الأردن أمام التحولات الإسرائيلية والإقليمية: دلالات الخطاب الملكي في الأمم المتحدة وأولويات التحرك الوطني

- يظل سيناريو التهجير الأوسع حضورًا في حسابات التيار المهيمن، وهو أخطر على الأردن
- فأي صيغة تضع على الأردن مسؤوليات أمنية أو إدارية واسعة، مع بقاء أدوات السيطرة الأساسية بيد إسرائيل، تستنزف المملكة وتدخلها في احتكاك يومي مع السكان الفلسطينيين وتفتح بابًا لإثارة الانقسام داخل الأردن.
- الصمود الفلسطيني قائم اليوم، غير أن قدرته على الاحتمال تتآكل أمام ضغوط بهذا الحجم وهذه الاستمرارية.
- وقد كشفت دعوات في النقاش الإسرائيلي عقب الخطاب إلى “إغلاق صنبور المياه” عن الأردن أن هذه الورقة حاضرة في تفكير أطراف إسرائيلية، وأنها من أول ما يُستدعى عند التوتر.
- غير أن سياسات الحكومة الإسرائيلية تبقى التحدي الأول للأمن الوطني الأردني، بحكم الجغرافيا وطبيعة الملفات المفتوحة ومباشرة أثرها.
- قد يبدأ النزوح داخل الضفة، بين القرى والمدن، ثم يتحول إلى ضغط أوسع إذا تقلصت موارد الاستيعاب وفرص العمل والأمان.
- يقوم الطرح في جوهره على الديموغرافيا أكثر من الجغرافيا: أن يتحمل الأردن عبء السكان والأمن في مناطق مأهولة، فيما تبقى الأرض والمعابر والموارد وقرار استخدام القوة بيد إسرائيل.
- تزداد أهمية هذه الأرضية لأن الخطاب الإسرائيلي يركز على تصوير الأردن دولةً منقسمة، هشة اجتماعيًا وضعيفة ديموغرافيًا.
- وصلت الرسالة إلى دول الخليج بوضوح: الحماية الأمريكية تخضع لحسابات المصالح والكلفة، وتختلف باختلاف موقع الاعتداء وطبيعته.
- ما تريده إسرائيل في الضفة استراتيجية تعمل عليها بتخطيط طويل المدى وأدوات متعددة، وهي قابلة للإحباط إذا قوبلت بإرادة منظمة.
- المشروع الإسرائيلي في الضفة قرار سياسي قابل للمواجهة، والمصالح العربية تحتاج بدورها إلى قرار يحولها إلى واقع.
الملخص التنفيذي
ألقى الملك عبدالله الثاني خطابه أمام المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2026، في مرحلة يتداخل فيها التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية مع المخاطر المحيطة بالحدود الشمالية والموارد المائية، ومع اضطراب ترتيبات الأمن في الإقليم. حمل الخطاب مواقف أردنية ثابتة، واكتسب وزنه الخاص من توقيته وأدائه، ومن تسميته الصريحة لخطرين يمسّان الأمن الوطني مباشرة: التهجير القسري في الضفة الغربية، والتهديد الإسرائيلي للأمن المائي عبر الجنوب السوري.
تقدّر الورقة أن الخطر الأقرب يتمثل في فرض الوقائع تدريجيًا، بما يرفع كلفة الحياة في الضفة ويُضعف مقومات الكيان الفلسطيني، فيما تتراكم مصادر الضغط على الأردن. وستتواصل هذه العملية على الأرجح أيًّا كانت الحكومة الإسرائيلية المقبلة؛ فالخلاف بين نتنياهو وخصومه يدور في معظمه حول الأسلوب وصورة إسرائيل في الخارج، ويبقى الاتجاه العام ماضيًا نحو تثبيت السيطرة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني عليها.
يوفّر الإجماع الداخلي الذي عكسه التفاعل مع الخطاب أساسًا سياسيًا لبرنامج عمل وطني مستدام، تشارك فيه الحكومة ومجلسا النواب والأعيان والأحزاب والإعلام، ويربط الدبلوماسية بدعم الصمود الفلسطيني، وبخطط المياه والحدود، وبتمتين النسيج الاجتماعي. وعلى المستوى الإقليمي، ترى الورقة في اتفاق مكة للدفاع المشترك إطارًا ينبغي للأردن أن ينخرط فيه ويدفع نحو تطويره إلى نموذج عربي أوسع، في إقليم يتحول فيه عدم الاستقرار إلى سمة ثابتة للنظام الإقليمي.
خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، ترجّح الورقة استمرار الضغط المتدرج، مع بقاء احتمال التصعيد الواسع، وإمكان احتواء بعض الجبهات بتفاهمات محدودة. ويُقاس نجاح السياسة الأردنية بقدرتها على تقليص قابلية المملكة للضغط في كل من هذه المسارات، وبما تحققه من نتائج ملموسة في ملفات الصمود والمياه والتنسيق الإقليمي.
أولًا الدلالة السياسية للخطاب وحدود أثره
جاء الخطاب امتدادًا لخط سياسي أردني متصل، فقد عبّر الملك عن المضمون ذاته، وبدرجة مماثلة من الصراحة، في القمة العربية بالقاهرة وفي لقاءاته الإعلامية، وينسجم هذا الخط مع ما يعبّر عنه وزير الخارجية أيمن الصفدي والملكة رانيا العبدالله وولي العهد، ضمن منظومة خطاب رسمي متماسكة في تشخيص الحرب والسياسات الإسرائيلية. وتناول الخطاب، إلى جانب الضفة الغربية وجنوب سوريا، دور المملكة في التجارة والصناعة والتكنولوجيا، ودعم الأونروا، وحماية المقدسات.[1] ويعكس هذا الجمع فهمًا للمصلحة الأردنية يقوم على مواجهة التهديد المباشر وبناء مقومات القوة الاقتصادية في آن واحد.
اتسع صدى الخطاب لأسباب تتصل بظروف إلقائه. فقد جاء من أوائل الكلمات في المناقشة العامة، فأسهم في تشكيل مزاج الجلسات. واجتمع فيه وضوح المصطلح مع حضور شخصي وأسلوب إلقاء يخاطب جمهورًا عالميًا بلغته، على نحو يصلح نموذجًا يُدرَّس في الاتصال السياسي. وصادف كذلك مرحلة انتخابية حادة في إسرائيل، يتنافس فيها نتنياهو وخصومه على صورة الدولة وموقعها الدولي، فجاءت رسالة العزلة في توقيت شديد الحساسية لحكومته. وهذا ما يفسر سرعة رد وزارة الخارجية الإسرائيلية، والحملة التي أطلقها فريق وزير الخارجية جدعون ساعر.
يحتل مفهوم “قوة الانتباه”، كما صاغه الملك، موقعًا مركزيًا في فهم هذا الصدى، تراهن الحكومة الإسرائيلية على تشتيت الاهتمام الدولي، إذ تتراجع كلفة الانتهاك حين يصبح مألوفًا أو حين تنصرف الحكومات إلى أزمة أخرى. واستخدم الخطاب المفهوم لإعادة تركيز الانتباه على غزة والضفة الغربية، في وقت يتسع فيه التحول في الرأي العام الأوروبي والأمريكي، وتتوالى العقوبات البريطانية والأوروبية، وتنشر الصحافة الإسرائيلية تحذيرات من تغير المزاج الألماني تجاه إسرائيل. وقدّم في الوقت ذاته نقضًا للرواية التي بنتها إسرائيل عن نفسها طوال عقود، رواية دولة القانون والديمقراطية التي تبحث عن شريك للسلام ولا تجده، وخاطب العالم في ذلك بلغته ومرجعياته.
والتزم الخطاب انضباطًا واضحًا في تحديد الهدف. فالأردن يواجه ملفات متعددة، وتعرضت سيادته لاعتداءات مرتبطة بالصواريخ الإيرانية، ومع ذلك انصرف الملك إلى القضية الفلسطينية في صلتها بالأمن الوطني الأردني، وإلى سلوك الحكومة الإسرائيلية تحديدًا. ووردت إيران في سياق مبادرة السلام العربية، ضمن سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية أبدت استعدادها لعلاقات طبيعية مع إسرائيل مقابل قيام الدولة الفلسطينية. حصر الخطاب بذلك المواجهة في حكومة نتنياهو وسياساتها، وضيّق عليها فرصة توسيع دائرة الخصوم للتخفيف من عزلتها.
تبقى قياسات الأثر السياسي مرتبطة بما يلي الخطاب، فالتصفيق والتغطية الإعلامية مؤشرات على التلقي، أما الأثر فيظهر في سلوك الدول اللاحق: مستوى تعاونها مع السياسات الاستيطانية، وحجم دعمها للمؤسسات الفلسطينية، واستعدادها لحماية المصالح الأردنية عند تعرضها للضغط. ويستطيع الأردن هنا مخاطبة الشركاء انطلاقًا من التزاماتهم المعلنة؛ فالدولة التي تؤيد حل الدولتين مطالبة بتفسير موقفها من إجراءات تقوّض شروطه المكانية والاقتصادية. ويفتح هذا التناقض مجالًا لدبلوماسية محددة المطالب، يقترن فيها كل طلب بجهة مسؤولة وآلية متابعة.
بهذا المعنى يشكّل الخطاب نقطة تحول لها ما قبلها وما بعدها، ويتحدد مداها بما تفعله المؤسسات الأردنية برسائله. والفرصة المتاحة الآن هي اعتماد هذه الرسائل مرجعية لبرنامج عمل وطني يُدار بانتظام ويُقوَّم على أساس النتائج.
ثانيًا الضفة الغربية والتحولات في السياسة الإسرائيلية
سمّى الخطاب ما يجري في الضفة الغربية باسمه: تهجير قسري، وحسم بذلك جدلًا داخليًا أردنيًا حول طبيعة ما يحدث غربي النهر؛ فالمسألة تتصل بمصير الضفة وسكانها، وتمس المصالح الأردنية مباشرة، وتتقدم بأدوات متعددة تعمل معًا: اعتداءات المستوطنين، وقرارات الضم، وأحكام المحاكم الإسرائيلية، وهدم البيوت، وتوسيع المستوطنات، وشبكة الحواجز. وقد وصفها الملك بأنها عملية ممنهجة، وهو وصف يضعها في خانة السياسة المقصودة.
ينشأ الخطر على الأردن من الأثر المتراكم لهذه الأدوات في قدرة الفلسطينيين على البقاء. فهدم المسكن، وفقدان الأرض أو الدخل، وتعطل الوصول إلى المدرسة والمستشفى، عوامل تتضافر لتجعل الحياة في بعض المناطق أشد صعوبة. وقد يبدأ النزوح داخل الضفة، بين القرى والمدن، ثم يتحول إلى ضغط أوسع إذا تقلصت موارد الاستيعاب وفرص العمل والأمان. والصمود الفلسطيني قائم اليوم، غير أن قدرته على الاحتمال تتآكل أمام ضغوط بهذا الحجم وهذه الاستمرارية.
يستدعي ذلك رصدًا يقرأ الحوادث في أثرها التراكمي، ويتتبع التغير المستمر في المكان والسكان: تجمعات أُخليت، وأراضٍ تعذر الوصول إليها، وأسر فقدت مصادر دخلها، ومناطق انقطعت عنها الخدمات. كما ينبغي التمييز بين النيات المعلنة، والإجراءات المنفذة، والنتائج السكانية المتحققة، لأن قوة الدليل تتفاوت بين هذه المستويات. ويترتب على ذلك أن دعم الصمود يحتاج إلى تعريف إجرائي يشمل السكن والدخل والخدمات والمساندة القانونية والوصول إلى الأسواق، وتتحدد قيمة كل تدخل بمقدار ما يساعد أسرة أو مؤسسة أو تجمعًا محليًا على الاستمرار في مكانه.
يتزامن هذا المسار مع تطورات داخل النظام السياسي الإسرائيلي، فبحسب بيان مركز “عدالة”، الذي يمثل القوائم والمرشحين المعنيين، صوتت لجنة الانتخابات المركزية في 23 أيلول 2026 على شطب القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة ومرشحين، وأعلن المركز عزمه الطعن في القرارات أمام المحكمة العليا.[2] وللخطوة حسابات انتخابية واضحة؛ إذ يُتوقع أن تعجز أي كتلة عن تحقيق أغلبية منفردة، ما يمنح الأصوات الصغيرة دورًا حاسمًا في تشكيل الائتلاف المقبل. والكتلتان العربيتان، على اختلافهما، أقرب إلى معسكر خصوم نتنياهو، الذين يراهنون على هذه الأصوات في مواجهته. ويبقى مسار الطعون عنصرًا حاسمًا في تقدير الأثر النهائي للقرار.
أما بالنسبة إلى الأردن، فإقصاء التمثيل العربي يضيّق مساحة الاعتراض داخل الكنيست على سياسات الأرض والاستيطان. ويستحق المتابعة من زاوية أخرى أيضًا: ما إذا كانت المنافسة الانتخابية ستدفع الأطراف الإسرائيلية إلى مزيد من التشدد في ملفات الأرض والحدود والتسوية.
طرح ليبرمان وعودة “الخيار الأردني”
أعاد أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، طرح فكرة إسناد مسؤوليات أمنية وإدارية للأردن في منطقتي “أ” و”ب” من الضفة الغربية، وأثار اقتراحه اعتراضات من نتنياهو وقوى يمينية أخرى.[3] ويمثل ليبرمان في هذه المسألة اتجاهًا محدودًا داخل السياسة الإسرائيلية، إذ يتمسك خصوم نتنياهو الرئيسيون بصيغة سلطة فلسطينية تدير السكان. ويقوم الطرح في جوهره على الديموغرافيا أكثر من الجغرافيا: أن يتحمل الأردن عبء السكان والأمن في مناطق مأهولة، فيما تبقى الأرض والمعابر والموارد وقرار استخدام القوة بيد إسرائيل.
للفكرة سوابق معروفة. يروي مارتن إنديك في كتابه “سيد اللعبة” أن الملك الحسين، حين عُرض عليه عام 1974 تصور يبدأ بأريحا، رفضه في حديثه مع هنري كيسنجر في العقبة، ورأى فيه عرضًا يمنح الأردن السكان دون الأرض.[4] وعادت صيغ قريبة إلى التداول خلال ولاية ترامب الأولى في سياق ما عُرف بـ”صفقة القرن”، ثم تراجعت. والموقف الأردني منها ثابت: رفض من حيث المبدأ.
رفض نتنياهو الطرح، وقوبل في أوساط اليمين باستخفاف. تقرأ الورقة هذا الرفض مؤشرًا على سقف أعلى في التفكير الإسرائيلي السائد: الاحتفاظ بالأرض كاملة فيما يسميه اليمين “يهودا والسامرة”، مع تقليص الوجود الفلسطيني عليها بنسب كبيرة خلال السنوات المقبلة. ويظل سيناريو التهجير الأوسع حضورًا في حسابات التيار المهيمن، وهو أخطر على الأردن من “الخيار الأردني” ذاته.
ومع ذلك، يحمل طرح ليبرمان مخاطره الخاصة. فأي صيغة تضع على الأردن مسؤوليات أمنية أو إدارية واسعة، مع بقاء أدوات السيطرة الأساسية بيد إسرائيل، تستنزف المملكة وتدخلها في احتكاك يومي مع السكان الفلسطينيين، وتُضعف التمثيل السياسي الفلسطيني، وتفتح بابًا لإثارة الانقسام داخل الأردن. والمعيار الأردني هنا واضح: دعم المؤسسات الفلسطينية وقدرتها على ممارسة مسؤولياتها، والحفاظ على صلة الحل السياسي بالسيادة على الأرض.
حدود الرهان على تغيير الحكومة الإسرائيلية
يتردد في النقاش العربي سؤال عمّا إذا كانت هزيمة نتنياهو ستغير السياسات تجاه الضفة الغربية والأردن. تقدّر الورقة أن الاتجاه العام سيستمر. فالخلاف بين نتنياهو وخصومه، ومنهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، يتعلق في معظمه بصورة إسرائيل وأسلوب إدارة علاقاتها الخارجية. ويقبل هؤلاء استيطانًا مغطى بإطار قانوني أنعم، وسياسات تهجير أهدأ وأقل استثارة للانتباه الدولي، وهو ما يمكن تسميته “الاستيطان اللطيف” و”التهجير الذكي”. وتخلو برامج التيارات الرئيسية من أي عودة إلى مسار أوسلو أو التزام بدولة فلسطينية ذات سيادة.
وقد تحمل حكومة جديدة مخاطر من نوع مختلف. فخطاب نتنياهو وسلوك حكومته أسهما في عزل إسرائيل دوليًا وإقليميًا، وحكومة أبرع في اللغة الدبلوماسية قد تخفف هذه العزلة دون أن تغير المسار على الأرض، وتجعل بعض السياسات أسهل تسويقًا لدى الشركاء. لذلك يظل الاختبار في السلوك: موقف الحكومة المقبلة من الاستيطان والسلطة الفلسطينية والقدس والمياه. وتتيح هذه المقاربة للأردن الاستفادة من أي انفراج فعلي، مع الاحتفاظ بجاهزيته لاستمرار الضغط.
ما تريده إسرائيل في الضفة استراتيجية تعمل عليها بتخطيط طويل المدى وأدوات متعددة، وهي قابلة للإحباط إذا قوبلت بإرادة منظمة. والسؤال الأردني المركزي هو بناء استراتيجية مقابلة، تنطلق من تعريف واضح للمصلحة الوطنية في بقاء الفلسطينيين على أرضهم.
ثالثًا الحدود الشمالية والأمن المائي
أعطى الخطاب الحدود الشمالية وزنًا صريحًا، وربط التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا بأمن الأردن ومياهه. وحسم بذلك نقاشًا كان يستبعد أن تمس إسرائيل الأمن المائي الأردني، استنادًا إلى التفاهمات القائمة والضمانات الأمريكية. وقد كشفت دعوات في النقاش الإسرائيلي عقب الخطاب إلى “إغلاق صنبور المياه” عن الأردن أن هذه الورقة حاضرة في تفكير أطراف إسرائيلية، وأنها من أول ما يُستدعى عند التوتر.
يضيف جنوب سوريا بعدًا مباشرًا إلى تقدير المخاطر، فكل تغير مستمر في الانتشار العسكري أو السيطرة على المناطق القريبة من الحدود يؤثر في حرية الحركة، وفي شبكات التهريب، وفي قدرة السلطات السورية على إدارة المجال المجاور للمملكة. وتحتاج قراءة التطورات إلى الفصل بين التوغل العسكري المؤقت، والوجود المستدام، وفرض ترتيبات على السكان والموارد؛ فلكل حالة آثار مختلفة على الأردن. أما الحديث عن ممر يصل الجولان بالسويداء، فيُدرج في التخطيط الوطني ضمن السيناريوهات التي تستحق المراقبة، مع ربط درجة الثقة فيه بما يتوافر من خرائط وقرارات وتحركات ميدانية متصلة.
في ملف المياه، ينبغي التمييز بين مسارين للضغط، يتعلق الأول بتغير السيطرة أو السحب أو التشغيل في حوض اليرموك وروافده، ويتطلب متابعة هيدرولوجية وميدانية وتنسيقًا مع سوريا. ويتعلق الثاني باحتمال تعطيل الإمدادات والترتيبات القائمة مع إسرائيل، ويتطلب تقديرًا دقيقًا لدرجة الاعتماد عليها، واستعدادًا فنيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا لأي اضطراب.
تستمد المخاطر وزنها من مقدار الانكشاف والوقت اللازم للتعويض، فاضطراب محدود في موسم ذروة الطلب قد يخلّف أثرًا يفوق اضطرابًا أطول في فترة أخرى. لذلك يحتاج تقدير الأمن المائي إلى بيانات تشغيلية عن المخزون، وقدرات الضخ والنقل، والبدائل المتاحة وكلفة تفعيلها، والفئات والمناطق الأكثر تأثرًا.
تتقدم الأولويات العملية في اختبار خطط الطوارئ، وخفض الفاقد، وحماية المنشآت، وتسريع البدائل التي تثبت جدواها. وتظل المشروعات الكبرى ضرورية لبناء الاستقلالية المائية على المدى الأبعد، فيما تتطلب المرحلة الانتقالية أدوات قابلة للتشغيل خلال أسابيع أو أشهر. وتكتسب الرسالة الدبلوماسية الأردنية وزنًا أكبر حين تستند إلى هذه الجاهزية.
رابعًا التماسك الوطني وإدارة الخلاف الداخلي
شهدت النخب الأردنية قبل الخطاب سجالًا واسعًا حول ترتيب التحديات. رأى بعضهم أن خطاب وزارة الخارجية تجاه إسرائيل ألحق ضررًا بالأردن في مرحلة لا تحتمل التصعيد، ودعا آخرون إلى “الاتجاه شرقًا”، وقدّموا الضفة الغربية شأنًا فلسطينيًا، والقدس والمقدسات عبئًا على الوصاية الهاشمية. ولمّح بعض أصحاب هذا الرأي إلى صلته بتصورات الدولة. جاء خطاب الملك ليحدد موقف الدولة بوضوح لا يحتمل التأويل، كما تعبّر عنه كذلك الملكة ووزير الخارجية. ويبقى لأصحاب الآراء الأخرى حقهم الكامل في التعبير عنها، على أن تُقدَّم اجتهاداتٍ خاصة.
حدد الخطاب موقع الضفة الغربية والحدود الشمالية والمياه والوصاية على المقدسات ضمن صلب المصالح الوطنية، ولإيران أدوار سلبية تجاه الأردن، فقد اعتدت على سيادته، وفي سياساتها تجاهه قدر واضح من العدوانية، وللأردن كذلك خلافات مع أطراف أخرى في المنطقة. غير أن سياسات الحكومة الإسرائيلية تبقى التحدي الأول للأمن الوطني الأردني، بحكم الجغرافيا وطبيعة الملفات المفتوحة ومباشرة أثرها.
يتسع النقاش العام لاختلاف التقديرات بشأن الأولويات والشراكات وأساليب التعامل مع إسرائيل وإيران، ويحتاج إلى معلومات واضحة تقلل مساحة التأويل، وإلى استمرار المساءلة البرلمانية وحرية النقد، بما يسمح باختبار القرارات وتحسينها والمحافظة على الثقة. كما يتطلب مغادرة “عقلية الفزعة”، أي أيام قليلة من الحماسة والخطابات والإطلالات التلفزيونية يعقبها انصراف عن الموضوع، في مواجهة سياسات إسرائيلية متواصلة لها تداعيات مباشرة على الأمن الوطني.
تظهر إمكانية التقاطع بين الدولة والمعارضة في تصريحات الأمين العام لحزب الأمة، معاذ الخوالدة، عقب انتخابه في 19 أيلول 2026، بشأن الوقوف خلف القوات المسلحة الأردنية في مواجهة الأخطار الخارجية ورفض الوطن البديل.[5] ويكتسب هذا الموقف دلالته من موقع الحزب في طيف المعارضة الإسلامية، ومن صدوره قبل الخطاب الملكي، ما يجعله مؤشرًا على أرضية مشتركة في حماية الدولة. وتزداد أهمية هذه الأرضية لأن الخطاب الإسرائيلي يركز على تصوير الأردن دولةً منقسمة، هشة اجتماعيًا وضعيفة ديموغرافيًا.
في هذا السياق جاء رد وزارة الخارجية الإسرائيلية على الخطاب باستدعاء قرار فك الارتباط، وتقديمه حرمانًا للفلسطينيين من الجنسية الأردنية. وتكشف العودة إلى وثائق القرار حجم الانتقائية في هذه الرواية. فقد ربط خطاب الملك الحسين في 31 تموز 1988 القرار بدعم الهوية الفلسطينية والتجاوب مع توجه منظمة التحرير الفلسطينية، في سياق قرارات قمة الرباط عام 1974، وأكد حقوق المواطنة للأردنيين من أصل فلسطيني المقيمين في المملكة.[6] أما الآثار القانونية والإدارية اللاحقة على الأفراد، فتحتاج دراسة مستقلة لوثائق التنفيذ والحالات المعنية. ويعكس الرد الإسرائيلي حجم الضرر الذي ألحقه الخطاب بالحكومة الإسرائيلية، ومحاولتها التأثير في رأي عام دولي تشعر بأنها تخسره.
تحمي هذه الدقة الداخل من تحويل ملف تاريخي معقد إلى أداة لاستثارة المخاوف. ويضعف أثر أي خطاب يستهدف التماسك الأردني حين تتوافر المعلومات الموثقة، وتُصان المساواة في المواطنة، وتتضح العلاقة بين حماية الأردن والحقوق الفلسطينية. وتظل الضغوط المعيشية جزءًا من هذا الملف، إذ تتأثر القدرة على تحمل أزمات طويلة بالدخل والعمل والخدمات والثقة في توزيع الأعباء.
خامسًا الإقليم: عدم الاستقرار بوصفه نظامًا إقليميًا
تتجه المنطقة، على المديين القصير والمتوسط، إلى حالة يصفها بعض المحللين بـ”اللاسلم واللاحرب”. والأدق توسيع المفهوم إلى “حالة اللااستقرار الإقليمي”، التي تتحول تدريجيًا إلى سمة للنظام الإقليمي ذاته. ويظهر ذلك في ترابط الجبهات: الهجمات الحوثية على السعودية، وأمن باب المندب ومضيق هرمز، والضربات الإيرانية المتفرقة، وامتداد التوتر إلى إثيوبيا وصوماليلاند. وقد تنخفض حدة المواجهة في جبهة بينما تتصاعد في أخرى، ما يفرض على الأردن متابعة كل مصدر اضطراب على حدة، ومراقبة القنوات التي تنقل أثره إلى حدوده واقتصاده.
تبقى التفاهمات الأمريكية الإيرانية المحتملة عاملًا مؤثرًا، ويُرجَّح أن ينحصر نطاقها في مضيق هرمز والبرنامج النووي، مع استمرار الخلاف حول النفوذ الإقليمي والجماعات المسلحة. وتبدو صفقة إقليمية كبرى على حساب العرب، وهي ما خشيته عواصم عربية في السابق، أصعب منالًا اليوم. وفي المقابل، قد يؤدي تعثر التفاوض إلى انفجار جديد، وتعكس تصريحات الرئيس ترامب نفسها، حين وضع الخيار بين تدمير شامل ومسار آخر، حجم عدم اليقين. لذلك يُستحسن تقييم أي تفاهم وفق نصه وأطرافه وآليات تنفيذه وما يتركه خارج نطاقه، ومتابعة الاستعدادات العسكرية وتغير قواعد الاشتباك إلى جانب التصريحات.
تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية وتنافس النماذج
تمثل درجة الالتزام الأمريكي تجاه الشركاء متغيرًا حاسمًا في هذا المشهد، فقد امتنعت واشنطن عن التدخل في مواجهة الهجوم الحوثي على السعودية، وتراجع الرئيس ترامب في اللحظة الأخيرة عن قرار كان متوقعًا بشأن الحوثيين، ثم دخل في مفاوضات معهم في سلطنة عُمان. وصلت الرسالة إلى دول الخليج بوضوح: الحماية الأمريكية تخضع لحسابات المصالح والكلفة، وتختلف باختلاف موقع الاعتداء وطبيعته.
تتنافس في المنطقة اليوم تصورات مختلفة للنظام الإقليمي المقبل، يقوم تصور الإدارة الأمريكية على خطط “ما بعد الحرب على إيران” وإحياء الاتفاقات الإبراهيمية، وقد تراجعت جاذبيته خليجيًا وعربيًا مع استثناءات قليلة. ويبرز في المقابل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان خيارًا بديلًا. ويثبت البيان المشترك لاجتماع إسطنبول في 31 آب 2026 تشكيل لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، والاتفاق على إنشاء أمانة في السعودية يتولى رئاستها أولًا أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات.[7] تمثل هذه الخطوات تقدمًا مؤسسيًا، فيما تنتظر القدرة الفعلية على الردع اختبار التنسيق والجاهزية وسرعة القرار.
الفرصة العربية واتفاق مكة
تنشأ الفرص في حالات عدم الاستقرار لمن يحسن التقاطها، وأمام النظام العربي اليوم فرصة من هذا النوع، تقع مسؤوليتها على دول مثل السعودية ومصر والأردن وقطر. فقد دفعت الرسالة الأمريكية السعودية إلى الاستثمار بقوة في اتفاق مكة وفي بناء علاقات جديدة، ومنها التقارب مع مصر الذي عكسته زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة ولقاؤه بالرئيس السيسي. والمطلوب أن يتطور الاتفاق إلى قيادة عسكرية مشتركة وتصورات استراتيجية مشتركة، وأن يتسع ليشمل دولًا عربية وخليجية أخرى، فيتشكل نموذج عربي للأمن الإقليمي. وتقدّر الورقة أن مصلحة الأردن تكمن في الانخراط في هذا المسار والانضمام إليه إلى جانب مصر، مع بدء التعاون في مجالات عملية كالإنذار المبكر وحماية البنية التحتية والتدريب وإدارة الأزمات، ووضوحٍ مسبق في الالتزامات وآلية القرار والتمويل.
ويغيّر هذا المسار شروط الحوار مع إيران. فحين تعقد كل دولة عربية تفاهماتها المنفردة مع طهران لتجنب الاستهداف، تكتسب إيران قوة إضافية تدركها جيدًا. وإيران دولة لها مصالحها وأهدافها، وقد تمددت في دول عربية عدة لغياب طرف يجلس معها إلى الطاولة ويخاطبها بلغة المصالح والقوة. والحوار معها ضروري لخفض المخاطر وضبط السلوك، ويكون أجدى حين ينطلق من موقع قوة: مصالح عربية واضحة، وتحالفات قائمة، وشروط محددة، وتفاهمات مرتبطة بالتزامات قابلة للمتابعة.
الممرات الاقتصادية وتغير الخرائط
تتصل ترتيبات الأمن بالمنافسة على طرق التجارة والطاقة. فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا مشروع متعدد الأطراف، تضمنت مذكرة التفاهم المؤسسة له عام 2023 تصورًا للربط البحري والسككي وشبكات الطاقة والاتصال، مع ذكر الأردن ضمن مسار انتقال السلع.[8] ويعكس مقال لغاليا ليندنشتراوس في “إسرائيل هيوم”، منشور في تموز 2026، قلقًا إسرائيليًا من مسارات إقليمية قد تتجاوز إسرائيل، ويناقش إمكان استفادتها من تطوير الربط عبر الأردن وسوريا.[9] ويدل هذا النقاش على تنافس قائم حول موقع إسرائيل في الشبكات المقبلة، ويبقى الحكم على مستقبل الممر مرهونًا بمؤشرات التمويل والاتفاقات التنفيذية والبنية التحتية.
تتمثل المصلحة الأردنية في تطوير بنية تخدم أكثر من مسار: ربط فعّال بين العقبة والمراكز الصناعية والحدود، وإجراءات عبور متوقعة، وخدمات تخزين وتصنيع وإعادة تصدير. ويتيح ذلك الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل المملكة، ويقلل أثر تعثر أي مشروع إقليمي بعينه. وتستدعي هذه التحولات لقاءات عربية عربية تحدد المصالح المشتركة في خرائط الطاقة والممرات اللوجستية قبل أن تُرسم من خارج المنطقة.
سادسًا المسارات المحتملة ومؤشرات متابعتها
يمتد أفق هذه المسارات من ستة إلى اثني عشر شهرًا. وهي تقديرات مشروطة قد تتداخل، ويتغير ترجيحها مع قرارات الأطراف والتطورات الميدانية. وترجّح الورقة المسار الأول، لأن أدوات الضغط المتدرج قابلة للاستمرار بكلفة سياسية أقل من التحول الشامل، مع إبقاء الاستعداد للمسار الثاني أولوية بسبب ارتفاع كلفته المحتملة.
استمرار الضغط المتدرج
تستمر إجراءات الاستيطان والقيود على الحركة وإضعاف الموارد الفلسطينية، مع احتواء الجبهات بدرجات متفاوتة. ويتعرض الأردن لضغوط متقطعة في الملفات السياسية والمائية، بينما تبقى قنوات الاتصال قائمة. ويتسق هذا المسار مع قدرة الأطراف على تغيير الواقع بخطوات متفرقة، وتجنب تبعات مواجهة واسعة دفعة واحدة.
ترتفع احتمالاته مع تتابع القرارات الإدارية والميدانية دون إجراءات دولية فعالة لوقفها، واستمرار النزوح المحلي، وتراجع قدرة المؤسسات الفلسطينية على تقديم الخدمات. ويقتضي التعامل معه تمويلًا مستدامًا للصمود، ومتابعة شهرية للتغير في السكان والأرض والموارد، وتحركًا دبلوماسيًا يرتبط بكل إجراء ذي أثر ملموس.
تصعيد واسع تتداخل فيه الجبهات
قد يدفع انهيار أمني أو قرار سياسي كبير إلى موجة نزوح أوسع، أو إلى توسيع العمليات في جنوب سوريا، بالتزامن مع اضطراب الملاحة والطاقة. وتتضاعف كلفة هذا المسار على الأردن إذا اجتمعت الضغوط على الحدود مع تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار.
تتمثل إشارات الإنذار في إخلاءات واسعة، وانقطاع ممتد للخدمات، وحشد عسكري غير معتاد، وتغيير قواعد السيطرة على المعابر أو الموارد، وتهديدات رسمية تتبعها استعدادات تشغيلية. ويحتاج الأردن في هذه الحالة إلى تفعيل خطط الاستجابة الوطنية، وتأمين الإمدادات الأساسية، وتنسيق تحرك عربي ودولي سريع، مع إدارة اتصال عام تحدّ من الشائعات وتحافظ على الثقة.
احتواء جزئي وتفاهمات محدودة
قد تؤدي الضغوط الدولية أو الحسابات الانتخابية أو ارتفاع كلفة الحرب إلى تهدئة بعض الجبهات، أو تخفيف إجراءات معينة، أو تفاهم أمريكي إيراني محدود. ويتيح ذلك مجالًا لتحسين ظروف الحياة الفلسطينية وتوسيع التحرك الأردني، مع بقاء النزاع حول الأرض والسيادة قائمًا.
يرتفع ترجيح هذا المسار حين تعقب التفاهمات إجراءات قابلة للرصد، كعودة الخدمات، وتراجع الاعتداءات والتهجير، واستعادة حرية الحركة، ووجود ضمانات أو آليات متابعة. وتتمثل الأولوية الأردنية في استثمار فترة التهدئة لتثبيت مكاسب قابلة للاستمرار، وتسريع مشروعات الحماية الاقتصادية والمائية، ومتابعة الفجوة بين التعهدات والتنفيذ.
سابعًا برنامج التحرك الأردني
تتحدد قيمة الخطاب الملكي بقدرة الدولة على تحويله إلى برنامج عمل وطني تشارك فيه الحكومة ومجلسا النواب والأعيان والأحزاب والإعلام، بتوزيع واضح للأدوار وجدول زمني قابل للمراجعة. ويقوم هذا البرنامج على أربعة محاور متصلة: تمتين النسيج الاجتماعي الأردني، ووضع خطط بديلة للأمن المائي، وتوسيع التواصل مع أوروبا والخليج وبقية العالم، وتعزيز منظومة حماية الأردن. وتقترح الورقة أن يبدأ العمل خلال شهر من اعتماده، ويُراجع بعد تسعين يومًا، ثم يخضع لتقييم نصف سنوي، مع إشراف حكومي على التنسيق ودور رقابي فاعل للبرلمان.
من “الفزعة” إلى العمل المستدام
يقتضي نجاح البرنامج إنهاء “عقلية الفزعة” التي تختزل الاستجابة في موجة حماسة عابرة، واعتماد مقاربة مستدامة تتناسب مع استمرارية السياسات الإسرائيلية وطول نفسها. ويتطلب ذلك آلية حكومية مشتركة تعدّ خلال الشهر الأول تقديرًا موحدًا لتطورات الضفة الغربية وجنوب سوريا والمياه وتداعياتها الاقتصادية، وتحدد مسبقًا المؤشرات التي تنقل الملف من المراقبة إلى الاستجابة. وفي ملف المياه تحديدًا، تُعدّ وزارة المياه والري خلال ستين يومًا تقييمًا تشغيليًا لأثر أي اضطراب في الإمدادات ومدة التعويض الممكنة، يتبعه تمرين لاختبار البدائل وجدول للمشروعات العاجلة.
تثبيت خطاب الدولة واستثمار الإجماع الوطني
تحتاج المرحلة إلى تثبيت خطاب الدولة في السجال الداخلي، وفق ما عبّر عنه الملك والملكة ووزير الخارجية، مع الاعتراف بحق أصحاب الآراء الأخرى في التعبير عنها دون نسبتها إلى الدولة. ويوفر الإجماع الوطني الذي أعقب الخطاب، بما فيه موقف المعارضة الإسلامية، قاعدة لتأسيس مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، ولمواجهة الخطاب الإسرائيلي الذي يستهدف تماسك الأردن الديموغرافي والاجتماعي. ويُترجم ذلك في لقاءات دورية بين الحكومة واللجان البرلمانية والأحزاب وممثلي القطاعات الاقتصادية، ومسار منظم لتصحيح المعلومات المتعلقة بالهوية وفك الارتباط والوصاية استنادًا إلى الوثائق المعلنة، وتقدير لأثر الأزمات على معيشة الفئات الأكثر تعرضًا.
استراتيجية أردنية لما يجري غربي النهر
يحتاج الأردن إلى استراتيجية خاصة للتعامل مع التحولات الجارية غربي النهر، تبدأ بتعريف “دعم الصمود الفلسطيني” تعريفًا عمليًا، وتبني له برنامجًا قابلًا للتمويل والقياس. وتعمل وزارتا الخارجية والتخطيط، بالتنسيق مع الجهات الفلسطينية المختصة والشركاء العرب والدوليين، على تحديد تدخلات خلال تسعين يومًا تشمل استمرار الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم سبل العيش، والمساندة القانونية للتجمعات المهددة، وتيسير الوصول إلى الأسواق. ويُقاس الأثر باستمرار الأسر والمؤسسات في مواقعها، وانتظام التمويل ووصوله إلى المستفيدين.
وتنطلق هذه الاستراتيجية من قراءة واقعية للمشهد الإسرائيلي، تتجنب المراهنة على تغيير الحكومة في إسرائيل، وتتحصن من خطاب “الاستيطان اللطيف” و”التهجير الذكي” الذي قد يحمله خصوم نتنياهو. وتتضمن رفضًا قاطعًا لـ”الخيار الأردني” بأي صيغة جاء، لأنه فخ للأردن وللفلسطينيين معًا، ومدخل لفتنة داخلية. وتحدد وزارة الخارجية خلال شهر حزمة مطالب للتواصل مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، يتصل كل منها بملف محدد، كحماية تجمعات فلسطينية بعينها، أو استدامة تمويل المؤسسات، أو منع الإضرار بالأمن المائي، وتُراجع الاستجابة كل ثلاثة أشهر.
الانخراط الإقليمي وبناء نموذج عربي
على المستوى الإقليمي، توصي الورقة بالانخراط في اتفاق مكة، والدفع نحو تحويله إلى قيادة عسكرية مشتركة وتصورات استراتيجية مشتركة ونموذج عربي أوسع، بالتنسيق مع مصر ودول الخليج. وتُنجز الجهات المختصة خلال ثلاثة أشهر تقييمًا لمجالات الانضمام والتعاون الممكنة، يحدد الفائدة والالتزام والكلفة في كل خيار، ويرفع توصيات قابلة للتنفيذ التدريجي. وبالتوازي، يدفع الأردن نحو لقاءات عربية عربية لتحديد المصالح المشتركة في المرحلة المقبلة، بما فيها خرائط الطاقة والممرات اللوجستية، فيما تراجع وزارات النقل والصناعة والتجارة والتخطيط مشروعات الربط ذات الأولوية، مع إعطاء وزن لقدرتها على خدمة أكثر من مسار تجاري.
التقدير الختامي
جاء خطاب الملك في الأمم المتحدة بمواقف أردنية معروفة، في اللحظة المناسبة وباللغة المناسبة. فنقض الرواية الإسرائيلية أمام العالم، وحسم داخليًا مسألتين: التهجير القسري في الضفة الغربية، والتهديد الإسرائيلي للأمن المائي الأردني عبر الجنوب السوري. وتبدأ المهمة التالية بتقدير دقيق لما يتغير على الأرض، ثم ربط أدوات السياسة الخارجية بالقدرة على حماية المياه والحدود والاقتصاد. ويوفر دعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم مجالًا تلتقي فيه المصلحة الوطنية الأردنية مع الدفاع عن حقهم في تقرير المصير.
ما بعد الخطاب يُكتب في عمّان، بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل لحظة الإجماع إلى استراتيجية، ويُكتب في العواصم العربية، بقدرتها على تحويل اتفاق مكة من إطار مؤسسي ناشئ إلى نموذج إقليمي فاعل. وسيكون الاختبار خلال الأشهر المقبلة في مقدار ما ينخفض من قابلية الأردن للضغط، وما يتحسن من شروط الصمود الفلسطيني، وما يتحقق من تنسيق عربي يحفظ للمملكة قدرتها على الاختيار. فالمشروع الإسرائيلي في الضفة قرار سياسي قابل للمواجهة، والمصالح العربية تحتاج بدورها إلى قرار يحولها إلى واقع.
المصادر والإحالات
[1] الديوان الملكي الهاشمي، خطاب الملك عبدالله الثاني أمام المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، 22 أيلول 2026، النص الرسمي باللغة الإنجليزية.
[2] مركز عدالة، بيان بشأن قرارات لجنة الانتخابات المركزية بشطب القوائم العربية ومرشحين، 23 أيلول 2026. المصدر يمثل القوائم والمرشحين في إجراءات الطعن.
[3] وكالة الأناضول، “إدارة أردنية بالضفة.. مقترح ليبرمان يثير غضب اليمين الإسرائيلي”، 23 أيلول 2026.
[4] مارتن إنديك، “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن الدبلوماسية في الشرق الأوسط”، نيويورك: كنوبف، 2021، بعنوان Master of the Game.
[5] وكالة البوصلة، “الخوالدة: حزب الأمة خلف القوات المسلحة الأردنية ويده مفتوحة لمكونات العمل الوطني”، 19 أيلول 2026.
[6] الملك الحسين بن طلال، خطاب فك الارتباط، 31 تموز 1988، محفوظ في الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، نقلًا عن “شؤون فلسطينية”، العدد 185، آب 1988، ص 139–142.
[7] وزارة الخارجية السعودية، “بيان مشترك صادر عن اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لاتفاق مكة للدفاع المشترك”، بشأن اجتماع إسطنبول في 31 آب 2026.
[8] مذكرة تفاهم بشأن مبادئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، 2023، النص المحفوظ في أرشيف البيت الأبيض.
[9] غاليا ليندنشتراوس، “على إسرائيل تحويل تجاوزها في التجارة الإقليمية إلى فرصة”، إسرائيل هيوم، 2 تموز 2026، مقال رأي بعنوان Israel must turn regional trade bypass into opportunity.


