حين ينتهي العالم، وتبدأ الحكاية

عن إغواء النهايات ووعد البدايات الجديدة

لم تتوقف السينما العالمية، منذ عقود، عن تخيّل النهايات المحتملة للعالم. غير أن صور هذه النهايات تبدّلت مع تغير مخاوف الإنسان وتطور معارفه. من اصطدام الأجرام السماوية بالأرض، إلى الحروب النووية والكوارث الطبيعية والأوبئة المدمرة، وصولاً إلى انهيار الأنظمة التكنولوجية وانفلات الذكاء الاصطناعي؛ تتعدد السيناريوهات، فيما يتجدد اهتمام الجمهور بمشاهدة عالم يفقد نظامه المألوف، وبشر يحاولون النجاة وإعادة ترتيب حياتهم. وهذا النوع من الإنتاج اكتسب حضوراً أوسع وأكثر تنوعاً، مع انتشار المسلسلات ومنصات المشاهدة العالمية.

ولعل أفلام «ديب إمباكت» (1998)، و«بعد غد» (2004)، و«2012» (2009)، ثم «العدوى» (2011)، و«اترك العالم خلفك» (2023)، تقدم نماذج لتحولات الخيال السينمائي، من الكوارث الكونية والمناخية إلى الأوبئة وهشاشة الأنظمة التي تقوم عليها الحياة المعاصرة. وانضمت إليها مسلسلات مثل «الموتى السائرون» و«آخر الناجين منا» و«فول آوت»، إلى جانب إنتاج أوروبي وكوري تناول الكارثة والنجاة وما يليهما من تحولات اجتماعية وإنسانية.

هذا الإنتاج ربما يعكس تحولات القلق الإنساني بقدر ما يستجيب لتفضيلات الجمهور. فشركات الإنتاج تلتقط مخاوف الناس وتصوراتهم عن المستقبل، وتعيد تقديمها في أعمال تتنافس على اهتمامهم، بينما تسهم المنصات وأنظمة الاقتراح في تعميق هذا الشغف.
بيد أن ما يستحق التأمل أكثر هو طبيعة هذا الشغف، وما إذا كان تخيّل النهاية يغوينا بذاته، أم بما تتيحه من احتمال لبداية جديدة. واللافت أن كثيراً من هذه الأعمال يصبح أكثر تشويقاً مع الانتقال من مشاهد الدمار إلى محاولات النجاة، ثم إلى الحياة التي تتشكل بعد الكارثة، عندما تتغير قيمة المال والعمل والمكانة الاجتماعية، ويجد البشر أنفسهم أمام عالم يحتاج إلى إعادة ترتيب.


قد تكون إحدى أكثر الأفكار جاذبية في عالم ما بعد الكارثة، هي فكرة «قلب الطاولة» على الحياة السابقة، وإعادة توزيع الأدوار، وفتح المجال أمام قدرات لم تجد فرصتها سابقاً، عندما تتغير معايير القوة والأهمية، ويبدو العالم، للحظة، وكأنه منح الجميع فرصة مختلفة. قد يفقد رجل كان مهماً قبل الكارثة سلطته ونفوذه، بينما يصعد شخص من الهامش ليغدو شخصية أساسية، لأنه يعرف كيف يتصرف بشجاعة تحت الضغط، ليقدم عالم ما بعد الكارثة تجربة خيالية لتبدل قيمة الأشياء والأشخاص، وتصبح الحياة مفتوحة على قواعد واحتمالات مختلفة.
لكن المدخل النفسي إلى هذه المسألة ربما يكون فيما يطلق عليه باحثون وصف «أثر البداية الجديدة» (Fresh Start Effect)، حيث العلامات الزمنية الواضحة، مثل بداية السنة أو عيد الميلاد، ترتبط بزيادة الإقبال على تبني أهداف شخصية جديدة. وتمنح هذه اللحظات الإنسان إحساساً بأن مرحلة انتهت وأخرى بدأت، وأن إخفاقات الماضي أصبحت تنتمي إلى زمن يمكن تجاوزه.


ولهذا، نعطي أحياناً معنى نفسياً كبيراً لتغير بسيط في التقويم. ولعل ليلة رأس السنة، دليل ماثل؛ فهي لا تغير شيئاً في ظروف حياتنا، لكنها تمنحنا فاصلاً رمزياً نستطيع عنده أن نقرر البدء من جديد. والأمر نفسه يحدث عند الانتقال إلى مدينة أخرى، أو وظيفة جديدة؛ فالمكان الجديد يتيح لنا أن نعيد تقديم أنفسنا بعيداً عن الصور التي استقرت عنا، وأن نبدأ علاقات وعادات مختلفة، لولا أن الإنسان يحمل ماضيه معه أينما ذهب. وقراراته وتجاربه السابقة تحدد بعض فرصه المقبلة.
أما عالم ما بعد الكارثة، فيأخذ الرغبة في البداية الجديدة إلى أقصى حدودها؛ عندما يتخيل تغير الزمان والمكان معاً، وانهيار المنظومة التي كانت تحدد مواقع الأفراد وفرصهم.


وتزداد جاذبية هذا العالم بسبب مفارقة أخرى؛ فهو وإن كان أشد خطراً من عالمنا، إلا أنه يبدو أحياناً أقل تعقيداً. والإنسان المعاصر الذي يعيش وسط ضغوط العمل والمال والمكانة الاجتماعية وتوقعات المستقبل، يجد نفسه مطالباً بالنجاح في مجالات كثيرة في الوقت نفسه. أما في عالم ما بعد الكارثة فتتقلص الأولويات إلى الطعام والماء والمأوى والأمان والثقة بالآخرين. حينها تصبح الحياة أكثر قسوة، لكن ما تطلبه من الإنسان يصبح أكثر وضوحاً.
ولهذا، يستمر اهتمامنا بحياة الناجين بعد انتهاء مشهد الخراب، وكيف تتشكل الجماعات، وتنشأ القواعد والمصالح والقيادات الجديدة. وسرعان ما نكتشف أن البداية الجديدة لا تظل جديدة طويلاً؛ فالناس يحملون معهم طبائعهم ومخاوفهم ورغباتهم، وقد يعيدون إنتاج علاقات القوة والتمييز نفسها التي عرفوها في العالم السابق.

وفي هذا كله ما قد يفسر الشغف المستمر بهذه الأعمال؛ فهي تجمع بين الفضول تجاه الخطر، والحنين إلى حياة أقل تعقيداً.
وربما يكشف هذا الافتتان شيئاً من تعب الإنسان المعاصر أمام عالم تترسخ فيه المواقع الاجتماعية والاقتصادية، وتبدو الفرص أحياناً وكأنها موزعة سلفاً. وفي عوالم ما بعد الكارثة يجد الخيال متنفساً؛ أن الحياة ما زالت مفتوحة على احتمالات أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى