التوازن الحرج: العراق تحت ضغط الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

أعادت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وضع العراق في قلب الاشتباك الإقليمي مرة أخرى، لكن هذه المرة ضمن سياق بدا أكثر تعقيدًا من مجرد التنافس التقليدي بين واشنطن وطهران. فقد كشفت الحرب أن العراق لم يعد ساحة نفوذ مفتوحة فحسب، وإنما بات نموذجًا مكثفًا لأزمة دولة من المفترض أنها تحاول الحفاظ على سيادتها، في ظل وجود فواعل سياسيّة ومسلحة وشبكات إقليمية من الواضح أنها تتجاوز حدود القرار الرسمي.

تتحرك بغداد في هذه الأزمة ضمن معادلة صعبة؛ حكومة تعلن عبر مواقفها الرسميّة التزامها برفض تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع ومنطلقًا لحروب الوكالة، في مقابل فصائل مسلحة تمتلك قدرة فعلية على التأثير في مسار التصعيد، وقوى إقليمية ودولية تتعامل مع العراق بوصفه جزءًا من حساباتها الأمنية والاستراتيجية. لذلك، لا تكشف الحرب فقط هشاشة الموقف العراقي بين الولايات المتحدة وإيران، بل تكشف أيضًا عمق المشكلة الداخلية المرتبطة بتعدد مراكز القرار السياسي والأمني داخل الدولة.

يناقش هذا المقال موقع العراق في الحرب الإقليمية الراهنة بوصفه اختبارًا مزدوجًا للسيادة ولحضور الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات بما يتناسب مع مصالحها. فمن جهة، يواجه العراق ضغوطًا خارجية بسبب موقعه الجيوسياسي الملاصق لإيران ونفوذها الإقليمي والوجود الأمريكي في المنطقة. ومن جهة أخرى، يواجه تحديًا داخليًا يتمثل في قدرة الدولة على ضبط الفصائل المسلحة ومنعها من جر البلاد إلى مسارات تصعيد لا تتحكم بغداد بكلفتها أو نتائجها. ومن هنا، تبدو الحرب لحظة كاشفة لأزمة عراقية أعمق؛ دولة تمتلك مؤسسات رسمية، لكنها ما تزال تكافح لتحويل هذه المؤسسات إلى قرار سيادي موحد، في ظل تعددية العلاقات الخارجية (والذي يعني بشكل أو بآخر تعدد الولاءات) على حساب السياسة الخارجية الرسمية، وعدم قدرة الدولة -حتى الآن- على احتكار العنف وحصر السلاح بيدها.

العراق بوصفه ساحة للردود المتبادلة

منذ بدايات الحرب، بدت الأراضي العراقية في مرمى الاستهداف من أكثر من طرف. فقد استهدفت إيران مناطق في شمال العراق وقاعدة حرير في أربيل، بينما شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع تابعة للفصائل المسلحة والحشد الشعبي في عدد من المدن والمحافظات. في المقابل، اتُهمت فصائل عراقية بمهاجمة مواقع نفطية تعمل فيها شركات أجنبية، وبعض المنشآت المدنية الحيوية داخل العراق وخارجه، واعترفت بمهاجمة منشآت دبلوماسية -على رأسها السفارة الأمريكية- وعسكرية، ومؤخرًا تحدثت بعض التقارير عن إقامة إسرائيل قواعد عسكرية مؤقتة غرب البلاد لضرب أهداف في العمق الإيراني.1 بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في تعرض العراق للضربات فقط، بل في عجز الدولة عن منع تحول أراضيها إلى منصة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف الصراع.

وضعت الحرب بغداد أمام معضلة واضحة؛ موقف رسمي يدعو إلى النأي بالنفس، وواقع أمني تتحرك فيه فصائل مسلحة بمنطق يتجاوز قدرة الحكومة على التحكم الكامل، بل أثبتت هذه المعضلة مرة أخرى وجود أزمة بنيوية في النظام السياسي نفسه تتعلق بانقسام الوعي السياسي نتيجة التعارض الحاد بين القوى السياسية التي استثمرت لأكثر من عقدين في تحفيز خطاب الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على كيفية استجابة الدولة لبيئتها بما فيها من فرص وتحديات، بل عمدت بدلًا من ذلك إلى تسييس الهويات وصياغة سياسات لا تعكس مصلحة وطنية بقدر ما أنها تعبر عن حسابات ومصلحة جماعة/جماعات “سياسية” بعينها ماسكة بزمام السلطة.

سياسيًّا وأمنيًّا، يعكس التباين بين خطاب الحكومة العراقية الداعي إلى احترام الحياد والسيادة، وبين سلوك القوى المسلحة الناشطة خارج إطار الدولة، عمق أزمة السلطة في العراق وتعقيد توازناته الداخلية والإقليمية، وهو نتيجة أضحت طبيعية في ظل تعددية الأطراف والقوى التي تتحكم بالمشهد العراقي بشكل عام، والذي يتجدد معه مأزق الحكومة -في كل مرة- في خلق معادلة توازن بين المصالح الخارجية للدولة واعتبارات الأطراف الداخلية السياسية والمسلحة.

ففي موقف الحكومة العراقية -على سبيل المثال لا الحصر- الذي حاول النأي بالنفس بعد أحداث ”السابع من أكتوبر” في ظل الرغبة الإسرائيلية بتوسيع الصراع إقليميًّا، اختارت فصائل عراقية مسلحة حينها الانخراط عبر قصف قواعد أمريكية في العراق وسوريا،2 ولم تتوقف عن ذلك إلا بعد أن استهدفت الولايات المتحدة 85 موقعًا إثر إقدام الفصائل على مهاجمة قاعدة أمريكية واقعة على الشريط الحدودي السوري-الأردني بطائرة مسيّرة أسفرت عن مقتل 3 جنود أمريكيين في يناير/كانون الثاني 2024، كذلك التهديد الإسرائيلي في جلسة لمجلس الأمن بحق “الدفاع عن النفس” من هجمات الفصائل العراقية في كانون الأول/ديسمبر من نفس ذلك العام.

إلا أن المشهد اليوم بدا أكثر خطورة بعد أن اختارت الفصائل المسلحة، أو ما تُعرف بـ”فصائل المقاومة الإسلامية”، أن تكون أكثر انخراطًا ونشاطًا من خلال ضرب أهداف دبلوماسية وحيوية مدنية ومنشآت اقتصادية داخل العراق وخارجه، والذي يقابله في كل مرة رد أمريكي أسفر عن استهداف مقرات تابعة للحشد الشعبي في مختلف المناطق على امتداد الجغرافيا، وتحديدًا المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية مثل جرف الصخر ومدينة القائم، وبعض تلك الأهداف داخل أحياء سكنية في العاصمة بغداد، الأمر الذي يوقع العراق في مشهد متجدد عنوانه عدم القدرة على ضبط إيقاع المشهد الأمني أو تحييد البلاد عن ساحة الحرب، ليتلقى على إثر ذلك سلسلة ضربات مستمرة ومن جميع الأطراف.

على الرغم من أن أكثر الجهات “العراقية” المتورطة في الدخول بالحرب هي التابعة إلى ما تُعرف بــ “المقاومة الإسلامية”، إلا أن الضربات الأمريكية بدت تستهدف العديد من الألوية التابعة للحشد الشعبي حتى تلك غير المنخرطة في الحرب -رغم غموض حقيقة عدم انخراط بعض الألوية- وبعضها استهدف مقرات للجيش العراقي، وهذا عائد إلى هيكلة الجهاز الأمني والعسكري في العراق ومعضلة الازدواج الوظيفي والهوية المركبة بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية، وفصائل المقاومة بوصفها فاعلًا عابرًا لسلطة الدولة تابع لمحور المقاومة الذي تقوده إيران في المنطقة، وهذا مرتبط بالطبيعة البنيوية للمنظومة الأمنية، ففي الوقت الذي تتبع فصائل المقاومة الإسلامية رسميًّا للحشد الشعبي الذي اندمج في القوات المسلحة العراقية في 2016، وجميعها يتقاضى رواتب من خزينة الدولة، وثمة شخصيات من هذه الفصائل تتولى مناصب رفيعة في قيادة الحشد الشعبي، تجد نفسها في المقابل غير ملزمة بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، ويقر بعضها علنًا بولائه العقائدي للمرشد الأعلى في إيران.

الأهم ولربما الأخطر هو، في الوقت الذي تحتفظ هذه الفصائل بشبكاتها المعقدة وعلاقاتها الخارجية التي تكاد تكون مستقلة عن الدولة، وفي ظل ما بنته هذه الجماعات من نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي، بدت هذه الفصائل الواقعة تحت مظلة الحشد الشعبي مؤسسة مسؤولة عن حماية النظام السياسي بفعل نفوذها الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو لربما ضمانًا لهيمنة القوى الإسلامية الشيعية، مما يجعل أي محاولات للحد من أنشطتها طريقًا وعرًا مكتنفًا بالمخاطر.3

أهمية العراق الاستراتيجية لأطراف الحرب

ظهر العراق وكأنه لم يعد مجرد ساحة نفوذ بين إيران والولايات المتحدة فحسب، بقدر ما أنه تحول إلى ميدان مركزي تتجلى فيه مواجهتهما عبر أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية. ولم تعد طبيعة هذا الصراع تقليدية أو مقتصرة على القنوات الدبلوماسية، بل تُدار عبر أدوات غير مباشرة، تتقاطع فيها أدوار الدولة مع أدوار الفاعلين من غير الدول، وتُستخدم فيها الجغرافيا العراقية منصة لتبادل الرسائل وممارسة الضغوط. وقد أوجد هذا التشابك توازنًا هشًا، لا يمتلك فيه أي طرف القدرة على تحقيق حسم نهائي، بينما يتحمل العراق كلفة هذه المواجهة المستمرة، وبدلًا من أن يكون فاعلًا مستقلًا، يجد نفسه في كثير من الأحيان مقيدًا بهذه التوازنات، وغير قادر على الانفكاك عن أي من الطرفين.

تعتمد إيران، في زمن الحرب، على شبكة نفوذ واسعة ومعقدة داخل العراق وعلى مختلف الأصعدة، وإلى جانب الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، لطالما حاولت تصدير نفسها على أنها المظلة السياسية الحامية للشيعة في العالم والعراق تحديدًا -على الرغم من الاختلافات الفقهية بين المدرستين العراقية والإيرانية- لما يضمه من ديمغرافيا شيعية كبيرة ومكانة دينية وتاريخية تجعله قبلة التشيع في العالم الإسلامي، ولربما أن هذا الخطاب برز بشكل واضح ومتكرر منذ السابع من أكتوبر الذي شهد انحسارًا لنفوذ محور المقاومة. في مقابل ذلك، تعتمد الولايات المتحدة في الحفاظ على حضورها من خلال مكانتها الدولية والإقليمية وعبر ما تقدمه وتملكه من أدوات تشمل الدعم الأمني والاقتصادي، إلى جانب ما تحوزه من أوراق ضغط شديدة التأثير متعلقة بأموال العراق من النفط المخزنة في البنك الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب أوراق أخرى سياسية ودبلوماسية.

على أرض الواقع، وفي إطار استراتيجيا الحرب، يبدو أن الأطراف تنظر إلى انخراط العراق بوصفه أمرًا حتميًّا، لاعتبارات عديدة منها جيوسياسية ومنها ما هو متعلق بوجود الوكلاء وبشبكة النفوذ والمصالح، إذ ترى إيران العراقَ معقلًا أخيرًا لمشروعها الاستراتيجي وبوصفه الشريان الحيوي الذي يغذي العلاقات مع الحلفاء والوكلاء في الإقليم والمساند لها في وقت العزلة والحصار الاقتصادي، وفي نفس الوقت تضم الأراضي العراقية قواعد أمريكية وفصائل كردية إيرانية مسلحة لوّح الأمريكيون والإسرائيليون -على وجه التحديد- في بدايات الحرب بدعم نشاطهم والاستعانة بهم، هذا إلى جانب استثمار إيران الطويل في العراق سياسيًّا واقتصاديًّا وفي بعض الأحيان اجتماعيًّا.

وبالتالي، من منظور استراتيجي إيراني، يلعب العراق دورًا محوريًّا في سياق الحرب الدائرة؛ فهو جغرافيا متصلة بإيران بشكل مباشر مما يمثل ساحة للنقل اللوجستي وإدارة العلميات، إلى جانب البيئة السياسية والأمنية التي سمحت بوجود فصائل مسلحة قادرة على خوض أدوار بالوكالة دون تحميل إيران كلفة مباشرة بالضرورة، إلى جانب أن العراق يمثل نقطة تقاطع بين المصالح الامريكية والإيرانية مما يمنحه قيمة مضاعفة بوصفه ساحة لإرسال الرسائل الاستراتيجية.4

لكن في ظل الاستهداف الأمريكي لمواقع استراتيجية مرتبطة بالبنى القيادية واللوجستية وذات أهمية سياسية وأمنية عالية، يبدو أن إيران بدأت بالانتقال من استراتيجية توسيع نطاق الصراع وتوزيع أدواته، إلى مقاربة أكثر حذرًا تقوم على تقليل الكلفة العملياتية والحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية، في ظل بيئة أمنية أصبحت أكثر اختراقًا وأعلى قابلية للاستهداف الدقيق.5

في المقابل، وعلى ما يبدو تدرك الولايات المتحدة، التي تمارس تأثيرها السياسي والاقتصادي الحساس، أهمية الحدود بين البلدين -العراق وإيران- التي يبلغ طولها أكثر من 1500 كم، وأن تحييد إيران إقليميًّا يتطلب تفكيك حضورها داخل العراق، والذي في الواقع لا يقتصر على السياسة والسلاح بل امتد إلى تكوين نفوذ داخل مؤسسات الدولة وبناء شبكات اقتصادية واسعة ومعقدة استطاعت من خلالها بناء قواعد اجتماعية، بعضها قائم على الأيديولوجيا وبعضها الآخر يستند إلى “الزبائنية”.

إلى جانب ما ذكر، ظهرت الولايات المتحدة لا تستهدف فقط القدرات المادية للفصائل المسلحة، بل تسعى إلى التأثير في سلوكها الاستراتيجي، دون الاكتفاء بتقليص إمكاناتها لدفعها نحو إعادة حساباتها والانتقال من وضعية الفاعل الهجومي إلى الفاعل الدفاعي الحذر. وبالتوازي مع ذلك، تحمل هذه المقاربة بعد سياسي يتمثل في الضغط على الدولة العراقية لإعادة تعريف دورها الأمني وهندسة جديدة للعلاقة بين الدولة وهذه الفصائل. مما يعني إعادة تعريف وظيفة العراق داخل معادلة الصراع الإقليمي وما بعده من ساحة ضغط على واشنطن الى ساحة منضبطة تقل فيها قدرة “الخصوم” على المناورة.6

خلاصة المعادلة السابقة، إن أطراف الحرب تنظر إلى العراق بوصفه أكثر من مجرد جار جغرافي لإيران. فهو بالنسبة إلى طهران عمقٌ استراتيجي وشريانٌ لوجستي وسياسي لشبكة حلفائها في المنطقة، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة أكثر من مجرد مجال يجب ضبطه لتقليص قدرة إيران على استخدامه بوصفه منصة نفوذ، وهذا من شأنه أن يجعل الدولة العراقية عاجزة عن اتخاذ خطوات من شأنها حفظ سيادة الدولة واستقلاليتها في ظل المواجهة الإقليمية والبيئة الداخلية اللتين اجتمعتا على تحويل العراق إلى ساحة مواجهة.

العراق أمام الاختبار الاقتصادي الصعب

تكشف الحرب أن هشاشة العراق لا تقتصر على المجالين الأمني والسياسي، بل تمتد إلى النموذج الاقتصادي نفسه، فالدولة التي تعتمد على النفط بوصفه المصدر الأساسي للإيرادات تصبح شديدة التأثّر أمام أي اضطراب في الممرات البحرية أو البنية التحتية للطاقة. ومن هنا، يتحول مضيق هرمز من ممر خارجي إلى جزء مباشر من معادلة الاستقرار الداخلي العراقي؛ فتعطل المضيق ينعكس سريعًا على إيرادات الدولة التي تمتلك مسؤوليات كبيرة في توزيع الرواتب وتقديم الخدمات، إلى جانب قدرة الحكومة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

لربما واحد من المشاهد الخطيرة التي انزلقت إليها الساحة العراقية منذ بدايات الحرب تمثّل في استهداف ناقلتي وقود في ميناء الفاو، واستهداف حقل مجنون، أحد أهم وأكبر الحقول النفطية، وتراجع إنتاج النفط العراقي بنحو 70%، الأمر الذي يجعله أحد أكثر الدول تضررًا، إذ يبلغ إجمالي صادراته النفطية من خلال مينائه البحري المطل على مضيق هرمز نحو 90%، وهو ما يشكل خطورة عالية على إيرادات الدولة التي تعتمد ميزانيتها العامة بشكل أساسي على النفط بفضل اقتصادها شديد الريعية.

إلى جانب ذلك، كشف إغلاق مضيق هرمز عن مدى التراخي الاستراتيجي لبغداد في البحث عن منافذ بديلة، في ظل وجود مشاريع واعدة متوقفة لأسباب “قد تبدو سياسية” مثل الإمدادات من كركوك وإقليم كردستان باتجاه تركيا، أو لربما “غير واضحة” مثل أنبوب البصرة-العقبة. في حين استعانت الحكومة بخط كركوك-بانياس مع سوريا والذي كان متوقفًا لعقود طويلة. لكن بطبيعة الحال لا تظهر خطط الاستجابة العراقية -حتى الآن- متناسبة مع دولة شريان إيراداتها الأساسي يعتمد على الريع وعلى ما تجنيه من أرباح النفط.

أمام كل ما سبق، تأتي هذه المستجدات في ظل تضخم القطاع العام، وديون داخلية تتجاوز 100 مليار دولار وعجز مالي يصل إلى أكثر من 45 مليار دولار. كل ذلك يجري مع استمرار العراق في ارتهانه للنفط، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول استدامة التمويل الحكومي والقدرة على حماية من يتقاضى رواتب من الدولة من الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والخدمات الأساسية.

حكومة “علي الزيدي” الجديدة وسؤال استعادة الدولة

يمكن القول إن الحرب لا تختبر قدرة الحكومة الجديدة على إدارة أزمة إقليمية عابرة فقط، بل تختبر قدرتها على استعادة مركزية القرار داخل دولة تتوزع فيها القوة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة. لذلك، فإن نجاح الحكومة لن يُقاس بقدرتها على إعلان موقف متوازن فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذا الموقف إلى سياسات أمنية واقتصادية قابلة للتنفيذ ويجري تنفيذها على أرض الواقع.

كان طرح اسم علي الزيدي من قبل الاطار التنسيقي مفاجئًا، فلم يعرف له حضور علني، الى جانب كونه رجل أعمال ثري بارز على مستوى الأوساط الاقتصادية ولربما السياسية بوصفه يعمل في الظل. لكن سرعان ما لاقى ترشيح الزيدي ترحيبًا إقليميًّا ودوليًّا، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لربما قد تنظر إلى تشكيل حكومة بأنها منطلق لاتخاذ خطوات للضغط على الفصائل المسلحة في العراق، وأنها بحاجة إلى شخصية يمكن التحاور معها بعيدًا عن الشخصيات التقليدية البارزة.

ورغم حرصه على الإبقاء على تماسكه ووحدة قراره، لم يكن اختيار الإطار التنسيقي للزيدي -على ما يبدو- سوى بحث عن مخرج بعد استعصاء سياسي دام لشهور طويلة وصلت إلى حدّ أن يتدخل الرئيس الأمريكي ويضع “فيتو” على شخصية ذات نفوذ عميق بحجم نوري المالكي. وبالتالي لجوء الإطار إلى تقديم شخصية غير معروفة لربما تكشف عن حقيقة تعارض المصالح والرؤى داخل الإطار التنسيقي نفسه ولحجم الأسئلة المحرجة التي يتعرض لها في ظل الإصرار الأمريكي على تقليص النفوذ الإيراني وتفكيك منظومة الفصائل المسلحة التي زادت أهميتها بعد الضغوط الشديدة التي يتعرض إليها حزب الله اللبناني وسقوط النظام السوري؛ إذ تدرك قوى الإطار أن ترحيب واشنطن بالزيدي لا يعني دعمًا مفتوحًا بقدر ما قد يشير إلى منحه “مهلة” لتنفيذ مطالبها في العراق.

يواجه علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، مجموعة تحديات، على رأسها الحرب الإقليمية الراهنة، وما طرحته من أسئلة متعلقة بملف الفصائل المسلحة المرتبطة بقوى خارجية، واقتصاد يواجه مخاطر حقيقية بسبب واردات النفط المنخفضة في ظل وجود قطاع متضخم من الموظفين الحكوميين، وفساد مستشر في مؤسسات الدولة. إلى جانب ذلك، ما يواجه العراق اليوم من تحدٍ كبير في علاقاته الخارجية جرّاء الضربات التي تستهدف دول الجوار والمنطلقة من الأراضي العراقية، وضغوط دولية وأمريكية متعلقة بفرض العقوبات على شخصيات وكيانات مصرفية بتهمة دعم إيران بالعملة الصعبة.

تكمن المعضلة الأساسية لأي رئيس وزراء عراقي في إدارة السياسة الخارجية، إذ إن المضي نحو تنفيذ أو استيعاب الضغوط والمطالب الامريكية سيعرضه إلى مواجهة من الطرف الآخر أو من حلفائه داخل العراق، في الوقت الذي يعني تجاهل الاعتبارات الامريكية من شأنه أن يعرّض العراق لضغوطات دولية وإقليمية، وهذا يتضح -على سبيل المثال- في إطلاق الفصائل المسلحة في العراق طائرات مسيرة استهدفت السعودية والإمارات بعد أيام من تهنئة توم باراك المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق للزيدي، والذي سبقه تصريح ترمب بأن تعيين الزيدي يمثل بداية فصل جديد للعلاقة بين واشنطن وبغداد.

خاتمة

تضع الحرب الإقليمية الراهنة العراق أمام اختبار معقد يتجاوز حدود التصعيد العسكري المباشر. فالأزمة لا ترتبط فقط بالضربات المتبادلة داخل المنطقة، وإنما بقدرة الدولة العراقية على حماية قرارها السياسي والأمني وسط بيئة إقليمية شديدة التشابك، تتحرك فيها قوى دولية وإقليمية وفصائل مسلحة ضمن حسابات متداخلة تتجاوز أحيانًا قدرة بغداد على التحكم الكامل بمسارها.

أظهرت الحرب أن العراق ما يزال يعيش حالة تداخل بين سلطة الدولة الرسمية وبين نفوذ القوى المسلحة المرتبطة بحسابات إقليمية أوسع. فالحكومة العراقية تعلن باستمرار رفضها تحويل البلاد إلى ساحة صراع، وتؤكد تمسكها بسياسة التهدئة والنأي بالنفس، غير أن الواقع الميداني يكشف صعوبة ترجمة هذا الموقف إلى ضبط فعلي للمجال الأمني. فبعض الفصائل المسلحة لا تنظر إلى الصراع الجاري من زاوية المصالح العراقية فقط، وإنما من زاوية ارتباطه بالمواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يجعل قدرة الحكومة على فرض إيقاع أمني موحد محدودة في كثير من الأحيان.

وفي هذا السياق، تبدو المشكلة العراقية أعمق من مجرد تعدد الفاعلين المسلحين. فالعراق يمتلك مؤسسات رسمية، وجيشًا، وأجهزة أمنية، وعلاقات دبلوماسية واسعة، لكنه ما يزال يواجه صعوبة في حصر قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة وحدها. لذلك، تكشف الحرب جانبًا من الأزمة البنيوية التي رافقت النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، حيث تشكلت الدولة ضمن توازنات داخلية وإقليمية معقدة جعلت المجال الأمني مفتوحًا أمام تداخل الأدوار بين الدولة والفصائل والقوى الخارجية.

اقتصاديًا، أعادت الحرب كشف حجم الانكشاف العراقي أمام أي اضطراب إقليمي واسع، سواء عبر تهديد الممرات البحرية أو تقلبات أسعار النفط والطاقة. فالعراق، رغم موارده الكبيرة، ما يزال يعتمد بصورة أساسية على اقتصاد ريعي يتأثر سريعًا بأي تصعيد طويل الأمد. ومع كل تهديد لمضيق هرمز أو اضطراب في حركة الطاقة، تعود إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بقدرة الدولة على تأمين الرواتب والخدمات واستمرار النشاط الاقتصادي. ويبدو أن الأزمة الحالية أعادت التذكير بأن الاستقرار الاقتصادي العراقي ما يزال مرتبطًا بدرجة كبيرة باستقرار الإقليم نفسه، وهو ما يضع بغداد أمام تحديات تتجاوز البعد الأمني التقليدي.

في المحصلة، لا تبدو مشكلة العراق مرتبطة بموقعه الجيوسياسي فقط، وإنما بقدرته على إدارة هذا الموقع وتحويله إلى عنصر استقرار وسيادة فعلية. فالدولة التي لا تحتكر قرارها الأمني ستجد نفسها دائمًا أقرب إلى تلقي ارتدادات الأزمات من قدرتها على التحكم بمساراتها أو تقليل كلفتها. ومن دون معالجة هذا الخلل البنيوي، سيبقى العراق معرضًا مع كل أزمة جديدة للدخول مجددًا في دائرة الاستنزاف السياسي والأمني والاقتصادي، حتى وإن حاول رسميًا تبني سياسة الحياد والابتعاد عن الصراعات الإقليمية.

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى