لبنان بين انسداد التفاوض وتصاعد الضغط العسكري الإسرائيلي

تكشف نتائج الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية أن المسار دخل مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد الخلاف على وقف إطلاق النار أو الانسحاب من نقاط محددة. جوهر المشكلة أصبح مرتبطاً بشكل الترتيبات الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها في جنوب لبنان، وحدود الدور المطلوب من الدولة والجيش في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله. لذلك، لا يبدو أن المفاوضات انهارت، لكنها لم تعد قادرة، بصيغتها الحالية، على إنتاج تسوية قريبة، وتحولت بصورة متزايدة إلى إطار لإدارة الصراع بينما يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه على الأرض.

والمعضلة الأساسية تكمن في اختلاف الطرفين حول ترتيب التنفيذ. يريد لبنان وقفاً شاملاً للأعمال العسكرية وانسحابات إسرائيلية إضافية تتيح للجيش توسيع انتشاره، بالتوازي مع استكمال إجراءات حصر السلاح ومنع إعادة بناء المواقع العسكرية. في المقابل، تريد إسرائيل تثبيت معادلة معاكسة تقريباً: إزالة البنية العسكرية لحزب الله والتحقق من عدم عودتها أولاً، ثم البحث في الانسحاب. هذا الاختلاف ليس تقنياً، لأنه يحدد عملياً من يتحمل المخاطرة السياسية والأمنية الأولى.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، تنفيذ إجراءات واسعة ضد حزب الله من دون انسحاب إسرائيلي مقابل، يضع الجيش أمام كلفة داخلية مرتفعة، بينما تستمر إسرائيل في احتلال مواقع وتنفيذ غارات وتوغلات. أما إسرائيل فترى أن الانسحاب قبل التحقق من إزالة قدرات الحزب قد يسمح بعودته إلى المناطق التي تخليها. وهكذا نشأت دائرة مغلقة، إسرائيل تربط الانسحاب بخطوات لبنانية مسبقة، فيما تصبح قدرة الدولة على تنفيذ هذه الخطوات أكثر صعوبة كلما استمر الاحتلال والضغط العسكري الإسرائيلي.

والأهم أن الجولة الأخيرة أظهرت ارتفاع سقف المطالب الإسرائيلية. فالنقاش لم يعد محصوراً بالمواقع العسكرية والأسلحة، وإنما امتد إلى تفتيش الأماكن السكنية والتدقيق في هوية العائدين إلى المناطق التي ينتشر فيها الجيش، بذريعة احتمال عودة عناصر حزب الله بين السكان.

وهذا ينقل التفاوض من معالجة انتشار عسكري محدد إلى محاولة وضع قواعد أمنية طويلة الأمد للجنوب. وقد رفض الجيش اللبناني إدراج التفتيش الشامل ضمن الالتزامات التفاوضية، انطلاقاً من أن تحديد الأماكن التي تستوجب التفتيش وطريقة تنفيذه يجب أن يبقى قراراً لبنانياً، لا معياراً تحدده إسرائيل.

وتزداد حساسية المسألة مع طرح التدقيق في هويات العائدين، لأن تطبيق ذلك يحتاج إلى معلومات تحدد من تعتبره إسرائيل عنصراً في الحزب. قبول هذه الصيغة قد يقود عملياً إلى شكل من أشكال التنسيق أو تبادل المعلومات الأمنية، مباشرة أو عبر طرف ثالث، وهو ما يرفضه لبنان. لذلك بات الخلاف يتجاوز مسألة انتشار الجيش إلى سؤال أكثر جوهرية وهو هل استعادة الدولة سيطرتها على الجنوب عملية سيادية لبنانية، أم جزء من منظومة أمنية تحدد إسرائيل معاييرها وآليات التحقق منها؟

ضمن هذا السياق تكتسب “المناطق التجريبية” أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي. يتمسك لبنان بالخيام وبنت جبيل لأن الانتقال إلى منطقة ثانية يفترض أن يثبت وجود مقابل إسرائيلي للإجراءات التي ينفذها الجيش. فإذا توسعت سلطة الدولة وأزيلت مواقع عسكرية من دون انسحاب إسرائيلي موازٍ، يفقد النموذج جدواه السياسية داخلياً. أما إسرائيل فتتمسك باعتبار المنطقة الأولى غير مكتملة أمنياً، ما يمنحها عملياً حق تعطيل الانتقال إلى أي مرحلة لاحقة من خلال القول إن شروط التحقق لم تتحقق.

هنا تظهر أيضاً حدود الرهان اللبناني على الولايات المتحدة. فقد دخل لبنان الجولة الأخيرة وهو يتوقع ضغطاً أميركياً أكبر للحصول على وقف للأعمال العسكرية وانسحابات إضافية، لكن الوفد الأميركي أظهر مرونة واضحة حيال التشدد الإسرائيلي. وهذا لا يعني تخلي واشنطن عن المسار، بل يشير إلى أنها تعطي الأولوية لاستمرار المفاوضات ومنع الانفجار، أكثر من استعدادها حالياً لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات أساسية.

هذا الوضع يضع بيروت أمام معضلة. الاستمرار في مفاوضات لا تنتج خطوات إسرائيلية يضعف موقف الدولة داخلياً، لكن الانسحاب منها يحرم لبنان من القناة الدولية الرئيسية المتاحة لاحتواء إسرائيل. لذلك، يمكن فهم التلويح بعدم المشاركة في الجولة المقبلة باعتباره محاولة لإعادة التوازن إلى العملية والضغط على واشنطن، وليس قراراً نهائياً بإنهائها.

في الميدان، تمثل مرتفعات علي الطاهر الاختبار الأكثر حساسية لهذه المعادلة. فالمعلومات المتوافرة تشير إلى أن إسرائيل تعمل على إحكام الطوق على الموقع وقطع طرق الإمداد عنه، بالتوازي مع الاستهداف والاستطلاع والضغط العسكري. ويبدو أن الهدف الإسرائيلي، في المرحلة الحالية، ليس بالضرورة شن عملية برية واسعة، بل خلق ظروف تدفع الدولة والجيش إلى معالجة الموقع بأنفسهما، بما يحقق الهدف الإسرائيلي من دون تحمل كلفة اقتحامه.

أهمية منطقة علي الطاهر تتجاوز المنشأة الموجودة فيها. الموقع يشرف على كفررمان والنبطية ويرتبط بالعمق الدفاعي لحزب الله، ولذلك فإن انتقاله إلى سيطرة الجيش تحت الضغط يمكن أن يؤسس لنموذج جديد، وهو تحديد موقع عسكري للحزب، عزله ميدانياً، زيادة الضغط عليه، ثم مطالبة الجيش بالدخول إليه. وإذا نجح هذا النموذج، فقد تحاول إسرائيل تكراره في مواقع أخرى باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان، وهو ما يفسر حساسية موقف الحزب.

حزب الله بدوره أمام معضلة صعبة. قبول إخلاء علي الطاهر تحت الضغط قد يسمح بتجنب مواجهة عسكرية، لكنه قد يفتح الباب أمام سلسلة مطالب مشابهة. أما الدفاع عن الموقع في مواجهة عملية إسرائيلية، فقد يحول نقطة عسكرية محدودة إلى شرارة لمواجهة أوسع. لذلك فإن قرار الحزب بشأن الموقع يرتبط بتقديره للخط الفاصل بين التراجع التكتيكي المقبول وبين بدء تفكيك منظومته الدفاعية في العمق.

والجيش اللبناني يقع في قلب هذه المعادلة. فهو قادر على الانتشار في مواقع يتم إخلاؤها بالتفاهم، لكنه لا يستطيع بسهولة تحويل عملية حصر السلاح إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله، خصوصاً في غياب انسحاب إسرائيلي موازٍ. ولذلك فإن قدرة الدولة على التقدم ستبقى مرتبطة بوجود معادلة تبادلية واضحة: خطوة لبنانية في مقابل خطوة إسرائيلية قابلة للقياس.

بناءً عليه، لا يبدو أن الحرب الشاملة هي السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. الأكثر احتمالاً هو استمرار التفاوض تحت الضغط العسكري، عبر إبقاء القناة الأميركية مفتوحة، بالتوازي مع عمليات إسرائيلية محدودة تستهدف تعديل الواقع الميداني ودفع الجيش إلى توسيع نطاق سيطرته. هذه المقاربة أقل كلفة لإسرائيل من الحرب، وتسمح لها بمحاولة تحقيق أهداف أمنية تدريجية من دون تحمل تبعات عملية عسكرية واسعة.

لكن هذا المسار يحمل خطر الانزلاق. فإذا انتقل الضغط الإسرائيلي من المواقع القريبة من منطقة المواجهة إلى البنية الدفاعية الأعمق للحزب، أو حاولت إسرائيل فرض ترتيبات لا تترافق مع انسحابات مقابلة، ستتراجع قدرة حزب الله على الاستمرار في امتصاص الضربات، وسترتفع احتمالات الرد.

وعليه، فإن العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة ليس انعقاد الجولة الثامنة بحد ذاته، بل ما إذا كان ممكناً بناء معادلة تربط ثلاثة عناصر بصورة متزامنة، وهي الانسحاب الإسرائيلي، وتوسع سلطة الجيش، وتراجع الوجود العسكري لحزب الله، ونجاح هذه المعادلة يمكن أن يعيد للمفاوضات وظيفتها ويمنح الدولة مساحة لتوسيع سيطرتها تدريجياً. أما استمرار مطالبة لبنان بخطوات أمنية أحادية، مقابل احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري ومواقعها، فسيدفع المسار نحو مزيد من الانسداد.

من هنا، تبدو معركة منشأة “علي الطاهر” نقطة الاختبار الأولى. تسويتها عبر الجيش مقابل خطوة إسرائيلية واضحة قد تفتح مساراً تدريجياً قابلاً للتكرار. أما اقتحامها إسرائيلياً أو انتقال الضغط إلى خطوط حزب الله الأعمق، فقد يعني أن إسرائيل انتقلت من سياسة ضبط وجود الحزب جنوباً إلى محاولة تفكيك منظومته الدفاعية، وعندها يصبح خطر المواجهة الأوسع أكثر جدية. وبذلك، يدخل لبنان مرحلة لا يزال فيها التفاوض قائماً، لكن الميدان بات يحدد شروط التفاوض أكثر مما تحدد المفاوضات حركة الميدان.

زر الذهاب إلى الأعلى