مواجهة واشنطن مع أنثروبيك: ماذا تعني لبقية العالم؟
كيف تكشف المواجهة بين الشركة وإدارة ترامب عن منطق جديد للاستخراج، وما الذي تتركه من أسئلة أمام الأردن والمنطقة؟

كان للاستعمار منهج واضح؛ الاستيلاء على الأرض، واستخراج المواد الخام، ثم نقل القيمة إلى المركز، مع الإبقاء على قدرٍ من الإدارة يكفي لضمان استمرار تدفق عملية الاستخراج.
ويعمل اقتصاد البيانات بالمنطق ذاته؛ إذ تُنتزع من الأفراد أشياء قبل أن يدركوا أنهم يتخلون عنها، ثم تتحول إلى مصدر للقوة، قبل أن تُباع لهم مجددًا في صورة “خدمة”. كانت المواد الخام في الماضي تتمثل في القطن أو النفط، أما اليوم فأصبحت الانتباه، واللغة، والسلوك البشري، ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت القدرة على التنبؤ بكيفية تصرف الأفراد والحكومات. وكل ذلك ينتقل عبر واجهات برمجة التطبيقات (API)، في حين لا يكاد أحد يلاحظ ما يحدث.
الجديد اليوم يتمثل في طبيعة الاعتماد المتبادل. فقد استطاعت شركات وسائل التواصل الاجتماعي استخراج انتباه مجتمعات بأكملها دون الحاجة إلى الحصول على إذن من أي حكومة، إذ بنت نماذج أعمالها متجاوزةً الدولة. أما شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، فلم يعد بالإمكان تجاوزها بالطريقة نفسها. فقد طورت شركة أنثروبيك وعدد محدود من الشركات قدرات يصعب على الحكومات استبدالها؛ مثل اكتشاف الثغرات الأمنية التي تعجز الفرق البشرية عن اكتشافها في الوقت المناسب، وحماية الأنظمة الحيوية قبل تعرضها للهجمات. لذلك لم يعد بإمكان الحكومات تنظيم هذا القطاع من مسافة آمنة، بل أصبحت بحاجة إلى هذه الشركات، وفي الوقت ذاته بحاجة إلى التحكم بها.
وهذا يقلب السؤال الاستعماري التقليدي رأسًا على عقب. فبعد أن كان السؤال: من يسيطر على الأرض التي تحتوي على ما نحتاجه؟ أصبح اليوم أقرب إلى:
من يسيطر على الشركة التي طورت ما نحتاجه، في حين نعجز نحن عن تطويره؟
وجاء الرد الأوروبي على هذا الواقع فيما أصبح يعرف بـ”السيادة الرقمية”. ففي يونيو، اختارت المفوضية الأوروبية تحالفًا أوروبيًا يحمل اسم EUROPA لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يغطي اللغات الرسمية الأربع والعشرين للاتحاد الأوروبي، وبحجم يضاهي أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا في العالم. ولم يكن الهدف مجرد إنتاج نموذج جديد، بل تحقيق الاستقلالية. وكما أوضح المسؤول الأوروبي عن ملف السيادة التقنية، فإن “أوروبا قادرة على قيادة الذكاء الاصطناعي المتقدم وفق شروطها الخاصة”، من خلال بناء نموذج ينافس الأفضل عالميًا، مع الحفاظ على قيمها الخاصة. والرسالة كانت واضحة: لا تعتمد على نموذج الآخرين، بل ابنِ نموذجك، وعلى بنيتك التحتية، ووفق قواعدك.
غير أن هذا النوع من السيادة يتطلب تمويلًا ضخمًا، وقدرات حوسبة هائلة، وكفاءات بشرية لا تمتلكها إلا قلة قليلة. وحتى الآن لا يتوافر ذلك بصورة واضحة إلا في الولايات المتحدة والصين. أما بقية الدول، فتجد نفسها أمام ثلاثة أدوار محتملة: مشترٍ للتكنولوجيا، أو منظم لها، أو ساحةً للتنافس عليها. وهذا هو المعنى الحقيقي لسباق الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن العناوين الإعلامية؛ فالقضية لا تتعلق فقط بمن يطور النموذج الأكثر ذكاءً، بل بمن يسيطر على البنية التحتية التي سيضطر بقية العالم إلى الاعتماد عليها.
وهذا هو الخيار الذي يتشكل بهدوء أمام معظم دول العالم، بما فيها هذه المنطقة: إما الاندماج في المنظومة الأمريكية للذكاء الاصطناعي، أو في المنظومة الصينية. أما أوروبا، فتبدو حتى الآن الطرف الوحيد الذي يحاول بجدية شق مسار ثالث، مع بقاء نجاح هذه المحاولة سؤالًا مفتوحًا.
في عام 2025، أصبحت أنثروبيك أول شركة ذكاء اصطناعي يُسمح لها بالعمل على الشبكات العسكرية الأمريكية المصنفة سرية. لكنها وافقت على ذلك بشرطين: ألا يُستخدم ذكاؤها الاصطناعي في المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين، وألا يُستخدم في تمكين الأسلحة من اختيار أهداف بشرية وقتلها بصورة مستقلة. وقد وافقت وزارة الدفاع الأمريكية على هذين الشرطين.
لكن مع مطلع عام 2026، طالبت الوزارة بإزالة هذه القيود، وطلبت من أنثروبيك السماح باستخدام تقنياتها في “أي استخدام قانوني” دون استثناءات. رفضت الشركة ذلك. وبعد ساعات فقط، وقعت شركة OpenAI اتفاقًا جديدًا ليحل محل أنثروبيك، وهو اتفاق اعترف رئيسها التنفيذي لاحقًا بأنه بدا متسرعًا.
وجاء رد البيت الأبيض حادًا وشخصيًا؛ إذ وصف مسؤولون شركة أنثروبيك بأنها “متعالية أخلاقيًا”، ووصفوا رئيسها التنفيذي بأنه يعاني “عقدة الألوهية”. أما الرئيس ترامب فوصف الشركة بأنها “يسارية متطرفة” و”أسيرة لثقافة اليقظة (Woke)”، ثم أصدر توجيهًا لجميع الوكالات الفيدرالية بالتوقف عن استخدام تقنياتها. وبعد أيام، منحت وزارة الدفاع الأمريكية الشركة تصنيفًا لم يسبق أن مُنح لشركة أمريكية من قبل، عندما اعتبرتها “خطرًا على سلسلة التوريد للأمن القومي”، وهو الوصف الذي يُستخدم عادةً بحق الشركات المرتبطة بالصين أو روسيا.
من جانبها، أكدت أنثروبيك أن المراقبة الجماعية تتعارض جوهريًا مع القيم الديمقراطية، وأن الذكاء الاصطناعي الحالي لا يتمتع بالموثوقية الكافية لاتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت بصورة مستقلة. وفي المقابل، جاء رد المستخدمين معاكسًا؛ إذ سجل تطبيق Claude خلال الأسبوع ذاته أعلى معدلات اشتراك في تاريخه، متجاوزًا ChatGPT وGemini باعتباره التطبيق الأكثر تنزيلًا في العديد من الدول، في مشهد بدا فيه وكأن الجمهور يكافئ الشركة التي كانت الدولة تعاقبها.
وتكتسب هذه الخلفية أهميتها عند فهم ما حدث بعد ثلاثة أشهر. فعندما أمرت الحكومة الأمريكية شركة أنثروبيك بوقف إتاحة أحدث نماذجها بسبب ثغرة أمنية مزعومة، كانت تتعامل أصلًا مع شركة سبق أن حاولت إحراجها علنًا وخنقها ماليًا لأنها رفضت التخلي عن العنصر الذي منحها قيمتها الأساسية منذ البداية: السيطرة الفعلية على تكنولوجيا فائقة القوة.
ما تغير لم يكن الشركة، بل السياسة
فما إن استجابت أنثروبيك بسرعة وعلنًا للقيود الجديدة، وما إن التقى رئيسها التنفيذي بالرئيس ترامب على هامش قمة مجموعة السبع، حتى أعلن الرئيس نفسه، الذي سبق أن وصفها بـ”اليسارية المتطرفة”، أنه لم يعد ينظر إليها باعتبارها تهديدًا، وأشاد بها لأنها تصرفت “بمسؤولية”.
لم يكن هناك تغير جوهري في التكنولوجيا بين اللحظتين، وإنما تغيرت درجة فائدتها للدولة، ومدى استعداد الشركة لأن يُنظر إليها وهي تمتثل.
حتى الآن، لم تنتزع الإدارة الأمريكية شيئًا من أنثروبيك بالقوة المباشرة، لكنها سعت إلى ما هو أكثر دقة؛ السيطرة على كيفية استخدام تقنياتها، والحصول على إمكانية استراتيجية تعجز الدولة عن تطويرها بنفسها. وعندما رفضت الشركة، عاقبتها الدولة بالطريقة ذاتها التي كانت تعاقب بها خصومها الخارجيين. وعندما امتثلت، عادت لتصفها بالشريك، في تجسيد واضح لأسلوب أصبح مألوفًا في نهج ترامب.
وهذا هو الشكل الجديد للاستخراج. فهو لم يعد يحتاج بالضرورة إلى السفن أو الجيوش، بل إلى خلق الاعتماد. فالدولة لا تمتلك المورد، لكنها تحتاج إلى الشركة التي تمتلكه، وتكافئها أو تعاقبها وفق مقدار ما تحصل عليه من وصول وسيطرة.
وتُعد أنثروبيك مثالًا مهمًا لأنها لا تمارس الاستخراج بالمفهوم التقليدي أيضًا. فهي تعلن باستمرار أنها تسعى إلى تطوير ذكاء اصطناعي آمن، وأن هناك استخدامات لتقنياتها ترفض تجاوزها. وقد خضع هذا الادعاء لاختبارين خلال ثلاثة أشهر فقط. ويكشف ذلك عن التوتر الكامن داخل معظم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى اليوم؛ بين السعي إلى تعظيم النمو والقيمة الاقتصادية، وبين الالتزام المعلن بوضع حدود لاستخدام هذه القوة. ليست أنثروبيك الوحيدة التي تجمع بين الأمرين، لكنها من القلائل الذين اضطروا إلى الاختيار على الملأ.
ومن هذا التوتر تتشكل نخبة جديدة. فهي لا تستند إلى الأرض أو المصانع أو النفط كما كانت النخب التقليدية، وإنما تقوم على امتلاك قدرة لا تستطيع الدولة ولا السوق ولا المجتمع الاستغناء عنها، وعلى امتلاك سلطة تحديد الحدود التي ينبغي أن تقف عندها تلك القدرة، ولو بصورة جزئية في الوقت الراهن.
إنها سلطة من نوع مختلف؛ تتنازعها الحكومات وتسعى في الوقت نفسه إلى كسب ودها، بينما تبقى خاضعة في نهاية المطاف لمساءلتها الذاتية أكثر من أي جهة أخرى. والقائمون على هذه الشركات ليسوا حكامًا استعماريين بالمعنى التقليدي، لكنهم بدأوا يشغلون موقعًا مشابهًا؛ فهم من يحددون كيفية استخراج مورد بالغ القيمة لا يزال العالم لا يفهمه بالكامل، ومن يحق له استخدامه، ووفق أي شروط.
وهذا هو الجزء من القصة الذي ينبغي أن يثير قلقًا يتجاوز الولايات المتحدة. فالاعتماد المتبادل الذي ظهر بين واشنطن وأنثروبيك هذا العام هو ذاته الاعتماد الذي ستواجهه بقية الدول عاجلًا أم آجلًا، ولكن من موقع أكثر ضعفًا. فواشنطن امتلكت على الأقل أوراقًا للتفاوض، أما السؤال التالي فهو: ماذا يتبقى للدول التي لا تمتلك تلك الأوراق؟
لم يعد أي بلد يبني بمفرده نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، حتى بين أغنى دول العالم. فالأمر يتطلب قدرات حوسبة هائلة، وطاقة ضخمة، ورؤوس أموال استثنائية، ونخبًا بحثية متخصصة. لذلك لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان بإمكان دولة مثل الأردن تطوير شركة تماثل أنثروبيك؛ فالإجابة، حتى الآن وربما مستقبلًا، هي لا. وإنما يتمثل السؤال الحقيقي في: إلى أي منظومة ستتصل؟
ولهذا السؤال بعد يتعلق بالأمن القومي. فحالة الاعتماد التي كشفتها قصة أنثروبيك، والمتمثلة في احتياج الحكومة إلى قدرة لا تستطيع تطويرها بنفسها، مقابل امتلاك الشركة نفوذًا بسبب ذلك، ليست حكرًا على الولايات المتحدة. فكل حكومة تعتمد على تقنيات ذكاء اصطناعي أجنبية في قطاعات الأمن أو الدفاع أو البنية التحتية الحيوية، ترث نسخة من المشكلة نفسها، ولكن من موقع أضعف. فإذا كانت الدولة لا تستطيع الاطلاع الكامل على النموذج الذي تعتمد عليه، ولا التحقق مما يفعله فعلًا بالبيانات الحساسة، ولا استبداله سريعًا إذا تدهورت العلاقة مع الجهة المالكة له، فإلى أي مدى تبقى سيادتها على قراراتها الأمنية قائمة؟ وإلى أي مستوى يمكن أن يمتد النفوذ أو التدخل الخارجي داخل مؤسساتها؟
وهناك أيضًا بعد داخلي، مستقل عن خيار الاصطفاف بين الولايات المتحدة أو الصين. فما تزال الشركات والحكومات التي ترسم ملامح هذا الاقتصاد الجديد تحاول، بصورة علنية وغالبًا مرتبكة، تحديد معنى الخصوصية، والمساءلة، والرقابة في عصر الذكاء الاصطناعي. وسيكون على الأردن في مرحلة ما أن يجيب عن الأسئلة ذاتها تجاه مواطنيه: من يتحمل المسؤولية عندما يتخذ نظام ذكاء اصطناعي قرارًا مؤثرًا أو يسهم في تشكيله؟ ماذا يحدث للبيانات التي ينتجها الأردنيون يوميًا؟ ومن يراقب هذه العمليات بالقدر الكافي لمعرفة ما يجري فعلًا؟
ولا توجد حتى الآن إجابات واضحة على هذه الأسئلة، سواء بالنسبة للأردن أو لمعظم دول المنطقة. غير أن الخيار الكامن خلفها جميعًا يبقى واحدًا: إما الاندماج في البنية التحتية لأحد المعسكرين، أو الآخر، أو محاولة بناء مساحة من الاستقلال قد لا يكون أي منهما مستعدًا لمنحها.
ولا يمتلك الأردن النفوذ الذي تمتلكه أوروبا لخوض هذا المسار الثالث بمفرده.
ويبقى السؤال: مع من سيبني هذا النفوذ؟ وهل سيكون هذا الخيار نتيجة قرار استراتيجي مقصود، أم أنه سيفرض عليه بحكم الأمر الواقع؟