الهوية السياسية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر: تحولات الشرعية والتمثيل وخيارات الفعل

أعادت أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها فتح النقاش حول الهوية السياسية الفلسطينية، ومصادر الشرعية، والجهة القادرة على تمثيل الفلسطينيين، والأدوات الأكثر فاعلية في تحقيق حقوقهم الوطنية. فقد وضعت الحرب المجتمع الفلسطيني أمام تجربتين متزامنتين: قدرة الفعل المسلح على كسر الجمود وإعادة القضية إلى مركز الاهتمام الدولي، والكلفة الإنسانية والسياسية الهائلة التي ترتبت على امتداد المواجهة. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن التحول الأبرز وقع في معايير تقييم القيادة والتمثيل وأدوات الفعل، بينما حافظت المكونات الأساسية للهوية الوطنية، وفي مقدمتها تقرير المصير وإنهاء الاحتلال والعودة، على حضورها المركزي. ومن ثم، تبحث الورقة في كيفية إعادة ترتيب العلاقة بين الانتماء الوطني، والثقة بالفصائل، وشرعية المؤسسات، وتفضيل المقاومة المسلحة أو الشعبية أو التفاوضية.[1]

تستخدم الورقة مفهوم الهوية السياسية للإشارة إلى تصور الفلسطينيين لأنفسهم بوصفهم جماعة وطنية صاحبة حقوق مشتركة، وإلى تصوراتهم بشأن المؤسسات التي تمثلهم والاستراتيجيات القادرة على تحقيق هذه الحقوق. وضمن هذا التعريف، تمثل شعبية الفصائل وتفضيل أدوات الفعل مؤشرات على اتجاهات الرأي العام، في حين تتطلب الهوية السياسية قياسًا أوسع يشمل الانتماء الوطني، ومفهوم الحقوق، وحدود الجماعة السياسية، ومصادر الشرعية والتمثيل. وتستند الورقة إلى الخطابات السياسية، والمواد المنشورة، ونتائج استطلاعات الرأي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع مراعاة محدودية تعميم النتائج على الفلسطينيين في القدس وأراضي عام 1948 والشتات، واختلاف المواقف باختلاف الجغرافيا ودرجة التعرض المباشر للحرب.

يقتضي تحليل هذه التحولات الفصل بين أربعة مستويات متداخلة، يتعلق المستوى الأول بالهوية الوطنية، أي استمرار إدراك الفلسطينيين لأنفسهم بوصفهم جماعة سياسية تجمعها حقوق ومصير مشترك. ويتصل المستوى الثاني بالشرعية التمثيلية، أي الجهة التي تمتلك التفويض بالتحدث باسم الفلسطينيين واتخاذ القرارات الاستراتيجية عنهم. ويشير المستوى الثالث إلى شرعية الأداء، التي تتكون من قدرة الفاعل السياسي على تحقيق نتائج ملموسة، وحماية المجتمع، وإدارة المؤسسات، وتحويل القوة إلى مكاسب سياسية. أما المستوى الرابع فيتعلق بتفضيل أدوات الفعل، من المقاومة المسلحة والشعبية إلى المفاوضات والعمل الدبلوماسي والقانوني. ويسمح هذا الفصل بفهم إمكان تأييد أداة سياسية أو عسكرية مع استمرار التحفظ على الفصيل الذي يستخدمها أو على أهليته للحكم والتمثيل.

دخل الفلسطينيون هذه المرحلة في ظل انقسام مؤسسي وسياسي ممتد بين الضفة الغربية وقطاع غزة، توزعت معه السلطة والتمثيل بين منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، وحركة فتح، وحركة حماس، والفصائل الأخرى. وأنتج هذا الوضع أربعة مصادر متنافسة للشرعية: الاعتراف التاريخي والدولي بمنظمة التحرير، والوجود المؤسسي للسلطة الفلسطينية، والقدرة الميدانية لحماس، والتأييد الشعبي المتغير للفصائل والقيادات. لذلك يتطلب تحليل مرحلة الحرب الفصل بين ثلاثة أسئلة: من يحظى بالتأييد الشعبي؟ ومن يمتلك القدرة التنظيمية والميدانية؟ ومن يحمل التفويض المؤسسي والوطني لتمثيل الفلسطينيين؟ تكشف الإجابات المتباينة عن أزمة تمثيل تتجاوز المنافسة بين فتح وحماس إلى الخلاف حول معنى القيادة ووظيفتها ومصادر شرعيتها.

السياق الفلسطيني السابق للسابع من أكتوبر

يمثل الانقسام الفلسطيني الممتد منذ عام 2007 مدخلًا أساسيًا لفهم البيئة السياسية التي سبقت السابع من أكتوبر. فقد تبنت قيادة السلطة الفلسطينية المقاومة الشعبية والعمل الدبلوماسي والتفاوضي بوصفها أدوات رئيسية لإدارة الصراع، بينما حافظت حماس على مركزية المقاومة المسلحة في مشروعها السياسي. ولم يقتصر الاختلاف على اختيار الوسيلة، بل شمل مصادر الشرعية، والعلاقة مع إسرائيل، ووظيفة السلطة، وشروط الاندماج في النظامين الإقليمي والدولي.[2] وشهدت السنوات السابقة محاولات متعددة لتجاوز الانقسام، من بينها تفاهمات حماس–دحلان عام 2017، التي عكست إدراكًا متزايدًا داخل حماس لأثر الانقسام في قدرة الفلسطينيين على إدارة غزة وصوغ موقف وطني موحد. غير أن هذه المحاولات بقيت محكومة بحسابات السلطة والنفوذ والأمن والعلاقات الإقليمية، واستمر الانقسام بوصفه بنية مؤسسية تعيد إنتاج نفسها، أكثر من كونه خلافًا سياسيًا عابرًا.[3]

تزامنت المرحلة السابقة للحرب مع انسداد المسار السياسي، واتساع الاستيطان، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على التأثير في السياسات الإسرائيلية، بالتوازي مع تقدم مسارات التطبيع الإقليمي. وشكلت خطة «السلام من أجل الازدهار»، المعروفة بصفقة القرن،[4] أحد أبرز التعبيرات عن هذا الاتجاه؛ إذ اقترحت دولة فلسطينية منزوعة السلاح تتكون من مناطق مترابطة عبر جسور وأنفاق، مع ضم إسرائيل غور الأردن والمستوطنات، والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ووضع العاصمة الفلسطينية المقترحة في مناطق من أطراف القدس الشرقية، ومعالجة قضية اللاجئين خارج إطار العودة إلى داخل إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، وسعت اتفاقيات أبراهام مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي، ثم جاءت المفاوضات الأميركية بشأن تطبيع محتمل بين السعودية وإسرائيل لتشير إلى إمكان إعادة تنظيم الإقليم من دون تسوية مسبقة للقضية الفلسطينية. أسهمت هذه التطورات في تعميق شعور قطاعات فلسطينية بتراجع مركزية قضيتهم في الحسابات الإقليمية. أما تفسير قرار السابع من أكتوبر بوصفه استجابة مباشرة لهذا المسار، فيتطلب الاستناد إلى أدلة تتصل بحسابات القيادة التي اتخذت القرار. ويظهر الأثر القابل للرصد بوضوح أكبر في أن الهجوم أعاد ربط مستقبل التطبيع بمصير القضية الفلسطينية، وأدخل الحرب والتسوية والاعتراف بالدولة الفلسطينية مجددًا في التفاعلات الإقليمية.

تحولات مفهوم المقاومة والفاعلية

أحدث السابع من أكتوبر تحولًا في موقع الفاعل الفلسطيني داخل التفاعلات الدولية، إذ أصبحت حماس طرفًا رئيسيًا في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بحكم قدرتها الميدانية وسيطرتها على ملف المحتجزين الإسرائيليين. وظهر هذا التحول في تعامل الإدارة الأميركية والوسطاء الإقليميين مع مواقف الحركة بوصفها عنصرًا حاسمًا في الوصول إلى اتفاق، بما في ذلك إعادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر بيان حماس المتعلق بأحد مقترحات وقف إطلاق النار عبر منصته «تروث سوشال». وقد منح ذلك الحركة شرعية تفاوضية وظيفية ترتبط بقدرتها على التأثير في مسار الحرب، مع بقاء الشرعية الوطنية الشاملة مرتبطة بالتفويض الشعبي والمؤسسات الفلسطينية الجامعة.[5]

انعكس تصاعد الحضور الدولي للقضية الفلسطينية في اعتراف إسبانيا وإيرلندا والنرويج بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، إلى جانب تطور النقاش الأوروبي بشأن تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. فقد اتخذت إسبانيا خطوات لتقييد أو إلغاء بعض الصفقات، بينما استمرت الحكومة الإيطالية في مواقفها الداعمة لإسرائيل تحت ضغط احتجاجات شعبية واسعة تطالب بوقف الحرب. ويكشف هذا التفاوت عن انتقال القضية الفلسطينية إلى موقع أكثر حضورًا داخل السياسات الأوروبية، مع بقاء فجوة بين الاعتراف الدبلوماسي والقدرة على فرض تغيير ميداني أو إنتاج سيادة فلسطينية فعلية. وبذلك أسهمت الحرب في توسيع الاعتراف السياسي والرمزي بفلسطين، في حين بقي تحويل هذا الاعتراف إلى أدوات ملزمة مرتبطًا بتوازنات المصالح داخل الدول الغربية.[6]

وعلى المستوى الإقليمي، أسهمت الحرب في تفعيل شبكة «محور المقاومة» ضمن صراع متعدد الجبهات، شمل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل عراقية مدعومة من إيران. وقد منح هذا التفاعل حماس عمقًا إقليميًا، ووسع نطاق الضغط العسكري والاقتصادي خارج قطاع غزة، ولا سيما عبر الجبهة اللبنانية والبحر الأحمر والهجمات على القواعد والمصالح الأميركية. وفي المقابل، حافظ كل فاعل داخل المحور على حساباته الوطنية والتنظيمية وحدود المخاطر التي يستطيع تحملها. ولذلك ظهر المحور بوصفه شبكة إسناد متفاوتة القدرات ومستويات الانخراط، استطاعت توسيع جغرافيا الصراع ورفع كلفته، بينما بقيت قدرتها على فرض نتيجة سياسية موحدة محدودة. وفي الجهة المقابلة، أكد الدعم العسكري والسياسي الأميركي لإسرائيل استمرار الاختلال في موازين القوة، رغم تزايد الخلافات داخل الدول الغربية بشأن إدارة الحرب وكلفتها الإنسانية.[7]

 في هذا السياق جاء طوفان الأقصى كنقطة تحوّل فارقة، لا على الصعيد الأمني و العسكري فقط، بل سياسيًا من حيث إعادة إنتاج هوية سياسية فلسطينية؛ وذلك بما حملته المرحلة من تغييرات أصابت جوهر العملية السياسية وخيارات الفلسطينيين وتوجهاتهم و دورهم في العلاقات الدولية، ولعل أبرز هذه التغييرات ما يمكن رصده من خلال التحول في الوعي الجماعي للفلسطينيين و إعادة تعريف أنفسهم سياسيًا، إذ بدأ الفلسطيني ينظر لنفسه كفاعل حقيقي يؤثر في العلاقات الدولية و ينتزع مصالحه، وهو ما يمكن استدلاله بتحول “حماس” مثلًا رغم تصنيفها منظمة إرهابية مدرجة على قوائم الإرهاب العالمي إلى طرف يتم التفاوض معه من أجل التوصل لاتفاقيات خاصة بوقف إطلاق النار، قام خلالها دونالد ترامب نفسه ممثلًا برئيس الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة نشر بيان حركة حماس الذي أعلنت فيه موافقتها على مقترح وقف إطلاق النار عبر حسابه على صفحته الشخصية على منصة “تروث سوشال” [8]، هذا التحول الذي أسهم بانتقال القضية الفلسطينية نفسها من قضية ارتبطت خلال العقود السابقة بملفات اللاجئين و التسوية السياسية و حل الدولتين إلى قضية أعيد تأطيرها و ربطها بشكل متزايد بسياقات التحرر الوطني و إنهاء الاحتلال، الأمر ذاته الذي امتدّ إلى تغييرات شملت إعادة صياغة سياسات بعض دول كبرى متعددة على رأسها إسبانيا اتجاه “إسرائيل”، تضمن ذلك تعليق أو إلغاء صفقات لتصدير الأسلحة لكيان الاحتلال [9]، بالإضافة إلى الاعتراف بفلسطين كدولة إلى جانب دول أخرى مثل إيرلندا و النرويج [10]، فيما استمرت دول أخرى بدعمها السياسي للاحتلال مثل إيطاليا تحت ضغط شعبي واسع[11]، لكن الأمر الذي يعد بارزًا في هذا السياق هو النجاح النسبي لحماس في إبراز نوع من التحالف السياسي والعسكري مع عدد من الفاعلين الإقليميين في المنطقة ضمن ما أطلق عليه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله “محور المقاومة” [12]، في إشارة إلى محور يضم بالإضافة للحزب و المقاومة في غزة، كل من إيران و الحوثي في اليمن وفصائل عراقية، مقابل تحالف أمريكي – إسرائيلي من جهة أخرى مدعوم بمواقف بعض الدول الأوروبية التي انطلق موقفها من حيث التأكيد على حق “إسرائيل” بالدفاع عن نفسها.

عزز السابع من أكتوبر في مراحله الأولى شرعية حماس لدى قطاعات فلسطينية رأت في قدرتها على المبادرة العسكرية كسرًا لاختلال القوة والجمود السياسي. وفي المقابل، عملت إسرائيل على إضعاف قدرة الحركة على الحكم وإدارة المجتمع، عبر استهداف بنيتها العسكرية والأمنية والإدارية، بما شمل عناصر الشرطة والأجهزة المسؤولة عن توزيع المساعدات وحفظ النظام. كما طرحت ترتيبات تعتمد على بعض العشائر والمجموعات المحلية لإدارة مناطق أو مهام محددة بعيدًا عن حماس، واستخدمت الحرب النفسية عبر توزيع منشورات تعرض مكافآت مالية مقابل معلومات عن قيادات الحركة، من بينها محمد الضيف ويحيى السنوار ومحمد السنوار[13]، كشفت هذه المحاولات عن الفرق بين إضعاف السلطة القائمة وبناء بديل يمتلك شرعية اجتماعية ووطنية. فقد رفضت عشائر ووجهاء في غزة توظيفهم ضمن ترتيبات إسرائيلية للحكم، بينما ظهرت مجموعات مسلحة محلية استطاعت العمل في نطاقات محددة مستفيدة من الفراغ الأمني والظروف الميدانية. ويشير ذلك إلى أن مستقبل الحكم في غزة سيعتمد على قدرة أي صيغة بديلة على توفير الأمن والخدمات والمساعدات، والحصول على قبول فلسطيني، والارتباط بإطار سياسي يوحد القطاع والضفة الغربية. وهكذا أصبحت شرعية حماس خاضعة لمعيارين متزامنين: قدرتها على الاستمرار بوصفها حركة مقاومة، وقدرتها على تحمل مسؤوليات الحكم وحماية المجتمع وإدارة نتائج الحرب.[14]

 أعادت الحرب إبراز وحدة التجربة الفلسطينية عبر الجغرافيا المختلفة. فقد تزامن استهداف قطاع غزة مع اتساع العمليات العسكرية والتهجير في مناطق من الضفة الغربية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة الفلسطينية فيها، وتوسع الاستيطان[15]، وظهور دعوات إسرائيلية إلى تهجير الفلسطينيين نحو الأردن،[16] وفي داخل إسرائيل، ارتفعت الاعتقالات والملاحقات المرتبطة بالتعبير عن المواقف تجاه الحرب، بينما تعرض المقدسيون لقيود إضافية على الوصول إلى المسجد الأقصى، وشهد الأسرى الفلسطينيون تدهورًا حادًا في أوضاعهم داخل السجون.[17] أسهمت هذه التطورات في تعزيز إدراك وحدة المصير الفلسطيني، إذ امتدت آثار الحرب والسياسات الأمنية إلى تجمعات لم تشارك مباشرة في هجوم السابع من أكتوبر. غير أن وحدة التجربة بقيت أوسع من الوحدة التنظيمية؛ فقد تعزز التضامن والانتماء المشترك، بينما استمر الانقسام بين المؤسسات والقيادات والبرامج السياسية. ومن هنا ينبغي التمييز بين توحيد المجال الرمزي للقضية، الناتج عن تشابه الخبرة والتهديد، وبين بناء وحدة سياسية تحتاج إلى مؤسسة تمثيلية وآلية قرار وبرنامج وطني مشترك.[18]

 دفعت الحرب الفلسطينيين إلى إعادة تقييم العلاقة بين المقاومة والتسوية من خلال معيارين متعارضين ظاهريًا: القدرة على المبادرة وكسر الجمود، والقدرة على حماية المجتمع وتقليل الكلفة الإنسانية. فقد عزز الهجوم لدى قطاعات فلسطينية الاعتقاد بأن المقاومة المسلحة استطاعت إعادة القضية إلى مركز الاهتمام بعد سنوات من تراجعها، بينما أدى اتساع القتل والدمار والنزوح، واستهداف النساء والأطفال وكبار السن، إلى تصاعد الأسئلة المتعلقة بقدرة أي استراتيجية على تحويل المواجهة إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار. وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية وتقارير المؤسسات الأممية إلى حجم غير مسبوق من الخسائر البشرية وتدمير البنية المدنية، وهو ما جعل حماية المجتمع جزءًا أساسيًا من تقييم الفاعلية السياسية والعسكرية،[19] وتظهر استطلاعات الرأي أن الاتجاهات الفلسطينية تحركت خلال الحرب تبعًا للمكان والمرحلة الزمنية. فقد ارتفع في البداية تأييد العمل المسلح وقرار تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر، ثم تراجع هذا التأييد تدريجيًا، خصوصًا داخل قطاع غزة، بالتوازي مع ارتفاع نسبي في تفضيل المفاوضات وحل الدولتين. ويعكس هذا التغير عملية مراجعة مستمرة للأدوات وفق النتائج والكلف، أكثر مما يعكس انتقالًا نهائيًا إلى خيار واحد. كما يوضح أن شرعية المقاومة أصبحت مرتبطة بالقدرة على الجمع بين الضغط على الاحتلال، وحماية السكان، والوصول إلى تسوية تحفظ الحقوق الوطنية. [20]

 يرتبط تراجع الثقة بمسار التسوية بتراكم خبرة سياسية بدأت مع اتفاق أوسلو عام 1993، فقد اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل ودخلت في عملية تفاوضية كان يفترض أن تقود إلى تسوية نهائية، إلا أن قضايا الدولة والقدس والحدود واللاجئين والمستوطنات بقيت مؤجلة، بينما توسعت المستوطنات، واستمرت مصادرة الأراضي، وتكاثفت الحواجز والاقتحامات العسكرية داخل مناطق خاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية. كما أسهم بروتوكول باريس الاقتصادي في إنشاء علاقة غير متكافئة أبقت الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بإسرائيل في التجارة والضرائب والحركة والوصول إلى الموارد،[21] أدت هذه الحصيلة إلى انتقال الاعتراض الفلسطيني من تفاصيل تطبيق أوسلو إلى بنية العملية السياسية نفسها؛ إذ تولت السلطة الفلسطينية إدارة السكان والخدمات في أجزاء من الأراضي المحتلة، بينما احتفظت إسرائيل بالسيطرة الحاسمة على الحدود والأرض والموارد والحركة والأمن. وجاء الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من قطاع غزة عام 2005 بعد سنوات من المقاومة المسلحة والانتفاضة الثانية، وفي إطار حسابات إسرائيلية أمنية وديموغرافية وسياسية، من دون اتفاق يمنح الفلسطينيين سيادة كاملة على القطاع. ولذلك استُقبل الانسحاب لدى قطاعات فلسطينية بوصفه دليلًا على أثر الضغط المسلح، بينما أسست طبيعته الأحادية لمرحلة من الحصار والسيطرة الخارجية والانقسام الداخلي. وتفسر هذه الخبرة تراجع الثقة بقدرة التفاوض المنفرد على تحقيق الحقوق، مع استمرار حضور التسوية السياسية لدى قطاعات ترى الحاجة إلى تحويل التضحيات الميدانية إلى نتيجة معترف بها دوليًا.[22]

 انضم السابع من أكتوبر إلى محطات تأسيسية في الذاكرة الجماعية الفلسطينية، مثل النكبة والنكسة والانتفاضتين، لكنه حمل دلالة مختلفة تتعلق بقدرة فاعل فلسطيني على نقل المواجهة إلى داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل واختراق منظومتها الأمنية. فقد تعرض تصور «الجيش الذي لا يقهر»، الذي تشكل بفعل اختلال موازين القوة وتكرار الهزائم العربية، لاختبار رمزي ونفسي واسع بعد نجاح مقاتلي حماس في اختراق السياج والوصول إلى مستوطنات غلاف غزة،[23] تجاوز أثر هذه اللحظة بعدها العسكري المباشر، إذ أعادت طرح سؤال قابلية إسرائيل للتعرض للهزيمة والمفاجأة، ووسعت إحساس قطاعات فلسطينية بإمكان المبادرة والتأثير. غير أن الذاكرة الجماعية للحرب ستتشكل أيضًا من صور الدمار والنزوح وفقدان الأسر وتراجع شروط الحياة في غزة. ولذلك يحمل السابع من أكتوبر معنيين متداخلين داخل الهوية السياسية: لحظة استعادة القدرة على الفعل، ولحظة انكشاف المجتمع أمام كلفة غير مسبوقة. وستتحدد دلالته التاريخية وفق قدرة الفلسطينيين على تحويل هذين المعنيين إلى مشروع سياسي يتجاوز الاحتفاء بالفعل أو اختزاله في نتائجه الإنسانية،[24] كما أثرت الحرب في مسار التطبيع الإقليمي، إذ أدت إلى تعليق أو إبطاء المفاوضات المتعلقة بإقامة علاقات رسمية بين السعودية وإسرائيل، وأعادت إدراج القضية الفلسطينية ضمن شروط النقاش الإقليمي حول التطبيع. ويشير ذلك إلى قدرة الحدث على تعطيل ترتيبات كانت تتقدم بمعزل عن الفلسطينيين، بينما يعتمد تحويل هذا التعطيل إلى مكسب دائم على ظهور مسار سياسي يربط التطبيع بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.

شهدت المراحل اللاحقة من الحرب تحولات في شروط عمل حماس وفي الطريقة التي قيّم بها الفلسطينيون أداءها. فقد تراجعت قدرة الحركة على الحفاظ على الشروط التي طرحتها في بداية المفاوضات، وتصاعد النقاش حول مستقبل حكمها في قطاع غزة ونزع سلاحها ودورها في الترتيبات السياسية والأمنية المقبلة. وفي الوقت نفسه، ظهرت مجموعات مسلحة محلية، من بينها مجموعة ياسر أبو شباب ومجموعات أخرى، استطاعت التمركز في مناطق محددة والعمل ضد عناصر حماس أو منافستها على السيطرة المحلية. ولا تمنح هذه القدرة الميدانية المحدودة تلك المجموعات شرعية سياسية، لكنها تكشف أثر تراجع السلطة المركزية واتساع الفراغ الأمني والاجتماعي.[25]

يوضح هذا التحول أن الشرعية الناتجة عن المبادرة العسكرية تتغير عندما تطول الحرب وتتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة. ففي الأشهر الأولى، ارتبط تقييم حماس بقدرتها على كسر الجمود وإعادة القضية إلى مركز الاهتمام. ومع امتداد الحرب، دخلت معايير أخرى في عملية التقييم، أبرزها حماية السكان، وتأمين المساعدات، والمحافظة على التماسك الاجتماعي، وإنهاء الحرب، وتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي. وبذلك انتقلت شرعية المقاومة من الاعتماد على فعل المواجهة وحده إلى شرعية مركبة تشمل المسؤولية عن النتائج والكلفة العامة. [26]

وفي هذا السياق، لا يؤدي تراجع شعبية حماس تلقائيًا إلى انتقال التأييد إلى حركة فتح أو السلطة الفلسطينية. فاستمرار ضعف الثقة بالرئيس محمود عباس ومؤسسات السلطة، وتقدم مروان البرغوثي في عدد من السيناريوهات الانتخابية، يعكسان بحثًا عن صيغة قيادية تجمع الرمزية الوطنية والتجربة النضالية والتفويض الشعبي. وهذا يعني أن الحرب أعادت فتح المجال أمام إعادة بناء القيادة الفلسطينية، لكنها لم تنتج حتى الآن مؤسسة قادرة على جمع الشرعيات الميدانية والوطنية والانتخابية والدولية في إطار واحد.

ويعكس انتخاب خليل الحية رئيسًا عامًا لحركة حماس في يوليو/تموز 2026 محاولة لإعادة بناء مركز القيادة بعد الخسائر التي أصابت الصف القيادي للحركة، وفي مقدمتها اغتيال إسماعيل هنية ويحيى السنوار وعدد من القيادات العسكرية والسياسية. كما يشير اختياره، في ضوء دوره في المفاوضات وعلاقاته الإقليمية، إلى جمع الحركة بين وظيفتي المقاومة والتفاوض في قيادة واحدة. غير أن وجود مركز القيادة خارج قطاع غزة يطرح تحديًا يتعلق بتمثيل المجتمع الذي تحمل الكلفة المباشرة للحرب، وبقدرة القيادة الجديدة على الموازنة بين الحفاظ على التنظيم، والتفاوض بشأن السلاح والحكم، والمشاركة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.[27]

 تكشف التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر أن الهوية السياسية الفلسطينية دخلت مرحلة إعادة ترتيب لمصادر الشرعية والتمثيل وأدوات الفعل. فقد حافظ الانتماء الوطني والحقوق الأساسية على مركزيتها، بينما تغيرت معايير الحكم على الفصائل والقيادات والاستراتيجيات. واكتسبت حماس شرعية ميدانية وتفاوضية بفعل قدرتها على المبادرة والتأثير في مسار الحرب، ثم أصبحت هذه الشرعية خاضعة لمعايير حماية المجتمع، وإدارة الكلفة، وتحقيق نتيجة سياسية. وفي المقابل، احتفظت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بشرعية مؤسسية واعتراف دولي، مع استمرار ضعف التفويض الشعبي والقدرة على التأثير في مسار الصراع.

وأظهرت الحرب كذلك أن وحدة الهوية والمصير يمكن أن تتسع في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي. فقد وحدت تجربة الاستهداف قطاعات فلسطينية عبر غزة والضفة والقدس والداخل والسجون، بينما بقي القرار الوطني موزعًا بين مؤسسات وفصائل ومرجعيات متعددة. ومن هنا أصبحت الأزمة الفلسطينية أزمة تمثيل واستراتيجية معًا: تمثيل يحدد الجهة المخولة باتخاذ القرار، واستراتيجية تربط أدوات المقاومة والتفاوض والعمل الشعبي والدبلوماسي بأهداف سياسية قابلة للتحقق والقياس.

يتوقف اتجاه التحول المقبل على قدرة الفلسطينيين على تحويل الشرعيات الجزئية إلى إطار وطني جامع، عبر إعادة بناء منظمة التحرير، وتوسيع المشاركة السياسية، وتجديد التفويض الانتخابي، وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن نظام قانوني ومؤسسي واحد. وعندها يمكن أن تتحول وحدة المصير التي أعادت الحرب إظهارها إلى وحدة سياسية، وأن تنتقل الهوية الفلسطينية من الاستجابة للتهديد إلى إنتاج مشروع وطني يوازن بين حق المقاومة، وحماية المجتمع، والمساءلة السياسية، وتحقيق الحقوق الوطنية.


[1] Renad Mansour, “Will the War in Gaza Become a Breaking Point for the Rules-Based International Order?” Chatham House, January 25, 2024, https://www.chathamhouse.org/2024/01/will-war-gaza-become-breaking-point-rules-based-international-order

[2] “President Abbas: Peaceful popular resistance ‘one of the most important weapons that oppressed people can use’,” Palestinian News & Information Agency (WAFA), June 28, 2022

[3] Hamas, A Document of General Principles and Policies (2017), Article 25

[4] Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, The Palestinian Strategic Report 2016–2017, chapter 1, citing Hamas statements from September 2017 .

[5] The White House, “President Donald J. Trump’s Vision for Peace, Prosperity, and a Brighter Future for Israel and the Palestinian People,” January 28, 2020, https://trumpwhitehouse.archives.gov/briefings-statements/president-donald-j-trumps-vision-peace-prosperity-brighter-future-israel-palestinian-people/

[6] U.S. Department of State, “Secretary Antony J. Blinken Remarks on Efforts Toward Saudi-Israeli Normalization,” 2023 .

[7] United Nations, Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Protests in the Occupied Palestinian Territory, February 28, 2019.

[8] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Protection of Civilians Reports (2022–2023), https://www.ochaopt.org/.

[9] Nidal al-Mughrabi and Alexander Cornwell, “Hamas Says It Responds to Gaza Ceasefire Proposal in ‘a Positive Spirit’,” Reuters, July 4, 2025, https://www.reuters.com/world/middle-east/israeli-military-kills-15-gaza-trump-waits-hamas-response-ceasefire-proposal-2025-07-04/

[10] Ministerio de Asuntos Exteriores, Unión Europea y Cooperación (Spain), official statements, 2024.

[11] Government of Spain, Government of Spain Approves Recognition of the State of Palestine, May 28, 2024.

[12] Reuters, “Thousands Protest across Italy Calling for Gaza Ceasefire,” 2024.

[13] “Gaza Clans Refuse Israeli Plan to Counter Hamas,” The Jerusalem Post, September 28, 2025.

[14] Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR), “UN Human Rights Office Condemns Repeated Israeli Attacks on Police Personnel in Gaza,” June 3, 2026

[15] Rania Abu Shamala, “Israeli Army Drops Leaflets Offering Financial Rewards for Information on Hamas Leaders,” Anadolu Agency, December 15, 2023.

[16] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), The Humanitarian Situation Update: West Bank, 2024, https://www.ochaopt.org/.

[17] United Nations Human Rights Council, Israeli Settlements in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and in the Occupied Syrian Golan, 2024.

[18] Adalah – The Legal Center for Arab Minority Rights in Israel, Arrests and Prosecutions of Palestinian Citizens of Israel during the Gaza War, 2023–2024.

[19] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), East Jerusalem: Protection of Civilians Reports, 2024.

[20] Addameer Prisoner Support and Human Rights Association, Palestinian Prisoners and Detainees, 2024.

[21] United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights (OHCHR), Reports on the Human Rights Situation in the Occupied Palestinian Territory, 2024–2025.

[22] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Hostilities in the Gaza Strip and Israel – Situation Reports, 2024–2025.

[23] Declaration of Principles on Interim Self-Government Arrangements (Oslo I Accord), Washington, DC, September 13, 1993. Reuters, “Saudi Arabia Puts Israel Normalization Plans on Hold after the Outbreak of the Gaza War,” October 2023.

[24] Protocol on Economic Relations between the Government of the State of Israel and the PLO (Paris Protocol), April 29, 1994. International Crisis Group, The Israel–Hamas War: A Turning Point for the Israeli–Palestinian Conflict, 2024.

[25] Israeli Ministry of Foreign Affairs, Israel’s Disengagement Plan: General Outline, 2005. Nidal al-Mughrabi and Andrew Mills, “Exclusive: Hamas Aims to Keep Grip on Gaza Security and Can’t Commit to Disarm, Senior Official Says,” Reuters, October 17, 2025.

[26] Institute for National Security Studies, “What You Need to Know About Yasser Abu Shabab and the Militia He Founded,” June 8, 2025.

[27] “Hamas Names Khalil Al-Hayya as New Overall Leader,” Reuters, July 20, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/hamas-names-khalil-al-hayya-new-leader-statement-says-2026-07-20/.

زر الذهاب إلى الأعلى