رضا شاه بهلوي: الشاويش الذي أعاد بناء إيران وجلس على عرش الطاووس (2/2)

حارث أبو بديوي

في مطلع عشرينيات القرن الماضي، كان رضا خان يراقب التجربة التي تتشكل في تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك باهتمام وإعجاب. شعر رضا خان أن بينه وبين أتاتورك، كما بين بلديهما، الخصمين القدمين، العديد من المشتركات؛ فالرجلان ينتميان إلى خلفية عسكرية، وكلاهما ورث بلداً منهكاً خرج لتوّه من أهوال الحرب العالمية الأولى، وكلاهما رأى أن الخلاص يمر عبر سلطة مركزية قوية تعيد صياغة الدولة والمجتمع

لهذا، طرح رضا خان فكرة إعلان الجمهورية وإنهاء الحكم القاجاري نهائياً.

غير أن الفكرة اصطدمت بموقف مبدئي من عدد من كبار المراجع والعلماء، الذين أبدوا اعتراضهم على صيغة «الجمهورية»، فقد كانت أخبار ما يجري في تركيا تصل إلى النجف وقم وإيران تباعاً؛ إلغاء السلطنة، ثم إلغاء الخلافة، وتقليص دور العلماء، وإطلاق مشروع واسع للعلمنة وإعادة تشكيل المجتمع.

رأى كثير من المراجع أن القبول بقيام ملكية جديدة أقل خطراً من فتح الباب أمام جمهورية قد تسير على النهج الكمالي، ولذلك فضّلوا الإبقاء على النظام الملكي مع تغيير الأسرة الحاكمة.

ومن المفارقات التاريخية اللافتة أن هذا الموقف أسهم، من حيث لا يقصد أصحابه، في ولادة السلالة البهلوية نفسها.

الجلوس على عرش الطاووس

في عام 1925، صوّت المجلس التأسيسي على إنهاء حكم الأسرة القاجارية، وأعلن رضا خان ملكاً على إيران باسم رضا شاه بهلوي.

كان التتويج، بحقّ، إعلاناً عن ميلاد مشروع سياسي جديد. وقد حرص رضا شاه على أن يربط نفسه بالرموز الإمبراطورية الإيرانية القديمة، وفي مقدمتها “عرش الطاووس”، الذي أصبح مع مرور الزمن رمزاً للملكية الفارسية وهيبة الدولة، وإن كانت قصته التاريخية أكثر تعقيداً من الصورة الشائعة عنه، إذ ارتبط في الذاكرة الإيرانية بالعرش الإمبراطوري وبالاستمرارية السياسية.

ولم يكن اختيار هذه الرمزية مصادفة، فالرجل الذي جاء من الثكنة العسكرية كان يحتاج إلى شرعية تتجاوز البندقية، فاستند إلى التاريخ الإمبراطوري الإيراني وإلى فكرة استعادة قوة الدولة ووحدتها.

وإذا كان “أمير كبير” قد حاول إصلاح الدولة القاجارية من داخلها، فإن رضا شاه رأى أن المهمة تتطلب إعادة بناء الدولة نفسها.

بدأ بإعادة تنظيم الجيش وتحويله إلى مؤسسة وطنية مركزية، ثم عمل على تقليص نفوذ الزعامات القبلية والإقليمية، وربط المحافظات بالعاصمة من خلال شبكة طرق حديثة، وأطلق مشروع السكك الحديدية الذي اعتبر آنذاك أحد أكبر المشاريع الوطنية.

كما أنشأ جامعة طهران، ووسع مؤسسات التعليم، وأعاد تنظيم القضاء والإدارة، وشجع قيام الصناعات الوطنية، وسعى إلى بناء بيروقراطية حديثة تكون ولاؤها للدولة لا للعائلة أو القبيلة.

هذه المشاريع الكبرى تجاوزت، بطبيعة الحال، بُعدها التنموي، فكانت أدوات سياسية لإعادة إنتاج السلطة المركزية وترسيخ حضورها في كل أنحاء البلاد.

الدولة في مواجهة المؤسسة الدينية

لكن مشروع رضا شاه لم يتوقف عند بناء الجيش والإدارة، بل امتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والدين.

وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في حادثة قم الشهيرة عام 1928، عندما اعترض الشيخ محمد تقي بافقي على دخول نساء من العائلة المالكة إلى مرقد السيدة فاطمة المعصومة من دون الالتزام بما اعتبره اللباس الشرعي.

وحين علم رضا شاه بالأمر، توجه بنفسه إلى قم، ودخل المرقد، وقام ـ بحسب ما ترويه معظم المصادر ـ بتوبيخ الشيخ والاعتداء عليه أمام الحاضرين، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة الجديدة لن تقبل بوجود سلطة تعلو على سلطتها.

أصبحت الحادثة رمزاً لطبيعة العلاقة التي أرادها رضا شاه مع المؤسسة الدينية على أساس إخضاع المجال العام لسلطة الدولة وحدها.

في السياق نفسه، اتخذ رضا شاه سلسلة من القرارات الهادفة إلى تغيير مظهر المجتمع، من بينها فرض القبعة الأوروبية، ثم إصدار قرار “كشف الحجاب” عام 1936.

ورأى أنصاره في هذه السياسات خطوة نحو تحديث المجتمع وإدماجه في العصر الحديث، بينما اعتبرها معارضوه تدخلاً قسرياً في المجال الديني والاجتماعي، وواحدة من أكثر قراراته إثارة للانقسام.

ومهما اختلفت التقييمات، فإن المؤكد أن هذه الإجراءات عمقت الفجوة بين الدولة الجديدة وقطاع واسع من العلماء والمتدينين، وهي فجوة ستترك آثاراً بعيدة المدى في التاريخ الإيراني.

إعادة اختراع إيران

غير أن مشروع رضا شاه لم يقتصر على بناء جيش حديث أو إنشاء جامعة وطنية أو مدّ شبكة من الطرق والسكك الحديدية، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تعريف هوية الدولة نفسها وإعادة إنتاج سرديتها التاريخية.

الرجل كان يدرك أن الدول لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى رواية كبرى تمنحها الشرعية وتربط حاضرها بماضٍ عريق. ومن هنا، بدأ مشروعه لإحياء الهوية الإيرانية السابقة على العصر القاجاري، بل والسابقة في كثير من جوانبها على الفتح الإسلامي نفسه، بوصفها إطاراً جامعاً للأمة والدولة.

ثم اختيار اسم «بهلوي» لأسرته الحاكمة اختياراً سياسياً وثقافياً مدروساً. فالاسم يحيل إلى اللغة البهلوية، أو الفارسية الوسطى، لغة الدولة الساسانية، ويستدعي واحدة من أهم مراحل التاريخ الإيراني قبل الإسلام. وبذلك منح رضا شاه أسرته، التي لم تنحدر من سلالة ملكية تاريخية، نسباً رمزياً يربطها بالمجد الإمبراطوري الإيراني القديم، ويضفي على مشروعه السياسي عمقاً تاريخياً يتجاوز لحظة وصوله إلى السلطة.

أما الخطوة الأبرز، والتي لا تقل دلالة، فكانت عندما طلب رضا شاه، عام 1935، من الحكومات الأجنبية أن تعتمد رسمياً اسم «إيران» في مخاطباتها الدبلوماسية بدلاً من اسم «بلاد فارس» (Persia) الذي كان شائعاً في اللغات الأوروبية منذ قرون. وهو قرار مثّل إعلاناً عن تصور جديد للدولة؛ فاسم «فارس» كان يحيل في الوعي الغربي إلى أحد أقاليم البلاد وإلى الإرث الكلاسيكي المعروف في المصادر اليونانية، بينما أراد رضا شاه إحياء الاسم الذي استخدمه الإيرانيون أنفسهم منذ قرون، والمشتق من «آريانا» أو «أرض الآريين»، ليكون عنواناً لهوية وطنية أشمل تتجاوز الإقليم والأسرة الحاكمة.

بهذه الخطوات، كان رضا شاه يعيد صياغة ذاكرة بلاده من الأساس. فقد سعى إلى وصل إيران الحديثة مباشرة بالإمبراطوريات الأخمينية والفرثية والساسانية، وإلى تقديمها بوصفها استمراراً لحضارة ضاربة في القدم، لا مجرد دولة ورثت النظام القاجاري أو نتجت عن انقلاب عسكري.

ولهذا، ازداد اهتمام الدولة بالآثار، وأعيد الاعتبار لكثير من الرموز التاريخية السابقة للإسلام، وأصبحت القومية الإيرانية ركناً أساسياً في الخطاب الرسمي، جنباً إلى جنب مع مشروع التحديث الإداري والعسكري والاقتصادي.

لقد أراد رضا شاه أن ينقل شرعية الدولة إلى فكرة الأمة، وأن يجعل الإيراني يشعر بأنه ينتمي إلى تاريخ ممتدّ لآلاف السنين، لا إلى سلالة حاكمة مؤقتة.

ومن هنا، يمكن القول إن أهم إنجازاته كانت في إعادة اختراع إيران بوصفها فكرة وهوية وسردية وطنية.

غير أن هذا المشروع نفسه حمل في داخله بذور جدل طويل، إذ رأى فيه مؤيدوه محاولة ناجحة لاستعادة الثقة الوطنية بعد قرون من الضعف والتدخلات الأجنبية، بينما اعتبره منتقدوه ميلاً متعمداً إلى تغليب البعد القومي السابق على الإسلام على حساب المكونات الأخرى للهوية الإيرانية. ومع ذلك، فإن أثره ظل واضحاً، وما تزال الدولة الإيرانية حتى اللحظة، بمختلف أنظمتها السياسية، تتحرك داخل الإطار الوطني الذي أسهم رضا شاه في ترسيخه.

الرهان الألماني وخطأ الحسابات

مع نهاية الثلاثينيات، أخذ رضا شاه يميل إلى توسيع التعاون مع ألمانيا، معتبراً أنها تمثل ثقلاً موازناً للنفوذ البريطاني والروسي التقليدي.

استعان الشاه بالخبراء الألمان في الصناعة والهندسة والإدارة، وازداد حضورهم داخل البلاد بصورة لفتت انتباه لندن وموسكو، خصوصاً بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.

وعندما رفض طردهم، اعتبرت بريطانيا والاتحاد السوفييتي أن بقاءهم يشكل تهديداً مباشراً لمصالحهما ولممرات الإمداد العسكرية.

وفي أغسطس (آب) 1941 دخلت القوات البريطانية من الجنوب، بينما تقدمت القوات السوفييتية من الشمال، في عملية مشتركة انتهت خلال أيام بالسيطرة على البلاد وإجبار رضا شاه على التنازل عن العرش.

الابن الضعيف والمنفى

كان محمد رضا، ولي العهد، مختلفاً عن والده في الشخصية والتكوين.

فالأب نشأ في الثكنات وبين الجنود، أما الابن فتربى في الرفاه. ويذكر عدد من المؤرخين أن رضا شاه لم يكن واثقاً تماماً من قدرة ابنه على حمل الإرث الثقيل الذي بناه، وكان يرى فيه شخصية أقل صلابة وحسماً.

وتنقل بعض الروايات أنه سأله قبل مغادرته إيران سؤالاً بسيطاً في ألفاظه، عميقاً في معناه؛ «هل تستطيع أن تحافظ على هذا العرش؟» كان السؤال في جوهره عن الدولة التي أمضى الشاه عقدين في بنائها.

غادر رضا شاه إيران بعد تنازله عن العرش، متنقلاً بين أكثر من محطة حتى استقر به المطاف في جنوب أفريقيا، حيث توفي عام 1944.

ودفن أولاً في القاهرة، في ظل العلاقات الوثيقة بين الأسرة البهلوية والملكية المصرية، قبل أن يعاد جثمانه لاحقاً إلى إيران في عهد ابنه، ليصبح قبره جزءاً من الذاكرة الرسمية للدولة البهلوية حتى قيام الثورة الإسلامية.

على كل حال؛

يبقى رضا شاه من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإيراني الحديث.

هو بلا شك حاكم سلطوي، حكم بقبضة قوية، واعتمد على الجيش، وقلص نفوذ المؤسسة الدينية، وفرض كثيراً من سياساته من أعلى إلى أسفل. لكنه، في الوقت نفسه، نجح في إعادة بناء دولة كانت تقف على حافة التفكك، وأسس جيشاً قوياً، ووحد الإدارة، وربط الأقاليم بالعاصمة، ووضع اللبنات الأولى للتعليم العالي الحديث، وللبنية التحتية التي استفادت منها الأجيال اللاحقة.

ولهذا السبب، باعتقادي، ما تزال صورته تحظى باحترام شريحة واسعة من الإيرانيين، خلافاً لنجله، لأنه ارتبط في ذاكرتهم بمفهوم الدولة البانية أكثر من ارتباطه بمفهوم السلطة الباحثة عن الامتيازات الشخصية. كما أن سيرته لا تقترن، في الوعي العام، بشبهة فساد مالي أو بذخ شخصي أو بتحويل الحكم إلى مشروع عائلي للإثراء، بل بصورة قائد انشغل، قبل كل شيء، بإعادة بناء إيران.

ولعل المفارقة الأبرز أن الجمهورية الإسلامية، التي قامت على أنقاض الأسرة البهلوية، ما تزال تدير دولة تستند في كثير من مؤسساتها وهياكلها إلى الأسس التي وضعها الرجل الذي صعد من رتبة شاويش إلى عرش الطاووس.

إن فهم إيران لا بدّ من أن يقف عند تجربة ذلك الضابط الذي قرر أن ما عجز عنه الإصلاح يمكن أن تنجزه الدولة القوية، فنجح في بناء دولة حديثة، لكنه ترك وراءه أيضاً انقسامات وأسئلة ما تزال إيران تعيش في ظلها حتى اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى