تأمين مخرج دائم من الحرب مع إيران: اثنتا عشرة خطوة وركيزة خليجية

لقد تجاوزت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 جميع اتفاقات وقف إطلاق النار التي أُبرمت خلالها. وأصبح نمطها اليوم قابلًا للرسم بوصفه دورة متكررة:[1] تتدخل إيران في حركة الملاحة بالقرب من مضيق هرمز؛ فترد الولايات المتحدة بعمل عسكري؛ ثم تستهدف طهران الأصول الأمريكية في عدد من الدول العربية المجاورة، بما في ذلك قطر، رغم استمرار الدوحة في أداء دور الوسيط؛ فيدعو الوسطاء إلى ضبط النفس؛ وتُستأنف المفاوضات؛ ويُتوصل إلى تفاهم مؤقت؛ بينما تبقى القضايا الجوهرية دون معالجة؛ لتبدأ الدورة من جديد. وبذلك، لم تعد المنطقة أمام عملية سلام بالمعنى التقليدي، بل أمام نظام إقليمي لإدارة الأزمات وإعادة احتوائها بصورة متكررة.
وما يقدمه هذا المقال ليس دعوة إلى حسن النوايا، بل مقترحًا هندسيًا لإدارة الصراع، يقوم على اثنتي عشرة خطوة متتابعة تحكمها ثلاثة مبادئ أساسية، يستجيب كل منها لبعد بنيوي في حرب تكاد تكون عصية على التسوية.
أول هذه المبادئ هو المعاملة بالمثل. فالصراع يتسم بطابع تبادلي تحكمه معضلة «المبادر الأول»؛ إذ ينظر الرأي العام الداخلي لدى كل طرف إلى أي تنازل بوصفه هزيمة سياسية، الأمر الذي يدفع الجميع إلى تجنب تقديم التنازلات، فتستقر معادلة الصراع عند مستوى مرتفع من العنف. لذلك، يعتمد هذا الإطار على خطوات صغيرة، متزامنة، وقابلة للتحقق، ينفذها الطرفان بصورة متبادلة، بدلًا من التعويل على مبادرات أحادية أو صفقة شاملة دفعة واحدة.
أما المبدأ الثاني فهو التدرج. فالثقة بين الأطراف شبه معدومة، ولا يمكن افتراض وجودها مسبقًا، وإنما ينبغي بناؤها تدريجيًا. فكل خطوة تُنجز بنجاح تقلل من مستوى المخاطرة في الخطوة التالية، بحيث يتحول الحاجز الذي لا يجرؤ أي طرف على تجاوزه إلى سلّم يمكن للطرفين الصعود عليه خطوة بعد أخرى.
ويتمثل المبدأ الثالث في أولوية مضيق هرمز. فبعد أن تحول المضيق إلى جوهر الحرب ومحورها الفعلي، أصبح من المنطقي أن يشكل المحور المنظم لأي تسوية مستقبلية. ويقتضي ذلك تثبيت الاستقرار فيه منذ المراحل الأولى، ثم جعل ضبط التصعيد فيه خيارًا يحقق مكاسب لجميع الأطراف خلال المراحل اللاحقة، وصولًا إلى تجريده، في النهاية، من كونه أداة يمكن لأي دولة استخدامها بصورة منفردة لفرض إرادتها على الآخرين.
ولم تؤدِ التطورات الأخيرة إلى إضعاف هذا المنطق، بل جاءت لتؤكد صحته بصورة أوضح.
الخطوة 1: فصل المسار البحري عن المسار النووي
أكثر الخطوات أهمية هي أيضًا الأقل تكلفة. فربط الملف البحري بالملف النووي في إطار تفاوضي واحد لا يؤدي إلا إلى تكريس الجمود؛ لأن كل طرف يمتلك ورقة قوته الأساسية في مسار مختلف وزمن مختلف. فمصدر النفوذ الإيراني يتمثل في مضيق هرمز وتأثيره الفوري في حركة الملاحة والطاقة، بينما تتركز الأولوية الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب متطلبات التحقق الدولي، في البرنامج النووي، وهو ملف يمتد على مدى سنوات. وعندما يُطلب من الطرفين التفاوض على الملفين ضمن صفقة واحدة، يصبح كل منهما مطالبًا بالتخلي عن أقوى أوراقه في الوقت نفسه، وهو ما يفسر تعثر جميع محاولات التفاوض الشامل السابقة.
ويقترح هذا الإطار إنشاء مسارين تفاوضيين منفصلين ضمن قناة وساطة واحدة. يتولى المسار الأول معالجة ملف مضيق هرمز بصورة عاجلة، بينما يتناول المسار الثاني البرنامج النووي من خلال عملية تدريجية وطويلة الأمد. ويعمل المساران بصورة مترابطة دون أن يندمجا؛ إذ يتيح التقدم في أحدهما الانتقال إلى مراحل جديدة في الآخر، من دون أن يصبح أي منهما رهينة للثاني. وبهذا يمكن إعادة فتح المضيق قبل التوصل إلى تسوية نهائية للملف النووي، مع منع أي طرف من استثمار المكاسب التي يحققها في أحد المسارين ثم التنصل من التزاماته في المسار الآخر. كما تُربط الإنجازات الأولية في المسار البحري بالخطوات الأولى للتحقق في المسار النووي، وفي مقدمتها عودة المفتشين الدوليين.
الخطوة 2: خفض التصعيد المتبادل والمتدرج مقابل ضمانات للملاحة
يمثل الحصار وإغلاق المضيق وجهين لمنطق واحد قائم على الإكراه،[2] وهو منطق يقيد الطرفين بالقدر نفسه. فالحصار المفتوح زمنيًا يجعل الطرف الذي يفرضه شريكًا في استمرار الاضطراب الذي يسعى، نظريًا، إلى إنهائه، كما يمنح خصمه مبررًا دائمًا للتصعيد. وفي المقابل، فإن استمرار إغلاق المضيق يفرض على إيران نفسها تكاليف اقتصادية باهظة لا يمكن تحملها إلى أجل غير محدود. ومع ذلك، يعجز أي من الطرفين عن التراجع أولًا، لأن الرأي العام الداخلي سيفسر هذه الخطوة باعتبارها استسلامًا.
ولذلك، يقترح هذا التصور سلّمًا تدريجيًا لخفض التصعيد يقوم على خطوات صغيرة، ومتزامنة، ومتبادلة، يمكن التحقق من كل منها بصورة مستقلة. فعلى سبيل المثال، يُخفف الحصار عن أنواع محددة من الشحنات أو عبر مسارات معينة، بالتزامن مع وقف الهجمات خلال فترة زمنية متفق عليها، مع التحقق من الالتزام باستخدام صور الأقمار الصناعية، وأنظمة التعريف الآلي للسفن، إضافة إلى مراقبين محايدين كلما أمكن ذلك. ويسهم اعتماد خطوات محدودة ومتدرجة في جعل أي خرق أقل كلفة وأكثر سهولة في الكشف، بينما يؤدي تنفيذ الإجراءات بصورة متزامنة إلى إزالة معضلة «المبادر الأول» التي تعيق أي تقدم.
الخطوة 3: إنشاء نظام دولي للتأمين البحري والمرافقة البحرية
إن إعادة فتح مضيق هرمز سياسيًا لا تعني بالضرورة استعادة الملاحة التجارية بصورة طبيعية. فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب عدة أضعاف، وأصبحت شركات التأمين تعتمد بنودًا تسمح بإلغاء التغطية خلال ساعات، وهو ما يكفي لإفراغ الممر الملاحي من السفن حتى من دون تعرض أي منها لهجوم مباشر. فإذا أحجم مالكو السفن عن الإبحار، فإن المضيق يظل مغلقًا عمليًا مهما أعلنت الأطراف انتهاء الأزمة.
ولهذا، ينبغي عكس الآلية المالية التي أسهمت في تعطيل الملاحة. ويتمثل ذلك في إنشاء صندوق دولي للتأمين ضد مخاطر الحرب، أو توفير ضمانات مالية عامة، بالتوازي مع قوة مرافقة بحرية متعددة الجنسيات ومحايدة تعمل وفق قواعد اشتباك دفاعية وشفافة. ومن شأن اتساع قاعدة الدول الداعمة لهذا الترتيب أن يخلق مصالح مشتركة في الحفاظ على استقرار الملاحة، بدلًا من تركها رهينة لتقلبات الأزمة.
الخطوة 4: قنوات دائمة لإدارة الأزمات ووساطة محايدة
غالبًا ما تنهار المفاوضات المباشرة تحت ضغط الاعتبارات السياسية الداخلية، بينما تستطيع القنوات غير المباشرة الاستمرار حتى في أشد مراحل التصعيد. وفي بيئة إقليمية مكتظة بالقوى العسكرية، يصبح سوء التقدير أو سوء الفهم أحد أكثر المسارات احتمالًا نحو اندلاع حرب أوسع.
ومن ثم، يقترح هذا الإطار الجمع بين وساطة مؤسسية دائمة، تتولاها الجهات التي رعت اتفاقات وقف إطلاق النار، وبين إنشاء قنوات اتصال ثابتة لإدارة الاشتباك تظل مفتوحة حتى أثناء العمليات العسكرية.[3] ويشمل ذلك الاتفاق على آليات مشتركة للتحقيق في الحوادث، وإنشاء خطوط اتصال فورية لمنع التصعيد غير المقصود، والاستعانة بوسطاء ينقلون المقترحات بين الأطراف التي تحول الاعتبارات السياسية دون ظهورها في مفاوضات مباشرة.
الخطوة 5: تحويل المضيق من أداة للإكراه إلى أصل اقتصادي
لا تتخلى أي دولة عن أقوى أدوات ردعها من دون مقابل، ولذلك فإن المطالبة بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة غير مشروطة محكوم عليها بالفشل. فالقيمة الاستراتيجية للمضيق، بالنسبة للطرف القادر على التحكم فيه، تتمثل أساسًا في قدرته على ممارسة الإكراه، وهي قدرة لا يمكن استخدامها إلا من خلال تهديد الاقتصاد العالمي، بما يترتب على ذلك من أضرار تطال اقتصاد الدولة نفسها.
ولا يتمثل التحدي في نزع هذه الأداة، وإنما في إعادة تصميم الحوافز بحيث يصبح الاستخدام السلمي للمضيق أكثر جدوى من استخدامه وسيلة للضغط السياسي والعسكري. ويتحقق ذلك عبر تخفيف تدريجي وقابل للتحقق للعقوبات، يركز على صادرات الطاقة والقنوات المالية التي تحولها إلى عائدات فعلية، ويرتبط مباشرة بضمانات حرية الملاحة ووقف الهجمات. وتُمنح التسهيلات الاقتصادية على مراحل، بحيث ترتبط كل دفعة بمستوى الالتزام بأمن الملاحة. كما ينبغي تقديم هذا الترتيب للرأي العام الداخلي باعتباره قرارًا سياديًا يستعيد الإيرادات الوطنية، لا تنازلًا فُرض تحت الضغط، لأن أي تسوية تفتقر إلى الشرعية الداخلية لن تكون قابلة للاستمرار.
الخطوة 6: وضع سقف نووي قابل للتحقق يبدد المخاوف الأمنية
الطرف الذي يمنح الملف النووي أولوية تفوق أهمية مضيق هرمز يمتلك القدرة على إفشال أي تسوية تركز أولًا على المسار البحري، ولا يمكن تجاوزه في أي إطار تفاوضي. ولذلك، ينبغي أن يتضمن هذا الإطار مسارًا واضحًا يؤدي إلى تقليص التهديد الذي يدركه هذا الطرف، وإلا ظل الدافع إلى توجيه ضربات عسكرية جديدة قائمًا، بما يقوض فرص نجاح العملية بأكملها.
وتتمثل الأداة المقترحة في الاتفاق على سقف واضح، وذي مصداقية، وقابل للتحقق، لمستويات تخصيب اليورانيوم والقدرات النووية الإيرانية، مع تقديم كشف كامل بالمخزون غير المعلن من المواد القريبة من درجة تصنيع السلاح النووي، والذي تعجز فرق التفتيش حاليًا عن تحديد موقعه. ويشكل هذا الالتزام المخرج الرئيس للمسار الثاني من العملية التفاوضية، مقابل التزام الأطراف المعنية بعدم عرقلة تنفيذ المسار الأول الخاص بأمن الملاحة.
الخطوة 7: استعادة منظومة التحقق الشاملة
تنظر جميع الأطراف إلى الثقة بوصفها نقطة ضعف يمكن استغلالها، ولهذا ينبغي نقل أساس العلاقة من الثقة إلى الأدلة القابلة للتحقق. فغياب آليات التحقق يجعل كل تنازل يبدو وكأنه فخ، ويمنع أي طرف من الإقدام على خطوات إيجابية.
وتكمن المشكلة في واقع ملموس؛ إذ مُنع المفتشون الدوليون من الوصول إلى المواقع المعنية منذ الضربات التي وقعت عام 2025، ولا يزال مصير مخزون المواد القريبة من درجة تصنيع السلاح النووي غير معروف بصورة مؤكدة. ومن ثم، فإن التحقق لا يمثل إجراءً عقابيًا أو تدخليًا، بل هو الأداة التي تجعل أي تخفيف للعقوبات أو أي حوافز اقتصادية قابلة للدفاع عنها أمام البرلمانات والرأي العام المتشكك. ولذلك، ينبغي أن يصبح استئناف عمليات التفتيش شرطًا أساسيًا للانتقال إلى مراحل التخفيف الاقتصادي المنصوص عليها في الخطوة الثامنة.
الخطوة 8: تخفيف تدريجي وقابل للعكس للعقوبات مع آلية إعادة تلقائية
قد يؤدي منح التخفيف الاقتصادي في مرحلة مبكرة إلى إهدار أوراق الضغط، بينما يؤدي تأجيله فترة طويلة إلى القضاء على الحافز اللازم للامتثال. ولذلك، ينبغي أن يقوم نظام الحوافز نفسه على مبدأ التدرج وإمكانية التراجع عنه.
ويتحقق ذلك من خلال إنشاء سلّم متدرج، تُقابل فيه كل خطوة يجري التحقق منها مسبقًا بحزمة محددة من التسهيلات المتفق عليها سلفًا. فإعادة الملاحة، ووقف الهجمات، واستئناف عمليات التفتيش، والإفصاح عن المخزونات النووية، يقابل كل منها مستوى محدد من تخفيف العقوبات. وفي المقابل، تُدرج منذ البداية آلية إعادة تلقائية للعقوبات (Snapback)، بحيث يُعاد فرضها فور وقوع أي خرق للالتزامات، من دون الحاجة إلى مفاوضات جديدة أو توافق سياسي إضافي. وبهذه الطريقة يصبح نظام الحوافز أكثر استقرارًا ومصداقية، لأن جميع الأطراف تدرك مسبقًا المكاسب المترتبة على الالتزام، وكذلك التكاليف الفورية المترتبة على الإخلال به.
الخطوة 9: إنشاء آلية دائمة للأمن البحري
في ظل الترتيبات الحالية، تبقى الدول التي تتحمل العبء الاقتصادي لإغلاق مضيق هرمز خارج دائرة صنع القرار المتعلقة بإدارته، بينما تتآكل التدابير المؤقتة التي تُعتمد أثناء الأزمات بمجرد انحسارها. لذلك، لا يكمن الحل في الاستجابة لكل أزمة على حدة، وإنما في بناء إطار مؤسسي دائم يمنع تكرارها.
وتتمثل الأداة المقترحة في إنشاء هيئة متعددة الأطراف للأمن البحري تتولى إدارة الملاحة في مضيق هرمز بوصفها منفعة إقليمية مشتركة وليست مجالًا للتنافس أو الإكراه. ويشمل ذلك وضع نظام للإخطار المسبق بالتحركات العسكرية البحرية، واعتماد بروتوكولات دائمة لمنع الاحتكاك العسكري، وإنشاء آلية مشتركة للتحقيق في الحوادث، وصياغة قواعد قانونية واضحة تكفل حرية الملاحة، إلى جانب إنشاء أمانة عامة دائمة، وضمان تمثيل جميع الدول المطلة على المضيق والدول ذات المصالح البحرية، مع إسناد رئاسة الهيئة إلى طرف محايد يحظى بقبول جميع المشاركين.
الخطوة 10: تقليص القيمة الاستراتيجية للمضيق بصورة هيكلية
لا تنبع القوة الإكراهية للمضائق البحرية من الجغرافيا وحدها، وإنما من حجم الاعتماد عليها. وما دام جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية يمر عبر ممر بحري ضيق،[4] فإن التهديد بإغلاقه سيظل مصدرًا دائمًا للنفوذ السياسي والاستراتيجي.
ولهذا، ينبغي اعتماد برنامج متوسط الأجل يهدف إلى تنويع مسارات نقل الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. ويشمل ذلك توسيع قدرة خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة مع وضع آليات منسقة للإفراج عنها عند الطوارئ، وتسريع برامج رفع كفاءة استهلاك الطاقة وخفض الطلب عليها. ومن شأن هذه الإجراءات أن تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي تقلل من هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي إغلاق مستقبلي، وفي الوقت نفسه تخفض القيمة الاستراتيجية لاستخدام المضيق كورقة ضغط، لأن تراجع مستوى الاعتماد عليه يقلل من الحوافز التي تدفع إيران إلى توظيفه أداةً للإكراه.
الخطوة 11: حماية الممرات الإنسانية وعزلها عن مسار الصراع
لا تقتصر تكلفة إغلاق المضيق على أسواق الطاقة، بل تمتد إلى الوقود والغذاء والدواء الذي تعتمد عليه المجتمعات المتضررة من النزاعات والحصار. كما أن تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد من الضغوط الواقعة على القيادات السياسية، ويخلق بيئة أكثر قابلية للتصعيد.
ولهذا، ينبغي النظر إلى حماية الإمدادات الإنسانية بوصفها عنصرًا أساسيًا في استقرار الإقليم، لا مجرد إجراء إنساني هامشي. ويتطلب ذلك إنشاء ممرات إنسانية مضمونة، وقنوات مالية محمية من العقوبات والحصار، تتولى إدارتها جهات دولية محايدة، مع فصلها بصورة كاملة عن أجندة التفاوض السياسي، بحيث لا يتمكن أي طرف من استخدامها أداةً للضغط أو المساومة. وبهذه الطريقة، تصبح الاحتياجات الإنسانية حقًا مصونًا، لا ورقة تفاوض في إدارة الصراع.
الخطوة 12: بناء إطار شامل للأمن الإقليمي
لا تنبع الدوافع التي تجعل مضيق هرمز أداةً للإغلاق أو التصعيد من المضيق نفسه، بل من البيئة الأمنية المحيطة به. فالهواجس المرتبطة بتطويق إيران، وبقاء النظام، والقدرات الصاروخية، ودور الفاعلين المسلحين من غير الدول، والمخاوف الأمنية لدى دول الجوار، هي التي تمنح المضيق قيمته الاستراتيجية بوصفه أداة ضغط. ومن ثم، فإن أي تسوية تقتصر على ضمان حرية الملاحة، من دون معالجة هذه البيئة الأمنية الأوسع، ستظل تسوية هشة معرضة للانهيار.
ولهذا، يقترح هذا الإطار ربط ضمان حرية الملاحة بمنظومة أوسع من الترتيبات الأمنية المتبادلة، تشمل تقديم ضمانات أمنية متبادلة، ووضع قيود قابلة للتحقق على نشاط الفاعلين المسلحين من غير الدول، والاعتراف بمصلحة مشروعة لجميع القوى الإقليمية والدولية في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا.
وقد وُضعت هذه الخطوة عمدًا في نهاية المسار، لأنها الأكثر تعقيدًا والأصعب تنفيذًا، ولأن نجاحها يعتمد على رصيد الثقة الذي يتراكم خلال الخطوات السابقة. فهي ليست شرطًا لوقف الحرب، بل هدفًا استراتيجيًا بعيد المدى. وحتى إذا تعذر الوصول إليها، فإن نجاح المراحل السابقة يكفي لإنتاج هدنة مستقرة وطويلة الأمد، بدلًا من انهيار العملية التفاوضية بأكملها.
الركيزة الإقليمية: دور خليجي لتحقيق استقرار مستدام
قد تتمكن القوى الدولية من رعاية اتفاق يوقف الحرب، لكنها لا تستطيع، بمفردها، ضمان بقاء أحد أهم الممرات البحرية في العالم مفتوحًا لعقود مقبلة. فالاستدامة تتطلب وجود طرف إقليمي يمتلك مصلحة دائمة ومباشرة في نجاح هذا الترتيب، ولا توجد جهة تنطبق عليها هذه الصفة أكثر من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ولا يرجع ذلك إلى اعتبارات سياسية فحسب، بل إلى واقع اقتصادي وجغرافي بنيوي. فمعظم صادرات دول الخليج من النفط والغاز تعبر مضيق هرمز، ويعتمد الغاز الطبيعي المسال القطري بصورة شبه كاملة على هذا الممر، بينما تتقاسم سلطنة عُمان الضفة الجنوبية للمضيق. ولذلك، فإن إغلاقه لا يمثل أزمة خارجية أو صدمة بعيدة، بل تهديدًا مباشرًا لخطط التنويع الاقتصادي،[5] وجاذبية الاستثمار، والإيرادات المستقبلية التي تقوم عليها استراتيجيات التنمية في هذه الدول.
ومن هنا، تصبح دول الخليج المرشح الطبيعي للقيام بدور الضامن الدائم لحرية الملاحة، لأن مصلحتها في بقاء المضيق مفتوحًا ليست ظرفية، بل وجودية واستراتيجية.
كما يقدم هذا الدور الإقليمي مخرجًا من المعضلة التي ما تزال تعرقل أي اتفاق محتمل. فالمفاوضات تدور حتى الآن بين موقفين متعارضين: إيران التي ترفض التخلي عن دورها في إدارة المضيق،[6] والولايات المتحدة التي تتحدث عن إعادة فتحه وفق ترتيبات تحددها هي. ويؤدي هذا التصور الثنائي إلى حالة جمود، لأن أيًا من الخيارين لا يوفر تسوية مستقرة.
أما الترتيب المرتكز على دول الخليج، فيقدم خيارًا ثالثًا يتجاوز هذا الاستقطاب؛ إذ لا تُترك إدارة المضيق لإيران وحدها، ولا تُسند إلى قوة خارجية منفردة، بل تصبح مسؤولية مشتركة للدول الساحلية التي ترتبط مصالحها المباشرة بحرية الملاحة في هذا الممر، بينما يقتصر دور القوى الدولية على تقديم الضمانات السياسية والأمنية اللازمة لاستمرار هذا النظام، لا على التحكم المباشر فيه.
وقد بدأت ملامح هذا الخيار الثالث تتشكل بالفعل. فقد اقترحت سلطنة عُمان إدارة حركة الملاحة عبر مسارين منفصلين:[7] ممر جنوبي يقع ضمن المياه العُمانية، تتمتع فيه السفن بحرية الملاحة وفق القواعد التي كانت سارية قبل اندلاع الحرب، وممر شمالي يقع ضمن المياه الإيرانية، يتطلب عبوره الحصول على موافقة طهران، على أن يتم ذلك من دون فرض أي رسوم عبور. وفي السياق نفسه، أجرى وزير الخارجية الإيراني مباحثات في مسقط تناولت آليات ضمان المرور الآمن،[8] فيما أعلنت طهران استعدادها لإدارة المضيق بالتعاون مع سلطنة عُمان، باعتبارها الدولة الساحلية الأخرى المطلة عليه. كما تنص مذكرة التفاهم نفسها على أن تتولى إيران، بالتشاور مع سلطنة عُمان وبقية الدول الساحلية، تحديد الإطار المستقبلي لإدارة المضيق.[9] وهكذا، فإن ما يبدو صراعًا مستعصيًا على الحل عندما يُنظر إليه بوصفه نزاعًا على السيطرة، يصبح أكثر قابلية للتسوية عندما يُعاد تعريفه باعتباره إدارةً مشتركةً لمرفق إقليمي عام.
وقد كشفت الأسابيع الأخيرة، بصورة عملية، حجم النفوذ الذي تمتلكه دول الخليج. فعندما أعلنت واشنطن نفسها «حارس مضيق هرمز»، وقررت فرض رسم بنسبة 20% على البضائع العابرة للمضيق – وهو الإجراء الذي وصفه الرئيس البرازيلي بأنه «قرصنة»،[10] وأدى فورًا إلى اضطراب أسواق النفط – تمكن قادة دول الخليج من احتواء الموقف خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة؛[11] إذ تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القرار عقب اتصالات أجراها مع المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ومملكة البحرين، واستُبدلت الرسوم المقترحة بحزمة من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية. كما أوضحت دول الخليج، في اتصالات غير معلنة، أنها قد تتقبل فرض رسوم محدودة على العبور، لكنها ترفض أي ترتيبات تمنح إيران سيطرة منفردة على المضيق، وهو ما يكشف جوهر الخلاف الحقيقي؛ فالمسألة لا تتعلق بالرسوم المالية، وإنما بمن يتولى إدارة المضيق والإشراف عليه.
ومن الناحية العملية، تستطيع دول الخليج أن تضطلع بدور محوري في تنفيذ هذا الإطار عبر عدة مستويات. فقوتها المالية تؤهلها لتمويل صندوق التأمين البحري وآلية مرافقة السفن المقترحين في الخطوة الثالثة. كما أن قنوات الاتصال التي تحتفظ بها مع طهران تمكنها من استضافة وساطة دائمة وفق ما ورد في الخطوة الرابعة، وقد أثبتت كل من قطر وسلطنة عُمان قدرتهما على أداء هذا الدور حتى في فترات تعرضتا خلالها لضغوط وتهديدات مباشرة من إيران.[12] كذلك، فإن مشاركة دول الخليج تمنح آلية الأمن البحري المقترحة في الخطوة التاسعة، والإطار الأمني الإقليمي الوارد في الخطوة الثانية عشرة، شرعية سياسية وإقليمية لا يمكن لأي ترتيبات مفروضة من الخارج أن توفرها. وإضافة إلى ذلك، تمتلك هذه الدول أفضلية عملية في تنفيذ الخطوة العاشرة الهادفة إلى تقليص القيمة الاستراتيجية للمضيق؛ إذ تشغل كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بالفعل خطوط أنابيب تنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز باتجاه البحر الأحمر وخليج عُمان، ويمكن لتوسيع هذه الشبكات بصورة منسقة أن يقلل تدريجيًا من الاعتماد العالمي على المضيق، بما يخفض الجدوى الاستراتيجية لإغلاقه. كما أن استعادة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023 تؤكد أن مسار التفاهمات الإقليمية ليس فكرة نظرية، بل تجربة سبق اختبارها.
وثمة سبب أكثر جوهرية يجعل الدور الخليجي ضرورةً لا مجرد إضافة مفيدة. فمذكرة تفاهم إسلام آباد تناولت مخزون إيران النووي، وتخفيف العقوبات، وحاجة أسواق الطاقة إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، إضافة إلى التطورات المرتبطة بإسرائيل ولبنان، لكنها أغفلت بصورة لافتة موقع دول مجلس التعاون الخليجي، رغم أنها الأكثر تعرضًا لتداعيات أي جولة قتال جديدة.[13] فلا تتضمن المذكرة أي ضمانات واضحة تمنع استهداف البنية التحتية المدنية في دول الخليج، ولا تشير إلى الخسائر التي تكبدتها هذه الدول، كما لا تمنحها تمثيلًا واضحًا في الإطار المقترح لإعادة فتح المضيق. وبذلك، جرى استبعاد الأطراف صاحبة المصلحة الأكبر من الوثيقة التي تنظم مستقبل الممر البحري الأكثر أهمية بالنسبة إليها. وليس هذا الإغفال تفصيلًا ثانويًا، بل أحد الأسباب الرئيسية التي تفسر استمرار تعثر الاتفاق؛[14] إذ لا يمكن لأي تسوية أن تستمر إذا غاب عنها أصحاب المصلحة الرئيسيون.
وفي المحصلة، فإن الدور الخليجي هو العامل الذي يميز بين هدنة قد تصمد ستين يومًا، وتسوية يمكن أن تستمر جيلاً كاملًا. فمع أن الوساطة الدولية تظل ضرورية لإنهاء هذه الحرب، فإن اهتمام القوى الكبرى يظل بطبيعته متغيرًا وخاضعًا لأولوياتها الاستراتيجية، ولا يدوم السلام الذي يعتمد عليها إلا بقدر استمرار مصلحتها في رعايته. أما عندما تصبح دول المنطقة نفسها مالكةً لمسار التسوية، فإن الهدنة المدعومة خارجيًا تتحول إلى نظام إقليمي قادر على الاستمرار بذاته. فالدول التي تعيش على ضفاف المضيق، والتي يرتبط ازدهارها الاقتصادي واستقرارها ببقائه مفتوحًا، تمتلك الحافز الأكبر لضمان أمنه حتى بعد انصراف القوى الكبرى إلى أزمات أخرى. ومن ثم، فإن استقرار مضيق هرمز ليس هبةً تقدمها القوى الخارجية للمنطقة، بل إنجازًا إقليميًا تستطيع هذه القوى المساهمة في دعمه، بينما تبقى دول الخليج صاحبة المصلحة والقدرة والشرعية اللازمة لضمان استدامته.
[1] MS Now. “After Another Broken Ceasefire with U.S., Iran Talks with Gulf Leaders.” https://www.ms.now/news/after-another-broken-ceasefire-with-u-s-iran-talks-with-gulf-leaders
[2] Euronews. “Trump Reimposes U.S. Blockade and Demands 20% Hormuz Shipping Fee.” July 13, 2026. https://www.euronews.com/2026/07/13/trump-reimposes-us-blockade-and-demands-20-hormuz-shipping-fee
[3] Middle East Council on Global Affairs. “Lessons Learned by GCC States in the 2026 U.S.–Israel–Iran War.” https://mecouncil.org/publication/lessons-learned-by-gcc-states-in-the-2026-us-israel-iran-war/
[4] U.S. Energy Information Administration. “The Strait of Hormuz Is the World’s Most Important Oil Transit Chokepoint.” Today in Energy. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=65504
[5] Armed Conflict Location & Event Data Project. “United Behind Ceasefire, Even as Divisions Loom: Gulf Countries Navigate U.S.–Iran Talks.” https://acleddata.com/report/united-behind-ceasefire-even-divisions-loom-gulf-countries-navigate-us-iran-talks
[6] Al Jazeera. “Iran Attacks Five Gulf Nations, Shuts Hormuz after U.S. Bombing: All to Know.” July 12, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/7/12/iran-attacks-five-gulf-nations-shuts-hormuz-after-us-bombing-all-to-know
[7] The Jerusalem Post. “Article 902171.” https://www.jpost.com/middle-east/article-902171
[8] News on AIR. “Oman and Iran Hold Talks to Ease Maritime Passage through Strait of Hormuz amid West Asia Conflict.” https://newsonair.gov.in/oman-and-iran-hold-talks-to-ease-maritime-passage-through-strait-of-hormuz-amid-west-asia-conflict/
[9] CNBC. “Iran MoU Deal on the Strait of Hormuz with Oman.” June 17, 2026. https://www.cnbc.com/2026/06/17/iran-mou-deal-strait-hormuz-oman-toll.html
[10] Al Jazeera. “Piracy? Will Trump’s 20 Percent Hormuz Toll Find Takers?” July 14, 2026. https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/14/piracy-will-trumps-20-percent-hormuz-toll-find-takers
[11] Gulf News. “Trump Backtracks on Planned 20% Toll on Hormuz Ships.” https://gulfnews.com/world/americas/trump-backtracks-on-planned-20-toll-on-hormuz-ships-1.500607854
[12] The New Arab. “The Gulf’s Post-War Balancing Act with Iran.” https://www.newarab.com/analysis/gulfs-post-war-balancing-act-iran
[13] Council on Foreign Relations. “Strait of Hormuz Traffic Faced a Long Road to Recovery. Now the Iran Deal Is Unraveling.” https://mecouncil.org/publication/lessons-learned-by-gcc-states-in-the-2026-us-israel-iran-war/
[14] Fishman, Edward, Clara Gillispie, Elisa Ewers, Max Boot, and Sam Vigersky. “The Strait of Hormuz Already Faces a Tough Recovery. Now Trump’s Iran Deal Is Unraveling.” Council on Foreign Relations. July 8, 2026 https://www.cfr.org/articles/strait-of-hormuz-traffic-faced-a-long-road-to-recovery-now-the-iran-deal-is-unraveling


