خبيرة في الشأن الإيراني: أي تغيير في إيران سيكون “من الداخل”، وبمباركة الحرس الثوري والمؤسسة الدينية

تعكس الجلسة الحوارية المطولة التي شاركت فيها د. فاطمة الصمادي، الباحثة في مركز الجزيرة للدراسات، عبر الزووم بعنوان " احتجاجات إيران وسؤال الاستقرار السياسي: العوامل والمسارات" (بتاريخ 19 كانون الثاني 2026 ) إلى جانب نخبة من الباحثين والخبراء، لحظة سياسية وإستراتيجية استثنائية تمر بها إيران والمنطقة بأسرها في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة، وتصاعد المواجهة الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. تعتبر د. فاطمة الصمادي من أبرز الباحثين العرب المتخصصين في الشأن الإيراني، وقد عملت منذ سنوات طويلة في هذا الحقل البحثي، ولها العديد من الكتب والمساهمات المعرفية في هذا المجال، منها كتابها عن التيارات السياسية في إيران، وكتابها العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة، وكتابها "نقد الذات: آية الله حسين علي منتظري.. في حوار نقد ومكاشفة للتجربة الإيرانية". في هذه الجلسة تكشف الصمادي عن تحولات مهمة في الاجتماع السياسي الإيراني تتمثّل في انتقال الاحتجاجات من المدن إلى الأطراف والأرياف، وبالرغم من إقرارها بوجود أزمة داخلية إيرانية، إلاّ أنّ الخلاصة المهمة التي تؤكد عليها الباحثة الأردنية في الشأن الإيراني تتمثل في أنّ التغيير إذا حدث سيكون من داخل النظام وليس من خارجه، وأي تغيير خارجي سيكون مرفوضاً من قبل التيارات السياسية الإيرانية، وحتى من الشارع الإيراني، وكلما شعر الإيرانيون أن الاحتجاجات قد تنقلب إلى فوضى وعنف وانهيار للدولة يتراجعون، كما حدث في مرات عدة قبل ذلك.. في التقرير التالي أبرز الأفكار والخلاصات التي قدمتها الصمادي في الجلسة الحوارية..

طبيعة الاحتجاجات والتحولات الداخلية في إيران

لا يمكن قراءة الاحتجاجات في إيران، رغم تكرارها منذ عام 2009، كحركة إسقاط نظام، بل كحالة ضغط إصلاحي واسع النطاق تسعى إلى إعادة توزيع السلطة والثروة وتحقيق عدالة تنموية أكبر. فشعار “إسقاط النظام” ظل حاضرًا تاريخيًا في محطات محدودة، لكنه لم يتحول يومًا إلى خيار اجتماعي جامع. وقد أظهرت التجارب السابقة، كما في 2009، أن المجتمع الإيراني ينكفئ عندما تنزلق الاحتجاجات إلى الفوضى أو المساس بالممتلكات العامة، نتيجة حساسية ثقافية عالية تجاه النظام العام والدولة.

لذلك يمكن القول بأنّ القراءة الغربية التي تراهن على انهيار النظام عبر الاغتيالات أو الضربات العسكرية أخطأت مرارًا في فهم الشخصية الإيرانية، إذ إن أي استهداف خارجي يعيد استنهاض الموروث القومي والحضاري، ويحوّل الصراع إلى معركة وجودية توحّد المجتمع حول الدولة بدل تفكيكه.

المدن والأطراف وتغير الجغرافيا الاجتماعية للاحتجاج

أحد التحولات الجوهرية تتمثّل  في انتقال مركز الثقل الاحتجاجي جزئيًا من المدن الكبرى إلى الأطراف والمناطق الحدودية، خصوصًا منذ احتجاجات مهسا أميني. فقد شهدت مناطق الأقليات، مثل كردستان وبلوشستان وخوزستان، انخراطًا أوسع في الاحتجاجات، ما يعكس تراكب البعد الاجتماعي مع البعد الإثني والتنموي، ذلك أن غياب العدالة في توزيع التنمية وتفاوت الخدمات بين المركز والأطراف يمثل تحديًا بنيويًا للدولة الإيرانية، لا يمكن اختزاله في سوء إدارة اقتصادية فقط.

بنية النظام وآليات التغيير الممكن

من زاوية أخرى لا تعاني  إيران انقسامًا داخليًا يهدد بقاء الدولة، بل تشهد نقاشًا داخليًا حول شكل النظام ومستقبله. فحتى شخصيات إصلاحية تاريخية، مثل محمد خاتمي، تراجعت عندما شعرت أن بنية الجمهورية الإسلامية مهددة. ويعكس ذلك وجود توافق ضمني بين النخب المختلفة على أولوية بقاء الدولة، حتى مع الاختلاف حول شكلها.

وفقاً لما سبق فإنّ أي تغيير في إيران سيكون “من الداخل”، وبمباركة الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، اللذين يمثلان ركيزتي النظام. وفي هذا السياق ثمة سيناريوهات مطروحة لتعديل بنية الحكم، من بينها توسيع صلاحيات الرئاسة، أو اعتماد قيادة جماعية، أو إعادة منصب رئيس الوزراء، لكنها جميعًا تبقى رهينة توازنات القوة داخل النظام.

المؤسسة الدينية والحرس الثوري

برز في النقاش التأكيد على أن الحوزة الدينية في قم ليست كتلة واحدة، بل تضم أطيافًا متعددة من المؤيدين والمعارضين لولاية الفقيه، لكنها تلتقي عند رفض أي استهداف خارجي لرمزية الدولة، وعلى رأسها المرشد الأعلى. أما الحرس الثوري، فقد شهد تحولًا جيليًا مهمًا، مع صعود جيل خامس أكثر قومية وجرأة، وأشد استعدادًا للمواجهة، ما يزيد من احتمالات ردود فعل عنيفة في حال التصعيد.

الموقف الإقليمي والتحول بعد حرب غزة

بخصوص الموقف الإقليمي من إيران  فقد شهد تحولًا نوعيًا بعد الحرب على غزة. فدول عربية وتركيا باتت تدرك أن استهداف إيران سيؤدي إلى فراغ إستراتيجي تستفيد منه إسرائيل، ما يعزز هيمنتها الإقليمية. ومن هنا، برز اتجاه إقليمي—غير معلن غالبًا—يفضّل احتواء إيران على انهيارها، انطلاقًا من حسابات كلفة–منفعة لا من تقارب أيديولوجي، وتفرض الجغرافيا نفسها على الجميع، فالدول الأصيلة في التاريخ لا يمكن استبدالها بكيانات طارئة دون ثمن إقليمي فادح، ما يعيد الاعتبار لفكرة الحوار العربي–الإيراني كخيار إستراتيجي طويل الأمد.

إدارة المواجهة والردع في المنطقة الرمادية

ما تزال إيران تدير الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة ضمن منطق “المنطقة الرمادية”، مستفيدة من تجربة طويلة في الردع غير المباشر. لكنها أي ضربة واسعة لإيران ستؤدي إلى رد إقليمي شامل قد يطال حلفاء واشنطن وتل أبيب في المنطقة، إذ تعكف إيرا حاليًا على إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية، مع تركيز متزايد على التكنولوجيا، والحرب السيبرانية، وتعطيل البنى التحتية، بدل المواجهة التقليدية.

النقاش حول تغيير السياسة الخارجية والهوية الأيديولوجية

من أكثر القضايا حساسية مسألة الطروحات التي تدعو إلى إعادة تعريف السياسة الخارجية الإيرانية على أساس “المصلحة الوطنية البحتة”، بما في ذلك تقليص الدعم لمحور المقاومة، وربط العلاقة بالحلفاء بالعائد الاقتصادي، إنّ هذا الطرح يهدد الهوية التأسيسية للجمهورية الإسلامية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي تشكل أحد أعمدة الخطاب الإيراني المضاد للاستعمار.

المعارضة الخارجية وحدود الرهان الغربي

في هذا السياق فإنّ الرهان على المعارضة الخارجية، بما في ذلك نجل الشاه، هو رهان خائب إذ تفتقر إلى الشرعية والقاعدة الاجتماعية داخل إيران، والغرب نفسه يدرك أن أي بديل قابل للحياة يجب أن ينبثق من داخل النظام لا من خارجه، وهنالك تدخلات خارجية في الاحتجاجات الأخيرة، هدفت إلى دفع البلاد نحو الفوضى لا التغيير السياسي المنظم.

إيران في قلب إعادة تشكيل الإقليم

رغم الضغوط المتعددة، لا تزال إيران تمتلك مرونة سياسية ومجتمعية عالية، وتتجه نحو تغيير تدريجي، تفاوضي، ومن داخل النظام، لا نحو انهيار مفاجئ. وفي السياق الأوسع، لا يمكن فصل مستقبل إيران عن مستقبل الإقليم، حيث تتداخل مسارات غزة وسوريا ولبنان والعراق والأردن في لحظة إعادة تشكيل كبرى، تقودها أجندات متصارعة، تتقدمها الأجندة الإسرائيلية في ظل تآكل النظام الدولي القائم. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمصير إيران وحدها، بل بمصير المنطقة بأكملها.

زر الذهاب إلى الأعلى