“حصر السلاح” في العراق: الوعود الرسمية في مواجهة قدرة التنفيذ

تكثّف الحكومة العراقية مؤخرًا الحديث عن عزمها “حصر السلاح بيد الدولة” بمجرد اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول العام الجاري، ورفض بغداد المتكرر لأن يكون العراق منطلقًا للهجمات على دول الإقليم، أو ساحةً للحرب بالوكالة. وتأتي هذه التصريحات والوعود التي يطلقها رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلّحة، علي الزيدي، والتي كان قد أطلقها رؤساء وزراء سبقوه، في ظل الهجمات التي تشنها فصائل عراقية مسلحة تستهدف مواقع داخل العراق وأخرى في دول المنطقة.
كان لافتًا أن تُقدم وتعلن السعودية، وللمرة الأولى، استهداف مواقع عسكرية داخل العراق تابعة لفصائل مسلحة/الحشد الشعبي، بالتعاون مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، ردًّا على استهداف منشآت الطاقة السعودية ومهاجمة القوات الأمريكية المتواجدة في الشرق الأوسط. وأسفرت تلك الضربات عن مقتل عناصر مسلحة ومستشارين إيرانيين وعنصر تابع لحركة أنصار الله الحوثي اليمنية، فضلًا عن إلحاق أضرار بمواقع لوجستية ومخازن للأسلحة. لكن لا تقف دلالة هذه التطورات عند حدود تلك الضربة، بل تعكس المأزق الأوسع الذي يواجهه العراق في إدارة الملف الأمني وعلاقاته مع محيطه الإقليمي، في ظل تحذيرات تلقتها بغداد من جوارها العربي، مثل الأردن وسوريا، من احتمال اتخاذ خطوات مماثلة لتلك التي أقدمت عليها الرياض، بعد ورود معلومات عن نيات لاستهداف أراضيها تنطلق من الأراضي العراقية.
منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتحرك بغداد ضمن معادلة معقدة، لكنها ليست بالجديدة عليها؛ موقف رسمي تتبناه الحكومة في بغداد يدعو إلى النأي بالنفس، وواقع أمني تتحرك فيه فصائل مسلحة وفق منطق يتجاوز على ما يبدو قدرة الدولة على ضبط الإيقاع، وقوى إقليمية ودولية تتعامل مع العراق بوصفه جزءًا من حساباتها الأمنية والاستراتيجية، وهذا يؤثر بطبيعة الحال على كيفية استجابة الدولة لبيئتها الداخلية والخارجية بما تحمله من فرص وتحديات.
ترى إيران في العراق معقلًا أخيرًا لمشروعها الاستراتيجي وبوصفه الشريان الحيوي الذي يغذي العلاقات مع الحلفاء والوكلاء في الإقليم والمساند لها في وقت العزلة والحصار الاقتصادي، وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة، التي تمارس تأثيرها السياسي والاقتصادي الحساس، أهمية الحدود بين البلدين -العراق وإيران- التي يبلغ طولها أكثر من 1500 كم، وأن تحييد إيران إقليميًّا يتطلب تفكيك حضورها -على كافة المستويات- داخل العراق، ثم البدء بدمجه ضمن المشاريع الإقليمية سواء مع سوريا وتركيا، أو لاحقًا مع دول الخليج العربي.
وفي ظل الجهود والمحاولات المتكررة التي تقوم بها السلطات العراقية، ثمة إشكالية أساسية متمثلة بدايةً في تعريف الجهات المتورطة بالسلاح المنفلت، فعلى الرغم من أن أكثر الجهات “العراقية” المتورطة في الدخول بالحرب الإقليمية الدائرة هي التابعة إلى ما تُعرف بـ “المقاومة الإسلامية”، إلا أن الضربات الأمريكية، وحتى السعودية مؤخرًا، بدت تستهدف العديد من الألوية التابعة للحشد الشعبي، وهذا عائد إلى هيكلة الجهاز الأمني والعسكري في العراق ومعضلة الازدواج الوظيفي والهوية المركبة بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية اندمجت مع القوات المسلحة العراقية في 2016، وفصائل المقاومة بوصفها فاعلًا عابرًا لسلطة الدولة تابعًا لمحور المقاومة الذي تقوده إيران في المنطقة، وثمة شخصيات من هذه الفصائل تتولى مناصب رفيعة في قيادة الحشد الشعبي، تجد نفسها غير ملزمة بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، ويقر بعضها علنًا بولائه العقائدي للمرشد الأعلى في إيران، هذا إلى جانب فصائل “ظل” أو “واجهة” -كما يسميها باحثون- لا تُعرف هوية مؤسسيها أو الهيكل الهرمي للقيادة، لكنها تتبنى هجمات عسكرية داخل العراق وخارجه.
لربما من الضروري الإشارة إلى أن مطلب “حصر السلاح بيد الدولة” هو مطلب عراقي داخلي أيضًا، وكان قد ظهر بشكل واضح مع “انتفاضة تشرين” التي اندلعت في 2019، على خلفية اتهام فصائل مسلحة باستهداف المتظاهرين مما أسفر عن وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى إلى جانب التجاوز المتكرر على سيادة الدولة والنفوذ الذي بدا متجذرًا في المؤسسات السياسية والاقتصادية ومن قبلهما الأمنية، وهو مطلب دولي وإقليمي أيضًا، وترتبط تلك المطالبات بالتهديدات التي يمثلها السلاح خارج إطار الدولة في العراق، وارتباطه أيضًا بالصراع الدائر مع إيران، وذلك للدور العسكري والأمني الذي تتهم به الفصائل في تنفيذ التوجيهات باستهدافها لدول المنطقة وإدارة عمليات تهريب واسعة على نطاق إقليمي.
وإلى جانب ذلك، لا يتضح موقف بغداد حتى الآن مما تطالب به الولايات المتحدة والذي يتجاوز كف يد الفصائل عن شن الهجمات، نحو الحديث عن المطالبة بحل منظومة الحشد الشعبي نفسها، والذي يمكن القول إنه قائم على صهر الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد في المؤسسات الأمنية العراقية، بدلًا من أن تكون هنالك مؤسسة رسمية “مستقلة” تعمل وفق هيكلية لا تكتفي بقيادة مجموعة عناصر مسلحة، بل بنت شبكة مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية وتقوم بأدوار داخلية وإقليمية؛ فمنظومة الحشد الشعبي “داخل” العراق قائمة على عدة مرتكزات:
- أمنية-عسكرية، وبعض هذه الفصائل منضوية فيما تُعرف بـ “المقاومة الإسلامية”، لكنها في نفس الوقت تتخذ من “الحشد الشعبي”، بوصفه هيئة حكومية رسمية تابعة للقوات المسلحة، غطاءً رسميًّا ودعمًا ماديًّا.
- سياسية؛ فالعديد من هذه الفصائل ذراعها السياسي هو جزء من الإطار التنسيقي الحاكم في العراق، وتعد الفصائل بوصفها حارسة للوضع القائم، تجعل من أحزابها متنفذة ومؤثرة وصاحبة الكلمة في مصير القرارات الداخلية والخارجية وإدارة الوزارات والتحكم بصادرات الدولة ووارداتها.
- اقتصادية؛ إذ تدير الفصائل شبكة مصالح اقتصادية واسعة قائمة إدارة المشاريع عبر شركات كبرى وعمليات تهريب، إلى جانب مكاتب اقتصادية في عدد من المحافظات العراقية، وجميع ما ذُكر يدر عليها أموالًا طائلة، جعلتها مقتدرة ماليًا تدير مصالحها بشكل ذاتي.
- اجتماعية، قائمة على منظومة زبائنية؛ إذ يتجاوز عدد منتسبي الحشد 250 ألفًا، يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة، مما يجعل مصالح هذا العدد الهائل من المنتسبين مرهون ببقاء مؤسسة الحشد الشعبي والتي تسعى بدورها اليوم إلى إقرار قانون جديد للخدمة والتقاعد.
- الاستثمار الأيديولوجي، من خلال توظيف الخطاب الطائفي في التعبئة الداخلية، وهو ما ظهر بشكل جلي في الأحداث الإقليمية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة، آخرها القصف السعودي.
ما سبق، يجعل من قدرة الحكومة سواء على حصر السلاح بيد الدولة أو حتى تفكيك منظومة الفصائل موضع تساؤل وشك كبيرين في ظل الحديث عن تبني الزيدي، على ما يبدو، مقاربة قائمة على “تسليم السلاح مقابل منح الامتيازات السياسية والاقتصادية”، فثمة فصائل مسلحة تلعب دورًا رئيسًا في قيادة الهجمات العسكرية كانت قد أعلنت رفضها لهذه المقاربة أو تسليم سلاحها، في الوقت الذي أعلن فصيلان وهما “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” الاستجابة لمثل هكذا دعوة، ولربما أن الانخراط في العمل السياسي والرغبة في الرفع من قوائم العقوبات الأمريكية أثّر على الفصيلين في اتخاذ هكذا قرار، ومن قبلهما “سرايا السلام” التابع لزعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر.
لربما إن المشهد منقسم بين خيارين، لكن ليس مناصفة؛ فالأول وهو نجاح الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، وهذا مرتبط بقدرة الدولة على احتكار العنف وفرض سيادة القانون، في ظل المخاوف المتزايدة من إيقاف التدفق المالي إلى العراق بسبب إيداع عائدات النفط العراقي في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والذي يحدد حجم الأموال التي تصل إلى العراق، وقد كانت واشنطن قد هددت بغداد مرارًا بإيقاف التدفق المالي إلى جانب فرض مزيد من العقوبات على شخصيات وكيانات اقتصادية وسياسية ومسلحة عراقية في حال لم تتخذ خطوات جدية لكبح سلاح الفصائل المسلحة. كما أن هذا الخيار متوقف أيضًا في القدرة على إقناع الفصائل المسلحة بالامتيازات الاقتصادية والسياسية مقابل ترك السلاح.
أما الخيار الثاني، وهو الأرجح، فهو قائم على المناورة بين القبول الرمزي والرفض المطلق تبعًا لمسار الحرب؛ ففي ظل الصراع الراهن تظل الساحة العراقية مجالًا مهمًا في إدارة الحرب بوصفها مصدر قلق، وهذا مرتبط بموقع العراق الجيوسياسي وأهميته الاستراتيجية في عقل صانع القرار الإيراني. وبالتالي تكمن المناورة على شكل تعهدات رسمية وتنازلات محدودة وإنجازات رمزية تأثيرها على الأرض أقل مما يتم تصويره رسميًا، وذلك في محاولة لإظهار جديّة الحكومة في اتخاذ خطواتها ولضمان تدفق العملة الصعبة إلى العراق، والذي يتدفق بقيود مصرفيّة أمريكية، والحد من الضربات العسكرية الخارجية قدر الإمكان. في حين ينبني الرفض المطلق كما تتبناه فصائل مسلحة، مثل حزب الله العراق والنجباء وغيرهما، على ضمان انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة وتقويض الجهود العربية الرامية إلى مد جسور التواصل مع العراق، والحفاظ على المكتسبات الاقتصادية التي توفرها هذه الفصائل لإيران، من خلال بعض المصارف المالية وعدد من الإجراءات التي تتخذها للالتفاف على العقوبات الدولية.
ختامًا، إن السقف الزمني الذي وضعه علي الزيدي -30 سبتمبر/أيلول 2026- لا يظهر أنه متناسب مع صعوبة المهمة، كما لم تطرح الحكومة خطة عمل وآلية تنفيذ واضحتين لعملية حصر السلاح وتسلمه من الفصائل، مما قد يرجح كفّة المناورة على أمل الخروج من مرحلة ترمب ومرحلة الصراع الإقليمي الحالي بأقل كلفة ممكنة.
لكن حتى وإن حظيت خطوات الزيدي بتأييد خارجي، وفي حال كان هنالك دعم حقيقيّ وفعّال، وهذا سيكون مؤثر بطبيعة الحال؛ فملف “حصر السلاح بيد الدولة” لا يقتصر على فصائل تضم عناصر تحمل السلاح وتنتشر في ثكنات أو مفارز عسكرية وحسب، بل يرتبط بمنظومة أوسع وشبكة مركبة من المصالح الداخلية والإقليمية، ما يجعل عملية تفكيكها بالغة التعقيد تتطلب تدرجًا ونفسًا طويلًا، وهو من شأنه أن يعرض العراق لمزيد من الضغوطات الإقليمية والدولية في حال فشل حكومة الزيدي. فالمهمة الكبرى تتمثل في قدرة الدولة على إخضاع تلك الفصائل لسلطتها، وبالتالي فإن عدم القدرة على احتكار القرار الأمني الداخلي يضع العراق في دائرة الاستنزاف، ويبقيه عاجزًا عن إدارة تداعيات موقعه الجيوسياسي شديد الحساسية، وعرضة -بشكل مستمر- للاستهداف من الخارج، وغير قادر على ضبط إيقاع مشهده الداخلي.