أردنيّون مسيحيّون؛ لا تُسقط إحداهما الأخرى

قبل أيام، فتح إرهابيون مسلحون النار على مشيّعين في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، فارتقى تسعة شهداء وأصيب عشرات آخرون. ولم تكن المحافظة تواجه اعتداءً إرهابياً للمرة الأولى. ففي ديسمبر 2016 شهدت هجوم قلعة الكرك الذي تبنّاه تنظيم داعش. وقد استدعت الجريمة الأخيرة غضباً واستنكاراً واسعين بين الأردنيين، وعلى المستويين الرسمي والاجتماعي، وترافقت إدانتها مع تأكيد واضح على أن هؤلاء الضحايا المسيحيين أردنيون، وأن الاعتداء عليهم يصيب الأردن كله.
كان هذا التأكيد ضرورياً، ابتداءً، لما يحفظه من معنى العلاقة بين الأردنيين. فالأحداث الكبرى، وطريقة التعبير عنها والتعامل معها، قد تسهم في إعادة رسم الحدود بين الجماعات داخل المجتمع. وحين يستهدف العنف بعض أبنائه على أساس انتمائهم الديني، يصبح من الضروري ألا تتحول هذه الهوية المستهدفة إلى حدّ يفصلهم عن الآخرين، وألا تنجح الجريمة في إنتاج المسافة الاجتماعية التي ينطوي عليها منطق مرتكبيها.
وهذا يتصل بطبيعة المجتمع الأردني نفسه. فالمسيحيون جزء أصيل من تاريخ هذه المنطقة ونسيجها الاجتماعي والعشائري، وشركاء في تكوين المجتمع وتجربته. وتعريف الأردنيين بعضهم لبعض مركّب أصلاً. وتتداخل فيه الجغرافيا والعشيرة والعائلة والجوار والتاريخ المشترك، ويحضر الانتماء الديني ضمن هذه الروابط. ومن داخلها عرف المسيحيون أنفسهم وعرفهم الآخرون. فالغضب لما أصابهم غضب الأردنيين لما أصاب بعضهم، واختزال التضامن معهم في هويتهم المسيحية قد يوحي بالتعاطف مع جماعة خارج المجتمع، وهم من مكوّناته الأصيلة.
غير أن ضرورة هذا التأكيد تفتح سؤالاً عن حدود الاكتفاء به. فإذا كان اختزال الشهداء في هويتهم المسيحية قد يفتح مسافةً بينهم وبين مجتمعهم، فإن اختزال تعريفهم في هويتهم الوطنية قد يحجب بدوره جانباً من الاستهداف، وما يكشفه من إشكالات اجتماعية وفكرية تستدعي الوقوف عندها. وتظهر أهمية الجمع بين البعدين حين ننظر إلى السياقات المركّبة التي وقعت فيها الجريمة: ما الذي يتعرض له الأردن والمنطقة، وما الذي يمكن استغلاله في مجتمعاتنا لتحقيق هذا الاستهداف؟
فعلى المستوى الإقليمي والعالمي، تتحرك إسرائيل وقوى يمينية في أوروبا وأمريكا في سياق محاولة إعادة تعريف العرب والمسلمين بوصفهم آخرَ يتعين الخوف منه ومواجهته. وبعد ما ألحقته حرب غزة بصورة الاحتلال، تزداد أهمية هذه المحاولة في إعادة تثبيت موقعه داخل الغرب. ففي هذه المحاولة يُقدَّم الفلسطينيون ضمن كلّ عربي وإسلامي يجري تصويره بيئةً للتطرف والعداء للمختلف، وتُقدَّم إسرائيل باعتبارها القوة التي تتصدى له نيابةً عن الغرب وتحميه من امتداده.
وقد عبّر نتنياهو عن هذا المنطق في تقديم حربه أمام الكونغرس بوصفها مواجهة بين الحضارة والهمجية، وفي ربط تهديد إسرائيل بما يصفه تهديداً للحضارة الغربية من “مسلمين متطرفين” داخل أوروبا وأمريكا. وتتيح هذه اللغة للقوى التي تتبناها نقل النقاش من الاحتلال وجرائمه وحقوق الفلسطينيين إلى خطر مفترض يمثله العرب والمسلمون. وفي هذا الإطار، تصبح الاعتداءات على المسيحيين في المنطقة مادةً قابلة للاستثمار في إعادة إنتاج هذه الصورة.
ويمثّل النموذج الأردني طعناً في تلك السردية. فاستقراره الاجتماعي وتداخل روابطه وحضور المسيحيين الأصيل فيه يناقض صورة المنطقة التي تضطهد المختلف وتلفظه. ولم يتحول اختلافه الديني إلى قاعدة لتقسيمه طائفياً. ولذلك يُراد تشويه هذا النموذج بضرب تماسكه، وتحويل الاعتداء على بعض أبنائه إلى شاهد على الصورة المراد تعميمها عن العرب والمسلمين.
ومن هنا، فإن المعنى الذي يُنتزع من الجريمة قد يعمل في اتجاهين متصلين: تحويل اختلاف داخل المجتمع إلى انقسام، وتحويل هذا الانقسام إلى دليل على طبيعة المنطقة كلها. ويسهل عندئذ تقديم التعاطف مع الفلسطينيين والعرب عموماً بوصفه تعاطفاً مع مجتمعات متخلفة ومتطرفة لا تقبل المختلف. فالمعركة على تعريف الضحايا وعلاقتهم بمجتمعهم تدخل في المعركة على تعريف المنطقة، وعلى المعنى السياسي للدفاع عن شعوبها.
وتتضح هنا أهمية التأكيد على أردنية الضحايا مرة أخرى. فهو يحفظ وحدة المجتمع، ويواجه أيضاً محاولة تقديم الجريمة تعبيراً عن حقيقة العلاقة بين مكوّناته. وفي هذا السياق كذلك، يثير تزامن حادثة الكرك واعتداء باريس وإلقاء القنبلة في حي الأرمن بحمص سؤالاً عن الترابط بينها. لكن هذه الوقائع، سواء صحّت شبهة الترابط أم لم تصحّ، تلتقي نتائجها في خدمة سردية الصهيونية واليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، وتشويه صورة المنطقة وتأجيج التناقضات فيها. وهي نتائج تفرض علينا تدخلات لحماية تماسك المجتمع وصورته.
وتجعل مواجهة هذه النتائج السؤال عن الداخل أكثر إلحاحاً. فإذا كان الاختراق الإسرائيلي حاضراً في قراءة ما جرى أم لا فلا بد من السؤال عما يتيح له أن يعمل وأن يكون فاعلاً، وأين يوجد الأفراد وتوجد الأفكار والشبكات التي يمكن استغلالها؟ إن افتراض تدخل خارجي لا يرفع مسؤوليتنا عن فهم الشروط المحلية التي قد تمنحه أدواته، بل يزيد ضرورة الوقوف عليها. وهنا تحضر أهمية شمول تعريف الضحايا، بما يبقي هويتهم المسيحية حاضرةً في فهم استهدافهم، إلى جانب هويتهم الوطنية.
فالاقتصار على القول إنهم أردنيون قد يترك الفكر الذي يبيح استهدافهم بوصفهم مسيحيين خارج مجال النظر. وقد يحوّل الحرص على الوحدة إلى إنكار لما يحتاج المجتمع إلى مواجهته لحمايتها. والاعتراف بهذا البعد لا يستلزم اعتبار التطرف وصفاً للمجتمع، ولا يفترض أن العداء للمسيحيين ظاهرة واسعة فيه. فحتى إن بقي هذا الاستعداد محدوداً، تظل القدرة على تحويله إلى جريمة، أو استغلاله في اختراق المجتمع، سبباً كافياً للوقوف عنده.
وهذا يستدعي سبر مجتمعنا وفهم ما يجري فيه: كيف يتكون الاستعداد للاعتداء على المختلف؟ وما الذي يمنحه تبريره، ويتيح انتقاله إلى فعل؟ وأين تفقد الروابط الاجتماعية قدرتها على منعه؟ قد تتداخل في ذلك أفكار متطرفة وهشاشة اجتماعية ومصالح وشبكات، وتحتاج صلاتها بالعنف إلى فهم محدد. ويشمل هذا الفحص الخطاب الذي يمنح التمييز قبولاً، والمساحات التي يتلقى فيها الأفراد تصوراتهم عن المختلف، والظروف التي تجعل بعضهم قابلاً للتجنيد. فالإقرار بتاريخ الشراكة لا يعفينا من ذلك، مثلما أن وصف الجريمة بأنها غريبة عن قيم المجتمع لا يفسر كيف وجدت من يرتكبها.
تتطلب مواجهة ما جرى إبقاء الخطابين حاضرين معاً: تأكيد الوحدة الوطنية، والإقرار بالطابع الإرهابي المتطرف للجريمة. فحماية هذه الوحدة لا تستقيم بتجاوز الاستهداف الإرهابي أو تخفيفه، كما لا تستقيم باختزال الشهداء فيه. ويتيح شمول تعريفهم الجمع بين الشراكة الوطنية والاعتراف بما هددهم بسبب جزء من هويتهم المركّبة، ومواجهة استهداف الأردن من الخارج مع معالجة ما قد يُستغل من داخله.
وتحمّلنا هاتان القراءتان مسؤوليات على مستويين. فعلى المستوى الخارجي، تقتضي مواجهة استهداف الأردن الدفاع عن هويته وصورته، وتوظيف علاقاته الخارجية في مواجهة إسرائيل وحلفائها والمتطرفين في الجهة الأخرى وسرديتهم، خصوصاً على الصعيد الإعلامي. وهو عمل تقوم به الدولة اليوم، في تقديري، بأداء مميّز يتقدم على سائر الفاعلين.
أما في الداخل، فتتصل المسؤولية بإدارة العمل الاجتماعي والمؤسسي، وبإحياء فضاء عام مدني واجتماعي وسياسي وحزبي، يتيح المشاركة والتنظيم والتفاعل بين الناس. فالمؤسسات الاجتماعية والدينية والحزبية والمدنية هي وحدها القادرة على معالجة الشروخ وضبط الاختلالات من داخل المجتمع. وتؤدي الأجهزة الأمنية دورها المهم في الضبط والمراقبة، بكفاءة طالما اعتزّ بها الأردنيون، لكن العمل الأمني لا يمكن أن يحلّ محل هذه المؤسسات في إدارة التوترات الداخلية ومعالجة أسبابها.
ويمتد هذا المنطق إلى مواجهة سائر أشكال التطرف، وإلى تفحّص الشروخ الاجتماعية، أيّاً كانت، والمساحات التي يمكن استغلالها لتمزيق المجتمع الأردني أو تشويه صورته. فهذه القراءة تتجاوز تفسير الحادثة إلى طريقة أشمل في تحليل حوادث من هذا النوع، تكشف كيف يُحوَّل التنوع الاجتماعي إلى أداة لبث التفرقة، وتربط حماية اللحمة الوطنية بمعالجة ما قد يُستغل لضربها.