لبنان بعد تفاهم إسلام آباد: الدور القطري وحدود الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية

أعاد التفاهم الأميركي–الإيراني الذي أُعلن برعاية باكستانية فتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط، إلا أن الساحة اللبنانية برزت سريعاً باعتبارها أول اختبار عملي لمدى قدرة هذا التفاهم على الصمود والتحول إلى وقائع ميدانية. فبينما كان يفترض أن يقود الاتفاق إلى خفض التوتر على مختلف الجبهات المرتبطة بالمواجهة الأميركية–الإيرانية، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، ما كشف وجود فجوة بين التفاهم السياسي من جهة والواقع الميداني من جهة أخرى.
في هذا السياق، برزت قطر بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر انخراطاً في إدارة المرحلة الانتقالية التي أعقبت الاتفاق. ولم يعد دورها يقتصر على الوساطة التقليدية أو نقل الرسائل بين الأطراف، بل امتد إلى محاولة الربط بين ثلاثة مسارات متوازية، تنفيذ التفاهم الأميركي–الإيراني، والمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، والتحرك الإقليمي الرامي إلى بناء مظلة سياسية وأمنية واقتصادية تمنع عودة التصعيد إلى الساحة اللبنانية.
السؤال الرئيسي الذي يواجه الأطراف المعنية اليوم لا يتعلق بإمكان تثبيت وقف إطلاق النار فحسب، بل بمدى القدرة على تحويل هذا الوقف إلى مدخل لتسوية أوسع تشمل الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن الحدودي ودور الدولة اللبنانية ومستقبل الجنوب خلال السنوات المقبلة.
أولاً: كيف غيّر تفاهم إسلام آباد موقع لبنان في المعادلة الإقليمية؟
للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد لبنان يُناقش في العواصم المؤثرة باعتباره ملفاً مستقلاً أو أزمة حدودية منفصلة عن التوازنات الإقليمية الأوسع. فالحرب الأخيرة وما رافقها من مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أدت إلى دمج الساحة اللبنانية ضمن منظومة التفاوض الإقليمي الجديدة.
خلال المراحل السابقة، كان الملف اللبناني يُدار غالباً عبر قنوات منفصلة ترتبط بالصراع اللبناني–الإسرائيلي أو بالتوازنات الداخلية اللبنانية. أما بعد التفاهم الأميركي–الإيراني، فقد أصبح لبنان جزءاً من منظومة تفاوض أشمل تشمل الأمن الإقليمي ومستقبل النفوذ الإيراني وآليات خفض التصعيد في المشرق العربي.
هذا التحول لم ينتج عن قرار سياسي معلن، بل عن واقع فرضته الحرب نفسها. فالجبهة اللبنانية كانت إحدى الساحات الأكثر ارتباطاً بالصراع الإقليمي، وأي عودة للتصعيد فيها كفيلة بإعادة فتح أبواب المواجهة بين واشنطن وطهران بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لذلك بات استقرار لبنان مصلحة مشتركة للأطراف المنخرطة في التفاهم، حتى وإن اختلفت دوافع كل طرف وأهدافه النهائية.
ثانياً: من الوساطة إلى إدارة التقاطعات… صعود الدور القطري
تكمن أهمية الدور القطري الحالي في أنه يتجاوز كثيراً الأدوار التقليدية التي اضطلعت بها الدوحة في أزمات سابقة. ففي تجارب سابقة، كانت قطر تتحرك غالباً كوسيط بين أطراف متنازعة أو كدولة راعية لاتفاقات محددة. أما في المرحلة الراهنة، فإنها تتحرك بوصفها جهة تدير تقاطع عدد من المسارات الإقليمية والدولية في آن واحد.
فقطر تحتفظ بقنوات عمل فعالة مع الولايات المتحدة وإيران ولبنان وعدد من القوى الإقليمية الأساسية، على رأسها تركيا والسعودية. كما أنها كانت جزءاً من الجهد السياسي الذي رافق المفاوضات الأميركية–الإيرانية، وفي الوقت نفسه منخرطة في الملف اللبناني عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.
ومن هنا، أصبح الدور القطري مرتبطاً بمحاولة منع تعارض المسارات المختلفة. فالدوحة تعمل على منع تحول الساحة اللبنانية إلى عامل يهدد التفاهم الأميركي–الإيراني، كما تسعى إلى منع المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية من التحول إلى مسار منفصل ينسف التفاهمات الإقليمية الأوسع، لذا تحاول قطر الحفاظ على تماسك المشهد التفاوضي ككل، لا الاكتفاء بإدارة جزء منه.
ثالثاً: المعضلة الإسرائيلية ومحاولة تعديل شروط التسوية
رغم الترحيب الأميركي بالتفاهم مع إيران، لا توجد مؤشرات على أن إسرائيل تنظر إلى المرحلة الجديدة بالمنظار نفسه.
فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعتبر أن أي تثبيت طويل الأمد للهدوء في جنوب لبنان سيقود حكماً إلى ضغوط دولية تتعلق بالانسحاب وترتيبات الأمن الحدودي ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق التي دخلتها قواتها خلال الحرب.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جزء كبير من التصعيد الإسرائيلي الذي أعقب الإعلان عن التفاهم الأميركي–الإيراني. فالمسألة لا تتعلق فقط باعتبارات عسكرية ميدانية، بل أيضاً بمحاولة تحسين الموقع التفاوضي الإسرائيلي قبل الانتقال إلى المرحلة السياسية.
وتدرك تل أبيب أن أي تسوية نهائية ستتناول ملفات حساسة تشمل الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني وآليات المراقبة الدولية. لذلك تسعى إلى دخول هذه المفاوضات وهي تمتلك أكبر قدر ممكن من أوراق القوة الميدانية.
رابعاً: ما الذي يجري التفاوض عليه فعلياً؟
على خلاف الانطباع السائد، لا تدور المفاوضات الحالية حول وقف إطلاق النار فقط.
فوقف العمليات العسكرية يشكل في الواقع مقدمة لمسار تفاوضي أكثر تعقيداً يتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن النقاشات الجارية تشمل مجموعة مترابطة من الملفات:
- أولها الانسحاب الإسرائيلي وآلياته الزمنية والجغرافية.
- وثانيها انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية.
- وثالثها طبيعة الدور الذي ستلعبه قوات المراقبة الدولية وآليات الرقابة الأمنية.
- ورابعها مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة وكيفية التعامل معه ضمن ترتيبات تدريجية طويلة الأمد.
- أما الملف الخامس فيتعلق بإعادة الإعمار والدعم الاقتصادي والمالي اللازم لضمان استقرار المرحلة الجديدة.
وبذلك فإن ما يجري التفاوض عليه اليوم هو في جوهره شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم جنوب لبنان بعد انتهاء الحرب، وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
خامساً: السيناريوهات المحتملة خلال الأشهر المقبلة
- سيناريو التثبيت التدريجي
يقوم هذا السيناريو على نجاح الوسطاء في تثبيت وقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى انسحابات إسرائيلية متدرجة يقابلها انتشار أوسع للجيش اللبناني وتعزيز دور آليات المراقبة الدولية. ويُعد هذا السيناريو الأقرب إلى مصالح الولايات المتحدة وقطر ومعظم الأطراف الإقليمية.
- سيناريو التعطيل الإسرائيلي
يفترض هذا السيناريو استمرار إسرائيل في محاولة فرض شروط إضافية تتعلق بالمنطقة الحدودية أو بحرية الحركة العسكرية، ما يؤدي إلى إبطاء المفاوضات وتحويلها إلى عملية طويلة ومفتوحة زمنياً.
- سيناريو الانهيار والعودة إلى التصعيد
رغم أنه يبقى الأقل ترجيحاً حالياً، فإن هذا السيناريو يظل قائماً إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى تفاهمات حول الانسحاب والترتيبات الأمنية، أو إذا قررت إسرائيل أو أي طرف آخر إعادة استخدام الساحة اللبنانية للضغط في ملفات إقليمية أوسع.
الخلاصة والتقدير
تشير المعطيات الحالية إلى أن لبنان دخل مرحلة جديدة تختلف عن كل المراحل التي أعقبت الحروب السابقة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بوقف العمليات العسكرية أو معالجة تداعيات الحرب، بل أصبحت جزءاً من عملية إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية بعد التفاهم الأميركي–الإيراني.
وفي قلب هذه العملية يتموضع الدور القطري بوصفه أحد أهم أدوات الربط بين المسارات المختلفة. غير أن نجاح هذا الدور سيبقى مرتبطاً بقدرته على تحويل وقف إطلاق النار من إجراء مؤقت إلى مدخل لتفاهمات أكثر استدامة حول الانسحاب والأمن وإعادة الإعمار.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون تثبيت الهدوء فحسب، بل بناء إطار سياسي وأمني قادر على منع عودة الجنوب اللبناني إلى موقعه السابق كساحة اشتباك مفتوحة ضمن الصراعات الإقليمية.