قبل أن تبدأ الحرب، وبعد أن تنتهي: إيران وهندسة الحروب الكبرى

قراءة متعددة المستويات في الحرب على إيران

ليست المشكلة في الحروب الكبرى أنها تترك أسئلة بلا إجابات، بل أنها كثيرًا ما تُغري بإجابات تبدو أكثر اكتمالًا مما تحتمل الوقائع. فكلما اتسعت الحرب وتعقدت مساراتها، برزت روايات تعد بتفسيرها من خلال سبب واحد، حتى يصبح هذا السبب، مع تكرار تداوله، وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. الحرب على إيران لم تسلم من هذا الإغراء: إذ انقسمت التفسيرات بين من يراها حربًا لمنع امتلاك السلاح النووي، ومن يربطها بإعادة تشكيل التجارة العالمية وممرات الطاقة، ومن يفسرها بالحسابات السياسية الداخلية أو بصراع القوى الكبرى على النظام الدولي.

فكل حرب كبرى لا تنتج صراعًا على الأرض فحسب، بل تفتح أيضًا صراعًا آخر حول كيفية تفسيرها. ومع اتساع آثار الحرب وتداخل أبعادها، تتزاحم التفسيرات التي تبحث عن مفتاح واحد لفهم ما جرى.

وجاذبية هذه التفسيرات لا تعود بالضرورة إلى قوة أدلتها بقدر بساطة السردية التي تقدمها. فهي تمنح القارئ شعورًا بأنه امتلك مفتاحًا واحدًا لفهم حدث شديد التعقيد، بينما الواقع أكثر تركيبًا من أن يُختزل في متغير واحد أو دافع منفرد.

العيب المركزي في هذا النوع من التفسيرات هو خلط منهجي بين نتيجة الحدث ونيّته الأصلية. أي حرب بحجم المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية تُعيد بالضرورة رسم خرائط التجارة والطاقة والتحالفات، بصرف النظر عمّا إذا كانت إعادة الرسم هذه هدفًا مقصودًا أو أثرًا جانبيًا لحدث دوافعه مختلفة. حين تُلاحَظ النتيجة بعد وقوعها، يسهل تصويرها وكأنها كانت الخطة منذ البداية، بينما الأدق أن نسأل: هل توجد قرائن تشغيلية – قرارات، وثائق، تصريحات رسمية – تُثبت أن إعادة الهيكلة كانت هدفًا مقصودًا مسبقًا، أم أن الأمر لا يعدو كونه أثرًا لاحقًا وليس سببًا مؤسسًا؟

إذاً المشكلة لا تكمن في أن هذه التفسيرات خاطئة، بل في أنها تتحول إلى تفسيرات مكتفية بذاتها، فيُعامل كل واحد منها بوصفه السبب الحقيقي للحرب، أو حين تُقرأ النتيجة على أنها نية، بينما لا يمثل في الواقع سوى جزء من صورة أكثر تعقيدًا. فالحروب الكبرى لا تنشأ عادةً من سبب واحد، بل من تفاعل طبقات متعددة تختلف في طبيعتها ومستوى تأثيرها ودرجة توثيقها. كما أن نتائج الحرب كثيرًا ما تُقرأ بأثر رجعي بوصفها أهدافًا كانت مخططًا لها منذ البداية، فيختلط ما أفرزته الحرب بما دفع إليها، ويصبح من الصعب التمييز بين السبب المؤسس والنتيجة التي ولّدها مسار الصراع.

فهل يكفي أي من هذه التفسيرات، منفردًا، لفهم الحرب على إيران؟ أم أن المشكلة تكمن في البحث عن سبب واحد أصلًا؟

من يفسر الحرب… ومن يصنعها؟ الحرب بين الحدث والتفسير

تصوير إسرائيل والإدارة الأمريكية كفاعل واحد منسّق يفترض تطابقًا بين المصلحة والتخطيط، وهذا تبسيط مُخِلّ. تطابق المصالح بين واشنطن وتل أبيب حقيقي وموثق في مواضع كثيرة، لكنه لا يساوي وجود تنسيق مسبق حول هدف تجاري محدد.

والأهم من ذلك أن أي تفسير اقتصادي أحادي يُغيّب محركات داخلية إسرائيلية بحتة لا علاقة لها بأي حسابات تجارية: تقييم المؤسستين العسكرية والاستخباراتية للبرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدًا وجوديًا، والسياق السياسي الداخلي لحكومة نتنياهو، وأثر ما بعد السابع من أكتوبر على العقيدة الأمنية الإسرائيلية. هذه محركات مباشرة وموثقة بدرجة أكبر من أي “مخطط تجاري” مفترض، وتغييبها لصالح تفسير اقتصادي أحادي يُفقر التحليل بدل أن يعمّقه.

يمكن جمع ما تقدّم في طبقتين تأسيسيتين للتحليل: طبقة التهديد المباشر، القائمة على تقدّم البرنامج النووي الإيراني وتطور القدرات الصاروخية وتقييم إسرائيل لحجم الخطر بوصفه وجوديًا لا احتماليًا؛ وطبقة السياق الإسرائيلي الداخلي، القائمة على الحسابات السياسية لحكومة نتنياهو وتحوّل العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر من إدارة التهديد إلى السعي لإزالته من جذوره.

فوق هاتين الطبقتين تقوم ثلاث طبقات إضافية لا يكتمل التحليل دونها:

الثالثة: الهدف الاستراتيجي الإقليمي،

تتجاوز هذه الطبقة الحسابات الآنية إلى هدف أوسع: إضعاف الشبكة الإقليمية التي بنتها إيران عبر حلفائها ووكلائها، وإعادة رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل وحلفائها. هذا الهدف لا يُختزل في حرب واحدة أو جولة عسكرية بعينها، بل يمتد عبر سنوات من العمل الاستخباراتي والعسكري المتدرج الذي استهدف البنية التحتية لهذا النفوذ قبل الحرب المفتوحة وأثناءها.

الرابعة: البعد الجيو-اقتصادي،

لا يقتصر البعد الجيو-اقتصادي على حساسية الممرات التي أُشير إليها أعلاه، بل يمتد إلى إعادة ترتيب فعلي محتمل لمسارات التجارة والتحالفات: تعزيز موقع إسرائيل ودول الخليج كعقد أمنية واقتصادية جديدة، وتحويل خطوط الشحن والاستثمار نحو شركاء يُنظر إليهم من واشنطن على أنهم أكثر استقرارًا. ومع ذلك، تبقى هذه الطبقة الأقل توثيقًا من حيث القصدية المسبقة، للسبب المنهجي ذاته الذي أوضحناه أعلاه: صعوبة التمييز بين نتيجة حتمية لحرب كبيرة وهدف مخطط له سلفًا.

الخامسة: البعد الدولي الأوسع،

تكتمل الصورة بطبقة خارجية تتجاوز الفاعلين المباشرين: تنافس أمريكي-صيني على النفوذ في ممرات الطاقة والتجارة، وتموضع روسي-إيراني متنامٍ كاستجابة لعزلة غربية مشتركة، وسعي واشنطن للحفاظ على مكانتها كضامن أمني رئيسي في منطقة يتزايد فيها الوزن الاقتصادي لقوى أخرى. هذه الطبقة الدولية لا تُحرّك الحرب مباشرة، لكنها تحدّد الأفق الذي تُقرأ ضمنه نتائجها بعد انتهائها.

خاتمة

ليست القيمة الحقيقية لهذا الإطار في تفسير الحرب على إيران وحدها، وإنما في إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها الحروب المعاصرة. فكلما ازداد تشابك النظام الدولي، تراجعت قدرة التفسيرات الأحادية على الإقناع، لأن الحروب لم تعد تتحرك داخل مجال أمني منفصل، أو اقتصادي مستقل، أو سياسي قائم بذاته، وإنما أصبحت نقطة التقاء لمسارات متعددة تتفاعل في الوقت نفسه وتنتج آثارًا تتجاوز كثيرًا دوافعها الأولى.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالبحث عن “السبب الحقيقي” للحرب، وإنما بتحديد مستوى التحليل الذي ينتمي إليه كل تفسير، والوزن الذي يستحقه داخل الصورة الكلية. فالتفسير الذي يبدو صحيحًا قد يصبح مضللًا عندما يُعامل بوصفه تفسيرًا كاملًا، والتفسير الذي ينجح في وصف نتيجة الحرب لا يصبح، بالضرورة، تفسيرًا لبدايتها.

ومن هذا المنظور، لا تكشف الحرب على إيران عن أزمة في الشرق الأوسط فحسب، وإنما تكشف أيضًا عن أزمة في أدوات التحليل نفسها. فكلما ازداد الواقع تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى مناهج قادرة على استيعاب هذا التعقيد، لا إلى سرديات تختزله. وربما تكون المهمة الأكثر إلحاحًا أمام الباحث اليوم هي مقاومة إغراء الإجابة الواحدة، لأن أول ما تفقده التحليلات المختزلة ليس الدقة، وإنما القدرة على رؤية الواقع كما هو.

زر الذهاب إلى الأعلى