في مرحلة انتقالية.. شرق أوسط مختلف

  • الشرق الأوسط لا يعود إلى نظامه القديم، لكنه لم يدخل بعد نظامًا إقليميًا جديدًا؛ بل يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة.
  • تصيب قراءة ف. غريغوري غاوس في التحذير من الخلط بين نتائج الحروب والتحولات السياسية، لكنها تقلل من حجم التغيرات البنيوية التي يشهدها الإقليم.
  • توفر نظرية «مجمع الأمن الإقليمي» لباري بوزان وأولي ويفر إطارًا أكثر قدرة على تفسير التحولات الجارية من المقاربة الواقعية التقليدية.
  • يتوسع المجال الأمني للشرق الأوسط، فيما تتقدم القوى الإقليمية الوسطى، وفي مقدمتها السعودية وتركيا ومصر وباكستان، إلى أدوار أكثر تأثيرًا.
  • تتراجع التحالفات الجامدة لصالح شراكات مرنة ومتعددة المستويات تجمع بين التعاون والمنافسة في الوقت نفسه.
  • لا تزال الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيس للمنطقة، لكن ضمن نظام أكثر تعددية وأقل خضوعًا للهيمنة الأميركية المنفردة.
  • أعادت حرب غزة القضية الفلسطينية إلى قلب التفاعلات الإقليمية، وأضعفت فرضية دمج إسرائيل في المنطقة من دون تسوية سياسية عادلة.
  • لن يتحدد شكل الشرق الأوسط المقبل بنتائج الحروب وحدها، بل بالصراع على تعريف قواعد النظام الإقليمي الجديد وموازين القوة داخله.

ربما تكون القراءة الأكثر نقدية لمقال الباحث الأميركي ف. غريغوري غاوس، «الشرق الأوسط القديم الجديد»، هي تلك التي تنطلق من عبارة أنطونيو غرامشي الشهيرة: «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش». فالمشكلة في أطروحة غاوس لا تكمن في ملاحظته استمرار بعض مكونات النظام الإقليمي، بل في استعجاله الحكم على الصورة النهائية لتحولات ما تزال في قلب الحراك، ولم تستقر نتائجها السياسية والاستراتيجية بعد.

صحيح أن الحروب التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تنتج نظاماً إقليمياً مستقراً، ولم تحل القضية الفلسطينية، ولم تسقط النظام الإيراني أو تنه ظاهرة الميليشيات. لكن عدم اكتمال ولادة الجديد لا يعني عودة القديم، كما أن بقاء بعض الدول والفاعلين لا يعني أن مواقعهم وأوزانهم وعلاقاتهم بقيت كما كانت. الأقرب إلى الواقع أننا أمام شرق أوسط مختلف، حتى وإن لم تتحدد بعد ملامحه النهائية.

نشر غاوس مقاله في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية في 30 يوليو/تموز 2026، ضمن عدد سبتمبر/أكتوبر، تحت عنوان فرعي هو «حروب الصخب والغضب». والمجلة، التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ليست دورية أكاديمية محكّمة بالمعنى الجامعي التقليدي، لكنها من أهم منصات النقاش الاستراتيجي داخل المؤسسة الأميركية، وتجمع بين الباحثين والدبلوماسيين والمسؤولين وصناع القرار السابقين. لذلك لا تنفصل المقالات المنشورة فيها عن النقاش الأوسع حول تعريف المصالح الأميركية وخيارات السياسة الخارجية. أما غاوس، فهو من أبرز الباحثين الأميركيين المتخصصين في سياسات الخليج والعلاقات الدولية للشرق الأوسط. عمل أستاذاً في عدد من الجامعات الأميركية، وركزت أعماله على أمن الخليج، والتحالفات الإقليمية، وسياسات الأنظمة، ودور القوى الكبرى في المنطقة. ومن أشهر كتبه «العلاقات الدولية للخليج العربي»، الذي قدّم فيه قراءة واقعية للصراعات الإقليمية، انطلاقاً من الدول وموازين القوى وأمن الأنظمة.

هذه الخلفية تفسر المنظور الحاكم لمقاله. فغاوس لا ينتمي إلى الخطاب الذي يرى في كل حرب بداية فورية لنظام جديد، بل إلى المدرسة الواقعية التي تركز على استمرار الدول والمصالح وتوازنات القوة، وتحذر من الخلط بين التحول العسكري والتحول السياسي. وهو يلفت، بحق، إلى أن تدمير القدرات لا يبني نظاماً إقليمياً، وأن إسقاط حليف أو إضعاف ميليشيا لا ينتج تلقائياً دولة مستقرة أو تسوية سياسية.

ينطلق المقال من مفارقة واضحة: تبدو التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2023 هائلة؛ انتقلت إيران وإسرائيل من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة، وشاركت الولايات المتحدة إسرائيل في حرب ضد إيران، وسقط نظام بشار الأسد، وأُضعفت حماس وحزب الله، واتسعت المواجهة إلى الخليج ولبنان وسوريا.

ومع ذلك، يرى غاوس أن البنية العميقة للمنطقة لم تتغير. فالصراع الإيراني–الإسرائيلي مستمر، والقضية الفلسطينية بقيت بلا حل، والقوى الخارجية لا تزال تتنافس داخل الدول العربية الضعيفة، فيما بقيت الولايات المتحدة عاجزة عن فرض نظام مستقر، لكنها منخرطة في المنطقة إلى درجة تمنعها من الانسحاب.

تكمن قوة هذه الأطروحة في رفض الانبهار بضجيج الحرب، لكن نقطة ضعفها تبدأ عندما يتحول غياب نظام بديل مكتمل إلى دليل على استمرار النظام القديم. وهنا تبدو عبارة غرامشي أكثر دقة من عنوان غاوس نفسه: القديم يحتضر بالفعل، لكن الجديد لم يولد بعد. وبين الاحتضار والولادة تنشأ مرحلة من السيولة، تتغير خلالها حدود الإقليم، وأدوار القوى، وأنماط التحالف والصراع، وعلاقة المنطقة بالقوى الكبرى، من دون أن تصل بعد إلى صيغة مستقرة.

ومن المبكر، أولاً، الحكم على النتائج النهائية لهذه التحولات. فلا يمكن تقييم سقوط النظام السوري قبل اتضاح قدرة النظام الجديد على بناء الدولة، وعلاقته بالمكونات الداخلية وبتركيا وإسرائيل والدول العربية. ولا يمكن الحكم على موقع إيران قبل معرفة مستقبل نظامها، وما إذا كانت الحرب ستقود إلى مزيد من عسكرة السلطة، أو إلى مراجعات سياسية، أو إلى تسريع السعي نحو الردع النووي. كما لا يمكن تقدير موقع إسرائيل بصورة نهائية قبل اتضاح أثر التوسع العسكري في شرعيتها الدولية، وتماسكها الداخلي، وعلاقتها بالولايات المتحدة ودول المنطقة.

أما الملاحظة الثانية، والأكثر أهمية، فهي أن قراءة التحولات من خلال نظرية «مجمع الأمن الإقليمي» لدى باري بوزان وأولي ويفر تقود إلى نتيجة مختلفة عن نتيجة غاوس. فهذه النظرية لا تقيس التغير فقط باختفاء الدول أو ظهور أخرى، بل تنظر إلى حدود المجمع الأمني، وتوزيع القوة داخله، وأنماط الصداقة والعداء، وعلاقته بالقوى العظمى. ومن هذه الزاوية، فإن كثيراً من عناصر النظام الإقليمي تغير بالفعل، أو دخل في طور إعادة التشكل.

لم يعد الشرق الأوسط الأمني محصوراً في المشرق والخليج ومصر وإيران وإسرائيل. فقد أصبحت تركيا جزءاً مباشراً من تفاعلات سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، ولم تعد مجرد دولة تقع عند أطراف النظام العربي أو حليفاً غربياً يؤدي أدواراً محدودة. كما أصبحت باكستان أكثر حضوراً في أمن الخليج وعلاقاته بإيران والسعودية والصين والولايات المتحدة، ويمنحها ثقلها السكاني والعسكري وامتلاكها السلاح النووي قدرة متزايدة على التأثير في ترتيبات الردع الإقليمية.

وامتدت جغرافيا الأمن كذلك إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وباب المندب، حيث تداخلت الملاحة والطاقة والموانئ والقواعد العسكرية مع أزمات الخليج واليمن والمشرق. وبذلك لم تعد الحدود الفاصلة بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا والقرن الأفريقي واضحة كما كانت في التصورات التقليدية. إننا لا نشهد مجرد تغير في موازين القوة داخل الإقليم، بل إعادة تعريف لحدود الإقليم نفسه.

ومن أبرز التحولات كذلك صعود ما يعرف بـ«القوى الوسطى الإقليمية»، والمقصود بها، بصورة أساسية، السعودية وتركيا ومصر وباكستان. فهذه الدول لا ترقى إلى مرتبة القوى العظمى، لكنها تمتلك من الموارد والموقع والكتلة السكانية والقدرات العسكرية والرمزية السياسية ما يسمح لها بلعب أدوار تتجاوز حدودها الوطنية، والمشاركة بصورة متزايدة في صياغة أجندة المنطقة.

لا تتحرك هذه القوى وفق اصطفافات ثابتة، بل تؤدي أدواراً متعددة ومتداخلة. فهي حليفة للولايات المتحدة في مجالات، وشريكة للصين أو روسيا في مجالات أخرى، وقد تتعاون مع إيران في ملف وتنافسها في ملف آخر. كما تجمع بين أدوار الوساطة والردع والاستثمار والطاقة والدبلوماسية والتدخل السياسي أو العسكري.

تمثل السعودية ثقلاً اقتصادياً ونفطياً وعربياً وإسلامياً، وتسعى إلى تحويل هذا الثقل إلى دور سياسي في قضايا الأمن الإقليمي والحروب والتسويات. أما تركيا فتجمع بين القدرة العسكرية والموقع الجيوسياسي والحضور المباشر في سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، وتتحرك بوصفها قوة مستقلة لا مجرد امتداد للسياسة الأطلسية. وتحتفظ مصر، رغم قيودها الاقتصادية، بموقع أساسي في أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية والنظام العربي، ولا يمكن بناء ترتيبات إقليمية مستقرة تتجاوز دورها. أما باكستان فتضيف إلى الإقليم بعداً نووياً وعسكرياً وسكانياً مهماً، فضلاً عن روابطها المتشابكة بالسعودية ودول الخليج وإيران والصين.

لا يعني ذلك أن هذه الدول تشكل محوراً واحداً أو تتبنى رؤية مشتركة، بل إن دلالة صعودها تكمن في تعدد أدوارها، وقدرتها على الانتقال بين دوائر مختلفة، وعلى الجمع بين التعاون والتنافس، وبين التحالف مع القوى الكبرى والحفاظ على هامش من الاستقلال. وبروزها يقلل قدرة أي قوة واحدة، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل، على الانفراد بصياغة قواعد النظام الإقليمي.

لذلك لم يعد الصراع يدور فقط حول توزيع النفوذ، بل أيضاً حول تحديد من هي القوة الإقليمية الكبرى، وما المعايير التي تمنح الدولة هذا الموقع. إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويله إلى شرعية أو قبول أو استقرار. وإيران ما تزال تملك شبكة نفوذ وأدوات ردع، لكنها خسرت جزءاً من عمقها الاستراتيجي وتواجه أزمات اقتصادية واجتماعية شديدة.

وفي المقابل، تسعى السعودية وتركيا ومصر وباكستان إلى أدوار أوسع، كل وفق أدواتها ومصادر قوتها. فهل تقاس القوة الإقليمية بالتفوق العسكري وحده؟ أم بالاقتصاد والسكان والموقع الجغرافي؟ أم بالقدرة على بناء التحالفات، وتقديم الوساطات، وصياغة الأجندات، وتوفير قدر من الاستقرار الإقليمي؟ هذه الأسئلة ما تزال مفتوحة، وهو ما يعني أن الإقليم يشهد صراعاً على تعريف القوة والقيادة، لا مجرد عودة إلى نظام سابق.

يظهر التغير كذلك في أنماط التحالف والصراع. فقبل السابع من أكتوبر كان الاتجاه العام يوحي بتوسيع اتفاقيات أبراهام، وتطبيع سعودي محتمل مع إسرائيل، بالتوازي مع خفض التصعيد بين دول الخليج وإيران. أما اليوم فقد أصبحت إسرائيل، في نظر قطاعات واسعة من المنطقة، مصدراً مستقلاً للاضطراب، لا مجرد شريك محتمل في مواجهة إيران.

ساهمت حرب غزة والضربات الإسرائيلية في قطر وسوريا ولبنان في إضعاف الفرضية التي قالت إن دمج إسرائيل في النظام الإقليمي سيؤدي تلقائياً إلى اعتدال سلوكها. ويشير غاوس نفسه إلى تراجع زخم اتفاقيات أبراهام وتصاعد الشكوك الخليجية في مدى اهتمام إسرائيل بأمن جيرانها، لكنه لا يمنح هذا التحول دلالته النظرية الكاملة.

في المقابل، أصبحت علاقة دول الخليج بإيران أكثر تعقيداً؛ فهي تقوم على الردع والتفاوض في الوقت نفسه، وعلى الخوف من القوة الإيرانية، والخوف أيضاً من الفوضى التي قد تنتج عن انهيار إيران أو اندلاع حرب مفتوحة معها. ولم تعد العلاقات الإقليمية تنقسم إلى معسكرات مستقرة، بل أصبحت أقرب إلى شراكات مرنة ومتعددة المستويات؛ تعاون اقتصادي مع طرف، وتنافس أمني معه في ملف آخر، ووساطة في أزمة ثالثة.

أما علاقة الإقليم بالقوى العظمى، التي يمنحها بوزان أهمية خاصة، فهي بدورها في طور التغير. يصيب غاوس حين يؤكد استمرار حاجة دول الخليج إلى المظلة العسكرية الأميركية؛ فالصين لا تريد في المدى القريب أن تحل محل الولايات المتحدة كضامن أمني، وروسيا لا تملك القدرات المطلوبة، فيما لا تستطيع القوى الإقليمية توفير بديل مماثل.

لكن استمرار التفوق الأميركي لا يعني بقاء العلاقة بين المنطقة وواشنطن كما كانت. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على تصميم النظام الإقليمي منفردة أو ضبط جميع حلفائها وخصومها. أصبحت دول المنطقة أكثر استقلالاً في خياراتها، وأكثر ميلاً إلى تنويع شراكاتها، فيما تحولت الصين إلى شريك اقتصادي رئيسي ووسيط دبلوماسي، واستمرت روسيا في استثمار الفراغات والصراعات.

لم تعد دول المنطقة تنقسم ببساطة إلى حلفاء وخصوم للولايات المتحدة؛ فقد تعتمد دولة على واشنطن أمنياً، وعلى الصين تجارياً، وتتعاون مع روسيا في الطاقة، وتحافظ على قنوات سياسية مع إيران. وهذه ليست نهاية للوجود الأميركي، لكنها انتقال من الهيمنة شبه المنفردة إلى حضور أميركي قوي داخل نظام أكثر تعددية وأقل قابلية للضبط.

أما قراءة غاوس لنتائج الحرب على إيران، فتحتاج أيضاً إلى قدر من التحفظ. فهو يرى أن طهران خرجت منتصرة لأنها صمدت أمام الحرب، وأثبتت قدرتها على تهديد مضيق هرمز وأسواق الطاقة، فيما بقي النظام متمسكاً بسياساته الأساسية. لكن وصف النجاة بالانتصار يبدو مبالغاً فيه. فقد خسرت إيران حليفها السوري، وتضررت بنيتها الدفاعية، وضعف حزب الله وحماس، وازدادت أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما أن تصاعد دور الحرس الثوري قد يكون دليلاً على بقاء النظام، لكنه قد يعكس أيضاً انكماش قاعدته السياسية وتزايد اعتماده على القوة الصلبة.

إيران لم تهزم، لكنها لم تستعد موقعها السابق. وربما أصبحت أكثر خطورة، لا لأنها أصبحت أقوى بالضرورة، بل لأنها أكثر شعوراً بالتهديد وأكثر اقتناعاً بأن الردع النووي قد يكون الضمانة الأخيرة لبقاء النظام. ومن هنا فإن الحرب قد تكون أضعفت قدراتها، لكنها رفعت في الوقت نفسه دوافعها نحو مزيد من التشدد.

ويقدم غاوس نقداً مهماً لإسرائيل حين يرى أنها حققت إنجازات عسكرية، لكنها لم تستطع تحويلها إلى نظام سياسي مستقر. فقد رفضت دور السلطة الفلسطينية في غزة، وأضعفت المؤسسات الفلسطينية، ووسعت الاستيطان، وعرقلت بناء الدولة في لبنان وسوريا.

المقال يفترض أن حكومة نتنياهو أضاعت فرصة لبناء السلام، فيما قد يكون السؤال الأكثر دقة: هل كانت التسوية وقيام دول عربية قوية هدفاً لها أصلاً؟ بالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي، قد يكون ضعف السلطة الفلسطينية وتفكك المحيط جزءاً من تصور أمني يرى في ضعف الآخرين ضمانة لأمن إسرائيل. لذلك فإن غياب «اليوم التالي» ليس بالضرورة غياباً للرؤية، بل قد يكون تعبيراً عن رؤية تقوم على إدارة الفراغ ومنع تشكل قوى سياسية قادرة على تقييد إسرائيل.

مع ذلك، تحمل هذه المقاربة تناقضها في داخلها؛ فتجربة السلام مع مصر والأردن تثبت أن الدول المركزية القادرة على ضبط حدودها أكثر ضماناً للأمن من الساحات الهشة التي تنتج الميليشيات والحروب المتكررة. ومشكلة إسرائيل أنها تحقق انتصارات عسكرية، لكنها تنتج في الوقت نفسه بيئة سياسية واجتماعية أكثر عداءً وأقل قابلية للاستقرار.

تبقى فكرة غاوس عن ضعف الدولة العربية من أقوى أفكار المقال؛ فالدول الضعيفة لا تضبط حدودها ولا تحتكر السلاح، وتتحول إلى ساحات مفتوحة للتدخلات الخارجية. لكن ضعف الدولة ليس مشكلة داخلية فقط. فالعراق ولبنان وسوريا وفلسطين تعرضت لتدخلات وحروب واحتلالات ساهمت في إنتاج هذا الضعف وإدامته.

كما أن الدولة القوية ليست مجرد جهاز أمني يحتكر العنف، بل دولة شرعية تمتلك مؤسسات وعقداً سياسياً يدمج مكوناتها الاجتماعية. فقد عرفت المنطقة أنظمة قوية أمنياً، لكنها كانت هشة سياسياً واجتماعياً، لأن قوتها كانت قوة النظام لا قوة الدولة.

أما القضية الفلسطينية، فلا يمكن التعامل معها بوصفها ملفاً بين ملفات النظام الإقليمي. فقد أعادت حرب غزة تشكيل الرأي العام العربي، وأضعفت مسار التطبيع، وعمقت أزمة السياسة الأميركية، وغيرت صورة إسرائيل، ومنحت القوى الإقليمية أدوات جديدة للتعبئة.

ويصيب غاوس حين يخلص إلى أن الاستقرار الحقيقي مستحيل من دون حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ويعترف بأن واشنطن لم تكن مستعدة لاستخدام نفوذها على إسرائيل لفرض تسوية سياسية. لكن القضية الفلسطينية ليست مجرد عقبة أمام النظام الإقليمي؛ إنها جزء من تعريف شرعيته وقواعده وحدود تحالفاته.

تكمن قيمة مقال غاوس في تحذيره من الخلط بين ضجيج الحرب والتحول السياسي، وفي تأكيده أن القصف لا يبني نظاماً إقليمياً، وأن الدول الضعيفة لا تصنع سلاماً مستقراً. لكن نقطة ضعفه الأساسية أنه يتخذ من غياب النظام الجديد دليلاً على استمرار النظام القديم.

في المقابل، تكشف نظرية مجمع الأمن الإقليمي أن عناصر النظام الرئيسية دخلت في حالة من الحراك: حدوده تتسع، والقوى الوسطى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية وتركيا ومصر وباكستان، تؤدي أدواراً أكثر تنوعاً واتساعاً، وتعريف القوى الإقليمية الكبرى أصبح موضع صراع، وأنماط التحالف والعداء تتغير، وعلاقة المنطقة بالقوى العظمى أصبحت أقل تبعية وأكثر تعقيداً.

لم يولد الشرق الأوسط الجديد، لكن الشرق الأوسط القديم لم يعد قادراً على استعادة نفسه. انتهت مرحلة حرب الظل بين إيران وإسرائيل، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة على ضبط المنطقة، وتزعزعت فرضية دمج إسرائيل في الإقليم من دون حل القضية الفلسطينية، وبرزت مراكز قوة لا تقبل الاصطفاف الكامل خلف طرف واحد.

لذلك تظل عبارة غرامشي الأكثر قدرة على توصيف المرحلة: القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد. وما نشهده اليوم ليس عودة إلى النظام السابق، بل صراعاً على تعريف النظام المقبل: حدوده، وقواه الكبرى، وتحالفاته، وقواعد الأمن فيه، وعلاقته بالقوى العالمية.

ومن المبكر الحكم على المآلات النهائية لهذا الصراع. لكن المؤكد أننا أمام شرق أوسط مختلف؛ لم تتضح صورته النهائية بعد، لكنه لم يعد الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل هذه الحروب. إنها منطقة خرجت من نظام لم يعد يعمل، ولم تدخل بعد نظاماً قادراً على ضبطها. وفي المسافة الفاصلة بين احتضار القديم وتعثر ولادة الجديد، تتكاثر الحروب، وتتبدل الأدوار، وتحاول القوى المختلفة حجز موقعها في الإقليم المقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى