التموضع الإقليمي وإعادة التوازن: سوريا بين قيود الجيوبوليتيك

أفضى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 إلى انقطاع استراتيجي في وظيفة الجغرافيا السورية داخل منظومة المحور الإيراني، بعد أن ظلت دمشق لعقود تمثّل الامتداد اللوجستي والبري الذي يصل طهران بجنوب لبنان ويُديم إمداد حزب الله، وبقيت سوريا حاضرة في التصور الاستراتيجي الإسرائيلي بوصفها مصدر تهديد محتمل طوال ما يقارب العقد والنصف من عمر الصراع السوري. غير أن هذا التحول لا يؤدي بالضرورة إلى أمنٍ مستدام، فالجغرافيا لا يُعاد تعريفها بفعل التغيير السياسي الداخلي وحده؛ إذ تُعيد قوى الإقليم قراءة الفراغ الاستراتيجي الذي أحدثه سقوط الأنظمة، وتسعى كل منها إلى إعادة توظيف هذا الفراغ وفق أولوياتها واستراتيجياتها الإقليمية. والحكومة السورية الجديدة تجد نفسها في مواجهة معادلة شديدة التعقيد؛ فهي لم تبن -بعد- دولة مستقرة تعلن الحياد أو النأي بالنفس من موقع سيادي واضح، بل تحاول حماية هامش من الاستقلالية في خضم تنافس إقليمي على إعادة تعريف الدور السوري.

ولا تقتصر التحديات على الأعباء التي خلّفتها الثورة السورية وحرب امتدت لعقد ونصف، بل يتجلى بوضوح أكبر في الحسابات الإقليمية حين تتحول الجغرافيا السورية ذاتها إلى موضع صراع على إعادة تموضعها وهويتها السياسية، وذلك في سياق إقليمي دولي تتقاطع فيه مصالح واشنطن وتل أبيب وأنقرة وطهران وبقايا محور أضعفته الحرب لكنه لم ينتهِ كليًا.

ومع اندلاع الجولة الأخيرة من الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران منذ فبراير 2026، عاد الاختبار الوجودي للحكومة السورية للواجهة؛ فهل تستطيع دمشق تحييد جغرافيتها عن الصراع الإقليمي، أم أن الموقع الجغرافي الذي منحها قيمتها التاريخية سيستدعيها من جديد إلى قلب الصراع بصيغة مختلفة؟

ثانيًا؛ من الوظيفة إلى المعضلة: الجغرافيا السورية بعد الأسد

في عهد بشار الأسد، تجاوز الدور الإيراني في سوريا حدود التحالف، ليمتد لإنشاء منظومة وظيفية متكاملة؛ فالممر البري الواصل طهران بجنوب لبنان، والعمق السوري الخلفي لحزب الله، ومساحة انتشار الوحدات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني على الجغرافيا السورية، هي الملامح الرئيسية للدور الإيراني في سوريا، وهي العناصر التي منحت المحور الإيراني تماسكًا عمليًا تجاوز حدود التنسيق السياسي أو الاصطفاف الأيديولوجي.

أما عقب سقوط النظام، فقد انهارت هذه الوظيفة في صورتها القديمة دون أن تزول القيمة الاستراتيجية للجغرافيا السورية؛ إذ حرّرها التحول من تموضعها السابق داخل المحور الإيراني، وفتحها على تنافس إقليمي جديد حول تعريف الاصطفاف السوري المقبل. وهنا تظهر المفارقة الأكبر؛ دمشق تسعى إلى بناء سلطة وطنية تتحرك وفق مصلحة سورية مستقلة، خارج الارتباطات التي حكمت المرحلة الإيرانية، وخارج التوقع الذي راج في بعض الأوساط بأن الاصطفاف مع طهران سيعقبه تلقائيًا ارتهان لأنقرة. وقد حاولت دمشق إثبات ذلك عبر الانفتاح على المحيط العربي بكثافة غير مسبوقة، وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، وتجنب الانخراط الكلي ضمن أي مظلة تحالفات قائمة مسبقًا. غير أن إسرائيل لم تتقبل هذا التحول باعتراف أو تهدئة؛ فالضربات المتواصلة على الأراضي السورية بعد سقوط الأسد تكشف أن القلق الإسرائيلي لا يتصل بمن يحكم دمشق، بل بما قد تصير إليه سوريا إذا استعادت قدرتها على الفعل.

وتكشف هذه المفارقة عن قيد جيوسياسي أعمق يتجاوز الإرادة السياسية لأي حكومة سورية، فسوريا تقع في نقطة التقاء بين بلاد الشام وشرق المتوسط والجزيرة العربية، وتمتلك حدوداً مع أربع دول ذات مصالح متضاربة — تركيا وإسرائيل والعراق ولبنان — مما يجعل أي موقف “حيادي” مشروطًا دائمًا إما بقبول الإقليم له، أو بامتلاك القوة الكافية لفرضه وإعلانه صراحة. وهذا ما أشار إليه روبرت كابلان بمفهوم “انتقام الجغرافيا”i، ويتجلى حين تُضيّق الجغرافيا هامش الخيار الاستراتيجي دون أن تُلغيه كليًا. وبهذا المعنى، يصبح تحييد الجغرافيا السورية مشروع قوة طويل الأمد، لا قرارًا سياسيًا يُنجز بمجرد إعلانه.

ثالثًا؛ إسرائيل والتعافي السوري بوصفه تهديدًا

لعل أكثر ما يعقّد مسعى دمشق للنأي بالنفس هو أن إسرائيل باتت تتعامل مع التعافي السوري ذاته بوصفه مصدر تهديد، وقد ظهر هذا التصور منذ صباح الثامن من ديسمبر 2024، مع سقوط نظام الأسد؛ إذ بدت السياسة الإسرائيلية مصممة “للإبقاء على سوريا منكسرة وعاجزة عن إيذاء إسرائيل”ii. ويشير هذا الوصف إلى أن المشكلة الإسرائيلية مع سوريا تتصل بمستقبل الدور السوري ذاته بعد انحسار الحضور الإيراني.

وتكشف الضربات الإسرائيلية في أبريل 2025 على قاعدة T4iii وتدمر ومطار حماة عن منطق استراتيجي مزدوج؛ فهي استهدفت التعافي العسكري السوري، وأرسلت في الوقت نفسه رسالة إلى أنقرة بأن أي تمركز عسكري تركي على الجغرافيا السورية سيواجه اعتراضًا إسرائيليًا قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة. ويتضح من ذلك أن إسرائيل تسعى إلى أكثر من إبعاد إيران؛ فهي تريد إبقاء سوريا ضعيفة بما يكفي لمنع استعادتها جيشًا فاعلًا، وتحولها إلى عمق أمني لتركيا، وهو ما قد يؤدي لفرض كلفة حقيقية على عمليات سلاح الجو الإسرائيلي داخل أراضيها.

غير أن الضغط الإسرائيلي لا يقتصر على الضربات العسكرية المباشرة؛ إذ يمتد إلى توظيف الجبهة اللبنانية وتدويل الهشاشة الداخلية السورية بوصفهما أداتَين إضافيتَين في هندسة الضغط على الحكومة السورية. فعلى الجبهة اللبنانية، سعت واشنطن إلى تحويل الانفصال السوري عن المحور الإيراني إلى التزام عملي في تفكيك ما تبقى من بنيته، وتحديدًا حزب اللهiv، فلم يكن المطلوب من دمشق مجرد ضبط الحدود السورية، بل إعادة توظيف الجغرافيا السورية في الاتجاه المعاكس؛ من ممر استراتيجي لحزب الله إلى أداة للضغط عليه. أدركت الحكومة السورية خطورة هذا المسار؛ فقبول الدور المطلوب كان يعني الانتقال من تبعية إقليمية سابقة إلى دور إقليمي جديد تُحدّده مصالح الأطراف الأخرى، في لحظة لا تزال فيها الأولوية الحقيقية هي استعادة مؤسسات الدولة ذاتها. بهذه المعادلة أبقت الحكومة الجديدة خروجها من المحور السابق جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة، لا مرحلةً انتقالية في إعادة توزيع أدوارها بين القوى الإقليمية.

وعلى الجبهة الداخلية، تمثل السويداء أخطر أدوات التدخل والضغط الإسرائيلية في سوريا؛ ففي المحافظة ذات الخصوصية الدرزية، تبرز التوترات المحلية غير المحسومة وتنتشر التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، وهو ما وظفته إسرائيل ذريعةً لصياغة خطاب التدخل تحت عنوان “حماية الأقليات”. وقد بلغت هذه السياسة ذروتها حين ضربت إسرائيل محيط وزارة الدفاع والقصر الجمهوري في دمشق بالتزامن مع التصعيد في السويداءv، وتكرر توظيف ملف السويداء في سياق الحرب الجارية على إيرانvi. يكفي تأجيج هوية محلية وضرب رموز السلطة المركزية لإرسال رسالة إسرائيلية واضحة إلى دمشق مفادها: وحدة سوريا الداخلية مشروطة، في المنطق الإسرائيلي، بقبول دمشق للسقف الذي تفرضه تل أبيب.

وخطورة هذه الهندسة أنها لا تحتاج دائمًا إلى حرب شاملة ومعلنة؛ بل تعمل عبر ضربات متفرقة ضمن استراتيجية “الضربة الاستباقية”vii الخاطفة لإرسال الرسائل العسكرية، وتوظيف الهويات الفرعية في سوريا، ومنع أي تراكم جاد للقوة العسكرية أو حتى الأمنية السورية.

رابعًا؛ المعضلة الأمنية وحدود الحياد السوري

تكشف الحالة السورية عن منطق المعضلة الأمنية (Security Dilemma) بوضوح، حيث تتحول محاولة كل طرف تعزيز أمنه إلى سبب مباشر في تقليص أمن الأطراف الأخرى. فالإجراءات التي ترى فيها دمشق ضرورةً لاستعادة الحد الأدنى من أمنها وإعادة بناء مؤسساتها، وتُؤيدها أنقرة لتأمين حدودها الجنوبية ومنع الفراغ الأمني، تُقرأ في تل أبيب بوصفها مقدمةً لظهور تهديد جديد يحل محل التهديد الإيراني المنحسر.

بهذا تغدو الضربات الإسرائيلية آليةَ استباق لا ردَّ فعل دفاعيًا، وهي بدورها تدفع دمشق نحو مزيد من الحاجة إلى الدعم التركي، مما يُغذّي المخاوف الإسرائيلية من تمدد أنقرة، فتتغذى المخاوف المتبادلة من بعضها بعضًا في حلقة لا يبدو أن أياً من الأطراف مستعدٌ لكسرها. وقد حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان صراحةً من أن الضربات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا “تُمهّد الطريق لزعزعة استقرار المنطقة مستقبلاً”، مؤكداً أن “أمن إسرائيل لا يتحقق بتقويض أمن جيرانها”viii.

تضع هذه المعضلة مجتمعةً الحكومةَ السورية أمام ما يمكن تسميته بـ”مأزق الدولة الضعيفة” نتيجة سنوات الحرب؛ فالحياد يحتاج إلى قوة، والقوة تحتاج إلى شراكات، والشراكات قد تُنتج اصطفافات إقليمية أو دولية جديدة تُقيّد هوامش الاستقلالية بدورها. فكلما كثفت إسرائيل ضغوطها على دمشق؛ ازدادت صعوبة احتفاظها بمسافة من أنقرة، بهذا المعنى فإن الاقتراب من تركيا قد يمنح دمشق دعمًا عمليًا في بناء الجيش وضبط الحدود، لكنه بالمقابل قد يغذي الدوافع الإسرائيلية لتصوير سوريا بوصفها امتدادًا تركيًا، وقد يضعها في الواجهة الأمامية حال حدوث تصعيد تركي–إسرائيلي طويل الأمد كما يتصوره فيدان.

في هذا السياق، يمكن فهم “الحياد الوظيفي” كمحاولة لتقليص قابلية الجغرافيا السورية للتوظيف الخارجي، فالمهمة الأكثر واقعية أمام دمشق تتجاوز مجرد الإعلان عن سياسة خارجية تقوم على مبدأ النأي بالنفس، بل تتصل بمنع سوريا من الانزلاق داخل ثنائيات الاصطفاف الجاهزة، سواء مع هذا المحور/الطرف أو ضد ذاك. ويعني ذلك عمليًا تعطيل تكرار وظيفة سوريا باعتبارها “الممر الإيراني”، وتجنب تحويلها في الاتجاه المعاكس إلى أداة ضمن الاستراتيجية الأميركية–الإسرائيلية ضد حزب الله أو ضد أي ترتيبات تركية محتملة في سوريا. لذلك لا يُقاس الحياد السوري بمدى ابتعاده اللفظي عن المحاور في التصريحات الرسمية، بل بقدرته عمليًا على تعطيل الوظائف العسكرية والسياسية التي تحاول القوى الإقليمية إسنادها إلى الجغرافيا السورية.

خاتمة؛ الوقت كرهان استراتيجي

تكشف الحرب الأخيرة على إيران أن سقوط نظام الأسد لم يُخرج سوريا من الحسابات الإقليمية، وإنما أعاد تعريف حضورها فيه. فقد نجحت دمشق -حتى الآن- في تعطيل الوظيفة القديمة للجغرافيا السورية داخل المحور الإيراني، وامتنعت عن تحويل حدودها الغربية إلى أداة في الحرب على حزب الله، وما زالت تحتوي ملف السويداء مرحليًا، وحافظت على علاقتها مع أنقرة ضمن حدود التعاون والتفاهم. غير أن هذا النجاح يبقى تكتيكيًا ومشروطًا؛ إذ ما تزال إسرائيل قادرة على ضرب البنية العسكرية السورية، وتدويل الهشاشة الداخلية، وفرض كلفة متزايدة على أي محاولة لتعافي الدولة، في غياب رادع عربي أو دولي فعّال.

تتجاوز بذلك مسألة إعادة التموضع السوري مجرد الانتقال من محور إلى آخر، لتصبح سؤالًا عن قدرة دمشق على انتزاع معنى جديد لموقعها ودورها وسط الضغوط والأجندات المتزاحمة حولها وداخلها. فخروج سوريا من الاصطفاف الإيراني السابق لا ينتج تلقائيًا دورًا سياديًا مستقلًا أو قدرة على الاختيار؛ إذ يمكن للجغرافيا ذاتها أن تُعاد صياغتها في اتجاهات أخرى؛ كأن تُدفع دمشق إلى دور ما في أي مواجهة أميركية–إسرائيلية ضد حزب الله، أو أن تتحول سوريا إلى مساحة احتكاك مع تركيا، أو أن تُوظف هشاشة الجنوب السوري مدخلًا لتدويل الشأن المحلي. فما تحاول دمشق كسبه اليوم -في ضوء توازن قوى إقليمي غير مستقر- هو زمن سياسي وأمني يمنع الأطراف الأخرى من تثبيت دور جديد لسوريا قبل أن تمتلك الدولة القدرة على تعريف موقعها بنفسها وفق مصالحها. ومن هنا، يغدو إسقاط المشهد السوري والإقليمي الراهن على سيناريوهات جاهزة لمستقبل الدور والجغرافيا السورية تبسيطًا مخلًا بطبيعة المشهد وتعقيداته.

هنا يتحول الوقت إلى الرهان الاستراتيجي الأهم أمام دمشق، فهو يمنح الحكومة الجديدة مساحة لإعادة بناء مؤسساتها، وتوسيع هامش استقلاليتها، وتحديد شكل علاقتها مع تركيا بما ينسجم مع المصلحة السورية؛ لكنه بالمقابل يمنح إسرائيل أيضًا فرصة لتعميق سياسة الاستنزاف، ويمنح القوى المحلية الخارجة عن سلطة الدولة وقتًا لترسيخ وقائعها على الأرض في السويداء. وبذلك، لم يعد السؤال الجوهري ما إذا كانت سوريا قد غادرت المحور الإيراني؛ فهذا التحول بدأ بالفعل؛ بل ما إذا كانت الحكومة السورية تستطيع البناء عليه وتحويله إلى قدرات حقيقية، قبل أن تعيد الجغرافيا استدعاء سوريا إلى دور إقليمي جديد لم تختره بنفسها.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى