المفاوضات الإيرانية–الأميركية: إعادة تعريف وظيفة القوة وتوازنات الإقليم

تشهد المنطقة لحظة سياسية–أمنية مفصلية يمكن توصيفها بوصفها مرحلة “إعادة ضبط كبرى” لتوازنات القوة، أكثر منها مرحلة تفاوض تقليدي حول ملفات محددة. فالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لا تأتي نتيجة تقاطع إرادات إيجابية بقدر ما هي نتاج تراكم مخاطر كبرى باتت تهدد بانفجار إقليمي واسع، يصعب على أي طرف التحكم بمساراته أو كلفه. وعليه، فإن هذه المفاوضات تُدار من منطلق إدارة الخطر قبل البحث في التسويات، ومن منطق منع الانهيار قبل إنتاج الاستقرار.

من هذه الزاوية، لا يمكن فصل المسار التفاوضي الحالي عن تداعيات حرب حزيران/يونيو من العام الماضي، التي لم تُغلق فعلياً رغم تراجع وتيرة المواجهة المباشرة، بل أعادت فتح كل الساحات على احتمالات جديدة، فالحرب، وإن لم تُفضِ إلى حسم عسكري واضح، أسقطت عدداً من المسلمات التي حكمت المرحلة السابقة، وفي مقدّمها فرضية قدرة الردع المتبادل وحدها على ضبط الصراع، وأعادت طرح سؤال أكثر جوهرية، وهو ما هي حدود استخدام القوة، ومن يملك حق تنظيمها في الإقليم؟

ضمن هذا السياق، يبرز الطرح الإيراني المتعلق بإبرام معاهدة عدم اعتداء ليس كفكرة قانونية بحتة، بل كأداة سياسية–استراتيجية تسعى من خلالها طهران إلى إعادة تموضع شامل. فإيران تدرك أن مطلب التخلي عن برنامجها النووي السلمي أو تفكيك مشروعها الصاروخي لم يعد مطروحاً كأدوات تفاوض، بل كشروط مسبقة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تدرك، في الوقت ذاته، أن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة، في ظل اختلال موازين القوة التقليدية، وتنامي المخاطر الداخلية وصعود النبرة التغييرية في إيران.

من هنا، يمكن قراءة طرح “عدم الاعتداء” بوصفه محاولة إيرانية لنقل مركز الثقل من نقاش القدرات إلى نقاش السلوك، ومن منطق نزع الأدوات إلى منطق تقييد استخدامها. هذه المقاربة تسمح لطهران بالاحتفاظ بجوهر عناصر قوتها الردعية، مع تقديم ضمانات سياسية وقانونية تهدف إلى تحييد خيار الحرب، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع حلفائها الإقليميين أيضاً. وفي هذا الإطار، تصبح الصواريخ البالستية جزءاً من معادلة ردع غير مستخدمة، لا أداة اشتباك فعلي، ويغدو التخصيب النووي مسألة سيادة داخلية ضمن سقوف متفق عليها، لا ورقة ضغط هجومية.

غير أن هذا التحول في المقاربة الخارجية يتقاطع مع تحوّل داخلي لا يقل أهمية. فإيران تواجه اليوم معضلة مركبة تتجاوز العقوبات والضغوط الاقتصادية. التضخم، تآكل القدرة الشرائية، تصاعد التذمر الاجتماعي، والانقسامات داخل النخب السياسية والأمنية، كلها عوامل تجعل أي مغامرة عسكرية واسعة خطراً وجودياً على استقرار النظام.

وفي هذا السياق، يصبح التفاوض ليس خياراً سياسياً مرناً، بل أداة إدارة بقاء، ومن هنا يمكن فهم السعي الإيراني إلى إشراك البرلمان ومختلف المؤسسات الدستورية في أي مسار تفاوضي، في محاولة لتحويل الاتفاق المحتمل من قرار سياسي قابل للطعن إلى التزام مؤسسي يصعب الانقلاب عليه.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة ضمن مقاربة أكثر تعقيداً، تقوم على مزيج من الضغط والانخراط المشروط. فواشنطن لا تنظر إلى المفاوضات كمسار لإعادة إدماج إيران في النظام الدولي فحسب، بل كفرصة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية بما يقلص هامش الحركة الإيرانية ويعيد ضبط أدوار الفاعلين غير الدولتيين.

لذلك، تصر الإدارة الأميركية على أن أي تقدم في الملف النووي يجب أن يكون مدخلاً، لا بديلاً، لمناقشة الصواريخ والنفوذ الإقليمي، وترفض أي صيغة قد تمنح إيران حصانة استراتيجية طويلة الأمد من دون مقابل بنيوي واضح.

هذا التباين في الرؤى يجعل من المفاوضات عملية شدّ وجذب طويلة النفس، أقرب إلى “إدارة تفاوضية للصراع” منها إلى تسوية نهائية. فالولايات المتحدة تسعى إلى اختبار حدود المرونة الإيرانية من دون التخلي عن أدوات الضغط، فيما تحاول إيران تثبيت خطوط حمراء تمنع تفريغ قوتها من مضمونها الاستراتيجي.

في هذا المشهد، تلعب إسرائيل دور العامل الأكثر إرباكاً. فهي لا تنطلق من منطق إدارة المخاطر، بل من منطق منع أي تسوية ترى فيها تهديداً لتفوقها العسكري المطلق. لذلك، يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي المتصاعد في لبنان وسوريا كجزء من استراتيجية فرض إيقاع ميداني يسبق التفاهمات السياسية، التوغلات، عمليات الخطف، والاغتيالات النوعية ليست مجرد رسائل أمنية، بل أدوات تفاوض غير مباشرة، تهدف إلى تذكير واشنطن وطهران معاً بأن إسرائيل قادرة على تعطيل أي معادلة لا تراعي مصالحها الأمنية القصوى.

من هنا تكتسب الساحة اللبنانية، في هذا الإطار، أهمية مضاعفة. فالجنوب اللبناني يتحول تدريجياً إلى مساحة اختبار لإمكانية فرض ترتيبات أمنية جديدة بالقوة، في ظل عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها الكاملة، وتعقيدات وضع حزب الله. وفي المقابل، تعكس إعادة الهيكلة الجارية داخل الحزب إدراكاً متزايداً بأن المرحلة المقبلة قد تفرض عليه إعادة تعريف دوره ووظيفته، ليس فقط داخل لبنان، بل ضمن المنظومة الإقليمية الأوسع. إن تقليص الأذرع الأمنية، وتغليب البعد السياسي، والتعامل البراغماتي مع الضغوط الدولية، كلها مؤشرات على استعداد تدريجي للتكيّف مع مرحلة تفاوضية قد تطول.

إقليمياً، تتبلور شبكة مصالح متقاطعة بين دول عربية كالسعودية وقطر، اضافة لتركيا وفاعلين دوليين كروسيا والصين، تقوم على منع انهيار شامل للنظام الإقليمي. هذه الأطراف، رغم اختلاف أجنداتها، تشترك في قناعة واحدة، أن الحرب الشاملة ليست خياراً قابلاً للتحكم، وسقوط إيران أو انتصار إسرائيل الكامل سيخلّ بتوازنات دقيقة ويعيد إنتاج الفوضى.

من هنا، يأتي الدور المتزايد لهذه الدول في دفع مسار تفاوضي متدرج، ولو بطيء، يهدف إلى احتواء الصراع لا حسمه، وانطلاقاً من مجمل هذه المعطيات، يمكن تقدير أن المسار الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة هو مسار احتواء طويل الأمد، تُستخدم فيه المفاوضات كآلية لإدارة الوقت وتخفيف حدّة التصعيد، مع بقاء احتمالات الانفجار المحدود قائمة، خصوصاً في الساحات الهشة كلبنان وسوريا.

والتسوية الشاملة تبقى خياراً بعيد المدى، مرتبطاً بتغيرات أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي، فيما يبقى التعطيل الإسرائيلي عاملاً ضاغطاً قد يفرض جولات تصعيد محسوبة، من دون أن يملك القدرة أو الغطاء لجرّ المنطقة إلى حرب مفتوحة.

الخلاصة التقديرية: أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تعريف لوظيفة القوة، لا مرحلة نزعها. التفاوض الدائر ليس على إنهاء الصراعات، بل على ضبطها وتنظيم أدواتها. في هذا الإطار، تسعى إيران إلى تثبيت معادلة بقاء ونفوذ منضبط، وتسعى الولايات المتحدة إلى احتواء طويل الأمد، فيما تحاول إسرائيل كسر هذا المسار عبر فرض وقائع ميدانية. النتيجة المرجّحة ليست سلاماً شاملاً ولا حرباً كبرى، بل مرحلة ممتدة من التوازن الهش، تُدار فيها الأزمات بدل أن تُحسم.

زر الذهاب إلى الأعلى