الماوردي وميكيافيللي في سؤال الحكم والدولة: السلطة في مرآة الأخلاق

يفصل نحو خمسة قرون بين أبي الحسن الماوردي ونيقولو ميكيافيللي، وتفصل بين بغداد القرن الحادي عشر وفلورنسا القرن السادس عشر عوالم دينية وثقافية وسياسية مختلفة. ومع ذلك، ثمة ما يغري الدارس بوضع الرجلين وجهاً لوجه؛ فكلاهما كتب عن الحكم بعد أن خبِر السياسة من داخلها، وعرف الدولة في لحظات ضعفها وقلقها، وتعامل مع سؤال شديد الأهمية، وهو كيف تُبنى الدول، وكيف تستقر، وكيف تحمي نفسها من أسباب انهيارها.

الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، ت. 450هـ/1058م)، فقيه شافعي وقاضٍ ومفكر سياسي، عُرف بمؤلفاته في الفقه ونظم الحكم والسياسة، وكان قريباً من مركز القرار العباسي واضطلع بمهمات ووساطات سياسية في عصره.

عاش الماوردي في زمن كانت فيه الخلافة العباسية تحت الهيمنة البويهية، ثم شهد بدايات التحول السلجوقي. أي، إنه عايش عملياً واحدة من أكثر مفارقات الحكم تعقيداً، حيث التباعد بين الشرعية التي يمثلها الخليفة والقوة الفعلية التي يمتلكها آخرون.

أما نيقولو ميكيافيللي (1469–1527)، فهو مفكر وسياسي ودبلوماسي فلورنسي، شغل مناصب في الجمهورية الفلورنسية، وقام بمهمات دبلوماسية عديدة، وانخرط مباشرةً في شؤون التنظيم العسكري، قبل أن يصبح كتابه «الأمير» واحداً من أشهر النصوص في تاريخ الفكر السياسي.

شاهد ميكيافيللي عن قرب دويلات إيطاليا وهي تتصارع وتتآمر وتتبدل تحالفاتها، وعاصر صعود قوى وسقوط أخرى، قبل أن تسقط الجمهورية الفلورنسية. وكانت تلك الخبرة السياسية المباشرة من أهم منابع رؤيته للحكم.

ولهذا، ربما تكون البداية الصحيحة للمقارنة هي القول إن الرجلين واقعيان. لكن واقعيتهما تقودهما إلى نتيجتين مختلفتين.

وابتداءً، يجدر التنبيه إلى خطأ، مدرسي، يتمثل في قراءة الماوردي بوصفه مجرد واعظ للسلطان في التقوى وحسن الخلق. وبرأيي، فإن كتابه الأهم «تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة المُلك» هو مصنفٌ في فن الحكم بالمعنى العملي للكلمة، فهو يتحدث عن الرعية والجند والمال والعمران، وعن اختيار الأعوان والحاشية، والقضاء والولاة، والأمن، وتدبير الأزمات والفتن، والصديق والعدو، والحزم والمكيدة، ومتى يكون اللين مطلوباً ومتى تصبح الشدة ضرورية.

بل إن بناء الكتاب نفسه ينتقل من «أخلاق المَلك» إلى «سياسة المُلك»، وكأن الرجل يريد القول منذ البداية إن شخصية الحاكم وطريقة إدارة الدولة مسألتان لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. ولهذا، تضعه الدراسات الحديثة ضمن تقاليد «مرايا الأمراء»، ولكن بوصفه أيضاً نصاً ناضجاً في التفكير العملي بقواعد الحكم وإدارة الدولة.

 ومن المهم الانتباه، كذلك، إلى أن الماوردي، هنا وفي غير موضع، لا ينكر القوة، ولا يتخيل دولة تستطيع العيش بالموعظة وحدها. بل يتحدث عن الحزم والرهبة والجند وأدوات الردع، ويدرك أن لكل ظرف سياسته، وأن اللين قد يصلح في موضع فيما تكون الشدة ضرورية في موضع آخر.

وهنا، تحديداً، تبدأ المفارقة مع ميكيافيللي، حيث الاختلاف، في جوهره، ليس بين من يؤمن بالقوة ومن يرفضها، وإنما بين تصورين لوظيفة القوة وحدودها وعلاقتها بالأخلاق.

في الفصل الخامس عشر من «الأمير»، يكشف ميكيافيللي تقريباً عن منهجه كله؛ فهو لا يريد الحديث عن جمهوريات وممالك متخيلة، وإنما عن الحقيقة الفعلية للحياة السياسية، لأن الفارق بين الطريقة التي يعيش بها الناس والطريقة التي يُفترض أن يعيشوا بها كبير إلى الحد الذي قد يهلك معه الحاكم إذا تصرف دائماً كما «ينبغي»، في عالم لا يتصرف الآخرون فيه كذلك.

وهنا، تأتي إحدى أكثر أفكاره إثارة للجدل؛ على الأمير أن يعرف كيف يكون قادراً على فعل ما ليس خيراً حين تفرض الضرورة ذلك. هي ليست، بالضرورة، دعوةً إلى «الشر من أجل الشر»، وإنما تغليب لما يراه ميكيافيللي المصالح العليا للدولة من حيث تماسكها ووحدتها وقدرتها على مواجهة أعدائها ومنع الفوضى. حينها، يمكن أن تصبح القسوة، بحسبه، أقل سوءاً من الفوضى إذا كانت تمنع شراً أكبر، كما يمكن للوفاء بالعهد أن يفقد أولويته إذا أصبح الالتزام به سبباً في هلاك الأمير والدولة.

ولهذا، لم تعد الفضيلة السياسية، مطابقةً تماماً للفضيلة الأخلاقية بمعناها المثالي، وإنما صارت تعني أيضاً القدرة والشجاعة والدهاء والكفاءة وامتلاك زمام المبادرة والتعامل مع تقلّبات الحظ والظروف.

وقد أنتج هذا الجانب من فكر ميكيافيللي قراءات متعارضة؛ من الصورة الشائعة التي جعلت منه «معلّم الشر»، إلى قراءات تراه مفكراً صاحب تصور أخلاقي وسياسي أكثر تعقيداً بكثير من هذه الصورة.

وهنا نصل إلى قلب المقارنة.

الماوردي لا يكتفي بالقول للحاكم إن العدل فضيلة لأنه مأمور به دينياً، بل يشرح له أن العدل يخدم المُلك نفسه، وأنه، بوضوح، أحد شروط استقرار الدولة. وعندما يتحدث عن حقوق الرعية، يذكر أمنها واستقرارها، وإقامة العدل، وفصل الخصومات، وتأمين الطرق، والقيام بالمصالح العامة، ثم يصل إلى نتيجة سياسية مركزية، مفادها أن أداء هذه الحقوق هو الذي تنتظم به المملكة وتُستخلص به طاعة الرعية.

وحين يناقش الجور، يستشهد بقول أردشير بن بابك: «إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة».

ثم يقرر الماوردي نفسه قاعدةً تكاد تختصر فلسفته في استدامة الدولة: «فلا ثبات لدولة لا يتناصف أهلها ويغلب جورها على عدلها».

وهذه، بالذات، فكرة سياسية قبل أن تكون أخلاقية. ذلك أن الظلم، في منطقه، لا يضعف الحاكم لأنه «خاطئ» فقط، وإنما لأنه يهدم الأسس التي يقوم عليها الحكم؛ الثقة، والطاعة، والعمران، والمال، وكفاءة الجهاز الإداري، واستعداد الناس للدفاع عن الدولة.

في المقابل، تكمن أولوية ميكيافيللي في الاهتمام بصورة الحاكم. وهو يرى أن الأمير قد لا يستطيع أن يمتلك جميع الفضائل، لكن من المهم أن يبدو متصفاً بها جميعها؛ رحيماً، وفياً، مستقيماً، متديناً، ما دام ذلك يخدم قدرته على الحكم. وفي الوقت نفسه، عليه أن يكون مستعداً للخروج على مقتضيات هذه الصفات عندما تفرض الضرورة السياسية ذلك.

أما عند الماوردي، فالمسألة تتجاوز الصورة. حيث العدل لا يعمل لأنه يجعل الملك يبدو صالحاً، وإنما لأنه يغيّر فعلياً علاقة الدولة بالمجتمع. العدل يحفظ موارد الدولة بدلاً من استنزافها، ويمنحها الأنصار، ويعزز طاعة الرعية، ويقلّل حاجة السلطة إلى القهر الدائم.

ولهذا، تبدو القوة عند الماوردي ذات طبيعة تراكمية. وكلما كان الحكم أعدل، احتاج إلى قدر أقل من الإكراه لكي يبقى قوياً.

أما ميكيافيللي، فيقبل بإمكان استخدام الخوف والخداع والقسوة بوصفها أدوات قد تبررها الضرورة السياسية، وإن كان هو الآخر يحذّر الأمير بشدة من أن يتحول الخوف إلى كراهية، ومن أن تمسّ السلطة أموال الناس وأعراضهم، لأن الكراهية نفسها تتحول إلى خطر على الحكم.

إذن، حتى ميكيافيللي لا يقول اقهر الناس وانتهى الأمر. لكنه يعطي الأمير مساحةً أوسع بكثير للفصل بين الأخلاق الشخصية والضرورة السياسية. في حين يحاول الماوردي أن يجعل بينهما جسراً.

وثمة جانب آخر لافت في فكر الماوردي، وربما كان من أكثر جوانبه أهمية، وهو الحاشية والأعوان.

يخصص الماوردي فصلاً كاملاً لـ«تهذيب الأعوان والحاشية»، وينطلق من حقيقة بسيطة مفادها أن الملك لا يستطيع إدارة الدولة بنفسه وبشكل مباشر؛ ولذلك تصبح نوعية الأشخاص الذين يختارهم حوله جزءاً من نوعية حكمه. وعليه، فإن فساد القضاء، وطمع الجباة، وضعف القادة، وسوء اختيار المستشارين، تتحول تدريجياً إلى فساد في بنية الدولة نفسها.

ويربط الماوردي، عضوياً، صلاح الدولة بنوعية الأعوان، ويجعل الخُلُق والكفاية والهمّة من المعايير الأساسية الواجبة في اختيارهم، ويحذر من إسناد الأعمال الكبرى إلى من لا يملكون القدرة على حملها، مهما كانت أسباب تقريبهم أو الاعتبارات التي أوصلتهم إلى مواقعهم. بل، ويلحّ على ضرورة تفقّد الأعوان في أزمنة السلم والسكون، لا انتظار الأزمة حتى تنكشف عيوبهم؛ لأن الخلل الذي يبدو صغيراً في زمن الاستقرار قد يصبح كارثةً حين تقع الدولة تحت ضغط الخطر

 واستطراداً؛ لا بدّ وأن يحضر، هنا، وبقوّة، عبد الرحمن بن خلدون (1332–1406)، ليكمل الصورة من زاوية مختلفة. إذ، لا يقف صاحب «المقدمة» وأحد أبرز منظّري العمران والدولة في التراث العربي الإسلامي، عند سؤال كفاءة الأعوان أو فساد الحاشية، وإنما يحاول تفسير الآلية التي تدفع صاحب السلطة نفسه إلى إقصاء الرجال الأقوياء الذين أسهموا في بناء الدولة، لصالح صنف آخر من رجال حكم أكثر التصاقاً بشخصه وأقل استقلالاً عنه.

ينطلق ابن خلدون من أن الدولة، في طور نشأتها، تحملها عصبية وجماعة من الرجال يكونون، في بدايات الدولة، أعواناً لصاحبها وشركاء في الأمر ومساهمين في مهماتها. لكن الدولة، بعد أن يستقر سلطانها، تدخل في طور آخر يسميه ابن خلدون «الانفراد بالمجد»؛ أي إن صاحب المُلك يميل تدريجياً إلى الاستئثار بما كان مجداً مشتركاً بينه وبين الرجال الذين أقاموا الدولة معه.

وهنا، تبدأ مفارقة أخرى؛ فالرجال الأوائل ليسوا موظفين عاديين في الدولة. لهم تاريخ في تأسيسها، ولهم من القوة والاعتداد بأنفسهم ما يجعل علاقتهم بالحاكم مختلفةً عن علاقة الخادم بصاحب الأمر. ويعبّر ابن خلدون عن ذلك بدقة حين يتحدث عمّا يعتري أولياء الدولة الأقدمين من العزة على صاحب الدولة و«قلة الخضوع له»، وما ينشأ لهم، بفعل التاريخ والمشاركة والقرابة السياسية، من دالّة عليه. ثمّ يشرح ابن خلدون كيف يبدأ صاحب الدولة بالعدول عن أوليائه وشركائه القدامى إلى «الموالي والمصطنعين»؛ أي إلى رجال ارتبط صعودهم به شخصياً، ولا يمتلكون تاريخاً مستقلاً، ولا عصبيةً أو مكانةً سابقةً، تسمح لهم بمشاركته القرار. وهم، لهذا السبب، أكثر قرباً منه وأشد اعتماداً عليه، ويصبح استمرارهم في الموقع مرتبطاً باستمرار رضاه عنهم.

ويصف ابن خلدون هذه المرحلة بأنها «علامة على المرض المزمن» في الدولة؛ لأن الانفراد بالمجد لا يقتصر أثره على إخراج أفراد من دائرة الحكم، وإنما يفسد العصبية، ويضعف روح المشاركة والدفاع، ويحول أصحاب الدولة تدريجياً من شركاء يرون في مجدها مجدهم إلى تابعين ينتظرون العطاء، أو مهمشين يحملون الضغينة عليها.

بل يذهب أبعد من ذلك في حديثه عن أطوار الدولة، حين يربط بين الانفراد بالمجد وبداية الهرم؛ لأن المجد حين يكون مشتركاً تتجه هِمم الجماعة كلها إلى الدفاع عن الدولة وبناء قوتها، أما حين يستأثر به الواحد، فإن الحافز الذي كان يجعل رجال الدولة يدافعون عنها كما يدافعون عن مجدهم الشخصي يبدأ في التآكل.

وهنا، يلتقي ابن خلدون مع الماوردي، وإن اختلفت زاوية النظر بينهما؛ فالماوردي ينظر إلى الأعوان من جهة صلاح الحكم وكفاءته، وحاجة الدولة إلى رجال ذوي خُلُق وكفاية وهمة، والحاكم الذي يسيء اختيارهم يضعف أدوات حكمه بيده. أما ابن خلدون، فينظر إلى المسألة من جهة دينامية السلطة نفسها. ويشرح لماذا قد يميل الحاكم، بعد استقرار ملكه، إلى التضييق على أصحاب القوة والاستقلال الذين شاركوا في بناء الدولة، والاستعاضة عنهم بمَن هم أشد ارتباطاً بشخصه وأقل قدرةً على مخالفة رأيه.

وبين التحليلين تتضح مفارقة مهمة؛ قد يفعل الحاكم ذلك بحثاً عن مزيد من الأمان الشخصي، لكنه، وهو يوسّع دائرة الطاعة من حوله، قد يكون في الوقت نفسه يضيّق دائرة القوة داخل دولته، ويخلق بالتدريج فراغاً سياسياً وإدارياً ورمزياً حول مركز الحكم نفسه.

وعوداً إلى مقارنة الماوردي ويكافيللي، وسؤال أي الرجلين كان أكثر واقعية؟ قد يبدو الجواب البديهي ميكيافيللي.

لكن ربما لا تكون المسألة بهذه السطحية.

فإذا كانت الواقعية تعني الاعتراف بأن الناس يتنافسون، وأن المصالح تتصارع، وأن الدول تحتاج إلى القوة والجند والمال والحزم، فإن الماوردي واقعي أيضاً.

وإذا كانت تعني إدراك أن الحاكم قد يواجه ظروفاً لا تكفي فيها النوايا الحسنة، فالماوردي يدرك ذلك كذلك.

غير أن الفارق أن واقعية الماوردي تمتد إلى المدى الطويل.

ميكيافيللي يسأل مراراً؛ ماذا ينبغي للأمير أن يفعل لكي ينجو من الخطر ويحافظ على دولته؟

أما الماوردي فيضيف سؤالاً آخر؛ ماذا يحدث للدولة نفسها إذا أصبحت وسائل الحفاظ عليها سبباً في تآكل طاعة الناس، وعدالة المؤسسات، وكفاءة الأعوان، وعمران البلاد؟

ليس ضرورياً، في النهاية، أن نختار بين الماوردي وميكيافيللي، ولا أن نجعل الأول قديس السياسة والثاني شيطانها. الأكثر فائدة، باعتقادي، أن نقرأهما بوصفهما تجربتين فكريتين كبيرتين في السؤال نفسه، وأن نستعين بابن خلدون، حيث يلزم، لفهم ما يحدث للقوة في داخل الدولة نفسها.

يذكّرنا ميكيافيللي بأن الحكم ليس موعظة، وأن الدولة لا تُدار بالنوايا الطيبة وحدها، وأن المسؤول عن جماعة سياسية قد يواجه الضرورة والمخاطر والخصوم وعالماً لا يتصرف دائماً وفق قواعد الفضيلة.

أما الماوردي، فيذكّرنا بالوجه الآخر للحقيقة؛ أن الحاكم إذا جعل «الضرورة» استثناءً دائماً، والطاعة بديلاً عن الكفاءة، والخوف بديلاً عن الثقة، قد ينجح في حماية سلطته لحظةً، بينما يضعف الدولة التي تحمي هذه السلطة.

ويضيف ابن خلدون إلى ذلك تحذيراً آخر؛ أن الانفراد بالمجد، حين يتحول إلى منطق للحكم، قد يدفع السلطة إلى إبعاد أولئك الذين يحملون معها بعضاً من القوة والاستقلال، حتى تجد نفسها، في نهاية المطاف، أكثر تفرداً بالمجد، ولكن أقل امتلاكاً للرجال القادرين على حمايته.

ربما كان ميكيافيللي أكثر وضوحاً في تعليم الأمير كيف يتصرف عندما تأتي ساعة الخطر. لكن الماوردي، ومعه ابن خلدون من زاوية أخرى، كانا شديدَي البصيرة في التحذير من خطر أعمق وأقل ظهوراً، وهو أن تصنع السلطة أسباب ضعفها بيدها، حين تظن أن العدل يقيّد قوتها، وأن الطاعة وحدها تحميها؛ بينما يكون العدل والنصح الصادق ووجود الأقوياء من أعمق مصادر قوة الدولة وأطولها بقاءً.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى