بين الانتخابات الأميركية والإسرائيلية: حسابات الحرب وفرص الصفقة

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاستحقاقات الانتخابية والتحولات الجيوسياسية، في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولم تعد احتمالات تجدد الحرب مرتبطة حصراً بالبرنامج النووي الإيراني أو بالتهديدات الأمنية المتبادلة، بل باتت تتصل بمشروع أوسع لإعادة ترتيب النظام الإقليمي، وتحديد مواقع القوى الرئيسية فيه، وإعادة رسم التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز إسرائيل بوصفها الطرف الأكثر اندفاعاً نحو تغيير المعادلات القائمة، فيما تتحرك قوى إقليمية أخرى لبناء تفاهمات وتحالفات تسعى من خلالها إلى منع اختلال التوازن الاستراتيجي لمصلحة تل أبيب.
تقوم المقاربة الإسرائيلية على اعتبار المواجهة مع إيران مدخلاً لإعادة تشكيل المنطقة، وليس مجرد عملية عسكرية تستهدف إضعاف قدراتها النووية والصاروخية. ويعكس الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجهاً يتجاوز احتواء التهديد الإيراني إلى محاولة تغيير طبيعة النظام الحاكم في طهران، وتقليص نفوذ القوى المرتبطة بها، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان.
ووفق هذه الرؤية، فإن إضعاف إيران أو إخراجها من معادلة التوازن الإقليمي من شأنه أن يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتوسيع نفوذها وفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، بما يشمل توسيع اتفاقات التطبيع وإعادة تحديد العلاقات بين دول المنطقة.
غير أن هذا المشروع يواجه تحولات مقابلة في البيئة الاستراتيجية الإقليمية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة اتجاهاً نحو تعزيز التنسيق بين السعودية وتركيا وباكستان، ضمن ما يُعرف باتفاق مكة، بالتوازي مع الإعلان عن ميثاق بدر الدفاعي الذي يجمع قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا.
وتكتسب هذه الترتيبات أهميتها من محاولة الانتقال بالتعاون السياسي إلى مجالات التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا والتدريب وتطوير القدرات العسكرية، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي ومكافحة التهديدات غير التقليدية. وعلى الرغم من أن هذه التفاهمات لا تعني بالضرورة قيام تحالف عسكري موحد، فإنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى الدول المشاركة لضرورة تنويع شراكاتها الدفاعية وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات الإقليمية دون الارتهان الكامل للضمانات الخارجية.
وتحتل تركيا موقعاً محورياً في هذه المعادلة، بالنظر إلى اتساع حضورها العسكري والسياسي في سوريا وشرق المتوسط والقرن الأفريقي. وفي المقابل، تعمل إسرائيل على تعزيز علاقاتها مع اليونان وقبرص والهند والإمارات، ضمن شبكة من الشراكات التي تمنحها أدوات إضافية لموازنة النفوذ التركي. ويظهر التنافس بصورة خاصة في شرق المتوسط، حيث تسعى أنقرة إلى تثبيت موقعها في معادلات ترسيم الحدود البحرية والطاقة، مستفيدة من تفاهماتها مع ليبيا وانفتاحها على القوى الموجودة في شرق البلاد.
ولا تنحصر أهمية هذه التحركات في ملف الغاز، بل تمتد إلى طرق نقل الطاقة والربط الكهربائي والكابلات البحرية، وما يرتبط بها من مصالح اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.
ويكشف هذا التنافس أن المنطقة تتجه تدريجياً نحو تعددية في مراكز القوة، بدلاً من انتظامها في محورين متقابلين بصورة ثابتة. فالسعودية، على سبيل المثال، تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وشراكاتها الإقليمية، مع المحافظة على علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة. كما تحاول مصر تجنب الانخراط في استقطابات عسكرية مفتوحة، مع حماية مصالحها في البحر الأحمر وشرق المتوسط. أما قطر، فتواصل الجمع بين الوساطة الدبلوماسية وتطوير شراكاتها الدفاعية. ومن ثم، فإن التفاهمات الناشئة لا ينبغي قراءتها باعتبارها اصطفافاً نهائياً ضد إسرائيل، بقدر ما تعكس سعياً إلى بناء أدوات توازن تمنع أي قوة منفردة من احتكار القرار الأمني الإقليمي.
في موازاة ذلك، تضيف الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي عاملاً مؤثراً في حسابات الحرب والتفاوض. فنتنياهو يسعى إلى المحافظة على صورته باعتباره القائد الأقدر على مواجهة التهديدات الوجودية، فيما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب معادلة أكثر تعقيداً، تتصل بكلفة الحرب وانعكاساتها على أسعار الطاقة والأسواق العالمية والمزاج الانتخابي الأميركي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التصعيد العسكري والإعلامي بوصفه جزءاً من إدارة الضغوط على إيران، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً انتخابية داخلية. ومع ذلك، لا يكفي تزامن الاستحقاقات الانتخابية مع التحشيد العسكري للاستنتاج بأن قرار الحرب قد اتُّخذ، أو أن توقيته يخضع حصراً لمصالح نتنياهو الانتخابية.
وتعكس المشاورات العسكرية الأميركية الإسرائيلية مستوى مرتفعاً من التنسيق، خصوصاً في ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة لاستهداف المنشآت النووية والبنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية. لكن الانتقال من إعداد الخيارات العملياتية إلى تنفيذها يظل مرتبطاً بحسابات البيت الأبيض، وبمدى الاستعداد لتحمل تداعيات مواجهة قد تتجاوز الحدود الإيرانية.
فإيران تمتلك القدرة على توسيع نطاق الرد عبر استهداف المصالح العسكرية والاقتصادية الأميركية وحلفائها، أو التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما يمكن أن يؤدي انخراط القوى المتحالفة معها إلى فتح جبهات إضافية في لبنان واليمن والعراق.
ولهذا السبب، تبدو المفاوضات والوساطات الجارية محاولة لإدارة المرحلة الفاصلة بين الردع والمواجهة المباشرة. وتبرز في هذا السياق أدوار قطر وباكستان وروسيا، إلى جانب التحركات الدبلوماسية الأوروبية والإقليمية الرامية إلى منع الانزلاق نحو حرب واسعة. غير أن فرص التوصل إلى تسوية تبقى مرتبطة بطبيعة التنازلات المطلوبة من طهران، ومدى استعداد واشنطن لقبول اتفاق لا يحقق جميع الأهداف الإسرائيلية.
وتواجه إيران بدورها معضلة استراتيجية بين المحافظة على قدراتها التفاوضية والعسكرية وتجنب مواجهة قد تهدد استقرار مؤسسات الدولة. ولذلك، فإن استمرار التفاوض لا ينفي احتمالات التصعيد، كما أن التحضيرات العسكرية لا تجعل الحرب نتيجة حتمية.
ويكتسب البحر الأحمر ومضيق باب المندب أهمية خاصة ضمن هذه الحسابات، بعدما تحولت حرية الملاحة وأمن إمدادات الطاقة إلى عنصر أساسي في الصراع. فأي مواجهة واسعة في اليمن أو الخليج ستنعكس مباشرة على التجارة الدولية وأسعار النفط وكلفة النقل والتأمين، وهو ما يفسر اهتمام القوى الأوروبية والآسيوية بتطورات الأزمة. كما أن توسيع العمليات العسكرية في الممرات البحرية قد يدفع دولاً إقليمية إلى الانخراط في ترتيبات أمنية لا تتطابق بالضرورة مع خياراتها السياسية تجاه إيران أو إسرائيل.
أما لبنان وسوريا، فيمثلان الساحتين الأكثر تعرضاً للانعكاسات المباشرة لأي تغيير في المعادلة الإيرانية. ففي لبنان، تسعى إسرائيل إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، من خلال توسيع نطاق السيطرة الميدانية والضغط على الدولة اللبنانية في ملف سلاح حزب الله.
وتتقاطع هذه الضغوط مع توترات داخلية مرتبطة بالتحقيقات الأمنية واحتكار الدولة للسلاح، ما يرفع مخاطر انتقال المواجهة من المستوى الإقليمي إلى الداخل اللبناني. وتكمن الخطورة في أن أي تصعيد إسرائيلي جديد قد يضع مؤسسات الدولة أمام تحديات متزامنة تتعلق بالأمن الداخلي والانتشار العسكري والاستقرار السياسي.
وفي سوريا، يرتبط التنافس الإسرائيلي بمستقبل الجنوب السوري، ولا سيما السويداء ودرعا والقنيطرة. فالمخاوف من توسيع التدخل الإسرائيلي أو استثمار الانقسامات المحلية لا تنفصل عن محاولة الحد من قدرة دمشق على استعادة سيادتها وبناء دور إقليمي مستقل، كما أن استمرار التوتر في الجنوب السوري قد يفتح مساحات إضافية للتنافس بين إسرائيل وتركيا، ويؤثر في مسارات التجارة والطاقة والربط الإقليمي.
في المحصلة، لا يتوقف مستقبل الشرق الأوسط على اندلاع حرب جديدة مع إيران أو تجنبها، بل على طبيعة التوازن الذي سينشأ بعد هذه المرحلة. فإذا اندلعت الحرب، فإن نتائجها لن تكون مضمونة، وقد تنتج اضطرابات أوسع من الأهداف التي يسعى مخططوها إلى تحقيقها.
أما إذا نجحت الوساطات في منعها، فسيستمر التنافس على النفوذ والتحالفات والممرات الاستراتيجية بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة، وفي الحالتين، تبدو المنطقة أمام انتقال تدريجي من نظام إقليمي قائم على المظلة الأميركية والتحالفات التقليدية إلى بيئة أكثر تعقيداً، تتعدد فيها مراكز القوة وتتداخل فيها الشراكات والخصومات. وسيكون التحدي الأساسي أمام الدول الإقليمية هو تحويل تفاهماتها الناشئة إلى توازنات مستقرة، تمنع فرض ترتيبات أحادية وتحدّ من احتمالات تحول المنافسة الاستراتيجية إلى حروب مفتوحة.