدي: شبكة ستارلينك مجدداً. أطلق ناشطون حول العالم حملة إلكترونية تناشد إيلون ماسك توفير خدمة الإنترنت الفضائي لغزة المحاصرة. تردد ماسك في البداية متسائلًا عمّن “يملك السلطة على الأرض” لتنسيق التشغيل، ثم أعلن أن شركته ستدعم الاتصال لصالح المنظمات الإغاثية الدولية المعترف بها في غزة. لكن سرعان ما أتت الاعتراضات من أعتى قوتين معنيتين: إسرائيل والولايات المتحدة. حذّر وزير الاتصالات الإسرائيلي صراحةً من الخطوة وهدّد بقطع كل العلاقات مع ستارلينك إن مضت بالخطة. وصرّح بأن حماس ستستغلها لأغراض إرهابية معتبراً أي اتصال فضائي مباشر بمثابة كسر للحصار الرقمي المفروض على القطاع. لم تُخف واشنطن أيضاً مخاوفها من وقوع التقنية بيد عناصر معادية، إذ يعني ذلك إحباط جهود الاستخبارات لرصد الاتصالات ومنح الفصائل قدرة على التنسيق بعيداً عن أعين الجيش الإسرائيلي. أمام هذه الضغوط، تراجع ماسك خطوة إلى الوراء مبدياً تفهماً للهواجس الأمنية، وأكد أن شركته “ليست ساذجة” وستجري تنسيقاً أمنياً مع حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل قبل تفعيل أي محطة في غزة. بكلمات أخرى، حتى لو امتلكت شركة خاصة قدرة تقنيّة لتعويض البنية التحتية المدمرة، فإن قرار استخدامها صار رهينة التوافقات السياسية والأمنية والمالية مع الدول.

إلى جانب الاعتبارات الأمنية البحتة، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذه المعادلة. ستارلينك ليست منظمة مجتمع مدني، وإيلون ماسك ليس فاعلاً محايداً في نزاعات كهذه. تشغيل آلاف المحطات في أوكرانيا كلّف شركته ملايين الدولارات شهرياً، ودفعه إلى الدخول في مفاوضات مطوّلة مع البنتاغون للحصول على تمويل رسمي بدل تحمّل العبء منفرداً. وفي غزة تبدو الصورة أكثر تعقيداً: فكل قرار يتعلق بتفعيل الإنترنت أو منحه لطرف دون آخر يجري في خلفيته حساب للمصالح وصفقات محتملة ونفوذ سياسي، بل ومستقبل عقود بمليارات الدولارات. شركات التكنولوجيا الكبرى ترى في الحروب فرصة توسّع بقدر ما تراها مخاطرة، والدول من جهتها تتعامل معها بوصفها مقاولاً سيادياً يُشغَّل عندما يخدم أهدافها، ويُقيَّد حين يهدّد توازن القوة.

هذا كُله يرتبط بسياق أوسع من السيطرة الرقمية كأداة للاحتلال. فمنذ سنوات، طورت إسرائيل منظومات تقنية لإحكام قبضتها على السكان الفلسطينيين ومراقبتهم بشكل غير مسبوق. على سبيل المثال، تستخدم السلطات نظامي “الذئب الأزرق” Blue Wolf و “الذئب الأحمر” Red Wolf لمراقبة الفلسطينيين وتعزيز القيود المفروضة عليهم. كشفت تقارير حقوقية أن Red Wolf هو نظام تجريبي للتعرّف على الوجوه بواسطة كاميرات مثبتة على الحواجز في الضفة الغربية. يقوم هذا النظام بمسح وجوه الفلسطينيين تلقائيًا ومقارنتها بقاعدة بيانات ضخمة؛ فإن لم يجد للفرد “مطابقة” في سجلاته يمنعه من المرور ويضيف صورته إلى القاعدة البيومترية تلقائيا. أما Blue Wolf فهو تطبيق للهواتف الذكية بحوزة الجنود، يتيح لهم الوصول الفوري إلى قاعدة بيانات “حزمة الذئب” Wolf Pack التي تحتوي معلومات شاملة عن كل فلسطيني – من محل السكن وأفراد الأسرة وحتى التصنيف الأمني. الأخطر أن هذه الممارسة تحوّلت إلى منافسة بين الجنود، حيث يتسابقون لتصوير أكبر عدد من وجوه الفلسطينيين عبر التطبيق للحصول على “نقاط” وتقدير قياداتهم. هكذا تجذّرت السيادة الرقمية الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين: كاميرات في كل زاوية، وخوارزميات تتحكم بمن يُسمح له بالعبور، وقواعد بيانات ترسم صورة شاملة لكل فرد تحت الاحتلال.

يعزز هذه الهيمنة الرقمية تعاون عمالقة وادي السيليكون أنفسهم مع منظومة الأمن الإسرائيلية. فـمشروع نيمبوس (Project Nimbus) مثلًا هو عقد شراكة بقيمة 1.2 مليار دولار يزود بموجبه شركتا Google وAmazon الحكومة الإسرائيلية بخدمات حوسبة سحابية متقدمة تشمل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. وبموجب شروط العقد، يلتزم العملاقان الأمريكيان بإنشاء بنية تحتية سحابية داخل إسرائيل وإبقاء البيانات ضمن حدودها والأهم أنه لا يحق لهما قانونًا رفض تقديم الخدمة لأي جهة حكومية إسرائيلية – بما فيها الجيش – تحت أي ظرف. ظهر لاحقاً أن مسؤولين في الشركتين أقرّوا داخلياً بأن هذه التقنيات قد تُسخَّر لانتهاك حقوق الإنسان، تحديدًا في غزة والأراضي المحتلة. ومع ذلك، مُضيَ بالمشروع وسط تكتم شديد. هذا الواقع يُظهر جانباً آخر لمعادلة الشركات والدول: حين تكون الشركة هي المزوّد والبنية التحتية بيدها، تسعى الدولة لضمان ولائها تعاقدياً وضبط أي نزعة “استقلالية” قد تمارسها. رفض إسرائيل السماح بستارلينك لغزة يعكس خوفاً من فقدان هذا التحكم الرقمي الحصري. وإذا كان لا بد من إدخال التقنية فليكن بشروط سيادية: بالفعل، بعد أشهر من الحرب وبوساطة أطراف إقليمية، سُمح بنشر محدود لستارلينك في مستشفى ميداني تحت إدارة إماراتية بمدينة رفح جنوب غزة. جاء ذلك بعد حصول موافقة رسمية إسرائيلية وتطمينات أمنية بأن الاستخدام سيكون محصوراً ولأغراض طبية فقط. ووفق تقارير لاحقة، تفاوضت الأمم المتحدة مع إسرائيل لنشر نظام ستارلينك في مواقعها بغزة بشرط القدرة على تعطيله عن بُعد إن وقع في أيدي غير مصرح لها. هذه الأمثلة تؤكد ترابط السيادة الأمنية بالدولة مع السيادة التقنية للشركات في ساحات الصراع الحديثة، حيث لا يقبل الطرف الحكومي التفريط بتحكمه المطلق، ولا يمكن للطرف التقني تنفيذ رؤيته الإنسانية دون مباركة سياسية.

 

السيادة الرقمية وخصخصة بنية الحرب: من الاتصالات إلى الاستهداف الخوارزمي

تُظهر المعطيات السابقة تحولًا عميقًا في مفهوم السيادة ضمن الحروب الحديثة. فلطالما احتكرت الدول أدوات الحرب التقليدية—من السلاح واللوجستيات إلى الاتصالات—غير أن البنية التحتية الرقمية للحرب باتت اليوم مخصخصة إلى حدّ كبير، وتملكها وتديرها شركات تكنولوجيا عابرة للحدود، يفوق نفوذ بعضها نفوذ دول كاملة. ويُشار إلى هذا التحول غالبًا بمفهوم “السيادة الرقمية”، أي السيطرة على الفضاء الرقمي وموارده. والمفارقة أن هذه السيادة لم تعد حكرًا على الدول، إذ باتت شركات التكنولوجيا نفسها تمارس سلطة سيادية فعلية بحكم سيطرتها على الأدوات الحاسمة لإدارة الصراع.

 

يمتلك إيلون ماسك، عبر أقمار “ستارلينك”، قدرة نظرية على وصل أو قطع الإنترنت في أي مكان ضمن نطاق تغطية الشبكة، وبدرجة كبيرة خارج الرقابة الحكومية المباشرة. وقد حذّر مسؤولون ومشرّعون من المخاطر الكامنة في تركيز هذا القدر من القوة في يد فرد واحد. فقد نبّهت عضوة مجلس اللوردات البريطاني، مارثا فوكس، إلى أن هيمنة ماسك العالمية تُبرز مخاطر السلطة غير المنظّمة، مؤكدة أن “السيطرة على بنية تحتية حيوية بالكامل وفق تقدير شخص واحد” تمثل تهديدًا خطيرًا. وبذلك، تكون شركات التكنولوجيا قد استحوذت على نفوذ كان حكرًا على الحكومات السيادية، ما دفع إلى المطالبة بآليات مساءلة ورقابة على هذه السلطة الجديدة.

 

ولا تقتصر خصخصة بنية الحرب على مجال الاتصالات فحسب. فاعتماد الجيوش على الحوسبة السحابية يُجسّد هذا التحول بوضوح. فالجيش الأمريكي، على سبيل المثال، يعتمد على خدمات مايكروسوفت وأمازون لتخزين وتحليل البيانات الاستخباراتية وتشغيل تطبيقات حيوية. أما إسرائيل، ومن خلال مشروع “Nimbus” ، فقد ضمنت قدرات متقدمة في الحوسبة والذكاء الاصطناعي عبر عقود مع شركات عالمية، مع بنود تضمن استمرارية الخدمة حتى في ظل الضغوط السياسية. كما تلعب شركات التكنولوجيا دورًا مباشرًا في حروب المعلومات والحرب السيبرانية؛ ففي أوكرانيا، قدّمت مايكروسوفت دعمًا سيبرانيًا واسعًا لكييف، وأفادت الشركة بأن مساهماتها التقنية والمالية تجاوزت 239 مليون دولار، شملت نقل بيانات الحكومة الأوكرانية إلى خوادم سحابية خارجية لحمايتها من الهجمات الروسية، والدفاع عن البنية التحتية المدنية ضد الهجمات السيبرانية.

 

يثير هذا الانخراط غير المسبوق للقطاع الخاص في تمويل وإدارة الحرب أسئلة جوهرية حول حدود نفوذه. فإذا كانت شركات مثل سبيس إكس ومايكروسوفت وأمازون قد أصبحت “شركاء في الحرب”—سواء عبر دعم دولة ما أو امتلاك القدرة على تعطيل قدرات دولة أخرى—فهل يمكن الاستمرار في اعتبارها مجرد متعهدين تقنيين؟ أم أنها تحولت إلى فاعلين سياديين إلى جانب الدول؟

ويتجاوز هذا المنطق مجال التكنولوجيا إلى قطاعات أخرى، إذ اضطلعت شركات عسكرية خاصة بأدوار كانت حكرًا على الجيوش النظامية، مثل مجموعة “فاغنر” الروسية أو متعاقدي الأمن الخاص في نزاعات الشرق الأوسط. ورغم اختلاف طبيعتها عن شركات التكنولوجيا العملاقة، إلا أنها تشترك معها في تقويض احتكار الدولة للعنف وأدوات الحرب. وفي الفضاء السيبراني، تشارك مجموعات قرصنة خاصة وشركات تطوّر أدوات هجومية متقدمة في الصراعات بين الدول، كما هو الحال مع شركة NSO الإسرائيلية وبرنامج “بيغاسوس” المستخدم من قبل عدة حكومات لأغراض المراقبة. وهكذا، يتشكل نظام جديد تتقاطع فيه السلطة السيادية للدولة مع النفوذ التقني للشركات، وتُعاد فيه صياغة حدود المسؤولية والقوة.

تاريخيًا، يمكن تشبيه هذا الواقع بشركة الهند الشرقية التي مارست سلطة اقتصادية وعسكرية ذات طابع سيادي لصالح التاج البريطاني. واليوم، تمتلك شركات التكنولوجيا، وإن بدوافع مختلفة، جيوشًا حديثة تتمثل في الأقمار الصناعية، ومنصات البيانات، وجيوش من المهندسين. وهذا يستدعي إطارًا مفاهيميًا جديدًا لفهم القوة، لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود والدبابات، بل بملكية الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الصناعية منخفضة المدار.

وإلى جانب السيطرة على الاتصالات، كشفت التطورات في غزة اتجاهًا أكثر خطورة: عسكرة اتخاذ القرار نفسه عبر الخوارزميات. فقد أشارت تحقيقات صحفية إلى استخدام الجيش الإسرائيلي نظامًا آليًا يُعرف باسم “Lavender” لتحديد الأهداف البشرية خلال العمليات العسكرية، حيث يقوم النظام بتصنيف الفلسطينيين وفق “احتمالية الانتماء إلى حماس”، ويُنتج توصيات بالاستهداف بهامش خطأ مُعلن يصل إلى 10%. وبذلك، قد يُدرج مئات المدنيين ضمن قوائم القتل المحتملة بناءً على تشابه أسماء، أو أرقام هواتف، أو قرب جغرافي. وقد أكد ضباط سابقون أن النظام كان يُنتج قوائم أهداف بسرعة هائلة، وأن الموافقة البشرية كانت في كثير من الأحيان شكلية، ما يعني أن الآلة شاركت فعليًا في قرارات الحياة والموت.

 

ويطرح هذا التطور تحديًا بالغ الخطورة أمام القانون الدولي الإنساني. فاتفـاقيات جنيف تفترض وجود جهة مسؤولة—جيش يُصدر الأوامر وضباط يتخذون القرارات. لكن كيف يمكن تحديد المسؤولية عندما يكون القرار ناتجًا عن خوارزمية؟ من يتحمّل الخطأ: المبرمج، أم الشركة المطوّرة، أم الدولة التي اشترت النظام، أم الضابط الذي صادق على توصية آلية؟ إن إدماج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف يفتح فجوات قانونية وأخلاقية عميقة، ويجعل الحرب أسرع وأقل شفافية وربما أقل قابلية للمساءلة.

 

التحذير هنا واضح: إذا أصبحت الخوارزميات التجارية جزءًا من منظومة الاستهداف، وبُنيت القرارات العسكرية على بيانات ومنصات مملوكة للقطاع الخاص، فقد نشهد نمطًا جديدًا من الصراع تُدار فيه الحروب بوصفها “معادلات رياضية”، تُختزل فيها حياة المدنيين إلى احتمالات إحصائية.

 

تُظهر هذه الدراسة أن الحروب المعاصرة لم تعد تُدار حصريًا ضمن إطار السيادة التقليدية للدولة، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على بنى تحتية رقمية مخصخصة تملكها وتديرها شركات تكنولوجيا عابرة للحدود. ويؤدي هذا التحول إلى تآكل احتكار الدولة لأدوات القوة، ولا سيما في مجالات الاتصالات، وإدارة البيانات، واتخاذ القرار المدعوم بالخوارزميات. ويعكس صعود مفهوم “السيادة الرقمية” واقعًا جديدًا تتقاطع فيه مصالح الدول مع قدرات الشركات ضمن علاقة غير متكافئة: تعتمد الدول على الشركات لإدارة الحرب، بينما تحتفظ الشركات بهوامش قرار يمكن أن تؤثر مباشرة في مسار الصراع.

ويزيد إدخال الذكاء الاصطناعي في الاستهداف والتحليل الأمني من تعقيد هذه المعادلة، مطروحًا أسئلة قانونية وأخلاقية جوهرية حول المسؤولية والمساءلة في النزاعات المسلحة. فالأطر القانونية الدولية الحالية، المصممة لتنظيم صراعات بين دول وجيوش تقليدية، تبدو غير مهيأة للتعامل مع فاعلين فوق سياديين يملكون بنية تحتية حيوية وقدرات قرار مؤثرة. ويستدعي هذا الواقع إعادة نظر جذرية في مفاهيم السيادة، والمسؤولية، وتنظيم استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة، بما يضمن ألا تتحول السيطرة الرقمية إلى أداة غير خاضعة للمساءلة في حروب العصر الحديث.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى