اغتيال المينوكي: إلى أين تقود سياسة قطع الرؤوس؟

هل تنتهي التنظيمات باغتيال قادتها؟ سؤال طرحه العالم بعد مقتل أسامة بن لادن والبغدادي، ويعود اليوم مع إعلان ترامب القضاء على الرجل الثاني في داعش في قلب أفريقيا، في منطقة بحيرة تشاد. لكن قبل تحليل الحدث كانتصار أو إخفاق، السؤال الحقيقي: ماذا تريد أمريكا فعلًا من هذه الضربات؟ وهل بنت التنظيمات مناعتها منها قبل أن تبدأ؟

ربما لا بد أن نفهم سياقات هذه العملية، التي تندرج ضمن توجّه أمريكي متصاعد نحو تعزيز الوجود الاستخباراتي والعسكري في غرب أفريقيا وأفريقيا ككل؛ حيث باتت القارة تمثل مركز الثقل الجديد لنشاط تنظيم داعش بعد تراجعه في العراق وسوريا، وهذا بعد إعلان وزارة الدفاع النيجيرية في فبراير/شباط 2026 وصول نحو مئتي مستشار عسكري أمريكي إلى نيجيريا، وإرسال طائرات مسيّرة للرصد والمراقبة. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن الضربة كانت ثمرة لبنية لوجستية واستخباراتية أُسست أمريكيًا على مدى أشهر، وليس فعلًا آنيًا.

من بوكو حرام إلى “ولاية غرب أفريقيا”

لفهم أهمية المينوكي، لا بد من فهم التحول الذي شهدته الجماعات الجهادية في نيجيريا منذ انشقاق تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا عن بوكو حرام. الرجل الذي وصفه مسؤولون أمريكيون بأنه الشخصية المحورية في تنظيم داعش وتمويله، لا مجرد اسم على قائمة الإرهاب، ذلك الأمر الذي يبين التحول الذي شهده التنظيم “ولاية غرب أفريقيا” من حركات تمرد مرتبطة بإرث بوكو حرام. فقد كان مسؤولًا عن الإشراف على تخطيط الهجمات وإدارة العمليات المالية للتنظيم عالميًا، وإن كانت تسميته بأنه الرجل الثاني غير دقيقة، لكنه في تسلسل التنظيم أصبح أمير المديرية العامة لولايات التنظيم، وهذا ما يجعلهم يطلقون عليه ذلك. بخلاف ذلك، كان يُشرف على ما يسمى بمكتب الصديق، وهو الجهاز المالي للتنظيم، وكُلف بإدارة التحويلات المالية العابرة للحدود. انضم المينوكي إلى تنظيم بوكو حرام، ثم انتقل إلى التنظيم المبايع لداعش بقيادة أبي مصعب البرناوي، ليؤسسوا بعد ذلك ولاية غرب أفريقيا، وهي إحدى ولايات التنظيم في أفريقيا.

وعندما وقع الانشقاق داخل بوكو حرام عام 2016 بين جناح أبي بكر شيكاو والجناح الموالي لداعش، ولاية غرب أفريقيا، بقيادة أبي مصعب البرناوي، مثّل هذا التنافس بين نموذجين مختلفين في إدارة التنظيمات الجهادية؛ حيث اعتمد شيكاو على العنف المفتوح والخطاب الكاريزمي والاستهداف العشوائي للأفراد باختلاف أديانهم، بينما سعت “ولاية غرب أفريقيا” إلى بناء نموذج أكثر مؤسسية، يقوم على الحوكمة المحلية والانضباط الإداري والاندماج في الهيكل العالمي لداعش. وفي هذا الإطار، بدأ التنظيم يتبنى تكتيكات أقرب إلى أنماط داعش في العراق وسوريا، من خلال الهجمات الليلية المركزة على المواقع العسكرية، واستخدام وحدات سريعة الحركة، وتطوير شبكات الاستخبارات الميدانية.

ففي حين مثّل البرناوي الواجهة العسكرية والسياسية للتنظيم، لعب مامان نور دورًا مهمًا في ربط الفرع النيجيري بالبنية الدولية لداعش، خصوصًا في الجوانب التنظيمية والاتصالات العابرة للحدود، ثم تراجع نفوذ البرناوي لاحقًا، الذي يعتبر إلى الآن غير معروف مصيره، حيًا أم ميتًا، وذلك خلق فراغًا داخل الحلقة التي كانت تربط ولاية غرب أفريقيا بالشبكة الدولية للتنظيم.

بحيرة تشاد: الجغرافيا بوصفها منتجة


خريطة توضح الفواعل الرئيسية في منطقة بحيرة تشاد

يرتبط صعود المينوكي أيضًا بالتحولات الجيوسياسية في حوض بحيرة تشاد، التي تحولت إلى بيئة مثالية لإعادة تموضع التنظيمات الجهادية. فالجغرافيا المعقدة للبحيرة، بما تتضمنه من جزر وممرات مائية وحدود متداخلة بين نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون، جعلت منها مساحة يصعب إخضاعها لسيطرة أمنية كاملة.

إن وجود قيادات التنظيم داخل هذه المنطقة هو انعكاس لفهم استراتيجي لطبيعة الجغرافيا بوصفها أداة للحماية، وإعادة التموضع، وربط شبكات التهريب والحركة بين الساحل وغرب أفريقيا. كما أن ضعف الدول المحيطة بالبحيرة، وتداخل الاقتصاد مع النشاط المسلح، وفّرا للتنظيم بيئة تساعده على الاستمرار.

وفي هذا السياق، جاءت العملية الأمريكية – النيجيرية المشتركة في منتصف مايو/أيار 2026 باعتبارها محاولة لاستهداف إحدى أهم العقد التنظيمية داخل شبكة داعش الأفريقية، على حد وصفهم. فالعملية التي نُفذت، بغض النظر عن الكيفية، داخل جزر بحيرة تشاد، بمشاركة أفريكوم، وهي القوات العسكرية الأمريكية في أفريقيا، لربما توضح الإدراك الذي وصلت إليه واشنطن بأن أفريقيا أصبحت الساحة الأكثر نشاطًا للتنظيم بعد انهياره في المشرق. فقد أصبح ما يقارب من 85% من نشاط التنظيم في الربع الأول من 2026 يرتكز في أفريقيا، وتُقدر أعداد المقاتلين في التنظيم في منطقة بحيرة تشاد بـ4000-7000 مقاتل، أدت عملياتهم إلى وفاة 40 ألف شخص ونزوح مليوني نازح، وذلك بعبوات ناسفة وطائرات مسيّرة، الأمر غير المسبوق في القدرات العسكرية للتنظيم. ورغم الطابع العسكري للعملية المشتركة، فإن أهداف سياسة الاغتيالات الأمريكية تتجاوز أحيانًا فكرة القضاء النهائي على التنظيمات. فالولايات المتحدة تدرك، من خلال تجربتها الطويلة مع القاعدة وداعش، أن اغتيال القادة لا يؤدي تلقائيًا إلى انهيار التنظيمات، لكنها مع ذلك تواصل هذه الاستراتيجية لأنها قد تحقق أهدافًا سياسية ونفسية وردعية.

ومن زاوية أخرى، فقد كشفت طريقة الإعلان عن أبعادٍ لا تقل أهمية عن الحدث نفسه. فعندما يختار الرئيس الأمريكي الإعلان على منصته “Truth Social”، وفي منتصف الليل، أي قبل أي بيان رسمي سواء من البنتاغون أو وزارة الدفاع النيجيرية، وببداية رُسمت بمنطق “الشخصنة”: “وبتوجيه مني”، وكأنه يعني أن النصر فردي وليس مؤسسيًا. وتنتمي هذه اللغة، وفق نظرية تحليل الخطاب السياسي، إلى أن خطاب ترامب يندرج كخطاب الزعيم لا خطاب رئيس دولة؛ فالخطاب المؤسسي يوزع الفضل على المنظومة ككل، والخطاب الشعبوي يرتكز على شخص واحد من خلال توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والصياغات الاستعراضية. فقد استخدم صياغات تنتج محتوى سياسيًا بمادة عسكرية أكثر مما تقدم تقريرًا عملياتيًا، وذلك كان من خلال وصفه للمينوكي بأنه أكثر “إرهابي نشاطًا في العالم”، وفي نهاية منشوره بـ”حفظ الله أمريكا”.

أما حول دلالة اختيار المنصة والتوقيت معًا، فإن الجمهور المستهدف الأول لهذا الإعلان لم يكن المجتمع الدولي ولا الشركاء الأمنيون، بل القاعدة الانتخابية الداخلية، مما يُرسّخ القراءة القائلة بأن الاغتيال حدث سياسي بالدرجة الأولى، وأمني بالدرجة الثانية.

هل تهزم التنظيمات فعلًا باغتيال قادتها؟

أبلغ دليل على محدودية سياسة الاغتيالات وحدها في أن تثبت النصر هو ما كشفته ردود فعل التنظيمات منذ تأسيسها. فحين اغتيل بن لادن، لم ينهزم أو ينهار تنظيم القاعدة ولم يصمت، فقد أصدر بيانًا وصفه بنداء الاستمرار، وفي تأكيد أن التنظيم لم يُبنَ ليموت بموت قائده. وحين قُتل البغدادي، انتظر داعش أيامًا قبل أن يُصدر بيانه الذي يوصف بأنه تهديد لا عزاء: “لا تفرحوا كثيرًا ولا تتكبروا”. وهذا النمط الممنهج في التعامل مع الاغتيالات، وخاصة اغتيالات القادة، يدل على أن هذه التنظيمات لا تعيش أزمة حين تفقد قادتها، ربما تُحوّل الخسارة إلى أداة تعبئة.

والأعمق من ذلك أن هذه المناعة لم تُبنَ استجابةً للاغتيالات الأمريكية، بل سبقتها وصمّمت نفسها في مواجهتها. فالأيديولوجيا الجهادية تُعيد تعريف الموت من هزيمة إلى استشهاد، ومن نهاية إلى بداية. وقد جسّد ذلك بعد مقتل البغدادي حين قيل: “إذا مات البغدادي، فهناك عشرات الآلاف من البغداديين”، وهي تعبير عن بنية فكرية راسخة غذتها التنظيمات في أفرادها مسبقًا. وبهذا المعنى، فإن أمريكا تخوض حربًا بسلاح الاغتيال، والتنظيم حصّن نفسه من هذا السلاح قبل أن يطلق.

وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة والتنظيمات الجهادية تخوضان حربين مختلفتين: واشنطن تخوض حرب “قطع الرأس” عبر استهداف القادة وإعلان النصر، بينما تخوض التنظيمات حرب “الفكرة التي لا تموت”، حيث يُستبدل القائد بآخر، وتُعاد صياغة الخسارة ضمن سردية الاستمرار.

ولذلك، فإن اغتيال المينوكي قد يربك شبكات داعش في غرب أفريقيا بعض الوقت، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: كيف يمكن هزيمة البنية الفكرية والتنظيمية التي تجعل هذه التنظيمات قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار؟

زر الذهاب إلى الأعلى