كيف يفكر المتطرف؟

  • يبدأ أحد أخطر مسارات التطرف عندما تختزل هوية الإنسان في انتمائه الديني أو الاجتماعي، ويصبح مسؤولًا في نظر الآخرين عن أفعال جماعة كاملة، مهما كانت سيرته الشخصية.
  • يستطيع المتطرف أن يعرف ضحيته جارًا أو صديقًا لسنوات طويلة، ثم يتجاوز كل ما يعرفه عنها حين تصبح الصورة التي رسمها لجماعتها أقوى من تجربته معها.
  • تبلغ خطورة التطرف ذروتها عندما يعيد الإنسان تعريف القتل باعتباره واجبًا أخلاقيًا، والانتقام باعتباره عدالة، والاعتداء على الأبرياء باعتباره دفاعًا عن قضية يؤمن بها.
  • يستطيع مرتكب العنف الاحتفاظ بصورة أخلاقية إيجابية عن نفسه، من خلال تحميل الضحية مسؤولية ما أصابها، أو تبرير أفعاله بسلطة أعلى، أو اعتبار قسوته دليلًا على الإخلاص.
  • تكمن إحدى مفارقات العنف المتطرف في أن الجاني قد يدرك إنسانية ضحيته وقدرتها على الألم، ويجد في هذا الإدراك نفسه ما يمنح العقاب معناه في تصوره.
  • تمنح الجماعة بعض الأفراد شعورًا بالقيمة والمكانة والانتماء، وقد يتحول العنف إلى وسيلة لإثبات الولاء والحصول على الاعتراف، حتى يصبح التراجع عنه تهديدًا لموقع الفرد داخلها.
  • تكتسب الأفكار المتشددة قوة إضافية عندما تحتكر الجماعة تفسير الواقع، وتحوّل الشك إلى خيانة، والاعتراض إلى ضعف، وتمنح أصحاب المواقف الأكثر قسوة مكانة أعلى بين أعضائها.
  • يختلف تبنّي الأفكار المتطرفة عن الاستعداد لتنفيذ العنف؛ فالانتقال من القناعة إلى الجريمة يرتبط بمسارات شخصية واجتماعية، وبالفرص والقرارات التي تجعل الاعتداء خيارًا مقبولًا لدى الفاعل.
  • يطرح الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك سؤالًا يتجاوز الجريمة نفسها: كيف يستطيع إنسان أن يستهدف أشخاصًا تجمعوا لتوديع أحد أحبائهم، وكيف تتحول هويتهم الدينية في ذهن المعتدي إلى مبرر لاستباحة حياتهم؟
  • يتجاوز الأمن الوطني حماية المواطنين من الاعتداء إلى ضمان حقهم المتساوي في الانتماء والأمان؛ فالمواطنة تُختبر حين يستطيع الإنسان ممارسة شعائره، والاختلاف مع محيطه، والاعتماد على حماية المؤسسات مهما كان حجم جماعته أو نفوذها.

يحمل عنوان “كيف يفكر المتطرف؟” قدرًا من التبسيط إذا افترض وجود عقل واحد، أو شخصية ثابتة يمكن التعرف إليها من مظهرها وتعليمها وبيئتها الاجتماعية. تتعدد مسارات الانخراط في العنف، وتتفاوت العلاقة بين الاعتقاد والممارسة داخلها. ومن ثم، فإن السؤال الأدق يتعلق بالعملية التي يصبح فيها الاعتداء ممكنًا ومقبولًا، ثم مطلوبًا في نظر شخص بعينه. في هذه العملية يمكن أن تتغير صورة الضحية، ومعنى الفعل، والجهة التي يعتقد الفاعل أنها تملك حق الحكم عليه.

التصنيف الاجتماعي وحدود المعرفة الشخصية

تبدأ إحدى هذه التحولات عندما تتحول الهوية من رابطة اجتماعية إلى قاعدة لتوزيع البراءة والذنب، ويظهر الخطر حين تستحوذ هوية واحدة على تفسير الشخص كله، فتغدو معتقداته المفترضة أهم من أفعاله، وانتماؤه أهم من سيرته. تساعد مقاربات الهوية الاجتماعية والتصنيف الذاتي على فهم كيف يتغير إدراك الفرد لنفسه وللآخرين تبعًا للجماعة التي تصبح مرجعية في موقف معين، وكيف يمكن للتصنيف أن يؤثر في المعاملة حتى مع محدودية المعرفة الشخصية. ويحتاج تفسير الانتقال من هذا التحيز إلى العنف إلى عوامل إضافية.

يفصل جون تيرنر وزملاؤه، في دراسة “الذات والجماعة: الإدراك والسياق الاجتماعي” المنشورة عام 1994، بين الهوية الشخصية والهوية الاجتماعية بوصفهما مستويين لتعريف الذات. تتصل الأولى بما يميز الفرد عن غيره، وتتصل الثانية بتمثيله نفسه عضوًا في فئة يشترك مع أفرادها في صفات ومعايير. ويتغير المستوى الأبرز بحسب السياق الذي تجري فيه المقارنة. فحين تصبح المقارنة بين جماعتين أساسًا لفهم الموقف، تتقدم السمات التي تُنسب إلى كل جماعة في الإدراك والحكم. يفسر هذا التصور قابلية التصنيف للتبدل، وكيف تستطيع علاقة اجتماعية معينة أن تجعل انتماءً حاضرًا أكثر تأثيرًا من انتماءات أخرى في اللحظة نفسها.[1]

وتوضح دراسة تيرنر وزميليه، المنشورة عام 1983 عن التصنيف الاجتماعي والجاذبية الشخصية وتكوّن الجماعات، جانبًا تجريبيًا من هذه العلاقة. شملت التجربة ثمانين تلميذًا، وفصل تصميمها بين أثر التصنيف وأثر التفضيل الشخصي. وأظهرت أن إدراج المشاركين في فئات، حتى على أساس اعتباطي، استطاع إنتاج محاباة لأعضاء الفئة المشابهة. وتحدد هذه النتيجة نطاق الاستدلال: يستطيع التصنيف أن يؤثر في المعاملة من دون تاريخ طويل من العلاقات الشخصية، فيما يتطلب تفسير الكراهية المستقرة أو العنف أدلة إضافية تتجاوز شروط هذه التجربة.[2]

تظهر النقلة الحاسمة في تحويل الانتماء إلى مسؤولية، يمكن أن يُحمَّل شخص وزر قرار اتخذته دولة، أو جريمة ارتكبها تنظيم، أو واقعة تاريخية، لمجرد اشتراكه مع الفاعلين في دين أو أصل. هنا تتغير وحدة المحاسبة: يُحاسَب الفرد باعتباره ممثلًا لجماعة، وتُمنح الجماعة شخصية واحدة ونية واحدة وتاريخًا متصلًا من الأفعال. يصبح السؤال عن سلوك الضحية تفصيلًا ثانويًا، لأن الحكم عليها اكتمل قبل النظر في ما فعلته.

ولهذا تكتسب طبيعة العلاقات المشتركة أهمية تتجاوز مجرد وجودها، تشير المراجعة الواسعة التي أجراها توماس بيتيغرو وليندا تروب إلى أن الاتصال بين الجماعات يخفّض التحيز عادة، وأن ظروفًا مثل المساواة والتعاون والدعم المؤسسي تعزز أثره.[3] وتدفع هذه النتيجة إلى سؤال نوع العلاقة التي يبنيها المجتمع: هل يتعامل الناس بوصفهم شركاء متساوين في حقوق ومصالح مشتركة؟ وهل تسمح خبراتهم بمراجعة الأحكام التي يحملونها عن بعضهم؟ تستطيع الجيرة أن تنتج معرفة غنية، ويزداد أثرها حين تسندها قواعد عامة تحمي المساواة.

جمع بيتيغرو وتروب في هذه المراجعة التحليلية، المنشورة عام 2006، نتائج 515 دراسة تضمنت 713 عينة مستقلة. وتكمن أهمية هذا التصميم في تقدير الاتجاه العام للعلاقة عبر بحوث وسياقات متعددة. وقد وجدا أن الاتصال بين الجماعات يرتبط عادة بانخفاض التحيز، وأن أثره يمكن أن يمتد من الأشخاص الذين حدث الاتصال معهم إلى الجماعة الأوسع. وتزداد قوة النتيجة حين تدعمها دراسات أكثر صرامة، وهو ما يساعد على فحص احتمال أن يكون انخفاض التحيز راجعًا إلى أن الأشخاص الأقل تحيزًا هم الأكثر استعدادًا للاتصال أصلًا.

وتناولت المراجعة الشروط المعروفة في نظرية الاتصال، ومنها تكافؤ المكانة في الموقف، والأهداف المشتركة، والتعاون، ومساندة السلطات أو القواعد الاجتماعية. وظهر أن اجتماع هذه الشروط يعزز خفض التحيز، مع إمكان ظهور أثر إيجابي للاتصال في غياب اكتمالها. وتظل النتيجة متعلقة باتجاهات التحيز كما قاستها الدراسات؛ أما منع الاعتداء المسلح أو تفسير قرار فرد بعينه فيحتاجان إلى بحث مستقل. ولهذا تمنح الدراسة أساسًا لتقييم نوعية العلاقات المشتركة، وتترك سؤال العنف مفتوحًا على عوامل أخرى.

التبرير الأخلاقي وإباحة الأذى

ثم تأتي إعادة بناء المبرر الأخلاقي، يشرح ألبرت باندورا، في مفهوم فك الارتباط الأخلاقي، كيف يستطيع الفرد تعليق القيود التي تضبط سلوكه من خلال تبرير الأذى بغاية سامية، أو تخفيف قسوته باللغة، أو تحميل الضحية المسؤولية، أو توزيع المسؤولية على الآخرين.[4] وتتيح هذه الآليات للشخص أن يستمر في النظر إلى نفسه بوصفه ملتزمًا بالخير. فقد يصف الاعتداء بأنه عقاب، ويقدم الانتقام باعتباره إنصافًا، ويمنح طاعته لسلطة ما قيمة تتقدم على مسؤوليته عن النتائج. وتؤدي اللغة هنا وظيفة في تنظيم الحكم الأخلاقي على الفعل، فتجعله قابلًا للقبول داخل الجماعة التي تتداولها.

ينطلق باندورا في مقالته المنشورة عام 1999 من تصور للتنظيم الأخلاقي الذاتي، يربط السلوك بمعايير داخلية وبمشاعر اللوم أو الرضا التي يتوقعها الإنسان من نفسه. وتشرح آليات فك الارتباط كيف يمكن تعطيل هذه الرقابة بصورة انتقائية مع الاحتفاظ بالمعايير في مجالات أخرى. وتتوزع الآليات على مواضع متعددة: إعادة وصف الفعل، وإخفاء مسؤولية الفاعل، وتقليل شأن النتائج، وتغيير الحكم على الضحية. ويظهر بذلك إمكان اجتماع سلوك مألوف ومراعٍ للآخرين في دائرة، مع قبول أذى جسيم في دائرة مختلفة.

ويفصل المقال ثماني آليات مترابطة: التبرير الأخلاقي، والتسمية الملطفة، والمقارنة بأفعال أشد قسوة، وإزاحة المسؤولية إلى سلطة، وتوزيعها على جماعة، وتجاهل النتائج أو تقليلها، ونزع الإنسانية عن المتضررين، وإلقاء اللوم عليهم. تكتسب هذه الآليات قوتها من تعاونها؛ فقد يستعمل الفرد لغة مخففة للفعل، وينسب قراره إلى التعليمات، ويرى أن الضحية تسببت بما أصابها. وتفسر المقاربة كيف يظل الشعور بالالتزام الأخلاقي قائمًا بينما تتغير الشروط التي يستدعي فيها الشخص ذلك الالتزام. وهي تضع أيضًا المسؤولية على النظم الاجتماعية التي تتيح تفتيت الأدوار وإخفاء الصلة بين المشاركة والضرر.

وتصبح المظلومية أداة شديدة الفاعلية عندما تُستخدم لمنح الفرد استثناءً من القاعدة التي يطالب الآخرين باحترامها. يبدأ الأمر من ظلم حقيقي أو متصور، ثم يُستدعى ذلك الظلم لتوسيع دائرة المباح. ويستحق التحليل أن يتوقف عند هذه النقلة تحديدًا: كيف انتقل الشخص من المطالبة بحماية الأبرياء إلى قبول الاعتداء على أبرياء آخرين؟ وما الرواية التي سمحت له بأن يفصل بين الحالتين؟ تكمن المشكلة في المعيار الذي يُطبَّق على الضحية بحسب موقعها من الجماعة، وفي تحويل العدالة إلى امتياز يُمنح لمن يُعدّون “منا”.

وتضيف أبحاث الدوافع الأخلاقية للعنف تعقيدًا مهمًا إلى هذه الصورة، ففي تجارب أجراها تايج راي وزميلاه، اختلف أثر نزع الإنسانية باختلاف الدافع إلى الأذى،[5] وظهر أن العنف الذي يراه صاحبه مستحقًا أخلاقيًا قد يتجه إلى ضحية يدرك إنسانيتها وقدرتها على الشعور بالعقاب وفهمه. تظل هذه النتائج محكومة بحدود دراستها التجريبية، وهي تلفت النظر إلى احتمال أن يقصد الفاعل ألم إنسان يعرف أنه يشعر، لأنه يمنح ذلك الألم معنى العقوبة. ومن هنا، تتطلب المواجهة مساءلة استحقاق العقاب نفسه، إلى جانب استعادة صورة الضحية الإنسانية.

تختبر دراسة راي وبيركارلو فالديسولو وجيسي غراهام، المنشورة عام 2017، الفرق بين الأذى لتحقيق منفعة والأذى الذي يُنظر إليه باعتباره عقابًا مستحقًا. واستخدم الباحثون خمس تجارب تضمنت قياس مواقف المشاركين وسيناريوهات افتراضية عُدّل فيها وصف الشخص ودافع إيذائه. وقيس نزع الإنسانية عبر إسناد قدرات عقلية وشعورية، مثل التخطيط والإحساس بالألم والانفعال. وأظهرت النتائج أن تقليل إسناد هذه القدرات يزيد قبول الأذى النفعي، بينما اختلفت العلاقة حين كان الدافع معاقبة شخص على سلوك عُدّ خاطئًا.

ففي الحالة العقابية قد يصبح الاعتراف بقدرة الضحية على الفهم والشعور جزءًا من المعنى الذي يمنحه الفاعل للأذى؛ إذ يتصور شخصًا يمكن لومه ويريد له أن يعي العقاب. وتصف عبارة “العنف الأخلاقي” هنا تقييم الفاعل للعنف، وتبقى مشروعيته موضوعًا لحكم مستقل. كما أن قياس الموافقة أو الاستعداد في سيناريو افتراضي يختلف عن تتبع جريمة فعلية. وقد تتداخل الدوافع النفعية والعقابية في الواقع، ولذلك تقدم الدراسة تمييزًا بين آليات محتملة، وتحتاج نسبة إحداها إلى حالة محددة إلى أدلة تخصها.

تساعد هذه الزاوية على فهم كيف يمكن للقسوة أن تتحول إلى دليل على الجدية في نظر صاحبها. ففي المسار الذي يُربط فيه الإخلاص بالاستعداد لإيقاع الأذى، يصبح التردد علامة تحتاج إلى تبرير، وتُقرأ الرحمة باعتبارها تهاونًا مع طرف يستحق العقاب. يتغير بذلك موقع المشاعر في القرار: تُحشد الشفقة لصالح جماعة محددة، ويُعاد تفسير ألم الآخرين ضمن رواية تجعلهم مسؤولين عنه. ويصبح السؤال عن حدود التعاطف جزءًا من السؤال عن حدود الجماعة التي يمنحها الفرد اعترافه الأخلاقي.

المكانة والجماعة وتبرير الطاعة

ويمنح البحث عن الأهمية تفسيرًا آخر لجاذبية هذا المسار، يربط آري كروغلانسكي وزملاؤه بين الحاجة إلى الشعور بالقيمة، ورواية تقدم العنف وسيلة لتحقيقها، وشبكة اجتماعية تصدّق تلك الرواية وتكافئ الالتزام بها.[6] وتكمن فائدة المقاربة في بيان كيفية اتصال حاجة شخصية بمنظومة تبرير وعلاقات. فقد تمنح الجماعة فردًا يشعر بالتراجع أو الإهانة موقعًا يراه مؤثرًا، ثم تربط الاحتفاظ بهذا الموقع بما يقدمه لقضيتها. ويظل اتجاه هذه الحاجة متوقفًا على الوسائل والقيم التي تمنحها البيئة الاجتماعية الاعتراف.

يقدم كروغلانسكي وزملاؤه في مقالتهم المنشورة عام 2014 نموذجًا يربط الدافع الشخصي بالإطار العقائدي والعلاقات الاجتماعية. وتعني الأهمية الشخصية شعور الإنسان بأنه ذو قيمة وجدير بالاحترام، وقد ينشط السعي إليها عند الإهانة أو فقدان المكانة، أو عند ظهور فرصة لاكتساب الاعتراف. ويتحدد اتجاه هذا السعي بالوسيلة التي تصبح مقبولة في نظر صاحبه. فعندما تمنح رواية عقائدية العنفَ قيمة، وتمنح شبكة اجتماعية مرتكبه الاعتراف، يلتقي الدافع الشخصي مع طريق محدد لتحقيقه.

وتكمن دقة النموذج في ترابط مكوناته الثلاثة. فالحاجة إلى القيمة تتطلب تفسيرًا للطريق الذي يمكن أن يشبعها، والرواية التي تقدم هذا التفسير تحتاج إلى محيط يثبت معناها ويكافئ الامتثال لها. ويعرض المقال أدلة تجريبية منسجمة مع النموذج، ويناقش إمكان توجيه طلب الأهمية نحو بدائل عن العنف. ويتطلب استخدامه في التحليل فحص التجربة التي نشط فيها الدافع، والمضمون الذي عيّن الوسيلة، والعلاقات التي دعمتها. ويظل الشعور بالإهانة أو الرغبة في المكانة عنصرًا ضمن هذا التفسير المركب، وتحتاج معرفة أثره إلى تتبع اتصاله بالعناصر الأخرى.

ولهذا، تصبح عبارات مثل “التهميش يصنع التطرف” شديدة الاتساع قياسًا بما ينبغي تفسيره. فالتهميش يتخذ أشكالًا متعددة، والاستجابات له متباينة، وقد تقود خبرات متقاربة إلى مسارات مختلفة. تتحدد القيمة التحليلية في معرفة الوسيط الذي منح التجربة معناها: من فسّر الإهانة؟ ومن عيّن المسؤول عنها؟ وأي فعل قُدّم باعتباره قادرًا على استعادة المكانة؟ يسمح هذا التفصيل بفحص المظالم بصورة جدية، مع إبقاء مسؤولية الاختيار حاضرة.

وتؤدي الجماعة دورًا مركزيًا في تثبيت هذا المعنى، فالفكرة التي يتداولها شخص وحده تختلف في وزنها عن فكرة يتوقف عليها قبوله بين أصدقاء يثق بهم. وقد تناولت أبحاث اندماج الهوية الشعور العميق بوحدة الذات والجماعة، وعلاقته بالاستعداد لتضحيات قصوى لصالحها. وتفيد هذه القراءة في فهم كيف يكتسب الدفاع عن الجماعة طابعًا شخصيًا، وكيف يمكن لتصور الخطر عليها أن يُستقبل بوصفه خطرًا على الذات. ويحتاج تفسير توجّه هذه الروابط نحو العنف إلى فحص القيم التي تتبناها الجماعة والظروف التي تتحرك داخلها.

وتشرح المراجعة النظرية التي قدمها ويليام سوان وزملاؤه عام 2012 اندماج الهوية بوصفه شعورًا عميقًا بوحدة الذات والجماعة. وتبقى فيه الذات الشخصية فاعلة، ويمكن أن تتعاون قوتها مع الانتماء الجماعي في إنتاج استعداد استثنائي للتضحية. ويميز الباحثون بين اندماج محلي يقوم على علاقات شخصية داخل جماعة صغيرة، واندماج ممتد تُنقل فيه مشاعر القرب إلى جماعة أوسع تضم أشخاصًا لا يعرفهم الفرد مباشرة. وتساعد هذه التفرقة على تفسير كيف يكتسب الالتزام بجماعة كبيرة كثافة تشبه الروابط الحميمة.

وتستعرض المقالة بحوثًا تربط مقاييس الاندماج بالاستعداد للقتال أو التضحية بالحياة لصالح الجماعة، وتناقش أدوار الفاعلية الشخصية والإثارة والشعور بالمناعة في هذه العلاقة. كما تتناول أفعالًا أخرى لصالح الجماعة، مثل التبرع بالمال، بما يحدد مجال المفهوم الأوسع. وتتركز دلالته التحليلية في قوة الرابطة والدافع إلى الفعل من أجلها؛ أما طبيعة الفعل فتظل متصلة بمعايير الجماعة والظرف الذي يستدعيه. ومن ثم يحتاج الانتقال من قياس الاندماج إلى تفسير الاعتداء على الآخرين إلى بيان ما جعل ذلك الاعتداء يُقدَّم خدمةً للجماعة.[7]

وتفتح مسألة الطاعة سؤالًا إضافيًا حول الفاعلية والمسؤولية، يراجع ألكسندر هاسلام وستيفن رايشر التفسير الشائع لبعض تجارب الامتثال، ويبرزان دور التماهي مع السلطة والاعتقاد بصواب مشروعها في الاستعداد لاتباعها.[8] وتساعد هذه المقاربة على فهم حالات يتصرف فيها التابع بحماسة ومبادرة، لأنه يرى نفسه مشاركًا في غاية يؤمن بها. وفي هذا النوع من الانخراط يمكن أن تمنح السلطة الفعلَ لغةَ الشرعية، بينما يمنحه الفرد جهده واختياره الشخصي.

تأتي مقالة هاسلام ورايشر، المنشورة عام 2012، بوصفها مراجعة نقدية لتفسير تجارب ميلغرام حول الطاعة وتجربة سجن ستانفورد المرتبطة بزيمباردو. وقد شاع استخدام هذين البرنامجين البحثيين لتفسير الامتثال بوصفه استجابة تلقائية للأوامر أو للأدوار. ويعيد الباحثان قراءة الأدلة في ضوء التماهي مع السلطة ومشروعها. فتتصل قابلية اتباع التعليمات بمدى رؤية المشاركين تلك السلطة ممثلة لغاية يقرّونها، وبالمعنى الذي يمنحونه لمشاركتهم فيها.

وتبرز هذه القراءة دورًا فاعلًا للتابع: قد يبذل جهدًا ومبادرة لأنه يعتقد أنه يخدم مشروعًا جديرًا بالالتزام. ويصبح فهم اختلاف الاستجابات معنيًا كذلك بالمقاومة وبحدود قبول ما تطلبه السلطة. وتستمد المقالة أهميتها من إعادة فتح السؤال عن العلاقة بين الطاعة والاقتناع؛ فهي تعرض تفسيرًا نظريًا مدعومًا بقراءة بحوث، ويقتضي استعمالها الحفاظ على صفتها النقدية وعلى نطاق الأدلة التي تناقشها. وتتيح بهذا المعنى فحص الطاعة من خلال هوية السلطة وشرعية غايتها في نظر التابع، مع استمرار مساءلته عن دوره في التنفيذ.

ويستطيع التنافس على الاعتراف داخل الجماعة أن يجعل المواقف المتشددة مصدر مكانة، كما تستطيع العزلة أن تضيق مصادر التصحيح. وتتناول أدبيات مسارات التطرف تداخل المظالم مع روابط الأصدقاء والأقارب، وتأثير الجماعات المعزولة والتنافس بين الجماعات في دفع المواقف نحو الحدة. وتظهر أهمية هذه العوامل عند دراسة كلفة الانسحاب: ما الذي سيخسره الفرد إذا تراجع؟ ومن سيستقبله خارج الدائرة التي باتت تمنحه المعنى والاعتراف؟[9]

وتضيف البيئات الرقمية مجالًا آخر لهذه العلاقات، يستطيع الفرد أن يعيش بين أشخاص يعرفهم، ويستمد تفسيره لهم من شبكة بعيدة تمنحه تصنيفات جاهزة. ويصبح البحث الدقيق معنيًا بوظيفة تلك الشبكة في الحالة المحددة: كيف تعاملت مع الشك؟ كيف اختارت ما تعرضه من وقائع؟ ومن اكتسب فيها سلطة الحكم؟ هذه الأسئلة أدق من إسناد السببية إلى المنصة بمجرد استخدامها، وتتيح فحص ما إذا كانت البيئة الرقمية قد وفرت صحبة أو اعترافًا أو تبريرًا، وكيف تفاعلت مع حياة الفرد خارجها.

المسافة بين القناعة والفعل

ويظل الانتقال إلى الفعل بحاجة إلى تفسير مستقل، ميّز كلارك ماكولي وصوفيا موسكالينكو بين تطرف الرأي وتطرف السلوك، بما يفتح المجال لفهم اختلاف المسارين وتقاطعهما.[10] فقد تسبق العلاقة بالجماعة اكتمال القناعة، وقد تتغير القناعة مع الانخراط، وقد يستمر اعتقاد حاد من دون أن يتحول إلى ممارسة عنيفة. ولهذا، يحتاج تفسير الفعل إلى إعادة بناء المسار الفعلي للشخص، وفحص علاقاته وتجربته وقراراته، وتحديد اللحظات التي تغير عندها ما يقبله أو يستعد لفعله.

يصوغ ماكولي وموسكالينكو في مقالتهما المنشورة عام 2017 نموذج الهرمين لفصل موقع الفرد في مجال الرأي عن موقعه في مجال الفعل. يميز هرم الرأي بين الحياد، والتعاطف مع قضية، وتبرير العنف دفاعًا عنها، والشعور بواجب شخصي لممارسته. ويميز هرم الفعل بين غياب المشاركة، والنشاط القانوني، والفعل غير القانوني، ثم استهداف المدنيين بصورة غير قانونية عند القمة. وتصف هذه المستويات مواقع تحليلية يمكن الانتقال بينها صعودًا وهبوطًا، مع إمكان تجاوز مستويات وسيطة.

وتنبع أهمية الفصل من أن معرفة ما يعتقده الشخص تترك أسئلة مفتوحة عن سلوكه، كما أن الانخراط العملي قد يرتبط بعلاقات شخصية أو طلب مكانة أو رغبة في الانتقام. وتراجع المقالة أدبيات وأدلة لهذا التمييز، وتلفت إلى دور الوسائل والفرص في تفسير تحوّل بعض أصحاب المواقف الحادة إلى فاعلين. وتظل العلاقة بين الرأي والفعل موضوعًا للفحص في كل مسار، مع التمييز بين تفسير فعل وقع والتنبؤ بمن قد يرتكبه. ويترتب على ذلك اختلاف أدوات دراسة انتشار الأفكار عن أدوات إعادة بناء قرار الاعتداء ومراحله وعلاقاته.

تمنع هذه القراءة التعامل مع الناس كما لو أنهم يتحركون على سلّم واحد ينتهي حتمًا بالعنف، وهي تمنح الوقاية معيارًا أكثر دقة: فحص تبرير الاعتداء، والتهديدات، والعلاقات التي تدعم الانتقال إلى ممارسته، مع صون حرية التدين والرأي والاحتجاج السلمي. وتكتسب الحدود الواضحة للمفهوم أهمية سياسية، لأن توسيعه ليشمل الاختلاف يربك التشخيص، ويضعف الثقة بالجهات التي تتولى المواجهة، ويجعل التعاون معها أكثر صعوبة.

الأردن والجيرة واختبار المواطنة

أعاد الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك سؤالًا يتجاوز اللحظة التي يُطلَق فيها الرصاص: كيف يصل إنسان إلى الاعتقاد بأن إيذاء أشخاص تجمعوا لتوديع ميت يمكن أن يكون فعلًا مشروعًا؟ وما الذي يحدث في علاقته بالآخرين حتى تصبح هويتهم سببًا كافيًا لاستهدافهم؟ تحمل هذه الأسئلة أهمية خاصة في مجتمع تتداخل فيه علاقات الجيرة والقرابة والعمل، ويعرف أبناؤه بعضهم من خلال تفاصيل الحياة اليومية. فحين يصيب العنف هذا النوع من العلاقات، يصبح فهمه متصلًا بالطريقة التي يُعاد بها تعريف الناس، وبالسلطة التي تمنح هذا التعريف قوة تتقدم على سنوات المعرفة المشتركة.

السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه هو كيف يحتفظ مرتكب العنف بصورة أخلاقية عن نفسه، وكيف يستطيع أن يرى في قسوته وفاءً لقضية أو أداءً لواجب. يقتضي الاقتراب من هذه المسألة فحص العلاقة بين الاعتقاد والانتماء والمسؤولية، وفهم الظروف التي تمنح العنف قبولًا لدى صاحبه. وتبقى نسبة أي مسار إلى منفذي جريمة محددة مرتبطة بالأدلة التي تثبتها التحقيقات؛ فقراءة آليات التطرف العنيف توفر أدوات للتفسير، وتحتاج كل حالة إلى اختبار مستقل لهذه الأدوات.

يستطيع الإنسان أن يكون أردنيًا، ومسلمًا أو مسيحيًا، وابن مدينة أو قرية، وزميلًا وصديقًا، وأن يتحرك بين هذه الانتماءات بحسب الموقف.

ولنأخذ مثالًا افتراضيًا يوضح المشكلة: يعرف شخصٌ زميله منذ عشرين عامًا، ويشهد على أمانته ومساندته للآخرين، ثم يتبنى خطابًا يصنف الجماعة التي ينتمي إليها ذلك الزميل بوصفها تهديدًا. تستطيع المعرفة المباشرة أن تربك هذا التصنيف، وقد يجد صاحب الخطاب وسيلة لحماية اعتقاده، فيتعامل مع زميله بوصفه استثناءً، أو يفسر سلوكه الطيب على أنه يخفي حقيقة أخرى. وفي الحالتين تبقى الصورة العامة محصنة، وتفقد الخبرة اليومية قدرتها على تعديلها. هذه إحدى الطرق التي يمكن أن يتغلب بها التصنيف على المعرفة.

حسب التقدير، تقع هنا إحدى المسائل التي تستحق نقاشًا جديًا في الأردن، فقد يحتفظ الإنسان بعلاقة طيبة مع شخص مختلف عنه، بينما يتبنى تصورًا ينتقص من الحقوق العامة للجماعة التي ينتمي إليها. ويمكن أن تتعايش المجاملة الشخصية مع تصور هرمي للمجتمع. وتصبح العلاقة أكثر هشاشة عندما يُفهم وجود الآخر بوصفه أمرًا مقبولًا بشروط تحددها الأكثرية أو الجماعة الأقوى. فالاختبار يتصل بما نعترف به لهذا الآخر عندما يختلف معنا، ويطالب بحقه، ويتصرف باستقلال عن توقعاتنا.

ويمكن ترجمة هذا التمييز في الحالة الأردنية إلى سؤال عن الخبرة التي تنتجها المدرسة والجامعة ومكان العمل. فالتعارف يتيح للإنسان معرفة المختلف عنه، وتمنحه المشاركة المتكافئة في مهمة أو قرار مشترك فرصة لاختبار أهليته للشراكة. حين يتعلم الطالب أن الاعتراض على إهانة زميله يؤخذ بالجدية نفسها، أو يختبر الموظف عدالة المعاملة عند اختلافه مع محيطه، تتصل المساواة بتجربة يستطيع الاستناد إليها. وتزداد قيمة هذه الخبرة حين تمتد خارج العلاقة مع شخص محبوب إلى قاعدة تشمل أشخاصًا يجهلهم أو يختلف معهم. هنا يصبح السؤال عن قدرة المؤسسات المشتركة على تحويل الألفة إلى اعتراف بحق عام، يستمر حتى عند تراجع المودة أو نشوء الخلاف.

وتتطلب حماية التصنيف من الوقائع بناء سلطة خاصة على المعرفة. حين يصبح مصدر واحد مرجعًا لتفسير العالم، يمكن إعادة تأويل الأخبار والأحداث وفق رواية مكتملة سلفًا. يأخذ السؤال معنى التشكيك في الجماعة، ويكتسب الاعتراض كلفة اجتماعية، ويصبح الاعتراف بالخطأ تهديدًا للمكانة التي بناها الفرد حول قناعاته. عندئذ تتصل صعوبة المراجعة بما قد يخسره الإنسان إذا غيّر رأيه: أصدقاءه، أو موقعه، أو تفسيره لسيرته السابقة. هذه زاوية تساعد على فهم الحالات التي تعجز فيها المعلومة الصحيحة عن إحداث الأثر المتوقع منها.

ويأخذ هذا السؤال في الأردن شكلًا أكثر تحديدًا عند التمييز بين الناس الذين يعرفهم الفرد والجماعة التي يحتكم إليها في تقويم ما يعرفه. فقد يحافظ على علاقاته اليومية، ويستمد الاعتراف الذي يطلبه من دائرة أخرى تمنح التشدد مكانة، وتفسر التردد على أنه خذلان. في هذا الاحتمال، تتقدم كلفة مخالفة الجماعة على قيمة الخبرة المباشرة، ويصبح نقد التصنيف تهديدًا لعلاقاته بمن يمنحونه القبول. وتستطيع الدائرة الرقمية أن تدخل في هذه العلاقة بقدر ما توفره من مكافأة رمزية وتأييد متكرر. ويتحدد موضوع الفحص، عندئذ، في الجهة التي تجعل تبرير إيذاء مواطن آخر مقبولًا، وفي قدرة المحيط القريب على الاعتراض على ذلك التبرير.

ويقتضي تطبيق الفصل بين الرأي والفعل على الأردن تعيين اللحظة التي يصبح فيها تبرير الإيذاء استعدادًا شخصيًا لتحمل تبعاته والمشاركة فيه. فقد يتقاطع طلب الاعتراف مع شعور بأن الاعتداء يحقق غاية تستحق كلفته، أو بأن التراجع سيؤدي إلى خسارة المكانة داخل دائرة الانتماء. وقد تعزز المشاركة السابقة هذا الالتزام حين يصبح الانسحاب اعترافًا بخطأ ما فعله الشخص أو وافق عليه. وتبقى هذه مسارات محتملة يُختبَر حضورها بالأدلة الخاصة بكل حالة. أما شدة الاعتقاد وحدها فتترك مسافة واسعة قبل تفسير الاعتداء. وتزداد دقة الوقاية حين تتصل بمعطيات محددة عن التهديد والتحريض والمشاركة، مع تعيين مسؤولية كل شخص عن دوره.

المواطنة ومرجعية الحماية

بالنسبة إلى الأردن، تقود هذه المستويات إلى سؤال يتصل ببنية الأمن الوطني: من يملك تعريف المواطن، ومن يضمن حمايته؟ عندما تمنح جماعة نفسها حق امتحان انتماء الآخرين، تتشكل سلطة موازية تحدد من يستحق الأمان وبأي شروط. وتصل هذه السلطة إلى صورتها القصوى عندما تدعي حق العقاب. عندها يصبح الاعتداء مطالبة عملية بحق تقرير مصير الآخرين، وتمس مواجهته قدرة الدولة على تثبيت مرجعية مشتركة للمسؤولية والحقوق.

وتظهر خطورة ذلك في معنى الحماية ذاته، فإذا بدأ المواطن يقيس أمنه بعدد أبناء طائفته، أو قدرة وجهائه على الوصول إلى المسؤولين، أو مقدار التأييد الذي يستطيع حشده، تصبح الجماعة وسيطًا بينه وبين حقه. وقد توفر هذه الوساطة طمأنينة مؤقتة، ويظل استقرارها مرتبطًا بميزان القوة والنفوذ. أما الحماية المؤسسية فتكتسب معناها حين يستطيع الإنسان الاعتماد عليها حتى عندما يكون أقل عددًا، وأضعف نفوذًا، وأكثر اختلافًا مع محيطه.

من هذه الزاوية، فإن الحديث عن المسيحي الأردني بوصفه صاحب حق أصيل في البلد يحمل مضمونًا أمنيًا وسياسيًا مباشرًا. يختبر هذا الحق قدرة المواطنة على الاستمرار تحت الضغط، وقدرة المؤسسات على ضمان الوجود العلني للإنسان بهويته. الصلاة والاحتفال وتوديع الموتى أفعال يمارس فيها الناس انتماءهم إلى المكان. وعندما تتحول إلى مصدر خوف، يصيب الضرر علاقتهم بالمستقبل أيضًا: هل يستطيعون تخيل حياة أبنائهم فيه بالشعور نفسه من الأمان؟

ويستحق ما يحدث بعد الجريمة مقدارًا مماثلًا من الانتباه، فقد تدفع المخاوف بعض الناس إلى تقليل مشاركتهم، أو تغيير عاداتهم، أو البحث عن دوائر أكثر تجانسًا. هذه احتمالات ينبغي التحقق منها في تجارب المتضررين، وفهمها من دون تحميلهم مسؤولية الخوف الذي أصابهم. ويكمن أثرها السياسي المحتمل في تراجع اللقاءات التي كانت تنتج معرفة متبادلة، واتساع الاعتماد على الصور العامة. بذلك يستطيع الخوف أن يضعف، مع الوقت، العلاقات التي تساعد على مقاومة التصنيف.

وتنبع أهمية الاستجابة المجتمعية من قدرتها على منع هذا الأثر من الاستقرار، التضامن العلني يمنح المتضررين اعترافًا واضحًا بمكانهم وحقهم، ويتعمق أثره حين يستمر في تفاصيل الحياة بعد انحسار الاهتمام العام. ويصبح السؤال العملي متعلقًا بعودة الناس إلى أماكنهم ومناسباتهم، وبقدرتهم على ممارسة حقوقهم من دون الحاجة الدائمة إلى استثناءات وضمانات شخصية. هنا يمكن قياس الصلة بين إجراءات الحماية والشعور الفعلي بها.

وتقتضي الاستجابة الفكرية قدرًا مماثلًا من التحديد. ففي المدرسة والجامعة، يمكن تدريب الطلاب على تفكيك الانتقال من فعل شخص إلى إدانة جماعة، وعلى فحص الدليل الذي يستند إليه الحكم. وفي الخطاب الديني، تتصل المسؤولية بمناقشة الادعاءات التي تمنح الفرد سلطة الاعتداء على حياة الآخرين، ومعالجة المبررات المحددة التي تُستخدم لإباحة الأذى. وفي الإعلام، يساعد الحفاظ على اسم الضحية وسيرتها، وربط المسؤولية بالفاعل، على مقاومة تحويل الناس إلى كتل متقابلة.

وتحتاج هذه الجهود إلى خبرة مؤسسية تسندها، فالمواطن الذي يستطيع الاعتراض والوصول إلى جهة تستمع وتفسر قرارها وتخضع للمساءلة يمتلك مسارًا لمعالجة الخلاف داخل المجال العام. ويكتسب الإنصاف قيمته حين يكون قابلًا للاختبار في الإجراءات اليومية. من هنا، تتصل المشاركة السياسية وعدالة المعاملة والثقة بالمؤسسات بقدرة المجتمع على إبقاء المظالم موضوعًا للمطالبة والمراجعة، وحماية أصحابها من احتكار جماعات مغلقة لتفسير تجاربهم وتحديد خياراتهم.

أثر الجريمة وحدود الاستجابة

وعليه، فإن استعادة سلطة المعرفة الشخصية تمثل جزءًا أساسيًا من هذا العمل: المقصود أن تبقى حياة الإنسان قادرة على تعديل أحكامنا عنه، وأن يحتفظ بما يجعله مسؤولًا عن أفعاله وصاحب حق مستقل عن أحكامنا على جماعته. فحين يُقال عن جار نعرفه إنه مجرد استثناء، يمكن أن نسأل عن الرواية التي تستبعد باستمرار الوقائع التي تناقضها. وحين يُحمَّل شخص وزر آخرين، ينبغي أن يبقى السؤال عن فعله هو أساس المحاسبة.

يصبح القتل واجبًا في أحد مسارات التطرف عندما يمنح الفاعل نفسه سلطة تعريف الضحية، وتحديد ذنبها، وإقرار عقوبتها، ثم يجد رواية وجماعة تمنحانه الاعتراف بما يفعل. وتبدأ مقاومة هذا المسار باستعادة الحدود التي حاول تجاوزها: مسؤولية الفرد عن اختياره، وحق الآخر في الأمان، ومرجعية المؤسسات في حماية الحقوق ومحاسبة المعتدي. وكلما كانت هذه الحدود واضحة وعادلة وقابلة للاعتماد، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة من يحاولون انتزاع سلطة الحكم على حياة الناس.

يبقى السؤال الذي تضعه الكرك أمامنا شديد القرب: كيف نحافظ على الإنسان الذي عرفناه من أن يتحول إلى التصنيف الذي يُراد فرضه عليه؟ في الإجابة تتصل الهوية بالأمن، وتتصل المواطنة بالحياة اليومية. ويظهر أثرها حين يستطيع إنسان أن يدخل كنيسته أو مسجده، ويودّع من يحب، ويعود إلى بيته مطمئنًا إلى أن مكانه في البلد ثابت.


[1] Turner, J. C., Oakes, P. J., Haslam, S. A., & McGarty, C. (1994). Self and collective: Cognition and social context. Personality and Social Psychology Bulletin, 20(5), 454–463. https://doi.org/10.1177/0146167294205002

[2] Turner, J. C., Sachdev, I., & Hogg, M. A. (1983). Social categorization, interpersonal attraction and group formation. British Journal of Social Psychology, 22(3), 227–239. https://doi.org/10.1111/j.2044-8309.1983.tb00587.x

[3] Pettigrew, T. F., & Tropp, L. R. (2006). A meta-analytic test of intergroup contact theory. Journal of Personality and Social Psychology, 90(5), 751–783. https://doi.org/10.1037/0022-3514.90.5.751

[4] Bandura, A. (1999). Moral disengagement in the perpetration of inhumanities. Personality and Social Psychology Review, 3(3), 193–209. https://doi.org/10.1207/s15327957pspr0303_3

[5] Rai, T. S., Valdesolo, P., & Graham, J. (2017). Dehumanization increases instrumental violence, but not moral violence. Proceedings of the National Academy of Sciences, 114(32), 8511–8516. https://doi.org/10.1073/pnas.1705238114

[6] Kruglanski, A. W., Gelfand, M. J., Bélanger, J. J., Sheveland, A., Hetiarachchi, M., & Gunaratna, R. (2014). The psychology of radicalization and deradicalization: How significance quest impacts violent extremism. Political Psychology, 35(S1), 69–93. https://doi.org/10.1111/pops.12163

[7] Swann, W. B., Jr., Jetten, J., Gómez, Á., Whitehouse, H., & Bastian, B. (2012). When group membership gets personal: A theory of identity fusion. Psychological Review, 119(3), 441–456. https://doi.org/10.1037/a0028589

[8] Haslam, S. A., & Reicher, S. D. (2012). Contesting the “nature” of conformity: What Milgram and Zimbardo’s studies really show. PLOS Biology, 10(11), e1001426. https://doi.org/10.1371/journal.pbio.1001426

[9] McCauley, C., & Moskalenko, S. (2008). Mechanisms of political radicalization: Pathways toward terrorism. Terrorism and Political Violence, 20(3), 415–433. https://doi.org/10.1080/09546550802073367

[10] McCauley, C., & Moskalenko, S. (2017). Understanding political radicalization: The two-pyramids model. American Psychologist, 72(3), 205–216. https://doi.org/10.1037/amp0000062

زر الذهاب إلى الأعلى