دول الخليج وإعادة تعريف الأمن والسيادة: مقدمة في السيادة التشابكية المسؤولة

يشهد النفوذ الإيراني في الإقليم مرحلة تآكل متسارع على مستويات متعددة. ليس فجأة، وليس بقرار خارجي وحده، بل بوصفه محصلة تراكمات قرّرتها طهران بنفسها حين اختارت أن تكون جزءاً من المعادلة الإقليمية بأسلوب أثبت أن تكلفته تفوق عائده. ففي ٨ ديسمبر ٢٠٢٤ خسرت طهران نفوذها بشكل كامل في سوريا، وتبع ذلك تراجع تدريجي في قوة حزب الله السياسية وخسارة الصف الأول من قيادته السياسية والعسكرية، وأما الميليشيات العراقية ومعها حركة أنصار الله الحوثيين فتواجه حالة من الضبابية الاستراتيجية وعدم اليقين بشأن مستقبل أدوارها الإقليمية. فكيف وصل مشروع امتد عقوداً إلى هذا المنعطف؟

تجادل هذه المقالة بأن ما تواجهه إيران بعد الحرب لا يقتصر على خسائر عسكرية أو تراجع في شبكة الحلفاء، وإنما يتمثل في انتقال أعمق من مرحلة النفوذ الرخيص سياسيًا ورمزيًا إلى مرحلة النفوذ المكلف أمنيًا واقتصاديًا وداخليًا. فقد كانت طهران لعقود قادرة على تحويل خطاب المقاومة والمظلومية إلى رأسمال إقليمي واسع، لكنها تجد نفسها اليوم أمام معادلة مغايرة: شبكة نفوذ تتطلب موارد أعلى، وشرعية رمزية أضعف، وبيئة إقليمية أكثر استعدادًا لمحاسبة كلفة الدور الإيراني.

من نعمة النفوذ إلى تكلفته

قبل عام 2011، كانت إيران تتمتع بما يمكن تسميته “نعمة النموذج”؛ فهي التي تواجه قوى الاستكبار وتحمل راية المظلومين، بينما الأنظمة العربية المجاورة تُضاف إلى سجل المظالم لا إلى سجل المقاومة. كانت هذه المعادلة تُدار بأقل قدر من التكلفة وأكبر قدر من الأثر السياسي، عبر أدوات القوة الناعمة التي صنعت لطهران حضوراً إقليمياً يفوق ما تستطيع تحقيقه بالقوة العسكرية المباشرة. القنوات الفضائية المدعومة، والمنظمات الثقافية، والحضور الديني في المدارس والحسينيات، كلها كانت أدوات تشكيل نفوذ بكلفة زهيدة وعمق بالغ. كانت قوة إيران في تلك المرحلة قائمة على قدرتها على إنتاج معنى سياسي يتجاوز حدودها، أكثر من اعتمادها على الانتشار العسكري المباشر. لذلك بدا نفوذها واسعًا قياسًا بحجم الموارد التي أنفقتها عليه.

ثم جاء الربيع العربي ليكسر هذه المعادلة من الداخل. فجأة ظهرت في الميدان قوى تتبنى الخطاب ذاته: الدفاع عن المظلوم ومواجهة الطغيان. لكن الحركات الشعبية العربية تبنت خطاب التغيير بصورة مستقلة عن النموذج الإيراني، في تونس و القاهرة و وبنغازي وصنعاء. وجدت إيران نفسها أمام تحدٍّ لا يأتيها من خارج المنظومة بل من داخل جمهورها الذي ادّعت تمثيله. كان الموقف الإيراني حاسماً في تحديد المآلات؛ فحين اختارت طهران الوقوف مع نظام الأسد ضد شعبه، ووصفت الحراك السوري بأنه مؤامرة موجهة خارجياً بينما أسمت غيره “صحوة إسلامية”، ما عزز الانطباع الإقليمي بأن البعد المذهبي بات يتقدم على الخطاب الثوري العابر للحدود. وبذلك خسرت ما بنته بصبر من رصيد اعجاب ومؤازرة لدى الرأي العام العربي. لم يؤدِ الربيع العربي إلى إضعاف إيران عسكريًا بقدر ما ساهم في تآكل صورتها الرمزية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، لكنه جرّدها من أثمن ما تملك: صورتها. وحين فقدت الصورة، فقدت معها أداةً لا تُعوَّض بالمال ولا بالسلاح.

هنا وقعت نقطة التحول الأولى. لم تعد إيران قادرة على الجمع بين خطاب نصرة المستضعفين ودعم نظام يواجه انتفاضة شعبية واسعة. ومع انتقالها من الاستثمار في الرمز إلى الدفاع عن الحليف، انتقل نفوذها من حقل الشرعية إلى حقل القوة الصلبة. كان ذلك التحول بداية ارتفاع الكلفة: كلفة مالية في سوريا، وكلفة مذهبية في المجال العربي، وكلفة سياسية في صورتها لدى الرأي العام.

سوريا: خسارة العمق لا خسارة الحليف فقط

ثم جاء الثامن من ديسمبر 2024. فسقوط نظام الأسد لم يكن خسارة حليف، بل كان اختراقاً في صميم البنية الإقليمية التي بنتها إيران على مدى أربعة عقود. مثّلت سوريا الحلقة المركزية في البنية اللوجستية والاستراتيجية للنفوذ الإيراني الإقليمي؛ عبرها كانت تتدفق الأسلحة إلى لبنان، ومن خلالها كان ما يُعرف ب “محور المقاومة” يحافظ على اتصاله الجغرافي من طهران إلى البحر المتوسط. وتشير التقديرات إلى أن إيران أنفقت ما يزيد على ثلاثين مليار دولار في سوريا على مدى سنوات الحرب، فضلاً عن آلاف المقاتلين الذين سقطوا على أرضها. خسارة كل هذا الاستثمار دفعةً واحدة تعني أن الخريطة تغيرت، وأن النفوذ الإيراني في المشرق العربي بات محاصراً جغرافياً للمرة الأولى منذ عقود. وفي السياق ذاته، خرج حزب الله من مواجهاته وقد دفع ثمناً بالغاً من قيادته وقدراته التنظيمية، فيما تجد الميليشيات العراقية نفسها في حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، بين ضغوط داخلية تطالبها بإعادة تعريف دورها وضغوط خارجية تُضيّق خياراتها.

أهمية سوريا هنا لا تنبع من كونها حليفًا سياسيًا لطهران فحسب، وإنما من كونها كانت البنية التحتية الجغرافية للمشروع الإقليمي الإيراني. خسارة دمشق تعني أن محور النفوذ فقد طريقه البري الأكثر حساسية، وأن حزب الله لم يعد يستند إلى العمق ذاته، وأن العراق لم يعد حلقة ضمن مجال متصل بقدر ما أصبح ساحة ضغط وتعويض. بهذا المعنى، خسرت إيران جغرافيا النفوذ قبل أن تخسر أدواته.

حين يتحول النفوذ إلى عبء: الحلفاء واستراتيجية الصمود

تكشف الحرب أن شبكة الحلفاء التي منحت إيران لعقود قدرة على الردع غير المباشر تحولت جزئيًا إلى عبء سياسي وأمني. فحزب الله خرج من المواجهات وقد تراجعت قدرته على المبادرة واتسعت القيود اللبنانية على حركته. والميليشيات العراقية تواجه ضغطًا مزدوجًا بين ارتباطها العقائدي والسياسي بطهران وبين كلفة تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للردود الأمريكية والإسرائيلية. أما الحوثيون، فرغم احتفاظهم بقدرة عالية على الإرباك في البحر الأحمر، فإن دورهم بات يضع إيران أمام معادلة أكثر تعقيدًا: كل توسع في وظيفة الوكيل يرفع القدرة على التعطيل، لكنه يرفع كذلك كلفة العزل والضغط الدولي.

بعد تراجع جزء كبير من أدوات النفوذ الهجومي، انتقلت إيران إلى منطق دفاعي يقوم على توسيع كلفة الضغط عليها. ففي الحروب المتلاحقة التي جاءت في سياق تطورات السابع من أكتوبر 2023، حيث تلقت إسرائيل أكبر هجوم عسكري من لاعب أدنى من الدولة منذ احتلالها لفلسطين في العام 1948، فمن “حرب الاثني عشر يومًا” في يونيو/حزيران 2025 إلى “حرب الأربعين يومًا” في فبراير 2026، حيث تم تدمير قدرات نووية وعسكرية وبنى تحتية واغتيال قادة وكُشفت شبكات، ظل النظام متماسكًا. لا لأنه لا يُهزم، بل لأنه أتقن معادلة مختلفة: أن يجعل الهزيمة باهظة على الجميع. حين أُغلق مضيق هرمز، لم يكن ذلك تكتيكيًا، بل رسالة استراتيجية مفادها أن ثمن الانهيار الإيراني سيدفعه العالم كله وإن بمستويات، ذلك أن ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يعبر هذا المضيق يوميًا، والذي يرتبط به صناعات وسلاسل إمداد واستقرار سياسي. هذا النمط من “الصمود” قد يكشف عن عقيدة راسخة أن إيران لا تسعى دائمًا إلى الانتصار، بل إلى جعل الهزيمة مكلفة لمن يحاول فرضها عليها.

بهذا المعنى، لم تعد إيران تعرض على خصومها صورة القوة المنتصرة، وإنما صورة الدولة التي يصعب كسرها من دون إلحاق ضرر واسع بالنظام الإقليمي والاقتصاد العالمي. وهذا الفارق أساسي في فهم موقعها بعد الحرب: فالردع لم يعد يقوم على القدرة على التوسع، بل على القدرة على جعل الانكماش مكلفًا للجميع. غير أن قدرة إيران على الصمود لن تلغي سؤال الكلفة التاريخية لهذا الصمود، ولا تمنع ظهور لحظات تضطر فيها الدول إلى إعادة تعريف علاقتها بالقوة والسيادة والتسوية.

هل تواجه إيران تركمنجاي جديدة؟

يستحضر هذا السؤال أكثر المحطات إيلاماً في الذاكرة الإيرانية الجمعية. في عام 1828، وُقِّعت معاهدة تركمنجاي تحت ثقل الهزيمة أمام روسيا القيصرية، فتنازلت إيران القاجارية عن ما يقارب من ٨٠ الف كم مربع من أراضيها في منطقة القوقاز، شملت أذربيجان وأرمينيا وأجزاء من جورجيا، ودفعت تعويضات حربية مُجحفة قدّرها المؤرخون ٢٠ مليون روبل. ومع ذلك، استمرت الدولة القاجارية قرابة قرن من الزمن بعدها؛ مُرهَقةً ومُثخَنةً في كرامتها، لكنها لم تنهَر. بل إن بعض المؤرخين يرون أن صدمة تركمنجاي أيقظت في الوعي الإيراني حساسية متجددة تجاه السيادة والاستقلال، ظلّت تُغذّي الخطاب السياسي الإيراني حتى يومنا هذا. فهل يمثّل التنازل عن البرنامج النووي الإيراني، أو تجميده الجوهري في إطار اتفاق شامل مع واشنطن وشركائها، ضرباً من تركمنجاي جديدة؟ تنطوي هذه المقارنة على فارق جوهري لا يمكن تجاوزه: خسارة 1828 كانت جغرافية وأبدية، لا تُعاد الأراضي بسهولة في معادلات القوى الكبرى.1 أما التنازل الوظيفي عن القدرة النووية أو تجميدها فهو من حيث المبدأ قابل للمراجعة؛ تستطيع إيران أن تراكم خبراتها العلمية وتُعيد بناء قدراتها حين تتبدل الظروف، كما أثبتت ذلك بعد انهيار اتفاق 2015 حين سارعت إلى تخصيب اليورانيوم بنسب تجاوزت ما نصّت عليه الاتفاقية بمراحل.

يبقى القاسم المشترك بين الحالتين أعمق من المقارنة الجغرافية: إنه معادلة البقاء في مواجهة الكبرياء. الدولة القاجارية قبلت بتركمانجاي لأن البديل كان الانهيار. وإيران اليوم تُحاصَر من جهات متعددة: عقوبات اقتصادية متراكمة أفقدت العملة الإيرانية أكثر من 90% من قيمتها خلال العقد الماضي، وتآكل في منظومة حلفائها، وضغط شعبي داخلي لم يُطفئه خطاب الثورة، تجلّى في موجات الاحتجاج المتكررة من الحركة الخضراء2 عام 2009 إلى انتفاضة “مهسا أميني” عام 2022.3 السؤال الحقيقي إذن ليس إن كان التنازل سيأتي، بل متى، وبأي شروط، وعلى أي قدر من الكبرياء المُحتفَظ به. ما يجعل اللحظة الراهنة أشد حساسية هو أن أي مفاوضات نووية لا تجري في فراغ، بل في مناخ إقليمي ودولي بات فيه الخيار العسكري ورقةً مفتوحة لا مجرد تهديد بلاغي، مما يجعل هامش المناورة الإيراني الأضيق منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

حين وضعت معاهدة تركمنجاي نقطةً على نهاية الحرب الروسية الإيرانية، لم تجد الدولة القاجارية نفسها أمام مهمة استعادة الأراضي المفقودة، بل أمام تحدٍّ أشد إلحاحاً وأعمق أثراً: كيف تُعيد بناء دولة كادت الحرب أن تُفككها من الداخل قبل أن تهزمها من الخارج.

جاءت محاولات الإصلاح القاجارية التي بدت واضحة في عصر ناصر الدين شاه القاجاري و وزيره أمير كبير،4 وهي محاولات تحديث متأخرة حاولت استنساخ النموذج الأوروبي في جيش نظامي وإدارة مركزية، لكنها اصطدمت بسقف المؤسسة الدينية التي كانت تمتلك شرعية موازية، وبنخب محلية لم ترَ في الإصلاح سوى تهديد لمصالحها. استمرت الدولة القاجارية لكنها لم تتحول؛ بقيت تسير بعقل ما قبل تركمنجاي في عالم تغيّر بسرعة لم تستوعبها، حتى جاء عصر المشروطة في مطلع القرن العشرين تعبيراً عن هذا التناقض المتراكم،5 ثم جاء رضا شاه ليُسدل الستار على الحقبة القاجارية كلها. الدرس ليس في النهاية، بل في المسافة الفاصلة بين اللحظتين: بين لحظة توقيع المعاهدة ولحظة السقوط النهائي، ثمانية عقود من الزمن أضاعتها الدولة القاجارية في صراع بين حاجة الإصلاح ومقاومة التغيير. فهل تجد إيران الجمهورية الإسلامية نفسها أمام مفترق طريق مماثل؟

الإجابة تبدأ من فهم ما ستُعلنه طهران أولوية في اليوم التالي لأي تسوية. كل المؤشرات تدل على أن تماسك النظام سيكون السطر الأول في أي أجندة مرحلة ما بعد الحرب. فإيران التي خرجت من الضغوط المتراكمة تعرف جيداً أن أخطر ما يواجهها ليس في الخارج، بل في الداخل الذي بات يحمل فجوات متعاظمة بين شرائح الشعب الشابة والغاضبة وبين منظومة الحكم. هذا التوتر الداخلي لم يُحسم، وأي اتفاق خارجي لن يُحسمه بذاته؛ لكن أي تخفيف للضغوط الاقتصادية عبر رفع العقوبات واستعادة ايران لأموالها المحتجزة في الخارج والذي قد تُفضي إليه أي تسوية نووية قد يمنح النظام متسعاً من الوقت يستثمره في إعادة ترتيب أوراق شرعيته الداخلية.

أما إعادة الإعمار، فهي المعركة الثانية. إيران دخلت هذه المرحلة وهي تحمل اقتصاداً أنهكته العقوبات والإدارة الريعية المتراكمة وضعف الاستثمار في البنية التحتية. طهران ومدن إيرانية كبرى باتت تعاني من مشكلات في المياه والطاقة والتلوث البيئي لم تعد تحتمل التأجيل. إعادة الإعمار في الحالة الإيرانية لا تعني فقط ما دمّرته الحرب مباشرة، بل تعني استعادة اقتصاد كان يتآكل ببطء على مدى سنوات طويلة قبل أن تزيده الأحداث الأخيرة وطأةً. والسؤال الذي لم تُجب عنه طهران بوضوح هو: هل ستنفتح على رأس المال الخارجي وشروطه، أم ستُكرّر نموذج الاكتفاء الذاتي الذي أثبت محدوديته؟

المقارنة القاجارية هنا بالغة الدلالة. فبعد تركمنجاي لم تفتقر إيران إلى النوايا الإصلاحية، بل افتقرت إلى القدرة على الاختيار بين مطلبين متعارضين: الحفاظ على هياكل السلطة القائمة من جهة، وإجراء الإصلاح البنيوي الجذري من جهة أخرى. اختارت القاجاريون الخيار الأول، فأنجزوا ما يكفي للاستمرار دون ما يكفي للنهوض. النظام الإيراني الراهن أمام الاختيار ذاته، لكن مع فارق جوهري: أن العالم لم يعد يمنح الوقت ذاته الذي مُنح للقاجاريين.

خاتمة

تكشف التجربة الإيرانية عبرخمسة قرون وتحديدا منذ القرن السادس عشر الميلادي عن نمط متكرر: الدولة في ايران تخسر الحروب عسكريا ولكن انهيارها يأخذ وقتا طويلا، لكنها لا تنهض بالسرعة التي يستدعيها حجم الخسارة. “العنقاء الإيرانية” كما وصفها الباحثون ليست أسطورة، بل هي وصف لقدرة حقيقية على التكيف تجذّرت عبر قرون من الضغط والصمود. غير أن العنقاء لا تنهض دون حريق، والحريق هذه المرة ليس خارجياً فحسب. إيران الجمهورية الإسلامية تواجه ما واجهته الدولة القاجارية بعد تركمنجاي: نظام بقي لكن العالم من حوله تغيّر. فبعد تركمنجاي أمضت الدولة القاجارية عقوداً تحاول الإصلاح دون أن تجرؤ على التحول الجذري، تتحرك بعقل الدولة المهزومة التي لا تريد أن تعترف بهزيمتها. عباس ميرزا أدرك أن الجيش النظامي ضرورة،6 لكن المؤسسة السياسية لم تدرك أن إصلاح الجيش وحده لا يبني دولة. وحين جاء عصر المشروطة ثم رضا شاه، كانت الدولة القاجارية قد استنفدت فرصها التاريخية واحدة تلو الأخرى.

الجمهورية الإسلامية تمتلك ما لم تمتلكه الدولة القاجارية: مؤسسات أكثر رسوخاً، وعمقاً تكنولوجياً، ووعياً بالتجربة التاريخية التي تُدرَّس في مناهجها. لكنها تحمل في الوقت ذاته ما حملته القاجارية: نزاعاً بنيوياً بين حاجة الإصلاح وحسابات الاستمرار. والفارق الوحيد هو أن وتيرة التاريخ اليوم أسرع بما لا يُقاس مما كانت عليه في القرن التاسع عشر.

تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: هل ستنجح الجمهورية الإسلامية في تحقيق ما أخفقت فيه الدولة القاجارية، أي الجمع بين تماسك النظام وإصلاحه في آنٍ واحد؟ وهل ستستطيع أن تُعيد بناء اقتصادها دون أن تفتح أبواباً يعتبرها النظام تهديداً لهويته؟ وفي نهاية المطاف، ماذا ستكون إيران في اليوم التالي للحرب: دولة أعادت تعريف نفسها بجرأة من تعلّم من التاريخ، أم دولة اكتفت بإدارة الأزمة والبقاء فوق خط الإفلاس؟ بين هذين الاحتمالين يكمن الفارق بين إيران تصنع مستقبلها وإيران تكتفي بتأجيل انهيارها.

*محجوب الزويري  استاذ  سياسة وتاريخ الشرق الاوسط المعاصر. استاذ زائر في معهد الدوجة للدراسات العليا ، محرر علمي في الموسوعة العربية ، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ، مؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية المحكم دراسات الخليج   Journal of Gulf Studies, والمحرر لسلسلة كتاب إعادة تصور العلوم الاجتماعية والانسانية في/ من الشرق الاوسط  Reimagining Social Sciences and Humanities in and from the Middle East  هو زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر.تركّز  دراساته وابحاثه على قضايا إيران والشرق الأوسط ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية في التعليم العالي. 

اقرأ المقال في النسخة التفاعلية

زر الذهاب إلى الأعلى