رضا شاه بهلوي: الشاويش الذي أعاد بناء إيران وجلس على عرش الطاووس (1/2)

حتى نفهم إيران

 

الحديث عن رضا شاه بهلوي، الذي حكم بين عامي 1925 و1941، هو حديث عن اللحظة التي انتقلت فيها إيران من دولة قاجارية ضعيفة تتنازعها القبائل والتدخلات الأجنبية إلى دولة مركزية تمتلك جيشاً موحداً وإدارة حديثة ومؤسسات وطنية. وما تزال كثير من البنى الإدارية والعسكرية والمؤسساتية التي تعمل إلى اليوم، تستند، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الأسس التي وضعها رضا شاه خلال مشروعه لبناء الدولة الحديثة.

 

لكن قصة الرجل لا تبدأ منه، بل من الفشل الذي سبقه.

 

قبل رضا شاه بسبعين عاماً تقريباً، ظهر في إيران رجل آخر حمل هاجس بناء الدولة، هو ميرزا تقي خان فراهاني، المعروف بـ”أمير كبير”.

 

أدرك أمير كبير أن إيران لا يمكن أن تواجه روسيا وبريطانيا ولا أن تحافظ على استقلالها ما لم تمتلك إدارة حديثة وجيشاً منضبطاً وتعليماً جديداً واقتصاداً أكثر استقلالاً. فأسس دار الفنون، وأطلق إصلاحات مالية وإدارية واسعة، وحاول الحد من الفساد ومن نفوذ البلاط، إلا أن مشروعه انتهى سريعاً عندما تمكن خصومه من إقناع الشاه بعزله، ثم اغتيل عام 1852.

 

بموته، لم تمت الفكرة، بل بقي السؤال معلقاً؛ كيف يمكن بناء دولة حديثة في مجتمع تتوزع فيه السلطة بين القصر، ورجال الدين، والبازار، والقوى الأجنبية؟

 

وسيأتي رضا شاه لاحقاً ليجيب عن السؤال نفسه، ولكن بأدوات مختلفة تماماً.

 

التنباك والمشروطة

 

في عام 1890 منح ناصر الدين شاه القاجاري امتياز احتكار زراعة التبغ وتصنيعه وتجارته لشركة بريطانية، في خطوة اعتبرت مساساً مباشراً بمصالح آلاف المزارعين والتجار الإيرانيين.

 

لكن الحدث اكتسب بعداً تاريخياً، عندما أصدر المرجع الكبير الميرزا حسن الشيرازي فتواه الشهيرة التي جاء فيها أن “استعمال التبغ بأي نحو كان يعد بمنزلة محاربة للإمام المهدي”.

 

وخلال أيام قليلة، توقفت المقاهي، وامتنع الناس عن التدخين، ووصل الأمر إلى داخل القصر الملكي نفسه، حتى اضطر الشاه إلى إلغاء الامتياز.

 

كانت ثورة التنباك أكثر من احتجاج اقتصادي؛ لقد كشفت للمرة الأولى عن التحالف العميق بين المرجعية الدينية والبازار، وأثبتت أن الدولة ليست اللاعب الوحيد في المجال العام، وأن الشارع الإيراني قادر على فرض إرادته إذا اجتمع التجار والعلماء.

 

وسيبقى هذا التحالف أحد أهم مفاتيح فهم السياسة الإيرانية حتى العقود اللاحقة.

 

بعد سنوات قليلة، انفجرت الثورة الدستورية الإيرانية، أو ما عرف بـ«المشروطة»، مطالبة بتقييد سلطات الشاه وإنشاء مجلس نيابي وإقرار دستور حديث. لم تكن المشروطة ثورة ليبرالية بالمعنى الأوروبي، بل كانت محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والشرعية، وإشراك النخب الدينية والتجارية والسياسية في صناعة القرار، في مواجهة نظام قديم فقد كثيراً من هيبته.

 

ورغم أن الثورة نجحت في فرض الدستور وإنشاء مجلس الشورى، فإنها فتحت الباب أيضاً أمام مزيد من التدخل الروسي والبريطاني، ودخلت البلاد في مرحلة طويلة من الاضطراب والانقسام.

 

ومن الأحداث التي تعكس حساسية تلك المرحلة، ما ارتبط بالمسؤول البلجيكي جوزيف نوز (Joseph Naus)، الذي عُيّن مديراً عاماً للجمارك الإيرانية في إطار الاستعانة بخبرات أجنبية لإصلاح الإدارة المالية. كان نوز إدارياً كفؤاً من وجهة نظر الحكومة، لكنه أصبح في نظر قطاع واسع من الإيرانيين رمزاً للنفوذ الأوروبي المتزايد داخل مؤسسات الدولة.

 

وتحولت الأزمة إلى انفجار سياسي عندما انتشرت له صورة التقطت خلال حفل تنكري ظهر فيها مرتدياً زياً يشبه، في نظر كثيرين، لباس رجال الدين. لم يكن الأمر في ذاته سوى مزحة في مناسبة خاصة، لكنه قُرئ داخل إيران باعتباره استهزاءً بالمؤسسة الدينية وإهانة لرمزيتها.

 

وسرعان ما استغل خصوم الحكومة الواقعة لإثارة الرأي العام، فخرجت الاحتجاجات، وأصبحت صورة رجل واحد تعبيراً عن رفض نفوذ أجنبي كامل داخل الدولة القاجارية.

 

كان أهم ما في حادثة جوزيف نوز نفسه، انها وضعت مفهوم السيادة الإيرانية محل شك، وكشفت أن أي حادثة صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة وطنية.

 

دولة تتقاسمها الإمبراطوريات

 

زاد الوضع تعقيداً عندما وقعت روسيا القيصرية وبريطانيا عام 1907 اتفاقية قسمت إيران إلى مناطق نفوذ، شمالية للروس وجنوبية للبريطانيين، مع منطقة وسطى محايدة.

 

ولم تكن الحكومة الإيرانية طرفاً في الاتفاق، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد يجري رسمه خارج إرادتها.

 

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتزيد المشهد قتامة. فعلى الرغم من إعلان إيران الحياد، أصبحت أراضيها ساحة لعبور الجيوش الأجنبية، وتعرضت مناطق واسعة للاحتلال، بينما فقدت الحكومة المركزية القدرة على بسط سلطتها خارج العاصمة.

 

وبدا لكثير من المراقبين أن الدولة القاجارية تتجه نحو المصير نفسه الذي انتهت إليه الدولة العثمانية.

 

في خضم هذه الفوضى، ظهرت في شمال البلاد جمهورية جيلان، بقيادة ميرزا كوچك خان، مستفيدة من الدعم البلشفي القادم من روسيا بعد ثورة عام 1917.

 

رفعت الجمهورية شعارات التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، لكنها سرعان ما دخلت في علاقة معقدة مع البلاشفة، وتحولت إلى تجربة قصيرة انتهت عسكرياً بعد أقل من عامين.

 

إلا أن أهميتها الحقيقية لم تكن في عمرها القصير، بل في الرسالة التي بعثتها إلى الإيرانيين؛ أن الدولة المركزية أصبحت عاجزة عن حماية وحدتها، وبات من الممكن إعلان جمهوريات وكيانات مستقلة داخل حدودها.

 

لقد كشفت تلك المرحلة أن الخطر الحقيقي لم يكن سقوط حكومة بعينها، بل احتمال انهيار فكرة الدولة نفسها. فحين تصبح السلطة المركزية عاجزة عن فرض سيادتها، وتتحول الأقاليم إلى مشاريع سياسية مستقلة، لا يعود السؤال متعلقاً بالإصلاح الإداري أو الدستوري، بل بقدرة الكيان على البقاء. وسيصبح هذا الهاجس لاحقاً المحرك الأهم للمشروع الذي حمله رضا خان، والذي رأى أن بقاء الدولة يسبق شكلها، وأن وحدة البلاد شرط لكل إصلاح آخر.

 

في تلك اللحظة التاريخية، لم يعد السؤال المطروح هو؛ كيف نصلح الدولة؟ بل؛ هل ستبقى الدولة موجودة أصلاً؟

 

من ثكنة القوزاق إلى قلب السلطة

 

في هذا المناخ المضطرب، برز اسم رضا خان. هذا الرجل الذي سيكتب أهم فصول تاريخ بلاد فارس، ولد عام 1878 في أسرة فقيرة، والتحق بلواء القوزاق الفارسي، وهو أكثر تشكيلات البلاد انضباطاً وتسليحاً. لم يرث لقباً ولا نفوذاً، لكنه امتلك شخصية صارمة وقدرة واضحة على القيادة والتنظيم.

 

كان معجباً بالنماذج العسكرية التي استطاعت أن تعيد تشكيل دولها، وقرأ بإعجاب سيرة نابليون بونابرت، كما راقب باهتمام التجربة التي كان مصطفى كمال يبنيها في الأناضول بعد انهيار الدولة العثمانية.

 

ومثل أتاتورك، خرج رضا خان من مؤسسة عسكرية، ووصل إلى السلطة في بلد أنهكته الحرب، وتنازعته التدخلات الأجنبية، وأرهقته الانقسامات الداخلية.

 

 

وفي انقلاب عام 1921، دخل رضا خان طهران على رأس قواته، ليتولى وزارة الحربية ثم رئاسة الوزراء، قبل أن يواجه السؤال الذي سيحدد مستقبل إيران كله؛ هل تصبح البلاد جمهورية على النموذج التركي، أم تحتفظ بنظامها الملكي وتبحث عن سلالة جديدة تقود مشروع التحديث؟

 

كان السؤال بالأساس عن هوية الدولة نفسها. فالجمهورية كانت تعني قطيعة شبه كاملة مع الإرث القاجاري على غرار ما فعله مصطفى كمال في تركيا، أما الإبقاء على الملكية فكان يسمح بتوظيف الرمزية التاريخية الفارسية في خدمة مشروع التحديث. وسيختار رضا خان الطريق الثاني، لأنه أدرك، بوضوح، أن بناء دولة جديدة يحتاج أحياناً إلى إعادة تفسير الماضي بدلاً من القطيعة معه، وهي الفكرة التي ستتجلى أكثر عندما يعتلي “عرش الطاووس” ويبدأ في إعادة إنتاج السردية الوطنية الإيرانية وصياغتها في ثوب جديد.

 

 



.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 



 

؛

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى