العشائر الأردنية المسيحية؛ حضور متجذر وإسهام أصيل في تشكّل المجتمع الأردني الحديث(2-2)

تمنحنا الوثيقة العثمانية أرقاماً وأسماء قرى ومساحات أراضٍ وأنواع محاصيل، لكنها لا تبوح بكل ما كان يجري وراء تلك الأرقام. فهي تخبرنا عن الأسر وموارد عيشها، ولا تقول ما يكفي عن البيت والمضافة والمناسبات والتكافل، وعن حركة الناس بين البلدة والأرض، أو عن الأعراف التي نظمت شؤون العشائر وعلاقاتها.
هنا، تكتسب كتب الرحالة وشهادات رجال الدين والباحثين أهميتها. فهذه المصادر ليست سجلات إدارية، وأرقامها تقديرية، ومشاهداتها محكومة، أحياناً، بخلفيات أصحابها وأغراض رحلاتهم. لكنها تمنح الوثيقة وجهاً إنسانياً، وتعيد الناس إلى المشهد، بما عاشوه من تفاصيل لا تتسع لها دفاتر الضرائب.
عندما وصل يوهان لودفيغ بوركهارت إلى السلط سنة 1812، قدّر عدد المسيحيين فيها بنحو ثمانين أسرة من الروم الأرثوذكس، وسجّل وجود كنيسة صغيرة مكرسة للعذراء، يخدمها كاهنان. ووصف البلدة وعيونها وبساتينها وأراضيها الزراعية، وما تنتجه من حبوب وعنب وزبيب، وحركة أهلها بين المدينة وحقولهم.
وأهمية هذه التفاصيل أنها تمنح الرقم معناه الاجتماعي؛ فأمامنا أسر فاعلة، لها كنيسة وكهنة، وتشارك في اقتصاد زراعي وتجاري مرتبط بالأرض والمواسم. ولم تكن علاقة أهل السلط بالمكان محصورة بالبيوت داخل البلدة؛ إذ ارتبطت أسر كثيرة بأراضٍ ومواقع زراعية تقصدها موسمياً، ثم أخذ بعضها، مع الزمن، يكتسب طابع التجمعات الأكثر استقراراً.

وقبل وصوله إلى السلط، جاب بوركهارت جبال عجلون، ومرّ بعين جنة في أيار سنة 1812، فوصف خصوبة واديها وينابيعه وبساتين الزيتون التي شكلت مورداً رئيسياً لأهلها. وقدّر عدد أسر القرية بنحو ثمانين أسرة، بينها عدد من الأسر المسيحية. ثم وصل إلى الحصن، إحدى أبرز قرى بني عبيد، وقدّر أسرها بأكثر من مئة أسرة، منها نحو خمس وعشرين أسرة مسيحية أرثوذكسية.
وتتسع هذه الخريطة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع رحلة القس فريدريك أوغست كلاين سنة 1868، وما تضمنته مادته من إشارات إلى التجمعات المسيحية في شمال الأردن، وإلى شبكة القرى التي توزعت فيها الحياة الزراعية والاجتماعية. وترد في هذا السياق أسماء راجب وبرما والجزازة والكِتّة ومقبلة والوهادنة وحلاوة وسوف وريمون وساكب وعين جنة وعنجرة وكفرنجة ودبين، فضلاً عن إربد وعجلون وعرجان وجديتا وصمد وإيدون والنعيمة وشطنا والصريح وتبنة وغيرها.

وفي العقود التالية، تتكرر الشهادات؛ حيث قدّر سيلاه ميريل، الذي مرّ بالحصن سنة 1877، عدد أسرها المسيحية الأرثوذكسية بنحو سبعين أسرة. أما لورنس أوليفانت، الذي زار عجلون سنة 1879، فقدّر سكان البلدة بنحو خمسمئة نسمة، وذكر أن المسيحيين يشكلون قرابة ثلاثة أرباعهم. وهي تقديرات لا تقوم مقام الإحصاء، لكنها، عند مقارنتها بغيرها من الشواهد، تؤكد اتساع الحضور المسيحي وتنوع مواقعه في شمال الأردن.
ولم يقتصر أوليفانت على أعداد السكان، بل روى واقعة تتعلق بخلاف بين مسيحيي عجلون ومسيحيي كفرنجة، حضر في سياقها أحد وجهاء العشيرة المسيحية في كفرنجة أمام القائمقام سعياً إلى تسوية النزاع. وفي هذه الإشارة ملمح من حضور العشائر ووجهائها في التعامل مع الإدارة المحلية وأعراف الصلح والمسؤولية.
وفي الكرك، قدّر بوركهارت عدد المسيحيين بنحو مئة وخمسين أسرة، وسجّل وجود كنيسة مكرسة للقديس جرجس، أو الخضر، كانت قد جُددت قبل زيارته بمدة غير بعيدة. وأشار إلى أن رجال الجماعة كانوا قادرين على توفير نحو مئتين وخمسين بندقية، وروى حادثة تعرضت فيها ماشية جماعة مسيحية، كانت تقيم في مخيم يبعد نحو ساعة عن المدينة، لغارة، فخرج عدد من شبانها لاستردادها.
وسجّل بوركهارت أيضاً وجود مضافتين مسيحيتين من أصل ثماني مضافات في الكرك، كانت تؤدي وظيفة الضيافة واستقبال المسافرين. وتحدث عن تكفل أهل البلدة بإطعام الضيف ومن يرافقه، وتقديم الذبائح والشعير لدوابه. وفي هذه الصورة ما هو أبعد من وصف الكرم؛ فهي تكشف انخراط العشائر المسيحية في مؤسسة اجتماعية أصيلة، هي المضافة، وما ارتبط بها من مكانة وواجبات وعلاقات بين الناس.
ومع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تتغير طبيعة الشهادة نفسها. فإلى جانب الرحالة العابرين، يظهر رجال دين وباحثون أقاموا في المنطقة أو عادوا إليها مراراً، وأتقن بعضهم العربية، وأتيح لهم الاقتراب من الحياة المحلية بتفاصيل أكثر عمقاً. ومن أبرزهم الأب الدومينيكاني أنطونان جوسان، المرتبط بالمدرسة الكتابية والآثارية الفرنسية في القدس.

بدأ اهتمام جوسان بالآثار والنقوش، ثم اتسع إلى دراسة المجتمع المحلي وأعرافه. وفي سنة 1908 أصدر كتابه «عادات العرب في بلاد مؤاب» (Coutumes des Arabes au pays de Moab)، وهو دراسة واسعة في العشيرة والأسرة والزواج والملكية والثأر والقضاء العشائري والاقتصاد والرعي والضيافة، تقوم على المشاهدة وجمع الروايات المحلية.
ومن المواد اللافتة في الكتاب ملحق يتناول تاريخ عشيرة العزيزات المسيحية وخروجها من الكرك إلى مادبا. وتنبع أهميته من اقترابه زمنياً من الهجرة التي شهدتها العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ومن اعتماده على ذاكرة محلية كانت وقائع الانتقال والاستقرار لا تزال حاضرة فيها. وهو بذلك يكمل ما عرضناه في الجزء الأول عن نشوء مادبا الحديثة، بوصفه تحولاً عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً شاركت فيه عشائر مسيحية انتقلت من بيئتها الكركية إلى مركز جديد.
ولم يكن جوسان وحده في هذا الميدان. فقد سبقته رحلة كلاين في ستينيات القرن التاسع عشر، وكتب الأب بول ماري سيجورنيه سنة 1892 عن مادبا، وتناول موقعها وتاريخها وآثارها وحياة البلدة في زمانه. كما كتب الأب اليسوعي هنري لامنس عن مادبا في أواخر القرن نفسه، في مرحلة تصاعد الاهتمام العلمي بالمدينة وآثارها. وبرز كذلك ألويس موزيل، رجل الدين والباحث التشيكي، الذي بدأ رحلاته الميدانية في المنطقة في تسعينيات القرن التاسع عشر، ثم جمع جانباً واسعاً من أعماله في مؤلفه الكبير «الجزيرة العربية البترائية» (Arabia Petraea)، رابطاً بين الجغرافيا والطبوغرافيا والآثار والملاحظات الاجتماعية.

هكذا، تتضح الصورة أكثر بين وثيقة تحفظ الأعداد والمواضع، وشهادة تحفظ شيئاً من أصوات الناس وتفاصيل عيشهم؛ وبينهما يمتد تاريخ مجتمع صاغت عشائره، مسيحية ومسلمة، ملامحه المشتركة قبل أن تحمل هذه الجغرافيا اسم الدولة الأردنية الحديثة.

زر الذهاب إلى الأعلى