النتيجة التي تحوّلت إلى سبب: مضيق هرمز وتشريح حرب جرى التحذير منها

هناك نوع من الكوارث يفوق في خطورته التعرّض للمفاجأة؛ وهو الكارثة التي جرى التحذير منها بلغة واضحة، على أيدي الأشخاص الذين تتمثل مهمتهم في معرفة ما قد يحدث، ثم جرى تجاهل تحذيراتهم عن وعي. تنتمي الحرب على إيران عام 2026 إلى هذا النوع. فالسمة الفارقة فيها لم تكن إخفاقًا استخباراتيًا، بل إخفاقًا في تلقي التحذير والاستجابة له. فالحدث الذي توقّعته أجهزة الاستخبارات بدقة، والمتمثل في إغلاق مضيق هرمز، لم يقع فحسب، بل أخذ يتفاقم حتى لم يعد مجرد نتيجة للحرب، وإنما أصبح موضوعها الرئيس ومحورها الاستراتيجي. وهكذا تحوّلت النتيجة إلى سبب.

يقاوم هذا الانقلاب السردي روايتين مبسّطتين. الأولى تفترض أن الحرب شُنّت من أجل مضيق هرمز، وأن الممر البحري كان الهدف الحقيقي المستتر. إلا أن الوقائع لا تدعم هذا التصور؛ إذ يظهر المضيق في مجريات الأحداث بوصفه ردًا إيرانيًا على الحرب، وليس هدفًا مُعلنًا لها. أما الرواية الثانية فتذهب إلى أن إغلاق المضيق كان صدمة غير قابلة للتوقع. وهذه أيضًا لا تصمد أمام الأدلة؛ إذ إن هذا الاحتمال كان متوقعًا بدقة، لكنه قوبل بالتجاهل عمدًا. والحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فقد أفضت حرب أُطلقت لأسباب غامضة ومتداخلة إلى إنتاج حقيقة استراتيجية جديدة، من خلال مسارها ذاته، أصبحت لاحقًا العامل الذي ينظم الحرب ويطيل أمدها. ومع ذلك، ثمة تحفظ أساسي يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند قراءة ما يلي. فالادعاء الأكثر حساسية، والمتمثل في أن القيادة العسكرية العليا حذّرت الرئيس من هذا السيناريو لكنه تجاهل التحذير، يستند إلى مصدر صحفي واحد، وسيُشار إلى ذلك كلما ورد. أما الاستنتاجات البنيوية الواردة في هذا التحليل فتستند إلى بيانات أولية وتصريحات رسمية موثقة، وتتمتع بدرجة أعلى بكثير من القوة والموثوقية.

التحذير الذي تحقق

وفقًا لتقارير نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال،[1] حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، الرئيس دونالد ترامب خلال الإحاطات السابقة للحرب من احتمال أن تلجأ إيران إلى إغلاق مضيق هرمز باستخدام الألغام البحرية والطائرات المسيّرة والصواريخ. وتشير التقارير إلى أن ترامب أقرّ بوجود هذا الخطر، لكنه مضى في قراره، معتقدًا أن طهران سترضخ قبل أن تقدم على هذه الخطوة، وأن القوات الأمريكية ستكون قادرة على إعادة فتح الممر الملاحي إذا أقدمت إيران على إغلاقه. وتمثل هذه الرواية الركيزة الأساسية للحجة المطروحة هنا، ومن ثم ينبغي التعامل معها بالقدر المناسب من الحذر؛ فهي رواية ذات مصداقية وتنسجم مع ما جرى لاحقًا، لكنها تستند إلى مصادر مجهلة ولم تؤكدها تصريحات رسمية معلنة. فإذا ثبت عدم صحتها، فإن القراءة التالية ستقتصر على القول بوجود استشراف مؤسسي للمخاطر. أما إذا ثبتت صحتها، فإنها تمثل الحقيقة الأكثر أهمية في تفسير هذه الحرب.

ولم تكن الهشاشة الاستراتيجية التي أشار إليها هذا التحذير سرًا خافيًا. فكل من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية[2] والوكالة الدولية للطاقة[3] توثقان أن مضيق هرمز يمر عبره ما لا يقل عن ربع تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم، بما يقارب عشرين مليون برميل يوميًا، أي نحو خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى ما يقارب خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، بما في ذلك معظم صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة، عبر ممر لا يتجاوز عرضه نحو واحد وعشرين ميلًا. كما أن البدائل المتاحة لهذا الممر محدودة للغاية. ولذلك، كان أي شخص يطالع البيانات الأساسية يدرك أن إغلاق المضيق سيكون من أكثر الأحداث تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.

وقد استوعبت الأسواق هذا الخطر بصورة فورية، إذ ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب عدة أضعاف مع اندلاع العمليات العسكرية. وبعد ذلك تحقق السيناريو المتوقع وفق التسلسل الزمني الذي جرى التحذير منه. ففي غضون أيام من الضربات التي نُفذت في 28 فبراير، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لاحقًا انخفاض حجم التدفقات عبره بنحو 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما وصفته الوكالة الدولية للطاقة بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق النفطية. ولم يكن التقدير الاستخباراتي قريبًا من الصواب فحسب، بل جاء مطابقًا لما حدث.

وهنا تنقلب الرواية التقليدية لتحليل الحروب. فقد اعتادت الأدبيات التي تناولت الهجمات المفاجئة، منذ بيرل هاربور، البحث عن موطن الإخفاق في الإشارة التحذيرية ذاتها؛ باعتبارها كانت ضعيفة أو ضائعة وسط ضجيج المعلومات. لكن هذا لم يكن ما حدث هنا. فالإشارة كانت واضحة، ومحددة، وصحيحة في مضمونها، ووصلت إلى الشخص الوحيد القادر على اتخاذ القرار. ومن ثم، لم يقع الفشل في مرحلة اكتشاف التهديد، بل في المرحلة اللاحقة لها؛ أي في تلقي التحذير والاستجابة له.

الإخفاق في تلقي التحذير

لماذا يُتجاهل تحذير صحيح وصريح؟ وفقًا للرواية الصحفية، استند الرئيس إلى افتراضين رئيسيين: الأول أن إيران ستختار الرضوخ بدلًا من إغلاق مضيق هرمز، والثاني أنه حتى إذا أقدمت على ذلك، فإن الولايات المتحدة ستكون قادرة على إعادة فتحه. وبهذين الافتراضين تحوّل خطر يكاد يكون مؤكدًا إلى احتمال يمكن احتواؤه؛ إذ أنكر الافتراض الأول وقوع الحدث أصلًا، بينما أنكر الثاني أهميته الاستراتيجية. وإذا صحت هذه الرواية، فإن المشكلة لم تكن في نقص المعرفة، بل في رفض استخلاص ما تقتضيه تلك المعرفة من نتائج. فقد كانت المعلومات متاحة، لكن دلالاتها لم تُؤخذ على محمل الجد.

يطلق الفكر الكلاسيكي على هذا النمط من السلوك مفهوم الأكراسيا (Akrasia)، الذي صاغه أرسطو بوصفه ضعفًا في الإرادة؛ أي أن يدرك الإنسان ما هو الأصوب ثم يقدم على ما هو الأسوأ. غير أن هذا الوصف لا ينطبق هنا بصورة كاملة؛ فالأكراسيا عند أرسطو تنشأ من غلبة الشهوة على العقل في لحظة الفعل، بينما يبدو ما حدث أقرب إلى ما يسميه علم النفس المعرفي الإدراك المدفوع بالرغبة (Motivated Cognition)، حيث يُهمَّش الحكم الصحيح لأن الاعتراف بصحته غير مرغوب فيه سياسيًا أو نفسيًا. ومع ذلك، يبقى البناء المنطقي واحدًا في الحالتين: المعرفة كانت موجودة، لكنها كانت الطرف الخاسر في عملية اتخاذ القرار.

وقد مثّل كل افتراض من الافتراضين مخرجًا قائمًا على التمني أكثر من كونه تقديرًا موضوعيًا. فالقول إن «إيران سترضخ» انسجم مع ما كان متخذ القرار يرغب في حدوثه أكثر مما استند إلى تقدير واقعي لسلوك الخصم، أما الاعتقاد بأن «الولايات المتحدة تستطيع إعادة فتح المضيق» فقد خلط بين التفوق العسكري والقدرة على إخضاع الجغرافيا لإرادة القوة. وقد أثبتت الأحداث خطأ الافتراضين معًا، كما كان بالإمكان المجادلة في خطئهما قبل اندلاع الحرب، وهو ما يفسر – بحسب الرواية الصحفية – سبب إصرار رئيس هيئة الأركان المشتركة على إطلاق هذا التحذير.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين حرب عام 2026 وبين حالتي بيرل هاربور وحرب أكتوبر (يوم الغفران). ففي الحالتين التاريخيتين كان التحذير غامضًا قبل وقوع الحدث، ولم تتضح دلالته إلا بعد وقوعه. أما هنا، فقد كان التحذير واضحًا وصريحًا قبل اتخاذ القرار. ولذلك تنتفي الحجة التي تُرجع الكارثة إلى ضبابية المعلومات أو عدم اليقين. فلم يكن الأمر قرارًا بالغ الصعوبة انتهى إلى مأساة بسبب الغموض، بل كان قرارًا اتُّخذ رغم وضوح التحذير، فتحول إلى كارثة نتيجة رفض الاستجابة له. ومع ذلك، يبقى هذا الجزء من التحليل مرتبطًا بصحة الرواية الصحفية التي يستند إليها، وتتحدد قوته بمدى قوة تلك الرواية.

النتيجة التي تحولت إلى سبب

عند هذه النقطة يكتمل الانقلاب في منطق الحرب، وهنا تصبح الأدلة أكثر صلابة بكثير من مجرد تقرير صحفي، لأن عملية إعادة تعريف الحرب جرت بصورة علنية وفي الزمن الحقيقي. فقد أشار مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي [4](CFR) إلى أن أهداف البيت الأبيض خلال الأسابيع الأولى للحرب كانت تتغير باستمرار؛ فتارة جرى الحديث عن تغيير النظام، ثم عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ثم عن نزع قدراتها العسكرية. وعند محاولة الإجابة عن سؤال بسيط مثل: «من أجل ماذا شُنّت هذه الحرب؟» تظهر صورة ضبابية لا تقدم هدفًا واضحًا.

غير أن إيران، بإغلاقها مضيق هرمز، خلقت حقيقة استراتيجية لا يمكن إنكارها: قدرتها العملية على تعطيل نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وما يزيد على ربع تجارة النفط المنقول بحرًا، باستخدام الألغام والزوارق الصغيرة. ولم يعد بالإمكان محو هذه الحقيقة بعد أن أصبحت واقعًا قائمًا. والأهم أنها زودت الحرب، بأثر رجعي، بالغاية التي كانت تفتقر إليها عند بدايتها.

وبحلول شهر يونيو، خلص مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الهدف الرئيس للرئيس ترامب أصبح يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن المذكرة التي أوقفت الحرب يمكن فهمها، في جوهرها، بوصفها اتفاقًا يتعلق بهرمز يقوم على تخفيف العقوبات مقابل ضمان حرية الملاحة، أكثر من كونها اتفاقًا بشأن البرنامج النووي الإيراني. وقدمت منصة Axios القراءة ذاتها من زاوية عملياتية؛[5] إذ اعتبرت أن إغلاق المضيق تحول إلى الأزمة المركزية التي واجهها البيت الأبيض، وأن استمرار الحصار جعل من المستحيل على الرئيس إنهاء الحرب وإعلان النصر، حتى لو كان راغبًا في ذلك. وهكذا، توصلت مؤسسة بحثية متخصصة ووسيلة إخبارية مستقلة إلى الاستنتاج نفسه: لقد أصبحت الحرب تدور حول النتيجة التي كان التحذير قد توقعها منذ البداية.

غير أن هذه الخلاصة الفلسفية تحتاج إلى قدر من الدقة. فالقول هنا لا يعني أن مضيق هرمز كان السبب الحقيقي الخفي للحرب منذ البداية، لأن مثل هذا الادعاء يتطلب أدلة على وجود نية مبيتة لا يوفرها السجل المتاح، فضلًا عن أنه أضعف من الناحية التحليلية. وإنما المقصود هو أن الحرب اكتسبت غاية جديدة بعد اندلاعها؛ غاية لم تكن جزءًا من دوافعها الأصلية، وإنما نشأت من مسارها ذاته، ثم أصبحت تتحكم فيها بصورة أعمق من أي دافع سابق. ويمكن وصف هذه الحالة بأنها غاية ناشئة (Emergent Telos) .

فلم يكن المضيق سبب الحرب ولا هدفها المعلن، لكنه تحول إلى مركز الثقل الاستراتيجي لها؛ أي إلى العنصر الذي أوجدته الحرب نفسها، ثم أصبح العامل الذي يحدد كل ما تلاها. ولهذا التحول اسم أقدم من أدبيات الدراسات الاستراتيجية؛ إنه التراجيديا بالمعنى الفلسفي الدقيق: الكارثة التي يصنعها فاعل يمتلك المعرفة الكفيلة بمنعها، لكنه يتصرف على نحو يناقض تلك المعرفة، فتغدو محاولته السيطرة على الأحداث هي الآلية التي تحقق الكارثة نفسها.

ولهذه الفكرة نظير حديث أيضًا. فقد وصف اقتصاديون زراعيون في جامعة إلينوي،[6] أثناء تحليلهم لتأثيرات الحرب على أسواق السلع، ما أطلقوا عليه فخ التصعيد (Escalation Trap)، حيث تؤدي الضربات المحدودة إلى صدمات اقتصادية تفرض تكاليف متزايدة، فتدفع صناع القرار إلى توسيع العمليات العسكرية بدلًا من احتوائها أو تقليصها. وهكذا، تلتقي التراجيديا الإغريقية مع اقتصاديات سلاسل الإمداد في تفسير الآلية نفسها: فالفعل ينتج الظروف التي تجعل استمراره ضرورة، فتتحول الحرب إلى حلقة مغلقة تُعيد إنتاج أسباب بقائها من داخلها.

الجغرافيا الكامنة وراء الأزمة

لماذا كان التحذير دقيقًا إلى هذا الحد، ولماذا بدا إعادة فتح المضيق مهمة شديدة التعقيد؟ تكمن الإجابة، في مستوى أعمق من السياسة وعلم النفس، في الجغرافيا ذاتها. فمضيق هرمز ليس معطى يمكن تجاوزه بالهندسة العسكرية أو إعادة تشكيله بالإرادة السياسية. إذ يتعين على ناقلات النفط العبور عبر ممر لا يتجاوز عرضه بضعة أميال، يقع بالكامل ضمن مدى الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والألغام البحرية؛ وهي جميعًا من أقل أدوات الحرب تكلفة وأكثرها فاعلية في مثل هذا المسرح العملياتي. ولذلك، يمثل المضيق نموذجًا يكاد يكون مثاليًا لما يُعرف باستراتيجية منع الوصول ومنع حرية الحركة (Anti-Access/Area Denial – A2/AD)، حيث لا يحتاج الطرف المدافع إلى أسطول بحري متفوق، وإنما إلى ميزة الجغرافيا والإرادة السياسية لاستثمارها.

ولا يستند هذا الاستنتاج إلى الخطاب الإيراني، وإنما تؤكده مواقف الحلفاء أنفسهم. فعندما سعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف لإعادة فتح المضيق، امتنعت أقرب الدول الحليفة لها عن المشاركة، وأعلنت مواقفها بصورة علنية وواضحة.[7] فقد استبعد المستشار الألماني أي مشاركة، مؤكدًا أن حلف شمال الأطلسي هو تحالف دفاعي وليس تحالفًا للتدخل العسكري، فيما صرح وزير الدفاع الألماني بوضوح بأن «هذه ليست حربنا». واستند رئيس الوزراء الياباني إلى القيود القانونية التي تحكم مشاركة بلاده، بينما أعلنت فرنسا أنها «لا تشارك في هذه الحرب»، وأكدت بريطانيا أن أي عملية من هذا النوع لن تكون مهمة تابعة لحلف الناتو. كما أرسلت كل من أستراليا وإسبانيا واليونان والاتحاد الأوروبي إشارات مماثلة.[8]

بل إن أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، رغم تأييده سياسة الضغط على إيران، أوضح الحسابات العسكرية بصورة مباشرة؛ إذ أشار إلى أن مرافقة نحو مئة ناقلة نفط تعبر المضيق يوميًا ستستنزف عمليًا معظم القدرات البحرية الأمريكية، وأن بقاء الألغام البحرية دون إزالة سيجعل حتى سفن الحماية نفسها عرضة للخطر. ولم يكن سبب هذا العزوف نقص الإرادة السياسية، وإنما غياب حالة نهائية قابلة للتحقيق عسكريًا. ومن ثم، فإن امتناع الحلفاء عن المشاركة يمثل الدليل التجريبي على صحة الفرضية الجغرافية؛ فلو كان بالإمكان إعادة فتح المضيق بالقوة وبتكلفة مقبولة، لانضمت إحدى هذه الدول إلى العملية.

ويعيد هذا الواقع صياغة أعمق مفارقات الحرب. فقد أمضت إيران عقدين من الزمن في السعي إلى بناء ردع نووي، لكنه، بدلًا من أن يحميها، أسهم في استجلاب الضربة العسكرية. وعندما اندلعت الحرب، اكتشفت أن لديها وسيلة ردع أكثر فعالية، لم تنتجها التكنولوجيا، بل منحتها إياها الجغرافيا. فمن خلال إغلاق مضيق هرمز استطاعت طهران أن تثبت قدرتها على تقييد حركة أقوى قوة عسكرية في العالم. ويعتقد مسؤولون إيرانيون أن تحويل هذه الورقة إلى مصدر عائد اقتصادي قد يدر ما يصل إلى أربعين مليار دولار سنويًا، وهو رقم يقترب من قيمة عائداتها النفطية في السنوات الأخيرة. وهكذا، أصبح المضيق يجمع بين الردع والعائد الاقتصادي في أداة استراتيجية واحدة، وهو ما يفسر تمسك إيران بهذه الورقة؛ إذ إن التخلي عنها يعني فقدان وسيلة الردع التي تحول دون تعرضها لهجمات جديدة. وبهذا المعنى، لم يعد المضيق بالنسبة لطهران مجرد ورقة تفاوض، بل أصبح عنصرًا وجوديًا يضمن بقاءها ويحول دون سقوط القنابل على أراضيها.

مخرج الأزمة… ولماذا يبقى مغلقًا

إذا صح هذا التحليل، فإن للحرب مخرجًا واضحًا، لكنه يبقى خيارًا لا تستطيع أطرافها سلوكه. ويتمثل هذا المخرج في التوصل إلى نظام تفاوضي لإدارة مضيق هرمز بصورة مشتركة بين إيران وإحدى دول الخليج العربية، مع قيام سلطنة عُمان بدور الوسيط، وربط هذا الترتيب بحزمة التخفيف الاقتصادي التي نصت عليها مذكرة وقف الحرب. ومن شأن هذا الحل أن يحول حالة المواجهة إلى مصلحة مشتركة، وأن يعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الأكثر هشاشة في العالم. ووفقًا لما أورده مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي  (CFR)، فإن التداعيات المتسلسلة للحرب دفعت نحو خمسة وأربعين مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تصاعد خطر المجاعة في السودان وجنوب السودان والصومال.

غير أن هذا الحل يبقى بعيد المنال، لا بسبب عائق استراتيجي، بل بسبب عائق نفسي وسياسي. فنجاح مثل هذا الترتيب يتطلب من واشنطن الاعتراف رسميًا بأن إيران تمتلك نفوذًا استراتيجيًا دائمًا في المضيق. وبالنسبة لرئيس خاض الحرب، جزئيًا، بهدف نزع هذا النفوذ، فإن الإقرار به لا يبدو تسوية سياسية، بل يُقرأ باعتباره هزيمة.

ولهذا، تشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية اتجهت مجددًا نحو استخدام القوة، وإلى محاولة الاعتماد على مسارات ملاحية تمر بمحاذاة السواحل العُمانية، وهي مسارات لا تقبل بها إيران، كما أنها تُضعف في الوقت ذاته الدور الوسيط الذي تضطلع به سلطنة عُمان. وهكذا، فإن العقلية نفسها التي قللت من شأن التحذير في البداية أصبحت اليوم تعرقل الوصول إلى الحل.

ومن هنا يتجلى المعنى الأكثر قتامة لوصف هذه الحرب بأنها «حرب جرى التحذير منها». فليس فقط لأن الكارثة كانت متوقعة ثم جرى تجاهلها، بل لأن طريق الخروج منها ظاهر للعيان أيضًا، ومع ذلك يُرفض للأسباب نفسها، وبالعقلية ذاتها. لقد بدأت الحرب برفض التصديق بتحذير صحيح، وهي تستمر اليوم برفض الاعتراف بالعالم الذي وصفه ذلك التحذير بدقة.

لم يكن مضيق هرمز يومًا سبب الحرب، لكنه أصبح اليوم القضية التي تدور حولها الحرب بأكملها.


[1] The Wall Street Journal. “Iran Oil Hormuz Blockade Trump.” https://www.wsj.com/politics/national-security/iran-oil-hormuz-blockade-trump-f96bdd53  

[2] The Wall Street Journal. “Iran Oil Hormuz Blockade Trump.” https://www.wsj.com/politics/national-security/iran-oil-hormuz-blockade-trump-f96bdd53 

[3] International Energy Agency. “Strait of Hormuz.” https://www.iea.org/about/oil-security-and-emergency-response/strait-of-hormuz 

[4] Council on Foreign Relations. “Strait of Hormuz Traffic Faced a Long Road to Recovery. Now the Iran Deal Is Unraveling.” https://www.cfr.org/articles/strait-of-hormuz-traffic-faced-a-long-road-to-recovery-now-the-iran-deal-is-unraveling

[5] Axios. “Strait of Hormuz Coalition: Allies Decline U.S. Request for Support.” March 19, 2026. https://www.axios.com/2026/03/19/strait-hormuz-coalition-allies-statement-uk

[6] Paulson, Nick, Carl Zulauf, and Gary Schnitkey. “The Strait of Hormuz: Why Global Trade Dependency Turns a Localized Conflict into a Global Crisis.” farmdoc daily, University of Illinois at Urbana-Champaign, March 2026. https://farmdocdaily.illinois.edu/2026/03/the-strait-of-hormuz-why-global-trade-dependency-turns-a-localized-conflict-into-a-global-crisis.html

[7] Arab News. “Multiple Allies Decline U.S. Calls for Strait of Hormuz Support amid Rising Middle East Tensions.” https://www.arabnews.com/node/2636545/world

[8] Fox News. “Multiple Allies Decline U.S. Calls for Strait of Hormuz Support amid Rising Middle East Tensions.” https://www.foxnews.com/world/multiple-allies-decline-us-calls-strait-hormuz-support-amid-rising-middle-east-tensions

زر الذهاب إلى الأعلى