حافة الهاوية في عصر التعقيد: كيف تغيّرت قواعد الصراع؟ و ما الذي تكشفه الأزمة الأمريكية–الإيرانية؟

لم يكن التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران خلال يونيو ويوليو 2026 مجرد تبادل متتابع للضربات، ولا انهيارًا مفاجئًا لتفاهمات مؤقتة أُبرمت قبل أسابيع قليلة فحسب. فحصر النظر في الأزمة ضمن إطار العمليات العسكرية وحده يفضي إلى قراءة منقوصة؛ إذ إن ما يدور في الخليج أعمق من صراع على أهداف عسكرية أو مواقع جغرافية – إنه تنافس على إعادة رسم قواعد الردع وحدود توظيف القوة، حيث تغدو الضربات العسكرية بمثابة لغة سياسية، ويتحول التصعيد ذاته إلى وسيلة للمساومة والإكراه أكثر منه مسارًا يقصد الحرب لذاتها.

ولذلك لا تشكّل هذه الأزمة استثناءً في مسار العلاقات الأمريكية–الإيرانية، بل تُعد من أقرب النماذج المعاصرة إلى منطق “حافة الهاوية” (Brinkmanship)  الذي بلوره توماس شيلينغ في سياق الحرب الباردة. فقد لاحظ شيلينغ أن الدول لا تبلغ أهدافها دومًا عبر استخدام القوة الفعلي، بل عبر إدارة احتمال استخدامها؛ ويقوم الردع، في صميمه، على جعل خطر الحرب يبدو واقعيًا بدرجة تكفي لتبديل حسابات الطرف الآخر – أي التقدم المحسوب نحو حافة الانفجار إلى الحد الذي يصير فيه التراجع خيارًا أكثر منطقية من مواصلة التصعيد.

ما قدّمه شيلينغ فعليًا لم يكن تبريرًا للمجازفة، وإنما تفسيرًا لكيفية تحويل الغموض ذاته إلى أداة استراتيجية فاعلة – وهو ما جسّده في مفهومه المعروف “التهديد الذي يترك شيئًا للمصادفة” (The Threat That Leaves Something to Chance).  فالدولة ليست بحاجة لأن تُعلن عزمها القاطع على خوض الحرب كي تحقق الردع؛ يكفيها أن تصنع واقعًا يجعل احتمال الانزلاق نحو المواجهة قائمًا بشكل لا يمكن لأي طرف ضبطه كليًا. وعندها يعيد الخصم حساباته، لا لأنه بات موقنًا بحتمية الحرب، بل لأنه فقد الثقة بقدرته على تفاديها إن استمر مسار التصعيد.

لكن حين نُسقط هذا المنطق على الأزمة الأمريكية–الإيرانية الراهنة، تنكشف حدود النموذج الكلاسيكي بوضوح. فشيلينغ صاغ نظريته لعالم تحكمه ثنائية قطبية، حيث كانت الأزمات تدور أساسًا بين قوتين عظميين تربط بينهما قنوات اتصال مستقرة وقواعد ردع متبادلة معروفة. أما شرق أوسط اليوم فيعمل ضمن بيئة مغايرة جذريًا؛ فالأزمة لم تعد علاقة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل شبكة متشابكة تتقاطع فيها القوى الإقليمية مع فاعلين غير حكوميين، وممرات بحرية، وأسواق طاقة، وشركات نقل وتأمين، ووسائل إعلام، بل وفضاء سيبراني وخوارزميات تتحكم بتدفق المعلومات.

من هنا يقتضي فهم هذه الأزمة تجاوز تفسيرها كمواجهة ثنائية، والنظر إليها كعملية متعددة الفاعلين تتفاعل ضمنها عدة دوائر استراتيجية في آنٍ واحد. فقرار واشنطن أو طهران لا يمس الطرف الآخر فحسب، بل يعيد تشكيل حسابات إسرائيل ودول الخليج وروسيا والصين، وحتى الأسواق المالية وشركات التأمين البحري وحركة التجارة العالمية. يصبح التصعيد بذلك أقرب إلى موجة تنتشر عبر شبكة مترابطة من العلاقات، لا رد فعل خطي بين خصمين.

من هذا المنظور، لم تكن مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في 17 يونيو 2026 محاولة لإنهاء الأزمة بقدر ما كانت محاولة لإعادة تنظيمها. نجحت في وقف العمليات العسكرية المباشرة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وأسست إطارًا للتفاوض حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات، لكنها لم تعالج جذور الخلاف، بل أجّلتها فقط. وهذه إحدى السمات الجوهرية لأزمات حافة الهاوية: الهدنة التي تؤجل القضايا البنيوية لا تُنهي الأزمة، بل تنقلها من ميدان العمليات العسكرية إلى ميدان تفسير الالتزامات وحدودها.

لم يكن انهيار التفاهمات مفاجئًا إذن. فالغموض الذي سمح بالتوصل إلى الاتفاق كان بذاته العامل الذي مهّد لانهياره؛ رأت طهران في الضربات الأمريكية اللاحقة انتهاكًا لتفاهمات أمن الملاحة في المضيق، بينما اعتبرت واشنطن حرية الملاحة التزامًا نابعًا من القانون الدولي لا من موافقة إيران.

مضيق هرمز كعقدة استراتيجية

يمثل المضيق ما يمكن تسميته “العقدة الاستراتيجية”: النقطة التي يعيد تعطيلها تشكيل سلوك عدد كبير من الفاعلين في وقت واحد. فإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه لا يمس الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل يمتد إلى أسعار النفط وأسواق المال وشركات الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، بل والسياسات الاقتصادية للدول المستوردة للطاقة. قيمته الاستراتيجية إذن تنبع من من مركزيته داخل شبكة الاقتصاد العالمي.

من هنا يظهر لدينا مفهوم بديل: حافة الهاوية متعددة الفاعلين  (Multi-Actor Brinkmanship)، الذي ينظر إلى الأزمة كشبكة ديناميكية من التفاعلات لا مواجهة ثنائية مغلقة. في هذا النموذج، لا يتشكل الردع من العلاقة بين الخصمين وحدهما، بل من شبكة كاملة من الفاعلين، لكل منهم حساباته وقدرته على التأثير في مسار الأزمة حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا في العمليات العسكرية.

فإسرائيل تنظر إلى التصعيد من زاوية أثره على البرنامج النووي الإيراني وتوازن الردع الإقليمي، ودول الخليج تركّز على استقرار صادرات الطاقة وحماية بنيتها الاقتصادية، بينما تعنى الصين بأمن سلاسل الإمداد وتدفقات النفط، وترى روسيا في استمرار التوتر فرصة لإعادة توزيع النفوذ الدولي وإعادة تشكيل أولويات واشنطن. وإلى جانب هؤلاء، تؤدي شركات الشحن العالمية والتأمين وأسواق المال ووسائل الإعلام الدولية، بل وشركات الأقمار الصناعية والخدمات الرقمية، أدوارًا مؤثرة مباشرة في البيئة التي تتحرك داخلها الأزمة.

كل قرار عسكري تتخذه واشنطن أو طهران، إذن، لا ينتج رد فعل واحدًا، بل يطلق ما يمكن تسميته موجة تصعيد (Escalation Wave) تنتشر عبر هذه الشبكة بأكملها. فالضربة العسكرية، الى جانب رفع احتمالات الرد المقابل، فهي تؤثر في أسعار النفط وأقساط التأمين البحري وأسعار الشحن وأسواق الأسهم والمواقف الدبلوماسية وتقديرات أجهزة الاستخبارات، بل وحتى المزاج السياسي في العواصم الإقليمية والدولية. تصبح الأزمة بذلك سلسلة من التفاعلات المتزامنة.

البعد الإدراكي في الردع

تكشف هذه الديناميكية مصطلح آخر في طبيعة الردع، وهو البعد الإدراكي للأزمة. فالردع هنا يقوم على الطريقة التي يدرك بها الخصم القدرات العسكرية للطرف الآخر؛ فقد لا يكون هدف عملية عسكرية معينة تدمير هدف مادي بقدر ما هو إرسال رسالة نفسية وسياسية تعيد تشكيل تقدير الخصم للمخاطر. من هنا يصبح الردع الإدراكي (Perceptual Deterrence) عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمات، إذ تسعى كل دولة إلى التأثير في طريقة تفسير الطرف الآخر لأفعالها وإقناعه بأن الاستمرار في التصعيد سيتجاوز ما هو مستعد لتحمّله.

وهنا يكمن أحد أهم التوجهات في هذه الأزمة، ففي البيئة الرقمية المعاصرة أصبحت الرسائل تنتقل عبر عبر الإعلام والتسريبات والتصريحات ومنصات التواصل وتقارير الاستخبارات والتقديرات الاقتصادية أيضًا. وهذا التعدد في مصادر الرسائل يرفع احتمالات سوء الفهم، لأن كل رسالة قد تُفسَّر بطرق مختلفة من أطراف مختلفة، وقد يقود تفاعل هذه التفسيرات إلى مسار تصعيد لم يخطط له أي طرف ابتداءً.

الخطر الأكبر في هذه الأزمة، إذن، يكمن في أن الشبكة بأكملها قد تصل إلى نقطة تحول شبكية (Network Tipping Point) –  اللحظة التي يصبح فيها عدد التفاعلات المتزامنة كبيرًا إلى درجة تجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة، حتى لو فضّل جميع الفاعلين تجنب الحرب. عندها قد يؤدي حادث محدود، أو خطأ تقدير، أو معلومة استخباراتية غير دقيقة، أو هجوم من طرف ثالث، إلى إطلاق سلسلة ردود أفعال متلاحقة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على إيقافها.

هذا هو جوهر حافة الهاوية في الشرق الأوسط اليوم، إدارة التصعيد باتت تعني، قبل كل شيء، إدارة التعقيد نفسه لا القوة العسكرية فقط.

من هذه الزاوية، تكشف الأزمة الأمريكية–الإيرانية انتقال الشرق الأوسط إلى مرحلة مختلفة من إدارة الصراعات، يمكن وصفها بمرحلة الردع الشبكي؛ حيث لا تتحدد نتائج التصعيد بحجم القوة المستخدمة وحده، بل بموقع كل فاعل داخل شبكة العلاقات التي تربط الأمن بالطاقة، والاقتصاد بالتكنولوجيا، والعمليات العسكرية بالإعلام، والسياسة الداخلية بالتوازنات الدولية. وكلما ازدادت كثافة هذه الروابط، صعُب فصل أزمة محلية عن تداعياتها الإقليمية والعالمية.

لهذا السبب، لم يعد السؤال الأكثر أهمية: هل ستندلع حرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ فهذا السؤال، رغم أهميته، ينتمي لمنطق الحروب التقليدية. السؤال الذي يفرضه الواقع الحالي هو: إلى أي مدى تستطيع الأطراف المختلفة إدارة التصعيد داخل شبكة تزداد تعقيدًا دون أن تصل إلى نقطة تفقد عندها السيطرة على تفاعلاتها؟

الفرق بين السؤالين يعكس تحولًا في طبيعة الصراع الدولي نفسه. لأن المشكلة اليوم هي منع تفاعل عشرات الأزمات الجزئية عبر شبكات مترابطة من المصالح والفاعلين، بحيث لا تتحول حادثة محدودة في مضيق بحري، أو هجوم سيبراني، أو ضربة دقيقة، أو حتى خطأ في تفسير رسالة سياسية، إلى سلسلة متتابعة من الأفعال وردود الأفعال تتجاوز قدرة الجميع على احتوائها.

وهو مؤشر على التحول الذي يشهده مفهوم الردع في القرن الحادي والعشرين. فما يتغير اليوم ليس فقط ميزان القوى بين واشنطن وطهران، بل المنطق الذي تُدار به الأزمات الدولية نفسها. وإذا كانت نظرية حافة الهاوية قد فسرت كيف تستخدم الدول خطر الحرب لتحقيق أهداف سياسية، فإن التجربة الراهنة تشير إلى أن التحدي الأكبر إدارة التعقيد الاستراتيجي الذي أصبحت الحرب أحد مكوناته لا مكونه الوحيد.

إلى أين يتجه الصراع؟

يقود تحليل الأزمة بمنطق حافة الهاوية إلى تحديد مسارات يمكن أن تتحرك بينها المواجهة تبعًا لقدرة الأطراف على إدارة التصعيد والحفاظ على قنوات الاتصال ومنع الحوادث الميدانية من تجاوز أهدافها السياسية.

يتجه الصراع، في المدى القريب، نحو مواجهة ممتدة ومضبوطة جزئيًا، تقوم على تبادل الضربات وتعطيل متقطع للملاحة وضغوط اقتصادية متصاعدة، مع استمرار محاولات كل طرف تجنب الحرب البرية الشاملة. فواشنطن تحتاج إلى إعادة فتح المضيق وترميم مصداقيتها الأمنية أمام حلفائها، لكنها تدرك أن إسقاط النظام الإيراني أو احتلال أراضٍ إيرانية يتطلبان التزامًا عسكريًا وسياسيًا يفوق أهدافها المعلنة. أما إيران فتحتاج إلى إثبات قدرتها على فرض كلفة إقليمية وعالمية، لكنها تواجه خطر تدمير جزء أكبر من بنيتها العسكرية والاقتصادية إذا تحولت عملياتها في المضيق إلى إغلاق طويل الأمد.

يمكن استشراف أربعة مسارات رئيسة:

المسار الأول: الاستنزاف المنضبط وإعادة التفاوض: هو الاحتمال الأكثر اتساقًا مع منطق حافة الهاوية. يستمر الطرفان في تبادل ضربات محسوبة، متجنبين الأهداف التي قد تفرض ردًا يصعب احتواؤه، كالمنشآت النووية شديدة الحساسية أو مراكز القيادة العليا أو المواقع التي يوقع استهدافها أعدادًا كبيرة من القتلى. تحاول واشنطن هنا تقليص قدرة الحرس الثوري على تهديد الملاحة، بينما تنفذ إيران عمليات متقطعة تثبت قدرتها على تعطيل المضيق دون إغلاقه بصورة مستقرة؛ تعمل الضربات كلغة تفاوضية يسعى كل طرف عبرها لتحسين شروط العودة إلى المحادثات. قد تنتهي هذه المرحلة بتفاهم جديد ترعاه عُمان أو باكستان أو دولة إقليمية أخرى، يركز على ترتيبات المرور ووقف الهجمات على السفن، ثم يعيد الملفات النووية والاقتصادية إلى مسار تفاوضي منفصل.

المسار الثاني: تقسيم الصراع إلى ساحات متعددة: قد تخفف إيران الضغط المباشر في المضيق، ناقلة جزءًا من المواجهة إلى العراق أو سوريا أو البحر الأحمر أو الفضاء السيبراني، بما يحفظ ردعها ويقلل احتمال تعرض أراضيها لموجات إضافية من الضربات الأمريكية الواسعة. تستطيع طهران بذلك توزيع الضغط بدل تركيزه، عبر طائرات مسيّرة وهجمات على قواعد أو منشآت لوجستية وعمليات سيبرانية وضغط على طرق ملاحة أخرى. ينسجم هذا المسار مع نموذج حافة الهاوية متعددة الفاعلين، إذ تنتقل الأزمة من مواجهة أمريكية–إيرانية مباشرة إلى شبكة من المواجهات الجزئية لكل منها قواعدها وأطرافها. وتكمن خطورته في أن واشنطن قد تجد صعوبة في تحديد المسؤول عن كل عملية، أو التمييز بين تحرك إيراني مركزي ومبادرة مستقلة نسبيًا لجماعة مسلحة، بينما يرفع اتساع عدد الساحات احتمالات سوء الإسناد والتقدير، وقد يعجز من بدأ التصعيد عن التحكم في توقيته أو إنهائه بعد انتقاله إلى فاعلين آخرين.

المسار الثالث: صفقة مؤقتة حول المضيق وتأجيل المواجهة الكبرى: قد تنشأ تسوية محدودة تركز على حرية الملاحة دون معالجة شاملة للبرنامج النووي أو العقوبات أو النفوذ الإقليمي، تتضمن وقف استهداف السفن وآلية مراقبة أو ممرات مرور متفق عليها عمليًا، وخفض الانتشار العسكري الهجومي مقابل تخفيف محدود لبعض القيود المالية أو النفطية. هذا سيناريو تسوية وظيفية لا مصالحة سياسية؛ فالطرفان يملكان مصلحة مشتركة في منع انهيار تجارة الطاقة كليًا، لكنهما يختلفان على النظام الأمني الذي ينبغي أن يحكم الخليج، فقد يُعاد فتح المضيق قبل حسم الخلاف حول من يملك حق تنظيم المرور أو حول علاقة أمن الملاحة بالملف النووي. تمنح هذه الصيغة كل طرف فرصة إعلان مكسب جزئي: تعلن واشنطن استعادة حرية الملاحة، بينما تدّعي طهران فرض الاعتراف بها طرفًا أساسيًا في أمن الخليج. غير أن القضايا المؤجلة تبقى قابلة لإنتاج جولة جديدة من حافة الهاوية بعد أشهر.

المسار الرابع: الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع: ينشأ هذا المسار حين تتجاوز الأزمة نقطة التحول الشبكية، أي حين يكبر عدد الضربات والفاعلين والساحات إلى درجة تفقد معها القيادات القدرة على ضبط التفاعلات. قد يبدأ بحادث يبدو محدودًا: إغراق سفينة تحمل مدنيين، أو مقتل عدد مرتفع من الجنود الأمريكيين، أو استهداف قيادة إيرانية عليا، أو ضرب منشأة نووية، أو هجوم على بنية طاقة خليجية يوقع خسائر اقتصادية واسعة. عندها تواجه القيادة المستهدفة ضغطًا للرد بما يتجاوز قواعد الاشتباك السابقة، فيرد الطرف الآخر بدوره، وتتحول المواجهة من سلسلة ضربات لإعادة ضبط الردع إلى حملة تستهدف تعطيل قدرات الخصم شاملةً.

المسار الأرجح: في المدى القريب، يبدو الاستنزاف المنضبط المصحوب بمحاولات تفاوض متقطعة الأكثر ترجيحًا، لأن كلا الطرفين يحتاج إلى إثبات المصداقية بينما يواجه قيودًا قوية تحول دون السعي السريع لحرب شاملة. لكن هذا الترجيح لا يعني استقرار الأزمة؛ فاحتمال الانتقال إلى المسار الإقليمي الأوسع يرتفع كلما طال إغلاق المضيق، وازدادت الخسائر البشرية، وتوسعت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، أو اتجهت واشنطن لاستهداف مراكز القيادة والبنية السياسية للنظام بدل الاقتصار على القدرات المرتبطة بالملاحة والصواريخ.

الخاتمة

يمكن تلمّس اتجاه الأزمة عبر متابعة عدد من المؤشرات العملية. فاستمرار الضربات على الرادارات والصواريخ الساحلية والزوارق ومنشآت الحرس الثوري، مع تجنب القيادة السياسية والمنشآت النووية، يشير إلى بقاء الصراع داخل مسار الاستنزاف المحدود؛ أما انتقال الضربات إلى مراكز القيادة العليا أو البنية النووية أو منشآت الطاقة الإيرانية الكبرى فيدل على تحول الهدف الأمريكي من حماية الملاحة إلى إضعاف الدولة الإيرانية استراتيجيًا. ويشير انخفاض الهجمات على السفن وظهور ترتيبات عملية لعبورها وعودة الوساطة العُمانية أو الباكستانية إلى اقتراب تسوية مؤقتة، بينما يدل توسيع إيران استهداف القواعد الأمريكية في الخليج أو تنشيط جبهات العراق وسوريا والبحر الأحمر في وقت واحد على انتقال الأزمة إلى نموذج التصعيد متعدد الساحات. كما تمثل أعداد الضحايا مؤشرًا حاسمًا: فالعمليات المحدودة الخسائر تترك مجالًا للردود المحسوبة، بينما قد يخلق هجوم واحد يوقع قتلى كثرًا تكلفة داخلية تمنع القيادة المستهدفة من الاكتفاء برد رمزي. وتكتسب قنوات الاتصال أهمية مماثلة؛ فوجود وسطاء واتصالات عسكرية غير مباشرة يعني أن الطرفين ما زالا قادرين على تفسير الإشارات ومنع بعض الحوادث من التحول إلى قرارات استراتيجية، بينما يرفع انهيار هذه القنوات أو توقف تبادل الرسائل احتمال انتقال الأزمة من حافة الهاوية المدارة إلى التصعيد غير المنضبط.

مراجع

  1. Schelling, Thomas C. The Strategy of Conflict. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960.
  2. Schelling, Thomas C. Arms and Influence. New Haven: Yale University Press, 1966.
  3. Schelling, Thomas C. “The Threat That Leaves Something to Chance.” RAND Corporation, Document No. HDA-1631-1.
  4. Pauly, Reid B. C., and Rose McDermott. “The Psychology of Nuclear Brinkmanship.” International Security 47, no. 3 (Winter 2022/23): 9–51.
  5. Nalebuff, Barry. “Brinkmanship and Nuclear Deterrence: The Neutrality of Escalation.” Conflict Management and Peace Science 9, no. 1 (1986): 19-30.
  1. Lindsay, Jon R., and Erik Gartzke, eds. Cross-Domain Deterrence: Strategy in an Era of Complexity. Oxford: Oxford University Press, 2019.
  2. Black, Michelle. “Multi-Actor Deterrence: Defining the Concept.” Æther: A Journal of Strategic Airpower & Spacepower 1, no. 2, Air University Press.
  3. Danilovic, Vesna. When the Stakes Are High: Deterrence and Conflict among Major Powers. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2002.
  1. Douglass, Rex W., et al. “What Is Escalation? Measuring Crisis Dynamics in International Relations with Human and LLM Generated Event Data.” arXiv preprint (2024).  
  2. Pescaroli, Gianluca, and David Alexander (eds. framework), on cascading crises in interconnected systems — International Journal of Disaster Risk Reduction, special issue on cascading crises.
  3. “A Systemic Theory of Escalation and the Loss-of-Control Threshold in Networked Conflict.” EPINOVA Publications Working Paper, 2026.
  1. Alterman, Jon B., et al. “What Are the Unintended Consequences of the U.S.-Iran Conflict for Defense and Security?” CSIS, June 2026.
  2. Alkadiri, Raad, et al. “What a Fragile U.S.-Iran Ceasefire Means for Energy and Beyond.” CSIS, 2026.
  3. “Iran’s Strait of Hormuz Gambit and the Limits of U.S. Military Power.” CSIS, April 2026.
  4. “The United States and Iran Announce a Deal to End the War: State of Play.” CSIS, June 2026.
  5. Taylor, Victoria J., Mark N. Katz, Michael Kugelman, et al. “What the US-Iran Deal Means for the Rest of the Middle East (and Beyond).” Atlantic Council, June 2026.
  6. Doha Institute for Graduate Studies. “The Islamabad Memorandum: Ceasefire or Strategic Pause?” ACRPS/Doha Institute, June 2026.
  7. Congressional Research Service. “Iran Conflict and the Strait of Hormuz: Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities.” R45281, Library of Congress, 2026.
  8. House of Commons Library. “US-Iran Ceasefire and Nuclear Talks in 2026.” CBP-10637, UK Parliament, 2026.
  9. Azad, Tahir Mahmood. “The Cost of the Iran War for the United States: A Strategic Blunder in Five Dimensions.” Small Wars Journal, April 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى