حل حكومة حماس: إلى ما يتجاوز ملف غزة

أعلنت حركة حماس اليوم حلّها لجهازها الحكومي الذي يدير القطاع، والذي مثلته لجنة الطوارئ الحكومية برئاسة محمد الفرا، تمهيداً لتسليم إدارة القطاع لـ “اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة” برئاسة المهندس على شعث. وفي الوقت الذي يمكن لنا أن نقرأ هذا القرار في سياق غزاوي أو فلسطيني، فإن له أبعاداً تتجاوز هذا السياق إلى الترتيبات الإقليمية المتسارعة، والتي لا بد لحماس، في لحظةٍ أو بأخرى أن تكون جزءاً منها.
في غزة: أزمة الخيارات، والمراهنة على البقاء
بدايةً، وعلى صعيد داخلي باتت إدارة قطاع غزة أكثر كلفةً على حماس من أي وقتٍ مضى، وفي ظل الظرف الإنساني الذي يمر فيه القطاع، فإن خيارات الحركة في إدارته باتت معدومة. وهذا بالطبع لأن القطاع بات اليوم بلا بُنى تحتية، كما أن قرابة ٧٠٪ من أراضيه ترزح تحت الاحتلال، مع أوضاعٍ معيشية وصلت أشد مستويات الانعدام والعوز، ولكن أيضاً؛ لأن الحركة ذاتها، باتت اليوم تعيش تحديات في تثبيت هياكلها السياسية والعسكرية، وتوحيد صفوفها، والأهم، أنها فقدت خلال الحرب جزءاً كبيراً من نخبها الاجتماعية والمدنية، التي كانت تلعب أدواراً محورية في إدارة القطاع. وإذا ما جمعنا هذه التحديات مع بعضها البعض، تصبح إدارة القطاع كلفة سياسية باهظة تأول عوائدها إلى الصفر على جميع المستويات السياسية، والشعبية، والنضالية كذلك.
في تقييم هذا القرار، يمكن القول أن حماس وعلى مستوى عملياتي تكتيكي متعلق بالتفاوض، تحاول إلقاء الكرة في ملعب الاحتلال الإسرائيلي، وإزالة بعض الذرائع التي يستخدمها لتعليل عدم إيفائه بالتزاماته، تحديداً ما يتعلق بملفا الإغاثة وإدخال المؤن إلى القطاع. ولكن القرار أيضاً، يمثل خياراً استراتيجياً لموقع الحركة في المرحلة الانتقالية وما بعدها. فحماس تختار عبر هذا القرار، أن تكون جزءاً من عملية الانتقال، والأهم، جزءاً من الجسم السياسي الذي يدير القطاع. فالحركة أم خياريان:
الأول أن تتشبث بإدارة القطاع متعذرةً بعدم إيفاء الاحتلال بالتزاماته، وهنا تكون الاحتمالات إما أن ينجح هذا الإصرار في حفظ أكبر قدرٍ من المكتسبات العسكرية والبيروقراطية للحركة عند قدوم اللجنة الوطنية؛ وهو احتمال بعيد، بعد أكثر من عام على بدء هذا المسار التفاوضي، ولا يبدو أن هناك أي قوى دولية معنية أو قادرة على الدفع تجاه هذا. والاحتمال الثاني في حال إصار الحركة، هو أن تستمر الضغوط العسكرية والمعيشية من الاحتلال على القطاع إلى أن يتم تهشيم بقايا الحركة تماماً ويخرجها من المرحلة القادمة كليّاً، وهو مسار وإن بدى مستنزفاً لإسرائيل كذلك، ولم تنجح فيه بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب، إلا أنه يبقى قائماً وخطيراً على مستقبل الحركة سياسياً.
أما الخيار الثاني، وهو ما اتخذته على ما يبدو، يتمثل في أن تستبق هذه المسارات، إلى مسار تسليم الإدارة للجنة الوطنية، ومن ثم تحقيق موقعها داخل اللجنة بالتفاوض على مساحات الإدارة، بصورة غير مباشرة عن طريق نخبها الموجودة في داخل القطاع، ما يحوّل حماس بطريقة أو أخرى من فصيل ذو جسم سياسي- عسكري واضح، إلى تيار إداري مؤدلج داخل جسم مؤسسي وطني. وحتى هذا الخيار له احتمالات عديدة مقرونة بطبيعة تفاعل نخب الحركة مع هذه الإدارة الجديدة ومدى قدرتها على التعامل براغماتياً معها والذوبان في داخلها، ومدى قدرة الإدارة الجديدة على استيعاب هذه النخب أيضاً. إلا أن كلا الاحتمالين يبدوان أكثر أمناً للحركة من خيارات الإصرار على عدم التسليم والبقاء في الواجهة.
كما يمكن القول إن المسار الذي ستتبناه الإدارة الجديدة في تفاعلها مع القوى الدولية بخصوص تسليم سلاح الحركة هو ما سيحدد طبيعة علاقة الطرفين، فتبني مسار نزع السلاح المهين والجبري، والتفتيت المباشر لبنى الحركة التحتية سيعيق حتماً المسار السلس للتحول، ويشل إدارة القطاع؛ في حين سيمنح مسار أقل عنفاً وجبريةً مسار التحول فرصاً أكبر للتعاون وتراجع الحركة للخلف بصورة أكثر وضوحاً.
الإقليم الجديد، والاستجابة لخطة الحلف الأقل بعداً
على مستوى أخر، وبالنظر من خلال عدسة أكثر اتساعاً، لا يبدو قرار الحركة بعيداً عن الاستجابة لمسارٍ جديد تتبناه مجموعة من الدول في المنطقة. حيث دفعت الحرب الأخيرة على إيران، مجموعة من دول المنطقة للتفكير في ضرورة إدارة الإقليم عن طريق نموذج تقدمه دوله ذاتها. ويمكن القول إن أرضية هذا الحلف هي “الحد الأدنى للأمن المشترك”، والذي باتت هذه الدول تعرف إسرائيل ومجموعة من حلفائها على أنهم التهديد الأساسي له.
تمثل كل من تركيا والسعودية وقطر وباكستان الركائز الأساسية لهذا التكتل الإقليمي، الذي يشترك في رؤيته لكون التهديدات الإسرائيلية للإقليم ومحاولات اجتراره إلى فوضى كلية، باتت في أعلى مستوياتها منذ الاحتلال. كما باتت هذه الدول ترى نفسها الآن أو في المستقبل القريب، واقعةً في نطاق نيران إسرائيل، أو ما تؤهل له من فوضى إقليمية تمكنها من فرض أكبر قد من المكتسبات السياسية، والجغرافية. وتحاول هذه الدول أن تستقطب دولاً أخرى إلى هذا التكتل، منها سوريا عبر تأهيلها طبعاً، ومنها مصر والأردن، ولكن تبقى بعض الحسابات الأيديولوجية والإقليمية محددة لمدى انسجام الأخيرتين ضمن هذا التكتل، على الرغم من اشتراكهم معه في عدة تقييمات متعلقة بالإقليم. وتبقى إيران البعيدة الأقرب لهذه الكتلة السياسية، بأدنى حد من المشتركات.
تحاول مجموعة هذه الدول أن تحافظ على أعلى مستويات استقرار ممكنة في الإقليم، وكانت محاولاتها لضبط إيقاع الحرب مع إيران، تصب في ذات السياق. وتعرّف هذه الكتلة الاستقرار؛ على أنه البنية التحتية اللازمة لمشروع تأهيل المنطقة وفق شكل جديد. إن أهم ما في هذا الشكل الجديد للإقليم، هو حصر الكيانات السياسية فيه إلى كيانات مستقرة، مركزية، ذات سيادة، أي “دول”. ونحو هذا المسار تجتهد في تحقيق ما لا تتحقق الدولة إلا به، وهو حصر السلاح، واحتكار العنف، ما يتلزم تحييد الفواعل اللادولتية، أو فواعل شبه الدولة، والأشكال المختلفة للفصائل والمليشيات. وهو مسار يراد إنجازه في كل من العراق وسوريا ولبنان، ولا تستثنى منه على ما يبدو فلسطين.
قد لا تكون هذه الدول راضية تماماً عن بعض صيغ التفاهم التي تظهر اليوم لتقويض هذه القوى من خلال التفاهم مع إسرائيل، مثل ما يجري في لبنان، أو ما يدفع تجاهه في غزة؛ إلا أنها من حيث المبدأ راضية، بل وراغبة إلى أبعد حد ممكن بحصر سلاح هذه القوى وإعادة تعريفها داخل جسم الدولة. ففي الوقت الذي تريد فيه إسرائيل تحطيماً لهذه القوى وقواعدها الاجتماعية، فإن هذا التكتل يريد إعادة إنتاجها -ما يستدعي إضعافها حتماً- داخل جسم الدول، بما يضمن أقل مستوى ممكن من التوتر والانقسام السياسي واحتمالات الانفجار لاحقاً.
وفي هذا السياق، لا يقتصر ما تقوم به حماس على كونه حسابات داخلية متعلقة فحسب بملف غزة، بل يبدو أنها تستجيب لحقبة إقليمية جديدة، ولرغبات بعض الدول الأقرب إليها. إن هذا المسار الذي يتجه نحوه الإقليم يعرّف بنموذج القوى الوطنية المركزية حصراً، ولا أعلم أن كانت السلطة الفلسطينية هي ما ستندمج فيه حماس؛ إذا لا يبدو وضعها أفضل من وضع حماس كثيراً، ولا يبدو النموذج الذي صدّرته مقنعاً على المستوى الفلسطيني الداخلي، إلا أن النموذج الذي يُقدَّم ُفي غزة؛ “قد” يُؤخَذ بعين الاعتبار كبذرة لإعادة إنتاج جسم فلسطيني وطني تذوب حماس في داخله، وذلك برعاية إقليمية موسعة.
خاتمة
إن خيار حركة حماس بحل حكومتها في غزة قد يقترن بصورة مباشرة بشح خياراتها الداخلية وظروف القطاع على مستويات عدة، وكذلك بظروف الحركة ذاتها وحالتها السياسية والعسكرية. إلا أنه أيضاً يمثل خياراً سياساً استراتيجياً كذلك، للبقاء داخل إقليم يعيد إنتاج نفسه، ولإيجاد موقع في شكل بنية فلسطينية جديدة “محتملة”. ويبقى هذا الخيار، مرهوناً بقدرة الفواعل الإقليمية والمحلية على تجاوز الخطط المعاكسة التي تجتهد إسرائيل وحلفائها لفرضها داخل هذه الدول أو في الإقليم عموماً، وقدرتها على تذويب خلافاتها وأولوياتها على حساب خطة إقليمية موسعة.