الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل: إعادة هندسة الصراع أم تأسيس لتسوية جديدة؟

لم يأتِ الإعلان عن الاتفاق الإطاري [1]بين لبنان وإسرائيل في حزيران/يونيو 2026 بوصفه محطة تفاوضية جديدة ضمن مسار الصراع التقليدي بين الطرفين، بل مثّل تحولاً في طبيعة المقاربة التي تتبناها الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه لبنان. فالوثيقة لم تُصغ باعتبارها اتفاقاً يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو تنظيم إجراءات أمنية على الحدود الجنوبية فحسب، وإنما باعتبارها إطاراً لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية التي نشأت منذ انتهاء حرب تموز/يوليو 2006، وربط معالجة النزاع الحدودي بإعادة بناء ميزان القوى داخل الدولة اللبنانية نفسها.

هذا التحول لا يقتصر على مضمون البنود الواردة في الاتفاق، بل يمتد إلى الفلسفة التي يقوم عليها. ففي جميع الاتفاقات السابقة، كان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية هو نقطة الانطلاق في أي نقاش حول الأمن والاستقرار، فيما جاءت الترتيبات العسكرية نتيجةً لمعالجة الاحتلال. أما في الاتفاق الجديد، فقد انعكست المعادلة بالكامل؛ إذ أصبح نزع سلاح حزب الله[2] هو المدخل لأي انسحاب إسرائيلي، وتحولت قضية السلاح من عنصر مرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي إلى شرط مسبق لإعادة تعريف العلاقة بين لبنان وإسرائيل. وبذلك انتقل مركز الثقل من إدارة النزاع بين دولتين إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل الدولة اللبنانية نفسها.

وتزداد أهمية هذا الاتفاق بالنظر إلى البيئة الإقليمية التي وُلد فيها. فهو جاء بعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وبعد التفاهم الأميركي ـ الإيراني الذي أنهى المواجهة العسكرية المباشرة وفتح مساراً تفاوضياً جديداً بين الطرفين. إلا أن هذا المسار لم ينعكس تلقائياً على لبنان، بل على العكس، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فصل الساحة اللبنانية عن التفاهمات الإقليمية، وإخضاعها لمسار تفاوضي مستقل يعالج ملف حزب الله باعتباره قضية لبنانية داخلية، وليس امتداداً للصراع الإيراني – الإسرائيلي. ومن هنا، لا يمكن قراءة الاتفاق بمعزل عن محاولة أوسع لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي داخل المشرق، وإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية في النظام الأمني الإقليمي الجديد.

وتكشف طريقة التفاوض نفسها عن هذا التحول. فالمفاوضات لم تنطلق من البحث في آليات تنفيذ القرار 1701 أو معالجة الخروقات الإسرائيلية، وإنما انطلقت من تصور أميركي يعتبر أن جذور المشكلة تكمن في استمرار وجود بنية عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة.

لذلك، لم تعد وظيفة الاتفاق إنهاء حالة الحرب بقدر ما أصبحت إعادة إنتاج الدولة اللبنانية وفق تصور جديد للسيادة، يقوم على احتكار السلطة المركزية لاستخدام القوة وربط الدعم الدولي [3]بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والإدارية والاقتصادية للدولة. وهذا يمثل انتقالاً من منطق إدارة النزاعات إلى منطق إعادة بناء الدولة تحت مظلة ترتيبات أمنية دولية تقودها الولايات المتحدة.

إلا أن هذا التحول يثير في المقابل إشكاليات عميقة تتعلق بقابلية الاتفاق للتنفيذ. فالنص يفترض أن الدولة اللبنانية تمتلك الأدوات السياسية والأمنية والاجتماعية التي تمكّنها من فرض احتكارها للقوة على كامل الأراضي اللبنانية، بينما تشير موازين القوى الداخلية إلى أن هذه الفرضية لا تزال موضع نزاع سياسي وشعبي[4]، وأن أي محاولة لتطبيقها خارج إطار تسوية وطنية شاملة قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي أو على مستوى العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمكونات السياسية والاجتماعية الأساسية في البلاد.

من هنا، لا تبدو أهمية الاتفاق مرتبطة فقط بما يتضمنه من بنود، وإنما بما يعكسه من تحوّل في الرؤية الدولية لمستقبل لبنان. فبدلاً من النظر إلى الأزمة اللبنانية باعتبارها نتيجة للصراع مع إسرائيل، أصبح الصراع مع إسرائيل يُقدَّم بوصفه نتيجة لبنية النظام الأمني اللبناني.

وبدلاً من أن يكون إنهاء الاحتلال مدخلاً لإعادة بناء الدولة، باتت إعادة بناء الدولة شرطاً لإنهاء الاحتلال. وهذه المفارقة تمثل جوهر التحول الذي يحمله الاتفاق، كما تفسر حجم الانقسام الداخلي الذي أثاره منذ اللحظة الأولى، وتفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مستقبل العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية لتطال شكل الدولة اللبنانية نفسها ودورها في البيئة الإقليمية المقبلة.

أولاً: من إدارة الصراع إلى إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية

يصعب النظر إلى الاتفاق الإطاري بوصفه امتداداً للاتفاقات التي نظمت العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية خلال العقود الماضية. فالفارق لا يكمن فقط في البنود أو الآليات التنفيذية، بل في طبيعة المشكلة التي يحاول الاتفاق معالجتها. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949 مروراً بالقرار 1701[5]، كانت المقاربة الدولية تقوم على إدارة النزاع ومنع توسعه، مع الإقرار الضمني بأن جذور الأزمة ترتبط بالاحتلال الإسرائيلي، والنزاع الحدودي، وبغياب تسوية سياسية شاملة في المنطقة.

أما الاتفاق الحالي، فينطلق من فرضية مختلفة تماماً، مفادها أن استمرار الصراع يعود أساساً إلى وجود فاعل عسكري غير خاضع للدولة، وأن إعادة بناء الدولة اللبنانية تشكل المدخل الضروري لإنهاء النزاع مع إسرائيل.

ويعكس هذا التحول مراجعة أميركية وإسرائيلية لتجربة ما بعد حرب تموز 2006. فعلى الرغم من مرور عقدين تقريباً على القرار 1701، بقيت إسرائيل تعتبر أن البيئة الأمنية التي أفرزها القرار سمحت لحزب الله بإعادة بناء قدراته العسكرية، مستفيداً من التوازنات الداخلية اللبنانية، ومن استمرار الغطاء السياسي الذي وفرته معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” بأشكال مختلفة.

لذلك، لم تعد المقاربة الأميركية تنطلق من تعزيز آليات مراقبة وقف إطلاق النار أو توسيع صلاحيات قوات الأمم المتحدة، بل من إعادة صياغة بنية السلطة اللبنانية نفسها، بحيث تصبح قادرة، أو مطالبة، بإزالة العناصر التي تعتبرها إسرائيل مصدر التهديد الرئيسي[6].

وبذلك، يتحول الاتفاق من وثيقة أمنية إلى مشروع لإعادة هيكلة النظام الأمني اللبناني. فالجيش لم يعد يُنظر إليه بوصفه قوة فصل بين طرفين متحاربين، بل باعتباره المؤسسة التي يفترض أن تتولى احتكار استخدام القوة بصورة كاملة. كما أن مؤسسات الدولة لم تعد مطالبة فقط بضبط الحدود، وإنما بإعادة تنظيم المجال الأمني الداخلي، ومنع أي بنية عسكرية أو مالية أو تنظيمية مستقلة عن السلطة المركزية. وهذا التحول يفسر سبب ربط الاتفاق بين الترتيبات الأمنية وبين ملفات التمويل، وإعادة الإعمار، والإصلاح الإداري، والدعم الاقتصادي، باعتبارها أدوات متكاملة لإعادة إنتاج الدولة وفق تصور سياسي جديد.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن الاتفاق ينقل مركز الثقل من الحدود إلى الداخل اللبناني. ففي المراحل السابقة كانت غالبية الالتزامات مرتبطة بخطوط الانتشار، والانسحاب، والمراقبة الدولية، أما الآن فأصبحت معظم الالتزامات تتعلق بإجراءات داخلية تشمل تفكيك البنى المسلحة، وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل، وربط المساعدات الدولية بمستوى التقدم في هذه الملفات. وهذا يعني أن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط في الجنوب، وإنما في قدرة الدولة على إدارة التوازنات الداخلية، وهو أمر أكثر تعقيداً من أي ترتيبات عسكرية على الحدود.

ثانياً: إعادة تعريف مفهوم السيادة اللبنانية

من أبرز التحولات التي يحملها الاتفاق أنه يعيد صياغة مفهوم السيادة بطريقة تختلف عن الأدبيات السياسية اللبنانية التي سادت منذ اتفاق الطائف. فقد ارتبط مفهوم السيادة، طوال العقود الماضية، بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة الأراضي اللبنانية، بينما كانت مسألة السلاح الداخلي تُناقش باعتبارها نتيجة للتطورات الإقليمية أو جزءاً من تسوية داخلية أشمل.

أما الاتفاق الجديد، فيعكس انقلاباً في ترتيب الأولويات. فالسيادة، وفق منطقه، لا تبدأ بانسحاب إسرائيل، وإنما تبدأ بقدرة الدولة على احتكار استخدام القوة. وبناءً على ذلك، يصبح الانسحاب الإسرائيلي نتيجة للتحقق من هذه القدرة، وليس التزاماً قائماً بذاته. [7]وبهذا المعنى، تنتقل السيادة من كونها حقاً قانونياً مرتبطاً بالأرض إلى مفهوم وظيفي مرتبط بقدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها الأمنية على كامل الإقليم.

هذه المقاربة تمنح الاتفاق بعداً يتجاوز العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل، لأنه يعيد توزيع المسؤوليات القانونية والسياسية. ففي السابق، كانت إسرائيل تتحمل مسؤولية استمرار الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي، أما في الصيغة الجديدة، فإن استمرار الاحتلال يصبح، عملياً، مرتبطاً بعدم استكمال الدولة اللبنانية التزاماتها الأمنية.

 ومن الناحية السياسية، يؤدي ذلك إلى نقل جزء من الضغط الدولي من إسرائيل إلى الحكومة اللبنانية، التي تصبح مطالبة بإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها قبل المطالبة بالانسحاب الكامل.

لكن هذه المعادلة تطرح إشكالية أساسية تتعلق بالفارق بين السلطة القانونية والقدرة الفعلية. فالنص يفترض وجود دولة قادرة على فرض قراراتها بصورة متجانسة على كامل الأراضي اللبنانية، بينما يشير الواقع السياسي إلى وجود نظام توافقي يقوم على توازنات طائفية وحزبية معقدة، جعلت معظم التحولات الكبرى في تاريخ لبنان تتم عبر التسويات السياسية لا عبر القرارات الأحادية. ومن هنا، تبدو الفجوة كبيرة بين التصور النظري الذي يبني عليه الاتفاق وبين البيئة السياسية التي يفترض أن يُطبق فيها، وهو ما قد يحول عملية التنفيذ إلى مصدر جديد للأزمة[8]، بدلاً من أن تكون مدخلاً لتسويتها.

ثالثاً: التوازنات الإقليمية وحدود الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني

منذ اندلاع المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران مطلع عام 2026، برز تباين واضح بين الرؤية الأميركية والرؤية الإيرانية لموقع الساحة اللبنانية ضمن الصراع الإقليمي. فقد تعاملت طهران مع حزب الله باعتباره جزءاً من منظومة الردع الإقليمية، وبالتالي رأت أن أي تفاهم ينهي المواجهة مع الولايات المتحدة ينبغي أن يشمل الجبهة اللبنانية، باعتبارها إحدى ساحات الاشتباك المباشر. في المقابل، عملت واشنطن، مدعومة بإسرائيل وعدد من العواصم العربية، على تكريس مقاربة معاكسة تقوم على إخراج لبنان من معادلة الاشتباك الإقليمي، وتحويل ملفه إلى مسار سياسي وأمني مستقل، تكون الدولة اللبنانية طرفه الوحيد.

ولا يمكن فهم الاتفاق الإطاري خارج هذا السياق. فهو لا يهدف فقط إلى تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل يسعى أيضاً إلى تثبيت الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني. فالمقاربة الأميركية تفترض أن استمرار ارتباط الساحة اللبنانية بالسياسات الإقليمية الإيرانية يحول دون استقرار الحدود الجنوبية، ويمنع بناء دولة قادرة على احتكار قرارها الأمني.

 لذلك جاء الاتفاق ليكرّس مبدأ أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، ومستقبل الجنوب، وإعادة الإعمار، والعلاقات الخارجية، يجب أن تصدر حصراً عن المؤسسات الدستورية اللبنانية، بعيداً عن أي تداخل مع الحسابات الإقليمية.

غير أن هذا الفصل لا يزال أقرب إلى هدف سياسي منه إلى واقع قائم. فالبنية التي نشأت خلال العقدين الماضيين جعلت العلاقة بين حزب الله وإيران تتجاوز الدعم العسكري إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، سواء في مجال القرار السياسي أو في تصور طبيعة الصراع مع إسرائيل. وبالتالي، فإن محاولة فصل المسارين عبر وثيقة تفاوضية لا تعني بالضرورة أن هذا الفصل أصبح ممكناً عملياً، ما دامت البيئة الإقليمية التي أنتجت هذه العلاقة لم تتغير بصورة جذرية.

كما أن الاتفاق يعكس، بصورة غير مباشرة، رغبة أميركية في إعادة توزيع الأدوار الإقليمية داخل الملف اللبناني. فبدلاً من أن يكون لبنان جزءاً من التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية، يجري ربطه أكثر بالمظلة العربية والدولية، سواء عبر إعادة الإعمار أو الدعم الاقتصادي أو ترتيبات الأمن الحدودي. وهذه المقاربة تمنح الدول العربية، ولا سيما الخليجية[9]، دوراً أكبر في المرحلة المقبلة، ليس فقط كممولين لإعادة الإعمار، بل كشركاء في إعادة صياغة البيئة السياسية اللبنانية.

رابعاً: اختلال التوازن بين الالتزامات والضمانات

من السمات الأكثر وضوحاً في الاتفاق غياب التوازن بين ما يُطلب من لبنان وما تلتزم به إسرائيل. فالنص يحمّل الدولة اللبنانية سلسلة واسعة من الالتزامات الأمنية والسياسية والإدارية، تبدأ بنزع السلاح، ولا تنتهي بإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية وضبط الحدود وتجفيف مصادر التمويل، في حين تبقى الالتزامات الإسرائيلية مشروطة بالتحقق من تنفيذ هذه الإجراءات، من دون تحديد جدول زمني ملزم أو آلية قانونية تفرض الانسحاب بصورة تلقائية.

ولا يقتصر الأمر على غياب التوازن في الالتزامات، بل يمتد إلى طبيعة الضمانات نفسها. فالاتفاق يمنح الولايات المتحدة دور الجهة الراعية والمشرفة والمقيمة لعملية التنفيذ، ما يجعلها، عملياً، المرجع الأساسي في تحديد مدى التزام كل طرف. وبهذا تنتقل واشنطن من موقع الوسيط التقليدي إلى موقع الطرف الذي يمتلك تأثيراً مباشراً في مسار التنفيذ، سواء من خلال الإشراف على الترتيبات الأمنية أو عبر ربط المساعدات الاقتصادية بتقييمها لمستوى التقدم المحقق.

وتكمن الإشكالية هنا في أن معظم أدوات الضغط تصبح موجهة نحو الدولة اللبنانية، بينما تبقى الأدوات المتاحة لإلزام إسرائيل محدودة. فإذا اعتبرت تل أبيب أن الإجراءات اللبنانية غير كافية، تستطيع تعليق الانسحاب أو إبطاءه بحجة استمرار التهديدات الأمنية، من دون أن يشكل ذلك خرقاً واضحاً للاتفاق. وهذا يخلق وضعاً تصبح فيه عملية التنفيذ رهينة للتقدير الإسرائيلي، [10]كثر مما هي خاضعة لمعايير قانونية موضوعية.

ويزداد هذا الاختلال أهمية إذا أُخذ في الاعتبار الواقع اللبناني الداخلي. فالدولة مطالبة بتحقيق أهداف تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وإمكانات أمنية وإدارية كبيرة، بينما تواجه في الوقت نفسه انقسامات داخلية حادة، وأزمة اقتصادية غير مسبوقة، ومؤسسات تعاني محدودية الموارد والقدرات. وبالتالي، فإن تحويل هذه الالتزامات إلى شروط مسبقة للانسحاب الإسرائيلي يحمل في طياته مخاطر إطالة أمد الاحتلال، حتى في حال أبدت الحكومة اللبنانية استعداداً سياسياً لتنفيذ الاتفاق، لأن التنفيذ العملي سيظل مرتبطاً بعوامل داخلية وإقليمية معقدة تتجاوز قدرة السلطة التنفيذية وحدها على التحكم بها.

خامساً: معضلة التنفيذ وحدود قدرة الدولة اللبنانية

لا تكمن الإشكالية الأساسية في الاتفاق في صياغته القانونية، بل في الفجوة بين الافتراضات التي يقوم عليها والواقع اللبناني الذي يُفترض أن يُطبق فيه. فالنص ينطلق من فرضية أن الدولة اللبنانية تمتلك القدرة السياسية والأمنية والمؤسساتية الكافية لفرض احتكارها لاستخدام القوة خلال فترة زمنية محددة، بينما تشير التجربة اللبنانية إلى أن التحولات الكبرى في قضايا الأمن والدفاع لم تتحقق يوماً عبر قرارات حكومية منفردة، بل جاءت نتيجة تسويات داخلية واسعة ارتبطت، في معظم الأحيان، بتفاهمات إقليمية موازية.

ولا يتعلق الأمر فقط بوجود حزب الله كتنظيم عسكري، بل بطبيعة البنية السياسية التي نشأت في لبنان منذ اتفاق الطائف. فقد أصبح الحزب خلال العقود الماضية جزءاً من النظام السياسي، ومشاركاً في السلطة التنفيذية والتشريعية، ومؤثراً في التوازنات الطائفية الداخلية، فضلاً عن امتلاكه قاعدة اجتماعية واسعة وشبكة مؤسسات اقتصادية واجتماعية وخدمية. وبالتالي، فإن التعامل مع مسألة السلاح باعتبارها ملفاً أمنياً بحتاً يتجاهل حقيقة أنها أصبحت جزءاً من معادلة سياسية واجتماعية أكثر تعقيداً[11].

ومن هنا، فإن تنفيذ الاتفاق لا يرتبط بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار جنوباً أو ضبط الحدود فحسب، وإنما بوجود توافق سياسي يسمح بإعادة تعريف وظيفة السلاح خارج الدولة ضمن إطار وطني جديد. وفي غياب هذا التوافق، تتحول مؤسسات الدولة إلى الطرف الذي يتحمل وحده كلفة تنفيذ التزامات يصعب تحقيقها، سواء بسبب الانقسام السياسي أو بسبب محدودية الأدوات المتاحة لها.

ويبرز الجيش اللبناني في قلب هذه المعادلة. فالوثيقة تمنحه دوراً محورياً في بسط سلطة الدولة، لكنها في المقابل تضعه أمام تحديات غير مسبوقة. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بتنفيذ مهمة ذات أبعاد سياسية واجتماعية تتجاوز وظائفها التقليدية[12]، وهو ما قد يضعها في مواجهة مباشرة مع جزء من المجتمع اللبناني إذا لم يسبق ذلك توافق سياسي واضح. لذلك، فإن نجاح الجيش في الحفاظ على موقعه كمؤسسة جامعة سيبقى مرتبطاً بقدرته على تجنب الانزلاق إلى صراع داخلي، وهو ما يفسر الحذر الذي أبدته القيادة العسكرية طوال مراحل النقاش حول آليات تنفيذ الاتفاق.

خاتمة

لا يمثّل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل مجرد وثيقة لتنظيم وقف إطلاق النار أو إطاراً تقنياً لمعالجة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، بل يعكس تحولاً في المقاربة الأميركية والإسرائيلية تجاه الأزمة اللبنانية. فجوهر الاتفاق لا يقوم على إنهاء أسباب الصراع التقليدية بقدر ما يقوم على إعادة تعريفها؛ إذ ينتقل مركز الثقل من معالجة الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية داخل لبنان، ومن التركيز على الحدود إلى التركيز على بنية الدولة ووظيفتها الأمنية. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق يعبّر عن انتقال من إدارة الصراع مع إسرائيل إلى إدارة مسألة بناء الدولة اللبنانية وفق تصور جديد لمفهوم السيادة واحتكار استخدام القوة.

غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بفرضيات لم تثبتها الوقائع اللبنانية حتى الآن. فالوثيقة تفترض وجود دولة قادرة على تنفيذ التزامات استراتيجية تتطلب توافقاً سياسياً واجتماعياً واسعاً، في حين لا يزال لبنان يعيش انقساماً عميقاً حول موقع حزب الله، وطبيعة علاقته بإيران، ومستقبل دوره العسكري والسياسي. كما أنها تفترض إمكانية الفصل بين الساحة اللبنانية والتحولات الإقليمية، بينما تشير التجارب السابقة إلى أن أي تغيير جوهري في معادلات الأمن اللبناني كان دائماً جزءاً من تسويات إقليمية أوسع، وليس نتاج قرار داخلي منفرد.

وفي المقابل، لا يبدو أن الاتفاق يقدّم معالجة متوازنة لمعادلة الالتزامات والضمانات. فهو يربط الانسحاب الإسرائيلي بمجموعة طويلة من الالتزامات اللبنانية، من دون أن يضع آليات ملزمة تمنع تعطيل هذا الانسحاب أو تضمن استكماله ضمن جدول زمني واضح. وهذا الخلل يجعل تنفيذ الاتفاق خاضعاً إلى حد كبير للتقديرات السياسية أكثر من ارتباطه بقواعد قانونية ثابتة، بما يفتح الباب أمام استمرار حالة الانتظار، وإعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

ومن منظور أوسع، يكشف الاتفاق عن محاولة لإعادة رسم موقع لبنان في النظام الإقليمي الذي يتبلور بعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. فالهدف لا يقتصر على معالجة ملف الجنوب، بل يمتد إلى إدماج لبنان في بيئة أمنية وسياسية جديدة، تتراجع فيها الاعتبارات المرتبطة بمحور الصراع الإقليمي، لمصلحة منطق الدولة المركزية والشراكات العربية والدولية. إلا أن هذا التحول لن يكون مستقراً ما لم يترافق مع تسوية لبنانية داخلية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، ومع تفاهمات إقليمية تقلّص دوافع الصراع وتحدّ من استخدام الساحة اللبنانية كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وعليه، فإن مستقبل الاتفاق لن يُحسم بنصوصه أو بآليات متابعته وحدها، بل بقدرته على التكيف مع الواقع السياسي اللبناني. فإذا بقي إطاراً يفرض التزامات تفوق قدرة المؤسسات على تنفيذها، فقد يتحول إلى مصدر إضافي للاحتقان الداخلي وإدارة أزمة مفتوحة. أما إذا ترافق مع مسار سياسي تدريجي يعالج هواجس مختلف الأطراف، ويواكب التحولات الإقليمية، فقد يشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء معادلة أمنية أكثر استقراراً. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لا يكمن في توقيعه، بل في مدى قدرته على إنتاج توازن جديد يجمع بين مقتضيات سيادة الدولة، ومتطلبات الاستقرار الداخلي، والتحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية بأسرها.


[1] الجزيرة نت – الاتفاق الإطاري مسار تسوية برعاية أميركية

[2] عربي بوست – خاص: العمل على إنشاء لجنة إقليمية لإدارة الملف اللبناني ما بعد الحرب، والانسحاب الإسرائيلي على الطاولة

[3] أساس ميديا – اتّفاق 26 حزيران: لبنان “منطقة تجريبيّة

[4] المدن – بري لـ”المدن”: الاتفاق ضد نفسه وخطر على سوريا والشكر لجنبلاط

[5] النهار اللبنانية – اتفاق الهدنة لعام 1949… هل لا يزال الإطار الممكن للحل؟

[6] المركز العربي للأبحاث دراسة السياسيات – الاتفاق الإطاري اللبناني – الإسرائيلي: قراءة في دوافعه وتداعياته على لبنان

[7] الشرق الأوسط – الجيش اللبناني ينتشر قريباً في المنطقتين النموذجيتين… بمراقبة أميركية

[8] مركز كارنيجي – الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسط

[9] عربي بوست – الورقة المصرية الخاصة بلبنان تتحول إلى مبادرة عربية – غربية تربط تنفيذ اتفاق الطائف بسلاح حزب الله

[10] Entrenching a Meaningful Israel-Lebanon Ceasefire  مجموعة الأزمات الدولية –

[11] المدن – القرار بالمواجهة اتخذ… إسقاط الاتفاق في مجلس النواب؟

[12] سكاي نيوز عربية – مصادر: واشنطن تراقب عمل الجيش اللبناني بالمناطق التجريبية

زر الذهاب إلى الأعلى